Ash-Shawkani · Tafsir · in Arabic
Ali 'Imran 3:26–34
3:26–27Page 53
قُلِ ٱللَّهُمَّ مَٰلِكَ ٱلۡمُلۡكِ تُؤۡتِي ٱلۡمُلۡكَ مَن تَشَآءُ وَتَنزِعُ ٱلۡمُلۡكَ مِمَّن تَشَآءُ وَتُعِزُّ مَن تَشَآءُ وَتُذِلُّ مَن تَشَآءُۖ بِيَدِكَ ٱلۡخَيۡرُۖ إِنَّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٞ ٢٦
Say, "O Allāh, Owner of Sovereignty, You give sovereignty to whom You will and You take sovereignty away from whom You will. You honor whom You will and You humble whom You will. In Your hand1 is [all] good. Indeed, You are over all things competent.
تُولِجُ ٱلَّيۡلَ فِي ٱلنَّهَارِ وَتُولِجُ ٱلنَّهَارَ فِي ٱلَّيۡلِۖ وَتُخۡرِجُ ٱلۡحَيَّ مِنَ ٱلۡمَيِّتِ وَتُخۡرِجُ ٱلۡمَيِّتَ مِنَ ٱلۡحَيِّۖ وَتَرۡزُقُ مَن تَشَآءُ بِغَيۡرِ حِسَابٖ ٢٧
You cause the night to enter the day, and You cause the day to enter the night; and You bring the living out of the dead, and You bring the dead out of the living. And You give provision to whom You will without account [i.e., limit or measure]."
قَوْلُهُ: قُلِ اللَّهُمَّ.
قالَ الخَلِيلُ وسِيبَوَيْهِ وجَمِيعُ البَصْرِيِّينَ: إنْ أصْلَ اللَّهُمَّ يا اللَّهُ، فَلَمّا اسْتُعْمِلَتِ الكَلِمَةُ دُونَ حَرْفِ النِّدا الَّذِي هو يا جَعَلُوا بَدَلَهُ هَذِهِ المِيمَ المُشَدَّدَةَ فَجاءُوا بِحَرْفَيْنِ وهُما المِيمانِ عِوَضًا مِن حَرْفَيْنِ وهُما الياءُ والألِفُ، والضَّمَّةُ في الهاءِ هي ضَمَّةُ الِاسْمِ المُنادى المُفْرَدِ.
وذَهَبَ الفَرّاءُ والكُوفِيُّونَ إلى أنَّ الأصْلَ في اللَّهُمَّ يا اللَّهُ أُمَّنا بِخَيْرٍ، فَحُذِفَ وخُلِطَ الكَلِمَتانِ، والضَّمَّةُ الَّتِي في الهاءِ هي الضَّمَّةُ الَّتِي كانَتْ في أُمَّنا لَمّا حُذِفَتِ الهَمْزَةُ انْتَقَلَتِ الحَرَكَةُ.
قالَ النَّحّاسُ: هَذا عِنْدَ البَصْرِيِّينَ مِنَ الخَطَأِ العَظِيمِ، والقَوْلُ في هَذا ما قالَهُ الخَلِيلُ وسِيبَوَيْهِ.
قالَ الكُوفِيُّونَ: وقَدْ يُدْخَلُ حَرْفُ النِّداءِ عَلى اللَّهُمَّ، وأنْشَدُوا في ذَلِكَ قَوْلَ الرّاجِزِ:
؎غَفَرْتَ أوْ عَذَّبْتَ يا اللَّهُمّا
وقَوْلَ الآخَرِ:
؎وما عَلَيْكَ أنْ تَقُولَ كُلَّما ∗∗∗ سَبَّحْتَ أوْ هَلَّلْتَ يا للَّهُمّا
وقَوْلَ الآخَرِ:
؎إنِّي إذا ما حَدَثٌ ألَمّا ∗∗∗ أقُولُ يا للَّهُمَّ يا للَّهُمّا
قالُوا: ولَوْ كانَ المِيمُ عِوَضًا مِن حَرْفِ النِّداءِ لَما اجْتَمَعَتا. قالَ الزَّجّاجُ: وهَذا شاذٌّ لا يُعْرَفُ قائِلُهُ. قالَ النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ: مَن قالَ: اللَّهُمَّ فَقَدْ دَعا اللَّهَ بِجَمِيعِ أسْمائِهِ.
قَوْلُهُ: ﴿مالِكَ المُلْكِ﴾ أيْ مالِكَ جِنْسِ المُلْكِ عَلى الإطْلاقِ، ومالِكَ مَنصُوبٌ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ عَلى أنَّهُ نِداءٌ ثانٍ، أيْ يا مالِكَ المُلْكِ، ولا يَجُوزُ عِنْدَهُ أنْ يَكُونَ وصْفًا لِقَوْلِهِ اللَّهُمَّ؛ لِأنَّ المِيمَ عِنْدَهُ تَمْنَعُ الوَصْفِيَّةَ.
وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ المُبَرِّدُ وإبْراهِيمُ بْنُ السَّرِيِّ الزَّجّاجُ: إنَّهُ صِفَةٌ لِاسْمِ اللَّهِ تَعالى، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى ﴿قُلِ اللَّهُمَّ فاطِرَ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ [الزمر: ٤٦] .
قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: وهو مَذْهَبُ المُبَرِّدِ، وما قالَهُ سِيبَوَيْهِ أصْوَبُ وأبْيَنُ، وذَلِكَ لِأنَّهُ اسْمٌ مُفْرَدٌ ضُمَّ إلَيْهِ صَوْتٌ والأصْواتُ لا تُوصَفُ نَحْوَ غاقْ وما أشْبَهَهُ.
قالَ الزَّجّاجُ: والمَعْنى مالِكُ العِبادِ وما مَلَكُوا، وقِيلَ: المَعْنى مالِكُ الدُّنْيا والآخِرَةِ، وقِيلَ: المُلْكُ هُنا: النُّبُوَّةُ، وقِيلَ: الغَلَبَةُ، وقِيلَ: المالُ والعَبِيدُ.
والظّاهِرُ شُمُولُهُ لِما يَصْدُقُ عَلَيْهِ اسْمُ المُلْكِ مِن غَيْرِ تَخْصِيصٍ ﴿تُؤْتِي المُلْكَ مَن تَشاءُ﴾ أيْ: مَن تَشاءُ إيتاءَهُ إيّاهُ ﴿وتَنْزِعُ المُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ﴾ نَزْعَهُ مِنهُ.
والمُرادُ بِما يُؤْتِيهِ مِنَ المُلْكِ ويَنْزِعُهُ هو نَوْعٌ مِن أنْواعِ ذَلِكَ المُلْكِ العامِّ.
قَوْلُهُ: ﴿وتُعِزُّ مَن تَشاءُ﴾ أيْ في الدُّنْيا أوْ في الآخِرَةِ أوْ فِيهِما، يُقالُ عَزَّ: إذا غَلَبَ، ومِنهُ ﴿وعَزَّنِي في الخِطابِ﴾ [ص: ٢٣] .
وقَوْلُهُ: ﴿وتُذِلُّ مَن تَشاءُ﴾ أيْ في الدُّنْيا أوْ في الآخِرَةِ أوْ فِيهِما، يُقالُ: ذَلَّ يَذِلُّ ذُلًّا إذا غَلَبَ وقَهَرَ.
قَوْلُهُ: ﴿بِيَدِكَ الخَيْرُ﴾ تَقْدِيمُ الخَبَرِ لِلتَّخْصِيصِ؛ أيْ: بِيَدِكَ الخَيْرُ لا بِيَدِ غَيْرِكَ، وذَكَرَ الخَيْرَ دُونَ (p-٢١٢)الشَّرِّ؛ لِأنَّ الخَيْرَ بِفَضْلٍ مَحْضٍ بِخِلافِ الشَّرِّ، فَإنَّهُ يَكُونُ جَزاءً لِعَمَلٍ وُصِلَ إلَيْهِ، وقِيلَ: لِأنَّ كُلَّ شَرٍّ مِن حَيْثُ كَوْنِهِ مِن قَضائِهِ سُبْحانَهُ هو مُتَضَمِّنٌ لِلْخَيْرِ فَأفْعالُهُ كُلُّها خَيْرٌ، وقِيلَ: إنَّهُ حُذِفَ كَما حُذِفَ في قَوْلِهِ: ﴿سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الحَرَّ﴾ [النحل: ٨١] وأصْلُهُ بِيَدِكَ الخَيْرُ والشَّرُّ، وقِيلَ: خَصَّ الخَيْرَ؛ لِأنَّ المَقامَ مَقامُ دُعاءٍ.
قَوْلُهُ: ﴿إنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ تَعْلِيلٌ لِما سَبَقَ وتَحْقِيقٌ لَهُ.
قَوْلُهُ: ﴿تُولِجُ اللَّيْلَ في النَّهارِ وتُولِجُ النَّهارَ في اللَّيْلِ﴾ أيْ: تُدْخِلُ ما نَقَصَ مِن أحَدِهِما في الآخَرِ، وقِيلَ: المَعْنى تُعاقِبُ بَيْنَهُما ويَكُونُ زَوالُ أحَدِهِما وُلُوجًا في الآخَرِ.
قَوْلُهُ: ﴿وتُخْرِجُ الحَيَّ مِنَ المَيِّتِ وتُخْرِجُ المَيِّتَ مِنَ الحَيِّ﴾ قِيلَ: المُرادُ إخْراجُ الحَيَوانِ وهو حَيٌّ مِنَ النُّطْفَةِ وهي مَيْتَةٌ، وإخْراجُ النُّطْفَةِ وهي مَيْتَةٌ مِنَ الحَيَوانِ وهو حَيٌّ، وقِيلَ: المُرادُ إخْراجُ الطّائِرِ وهو حَيٌّ مِنَ البَيْضَةِ وهي مَيْتَةٌ، وإخْراجُ البَيْضَةِ وهي مَيْتَةٌ مِنَ الدَّجاجَةِ وهي حَيَّةٌ، وقِيلَ: المُرادُ إخْراجُ المُؤْمِنِ مِنَ الكافِرِ والكافِرِ مِنَ المُؤْمِنِ.
قَوْلُهُ: ﴿بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ أيْ: بِغَيْرِ تَضْيِيقٍ ولا تَقْتِيرٍ كَما تَقُولُ فُلانٌ يُعْطِي بِغَيْرِ حِسابٍ، والباءُ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا.
وقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ «عَنْ قَتادَةَ قالَ: ذُكِرَ لَنا أنَّ نَبِيَّ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ سَألَ رَبَّهُ أنْ يَجْعَلَ مُلْكَ فارِسَ والرُّومِ في أُمَّتِهِ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ» .
وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: اسْمُ اللَّهِ الأعْظَمُ ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مالِكَ المُلْكِ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا والطَّبَرانِيُّ عَنْ مُعاذٍ «أنَّهُ شَكا إلى النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ دَيْنًا عَلَيْهِ، فَعَلَّمَهُ أنْ يَتْلُوَ هَذِهِ الآيَةَ، ثُمَّ يَقُولَ: رَحْمَنُ الدُّنْيا والآخِرَةِ ورَحِيمُهُما، تُعْطِي مَن تَشاءُ مِنهُما وتَمْنَعُ مَن تَشاءُ، ارْحَمْنِي رَحْمَةً تُغْنِينِي بِها عَنْ رَحْمَةِ مَن سِواكَ، اللَّهُمَّ أغْنِنِي مِنَ الفَقْرِ واقْضِ عَنِّي الدَّيْنَ» .
وأخْرَجَهُ الطَّبَرانِيُّ في الصَّغِيرِ مِن حَدِيثِ أنَسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ لِمُعاذٍ: ألا أُعَلِّمَكَ دُعاءً تَدْعُو بِهِ لَوْ كانَ عَلَيْكَ مِثْلُ جَبَلِ أُحُدٍ دَيْنًا لَأدّاهُ اللَّهُ عَنْكَ فَذَكَرَهُ، وإسْنادُهُ جَيِّدٌ وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أنَّهُ لا إلَهَ إلّا هُوَ﴾ [آل عمران: ١٨] بَعْضُ فَضائِلِ هَذِهِ الآيَةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ ﴿تُؤْتِي المُلْكَ مَن تَشاءُ﴾ قالَ: النُّبُوَّةَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ في قَوْلِهِ: ﴿تُولِجُ اللَّيْلَ في النَّهارِ﴾ الآيَةَ، قالَ: تَأْخُذُ الصَّيْفَ مِنَ الشِّتاءِ، وتَأْخُذُ الشِّتاءَ مِنَ الصَّيْفِ ﴿وتُخْرِجُ الحَيَّ مِنَ المَيِّتِ﴾ تُخْرِجُ الرَّجُلَ الحَيَّ مِنَ النُّطْفَةِ المَيِّتَةِ ﴿وتُخْرِجُ المَيِّتَ مِنَ الحَيِّ﴾ تُخْرِجُ النُّطْفَةَ المَيِّتَةَ مِنَ الرَّجُلِ الحَيِّ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿تُولِجُ اللَّيْلَ في النَّهارِ﴾ قالَ: ما نَقَصَ مِنَ النَّهارِ تَجْعَلُهُ في اللَّيْلِ وما نَقَصَ مِنَ اللَّيْلِ تَجْعَلُهُ في النَّهارِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ مُجاهِدٍ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنِ الضَّحّاكِ نَحْوَهُ أيْضًا. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ تُخْرِجُ الحَيَّ مِنَ المَيِّتِ قالَ: تُخْرِجُ النُّطْفَةَ المَيِّتَةَ مِنَ الحَيِّ ثُمَّ تُخْرِجُ مِنَ النُّطْفَةِ بَشَرًا حَيًّا. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ عِكْرِمَةَ تُخْرِجُ الحَيَّ مِنَ المَيِّتِ قالَ: هي البَيْضَةُ تَخْرُجُ مِنَ الحَيِّ وهي مَيْتَةٌ، ثُمَّ يَخْرُجُ مِنها الحَيُّ . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ قالَ: النَّخْلَةُ مِنَ النَّواةِ، والنَّواةُ مِنَ النَّخْلَةِ، والحَبَّةُ مِنَ السُّنْبُلَةِ، والسُّنْبُلَةُ مِنَ الحَبَّةِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ أبِي مالِكٍ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنِ الحَسَنِ قالَ: المُؤْمِنُ مِنَ الكافِرِ، والكافِرُ مِنَ المُؤْمِنِ. والمُؤْمِنُ عَبْدٌ حَيُّ الفُؤادِ، والكافِرُ عَبْدٌ مَيِّتُ الفُؤادِ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والبَيْهَقِيُّ عَنْ سَلْمانَ الفارِسِيِّ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ مَرْفُوعًا نَحْوَهُ. وأخْرَجَهُ أيْضًا عَنْهُ، أوْ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ مَرْفُوعًا. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ سَعْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ «أنَّ خالِدَةَ بِنْتَ الأسْوَدِ بْنِ عَبْدِ يَغُوثَ دَخَلَتْ عَلى النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ فَقالَ: مَن هَذِهِ ؟ قِيلَ: خالِدَةُ بِنْتُ الأسْوَدِ، قالَ: سُبْحانَ الَّذِي يُخْرِجُ الحَيَّ مِنَ المَيِّتِ وكانَتِ امْرَأةً صالِحَةً وكانَ أبُوها كافِرًا» . وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ عَنْ عائِشَةَ مِثْلَهُ.
3:28–30Page 53
لَّا يَتَّخِذِ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ ٱلۡكَٰفِرِينَ أَوۡلِيَآءَ مِن دُونِ ٱلۡمُؤۡمِنِينَۖ وَمَن يَفۡعَلۡ ذَٰلِكَ فَلَيۡسَ مِنَ ٱللَّهِ فِي شَيۡءٍ إِلَّآ أَن تَتَّقُواْ مِنۡهُمۡ تُقَىٰةٗۗ وَيُحَذِّرُكُمُ ٱللَّهُ نَفۡسَهُۥۗ وَإِلَى ٱللَّهِ ٱلۡمَصِيرُ ٢٨
Let not believers take disbelievers as allies [i.e., supporters or protectors] rather than believers. And whoever [of you] does that has nothing [i.e., no association] with Allāh, except when taking precaution against them in prudence.1 And Allāh warns you of Himself, and to Allāh is the [final] destination.
قُلۡ إِن تُخۡفُواْ مَا فِي صُدُورِكُمۡ أَوۡ تُبۡدُوهُ يَعۡلَمۡهُ ٱللَّهُۗ وَيَعۡلَمُ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِۗ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٞ ٢٩
Say, "Whether you conceal what is in your breasts or reveal it, Allāh knows it. And He knows that which is in the heavens and that which is on the earth. And Allāh is over all things competent.
يَوۡمَ تَجِدُ كُلُّ نَفۡسٖ مَّا عَمِلَتۡ مِنۡ خَيۡرٖ مُّحۡضَرٗا وَمَا عَمِلَتۡ مِن سُوٓءٖ تَوَدُّ لَوۡ أَنَّ بَيۡنَهَا وَبَيۡنَهُۥٓ أَمَدَۢا بَعِيدٗاۗ وَيُحَذِّرُكُمُ ٱللَّهُ نَفۡسَهُۥۗ وَٱللَّهُ رَءُوفُۢ بِٱلۡعِبَادِ ٣٠
The Day every soul will find what it has done of good present [before it] and what it has done of evil, it will wish that between itself and that [evil] was a great distance. And Allāh warns you of Himself, and Allāh is Kind to [His] servants."
قَوْلُهُ ﴿لا يَتَّخِذِ﴾ فِيهِ النَّهْيُ لِلْمُؤْمِنِينَ عَنْ مُوالاةِ الكُفّارِ لِسَبَبٍ مِنَ الأسْبابِ، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿لا تَتَّخِذُوا بِطانَةً مِن دُونِكُمْ﴾ [آل عمران: ١١٨] الآيَةَ، وقَوْلُهُ: ﴿ومَن يَتَوَلَّهم مِنكم فَإنَّهُ مِنهم﴾ [المائدة: ٥١]، وقَوْلُهُ: ﴿لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [المجادلة: ٢٢] الآيَةَ، وقَوْلُهُ: ﴿لا تَتَّخِذُوا اليَهُودَ والنَّصارى أوْلِياءَ﴾ [المائدة: ٥١]، وقَوْلُهُ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وعَدُوَّكم أوْلِياءَ﴾ [الممتحنة: ١] .
وقَوْلُهُ: ﴿مِن دُونِ المُؤْمِنِينَ﴾ في مَحَلِّ الحالِ؛ أيْ: مُتَجاوِزِينَ المُؤْمِنِينَ إلى الكافِرِينَ اسْتِقْلالًا أوِ اشْتِراكًا، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿ومَن يَفْعَلْ ذَلِكَ﴾ إلى الِاتِّحادِ المَدْلُولِ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ: لا يَتَّخِذِ ومَعْنى قَوْلِهِ: ﴿فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ في شَيْءٍ﴾ أيْ: مِن وِلايَتِهِ في شَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ، بَلْ هو مُنْسَلِخٌ عَنْهُ بِكُلِّ حالٍ.
قَوْلُهُ: ﴿إلّا أنْ تَتَّقُوا مِنهم تُقاةً﴾ عَلى صِيغَةِ الخِطابِ بِطَرِيقِ الِالتِفاتِ؛ أيْ: إلّا أنْ تَخافُوا مِنهم أمْرًا يَجِبُ اتِّقاؤُهُ وهو اسْتِثْناءٌ مُفَرَّغٌ مِن أعَمِّ الأحْوالِ.
وتُقاةٌ مَصْدَرٌ واقِعٌ مَوْقِعَ المَفْعُولِ، وأصْلُها وِقْيَةٌ عَلى وزْنِ فِعْلَةٍ قُلِبَتِ الواوُ تاءً والياءُ ألِفًا، وقَرَأ رَجاءٌ وقَتادَةُ تَقِيَّةً.
وفِي ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلى جَوازِ (p-٢١٣)المُوالاةِ لَهم مَعَ الخَوْفِ مِنهم، ولَكِنَّها تَكُونُ ظاهِرًا لا باطِنًا.
وخالَفَ في ذَلِكَ قَوْمٌ مِنَ السَّلَفِ، فَقالُوا: لا تَقِيَّةَ بَعْدَ أنْ أعَزَّ اللَّهُ الإسْلامَ.
قَوْلُهُ: ﴿ويُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ أيْ ذاتَهُ المُقَدَّسَةَ، وإطْلاقُ ذَلِكَ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ جائِزٌ في المُشاكَلَةِ كَقَوْلِهِ: ﴿تَعْلَمُ ما في نَفْسِي ولا أعْلَمُ ما في نَفْسِكَ﴾ [المائدة: ١١٦] وفي غَيْرِها. وذَهَبَ بَعْضُ المُتَأخِّرِينَ إلى مَنعِ ذَلِكَ إلّا مُشاكَلَةً. وقالَ الزَّجّاجُ: مَعْناهُ ويُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ إيّاهُ، ثُمَّ اسْتَغْنَوْا عَنْ ذَلِكَ بِهَذا وصارَ المُسْتَعْمَلَ.
قالَ: وأمّا قَوْلُهُ: ﴿تَعْلَمُ ما في نَفْسِي ولا أعْلَمُ ما في نَفْسِكَ﴾ فَمَعْناهُ تَعْلَمُ ما عِنْدِي وما في حَقِيقَتِي ولا أعْلَمُ ما عِنْدَكَ ولا ما في حَقِيقَتِكَ. وقالَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ: مَعْناهُ ويُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ عِقابَهُ مِثْلَ ﴿واسْألِ القَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢] فَجُعِلَتِ النَّفْسُ في مَوْضِعِ الإضْمارِ، وفي هَذِهِ الآيَةِ تَهْدِيدٌ شَدِيدٌ وتَخْوِيفٌ عَظِيمٌ لِعِبادِهِ أنْ يَتَعَرَّضُوا لِعِقابِهِ بِمُوالاةِ أعْدائِهِ.
قَوْلُهُ: ﴿قُلْ إنْ تُخْفُوا ما في صُدُورِكُمْ﴾ الآيَةَ فِيهِ أنَّ كُلَّ ما يُضْمِرُهُ العَبْدُ ويُخْفِيهِ أوْ يُظْهِرُهُ ويُبْدِيهِ فَهو مَعْلُومٌ لِلَّهِ سُبْحانَهُ، لا يَخْفى عَلَيْهِ مِنهُ شَيْءٌ ولا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقالُ ذَرَّةٍ ﴿ويَعْلَمُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ مِمّا هو أعَمُّ مِنَ الأُمُورِ الَّتِي يُخْفُونَها أوْ يُبْدُونَها، فَلا يَخْفى عَلَيْهِ ما هو أخَصُّ مِن ذَلِكَ.
قَوْلُهُ: ﴿يَوْمَ تَجِدُ﴾ مَنصُوبٌ بِقَوْلِهِ: ﴿ويُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ وقِيلَ بِمَحْذُوفٍ؛ أيِ: اذْكُرْ، و" مُحْضَرًا " حالٌ، وقَوْلُهُ: ﴿وما عَمِلَتْ مِن سُوءٍ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ما الأُولى؛ أيْ: وتَجِدُ ما عَمِلَتْ مِن سُوءٍ مُحْضَرًا تَوَدُّ لَوْ أنَّ بَيْنَها وبَيْنَهُ أمَدًا بَعِيدًا.
فَحَذَفَ مُحْضَرًا لِدَلالَةِ الأوَّلِ عَلَيْهِ، وهَذا إذا كانَ تَجِدُ مِن وِجْدانِ الضّالَّةِ، وأمّا إذا كانَ مِن وجَدَ بِمَعْنى عَلِمَ كانَ مُحْضَرًا هو المَفْعُولُ الثّانِي، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ ﴿وما عَمِلَتْ مِن سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أنَّ بَيْنَها وبَيْنَهُ أمَدًا بَعِيدًا﴾ جُمْلَةً مُسْتَأْنَفَةً، ويَكُونُ ما في ما عَمِلَتْ مُبْتَدَأٌ ويَوَدُّ خَبَرُهُ.
والأمَدُ: الغايَةُ، وجَمْعُهُ آمادٌ؛ أيْ: تَوَدُّ لَوْ أنَّ بَيْنَها وبَيْنَ ما عَمِلَتْ مِنَ السُّوءِ أمَدًا بَعِيدًا، وقِيلَ إنَّ قَوْلَهُ: يَوْمَ تَجِدُ مَنصُوبٌ بِقَوْلِهِ: تَوَدُّ والضَّمِيرُ في قَوْلِهِ وبَيْنَهُ لِلْيَوْمِ، وفِيهِ بُعْدٌ، وكَرَّرَ قَوْلَهُ: ﴿ويُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ لِلتَّأْكِيدِ ولِلِاسْتِحْضارِ لِيَكُونَ هَذا التَّهْدِيدُ العَظِيمُ عَلى ذِكْرٍ مِنهم، وفي قَوْلِهِ: ﴿واللَّهُ رَءُوفٌ بِالعِبادِ﴾ دَلِيلٌ عَلى أنَّ هَذا التَّحْذِيرَ الشَّدِيدَ مُقْتَرِنٌ بِالرَّأْفَةِ مِنهُ سُبْحانَهُ بِعِبادِهِ لُطْفًا بِهِمْ. وما أحْسَنَ ما يُحْكى عَنْ بَعْضِ العَرَبِ أنَّهُ قِيلَ لَهُ: إنَّكَ تَمُوتُ وتُبْعَثُ وتَرْجِعُ إلى اللَّهِ فَقالَ: أتُهَدِّدُونَنِي بِمَن لَمْ أرَ الخَيْرَ قَطُّ إلّا مِنهُ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: كانَ الحَجّاجُ بْنُ عَمْرٍو حَلِيفَ كَعْبِ بْنِ الأشْرَفِ وابْنِ أبِي الحَقِيقِ وقَيْسِ بْنِ زَيْدٍ قَدْ بَطَّنُوا بِنَفَرٍ مِنَ الأنْصارِ لِيَفْتِنُوهم عَنْ دِينِهِمْ، فَقالَ رِفاعَةُ بْنُ المُنْذِرِ وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ جُبَيْرٍ وسَعْدُ بْنُ خَثْمَةَ لِأُولَئِكَ النَّفَرِ: فَأنْزَلَ اللَّهُ فِيهِمْ ﴿لا يَتَّخِذِ المُؤْمِنُونَ الكافِرِينَ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿واللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طُرُقٍ عَنْهُ قالَ: نَهى اللَّهُ المُؤْمِنِينَ أنْ يُلاطِفُوا الكُفّارَ ويَتَّخِذُوهم ولِيجَةً مِن دُونِ المُؤْمِنِينَ، إلّا أنْ يَكُونَ الكُفّارُ عَلَيْهِمْ ظاهِرِينَ فَيُظْهِرُونَ لَهُمُ اللُّطْفَ ويُخالِفُونَهم في الدِّينِ، وذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلّا أنْ تَتَّقُوا مِنهم تُقاةً﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ ﴿ومَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ في شَيْءٍ﴾ فَقَدْ بَرِئَ اللَّهُ مِنهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طَرِيقِ العَوْفِيِّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا أنْ تَتَّقُوا مِنهم تُقاةً﴾ قالَ: التَّقِيَّةُ بِاللِّسانِ مَن حُمِلَ عَلى أمْرٍ يَتَكَلَّمُ بِهِ، وهو مَعْصِيَةُ اللَّهِ فَيَتَكَلَّمُ بِهِ مَخافَةَ النّاسِ وقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإيمانِ فَإنَّ ذَلِكَ لا يَضُرُّهُ، إنَّما التَّقِيَّةُ بِاللِّسانِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنْهُ في الآيَةِ قالَ: التُّقاةُ التَّكَلُّمُ بِاللِّسانِ والقَلْبُ مُطْمَئِنٌّ بِالإيمانِ، ولا يَبْسُطُ يَدَهُ فَيَقْتُلُ، ولا إلى إثْمٍ، فَإنَّهُ لا عُذْرَ لَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي العالِيَةِ في الآيَةِ قالَ: التَّقِيَّةُ بِاللِّسانِ، ولَيْسَ بِالعَمَلِ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ ﴿إلّا أنْ تَتَّقُوا مِنهم تُقاةً﴾ قالَ: إلّا أنْ يَكُونَ بَيْنَكَ وبَيْنَهُ قَرابَةٌ فَتَصِلُهُ لِذَلِكَ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ والبُخارِيُّ عَنِ الحَسَنِ قالَ: التَّقِيَّةُ جائِزَةٌ إلى يَوْمِ القِيامَةِ.
وحَكى البُخارِيُّ عَنْ أبِي الدَّرْداءِ أنَّهُ قالَ: إنّا نَبَشُّ في وُجُوهِ أقْوامٍ وقُلُوبُنا تَلْعَنُهم، ويَدُلُّ عَلى جَوازِ التَّقِيَّةِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلّا مَن أُكْرِهَ وقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإيمانِ ولَكِنْ مَن شَرَحَ بِالكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ ولَهم عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ [النحل: ١٠٦] ومِنَ القائِلِينَ بِجَوازِ التَّقِيَّةِ بِاللِّسانِ أبُو الشَّعْثاءِ والضَّحّاكُ والرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ في قَوْلِهِ ﴿قُلْ إنْ تُخْفُوا﴾ الآيَةَ قالَ: أخْبَرَهم أنَّهُ يَعْلَمُ ما أسَرُّوا وما أعْلَنُوا. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ مُحْضَرًا، يَقُولُ: مُوَفَّرًا.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الحَسَنِ في الآيَةِ قالَ: يَسُرُّ أحَدُكم أنْ لا يَلْقى عَمَلَهُ ذَلِكَ أبَدًا، يَكُونُ ذَلِكَ مُناهُ. وأمّا في الدُّنْيا فَقَدْ كانَتْ خَطِيئَتُهُ يَسْتَلِذِّها.
وأخْرَجا أيْضًا عَنِ السُّدِّيِّ ﴿أمَدًا بَعِيدًا﴾ قالَ: مَكانًا بَعِيدًا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ أمَدًا قالَ: أجَلًا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الحَسَنِ في قَوْلِهِ ﴿ويُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ واللَّهُ رَءُوفٌ بِالعِبادِ﴾ قالَ: مِن رَأْفَتِهِ بِهِمْ حَذَّرَهم نَفْسَهُ.
3:31–34Page 54
قُلۡ إِن كُنتُمۡ تُحِبُّونَ ٱللَّهَ فَٱتَّبِعُونِي يُحۡبِبۡكُمُ ٱللَّهُ وَيَغۡفِرۡ لَكُمۡ ذُنُوبَكُمۡۚ وَٱللَّهُ غَفُورٞ رَّحِيمٞ ٣١
Say, [O Muḥammad], "If you should love Allāh, then follow me, [so] Allāh will love you and forgive you your sins. And Allāh is Forgiving and Merciful."
قُلۡ أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَۖ فَإِن تَوَلَّوۡاْ فَإِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ ٱلۡكَٰفِرِينَ ٣٢
Say, "Obey Allāh and the Messenger. But if you turn away - then indeed, Allāh does not like the disbelievers."
۞ إِنَّ ٱللَّهَ ٱصۡطَفَىٰٓ ءَادَمَ وَنُوحٗا وَءَالَ إِبۡرَٰهِيمَ وَءَالَ عِمۡرَٰنَ عَلَى ٱلۡعَٰلَمِينَ ٣٣
Indeed, Allāh chose Adam and Noah and the family of Abraham and the family of ʿImrān over the worlds -
ذُرِّيَّةَۢ بَعۡضُهَا مِنۢ بَعۡضٖۗ وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ٣٤
Descendants, some of them from others. And Allāh is Hearing and Knowing.
الحُبُّ والمَحَبَّةُ مَيْلُ النَّفْسِ إلى الشَّيْءِ، يُقالُ: أحَبَّهُ فَهو مُحِبٌّ، وحَبَّهُ يَحِبُّهُ بِالكَسْرِ، فَهو مَحْبُوبٌ. قالَ الجَوْهَرِيُّ: وهَذا شاذٌّ، لِأنَّهُ لا يَأْتِي في المُضاعَفِ يَفْعِلُ بِالكَسْرِ.
قالَ ابْنُ (p-٢١٤)الدِّهانِ: في حَبَّ لُغَتانِ حَبَّ وأحَبَّ، وأصْلُ حَبَّ في هَذا البابِ حَبَبَ كَطَرَقَ، وقَدْ فُسِّرَتِ المَحَبَّةُ لِلَّهِ سُبْحانَهُ بِإرادَةِ طاعَتِهِ. قالَ الأزْهَرِيُّ: مَحَبَّةُ العَبْدِ لِلَّهِ ورَسُولِهِ طاعَتُهُ لَهُما واتِّباعُهُ أمْرَهُما، ومَحَبَّةُ اللَّهِ لِلْعِبادِ إنْعامُهُ عَلَيْهِمْ بِالغُفْرانِ. وقَرَأ أبُو رَجاءٍ العُطارِدِيُّ فاتَّبَعُونِي بِفَتْحِ الباءِ.
ورُوِيَ عَنْ أبِي عَمْرِو بْنِ العَلاءِ أنَّهُ أدْغَمَ الرّاءَ مِن يَغْفِرْ في اللّامِ. قالَ النَّحّاسُ: لا يُجِيزُ الخَلِيلُ وسِيبَوَيْهِ إدْغامَ الرّاءِ في اللّامِ، وأبُو عَمْرٍو أجَلُّ مَن أنْ يَغْلَطَ في هَذا، ولَعَلَّهُ كانَ يُخْفِي الحَرَكَةَ كَما يَفْعَلُ أشْياءَ كَثِيرَةً.
قَوْلُهُ: ﴿قُلْ أطِيعُوا اللَّهَ والرَّسُولَ﴾ حَذْفُ المُتَعَلِّقِ مُشْعِرٌ بِالتَّعْمِيمِ، أيْ: في جَمْعِ الأوامِرِ والنَّواهِي.
قَوْلُهُ " فَإنْ تَوَلَّوْا " يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ مِن كَلامِ اللَّهِ تَعالى فَيَكُونُ ماضِيًا.
وقَوْلُهُ ﴿فَإنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الكافِرِينَ﴾ نَفْيُ المَحَبَّةِ كِنايَةٌ عَنِ البُغْضِ والسُّخْطِ.
ووَجْهُ الإظْهارِ في قَوْلِهِ: فَإنَّ اللَّهَ مَعَ كَوْنِ المَقامِ مَقامَ إضْمارٍ لِقَصْدِ التَّعْظِيمِ أوِ التَّعْمِيمِ.
قَوْلُهُ: ﴿إنَّ اللَّهَ اصْطَفى آدَمَ﴾ إلَخْ لَمّا فَرَغَ سُبْحانَهُ مِن بَيانِ أنَّ الدِّينَ المَرْضِيَّ هو الإسْلامُ، وأنَّ مُحَمَّدًا صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ هو الرَّسُولُ الَّذِي لا يَصِحُّ لِأحَدٍ أنْ يُحِبَّ اللَّهَ إلّا بِاتِّباعِهِ، وأنَّ اخْتِلافَ أهْلِ الكِتابَيْنِ فِيهِ إنَّما هو لِمُجَرَّدِ البَغْيِ عَلَيْهِ والحَسَدِ لَهُ، شَرَعَ في تَقْرِيرِ رِسالَةِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ وبَيَّنَ أنَّهُ مِن أهْلِ بَيْتِ النُّبُوَّةِ ومَعْدِنِ الرِّسالَةِ. والِاصْطِفاءُ الِاخْتِيارُ.
قالَ الزَّجّاجُ: اخْتارَهم بِالنُّبُوَّةِ عَلى عالَمِي زَمانِهِمْ، وقِيلَ: إنَّ الكَلامَ عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ؛ أيِ: اصْطَفى دِينَ آدَمَ إلَخْ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى تَفْسِيرِ العالَمِينَ، وتَخْصِيصُ آدَمَ بِالذِّكْرِ؛ لِأنَّهُ أبُو البَشَرِ، وكَذَلِكَ نُوحٌ فَإنَّهُ آدَمُ الثّانِي، وأمّا آلُ إبْراهِيمَ فَلِكَوْنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ مِنهم مَعَ كَثْرَةِ الأنْبِياءِ مِنهم.
وأمّا آلُ عِمْرانَ فَهم وإنْ كانُوا مِن آلِ إبْراهِيمَ، فَلَمّا كانَ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ مِنهم كانَ لِتَخْصِيصِهِمْ بِالذِّكْرِ وجْهٌ. وقِيلَ: المُرادُ بِآلِ إبْراهِيمَ إبْراهِيمُ نَفْسُهُ، وبِآلِ عِمْرانَ عِمْرانُ نَفْسُهُ.
قَوْلُهُ: ﴿ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِن بَعْضٍ﴾ نَصْبُ ذَرِّيَّةً عَلى البَدَلِيَّةِ مِمّا قَبْلَهُ قالَهُ الزَّجّاجُ، أوْ عَلى الحالِيَّةِ قالَهُ الأخْفَشُ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ الذُّرِّيَّةِ، وبَعْضُها مِن بَعْضٍ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى صِفَةِ الذُّرِّيَّةِ، ومَعْناهُ مُتَناسِلَةٌ مُتَشَعِّبَةٌ أوْ مُتَناصِرَةٌ مُتَعاضِدَةٌ في الدِّينِ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الحَسَنِ مِن طُرُقٍ قالَ: قالَ أقْوامٌ عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: واللَّهِ يا مُحَمَّدُ إنّا لِنُحِبُّ رَبَّنا، فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿قُلْ إنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ﴾ الآيَةَ. وأخْرَجَ الحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ يَحْيى بْنِ كَثِيرٍ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ أيْضًا ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ في قَوْلِهِ ﴿قُلْ إنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ﴾ أيْ: إنْ كانَ هَذا مِن قَوْلِكم في عِيسى حُبًّا لِلَّهِ وتَعْظِيمًا لَهُ ﴿فاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ ويَغْفِرْ لَكم ذُنُوبَكم﴾ أيْ: ما مَضى مِن كُفْرِكم ﴿واللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي الدَّرْداءِ في قَوْلِهِ: ﴿قُلْ إنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ قالَ: عَلى البِرِّ والتَّقْوى والتَّواضُعِ وذِلَّةِ النَّفْسِ. وأخْرَجَهُ أيْضًا الحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ وأبُو نُعَيْمٍ والدَّيْلَمِيُّ وابْنُ عَساكِرَ عَنْهُ. أخْرَجَ ابْنُ عَساكِرَ مِثْلَهُ عَنْ عائِشَةَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو نُعَيْمٍ في الحِلْيَةِ والحاكِمُ عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «الشِّرْكُ أخْفى مِن دَبِيبِ النَّمْلِ عَلى الصَّفا في اللَّيْلَةِ الظَّلْماءِ، وأدْناهُ أنْ يُحِبَّ عَلى شَيْءٍ مِنَ الجَوْرِ ويُبْغِضَ عَلى شَيْءٍ مِنَ العَدْلِ، وهَلِ الدِّينُ إلّا الحُبُّ والبُغْضُ في اللَّهِ» قالَ اللَّهُ تَعالى ﴿قُلْ إنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ﴾ الآيَةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ ﴿وآلَ إبْراهِيمَ وآلَ عِمْرانَ﴾ قالَ: هُمُ المُؤْمِنُونَ مِن آلِ إبْراهِيمَ وآلِ عِمْرانَ وآلِ ياسِينَ وآلِ مُحَمَّدٍ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ ﴿ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِن بَعْضٍ﴾ قالَ: في النِّيَّةِ والعَمَلِ والإخْلاصِ والتَّوْحِيدِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences