Ash-Shawkani · Tafsir · in Arabic
Al-Ahzab 33:28–40, continued
وقَدْ أخْرَجَ أحْمَدُ، ومُسْلِمٌ، والنَّسائِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن طَرِيقِ أبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جابِرٍ قالَ «أقْبَلَ أبُو بَكْرٍ يَسْتَأْذِنُ عَلى رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - والنّاسُ بِبابِهِ جُلُوسٌ والنَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - جالِسٌ فَلَمْ يُؤْذَنْ لَهُ، ثُمَّ أقْبَلَ عُمَرُ فاسْتَأْذَنَ فَلَمْ يُؤْذَنْ لَهُ، ثُمَّ أُذِنَ لِأبِي بَكْرٍ وعُمَرَ فَدَخَلا والنَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - جالِسٌ وحَوْلَهُ نِساؤُهُ وهو ساكِتٌ، فَقالَ عُمَرُ: لَأُكَلِّمَنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - لَعَلَّهُ يَضْحَكُ، فَقالَ عُمَرُ: يا رَسُولَ اللَّهِ لَوْ رَأيْتَ ابْنَةَ زَيْدٍ امْرَأةَ عُمَرَ سَألَتِ النَّفَقَةَ آنِفًا فَوَجَأْتُ في عُنُقِها، فَضَحِكَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - حَتّى بَدَتْ نَواجِذُهُ وقالَ: هُنَّ حَوْلِي يَسْألْنَنِي النَّفَقَةَ، فَقامَ أبُو بَكْرٍ إلى عائِشَةَ لِيَضْرِبَها، وقامَ عُمَرُ إلى حَفْصَةَ، كِلاهُما يَقُولانِ: تَسْألانِ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ما لَيْسَ عِنْدَهُ، فَنَهاهُما رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، فَقُلْنَ نِساؤُهُ: واللَّهِ لا نَسْألُ رَسُولَ اللَّهِ بَعْدَ هَذا المَجْلِسِ ما لَيْسَ عِنْدَهُ، وأنْزَلَ اللَّهُ الخِيارَ، فَنادى بِعائِشَةَ فَقالَ: إنِّي ذاكِرٌ لَكِ أمْرًا ما أُحِبُّ أنْ تُعَجِّلِي فِيهِ حَتّى تَسْتَأْمِرِي أبَوَيْكِ، قالَتْ: ما هو ؟ فَتَلا عَلَيْها ﴿ياأيُّها النَّبِيُّ قُلْ لِأزْواجِكَ﴾ الآيَةَ، قالَتْ عائِشَةُ: أفِيكَ أسْتَأْمِرُ أبَوَيَّ، بَلْ أخْتارُ اللَّهَ رَسُولَهُ، وأسْألُكَ أنْ لا تَذْكُرَ لِنِسائِكَ ما اخْتَرْتُ، فَقالَ: إنَّ اللَّهَ لَنْ يَبْعَثَنِي مُتَعَنِّتًا ولَكِنْ بَعَثَنِي مُعَلِّمًا مُبَشِّرًا، لا تَسْألُنِي امْرَأةٌ مِنهُنَّ عَمّا اخْتَرْتِ إلّا أخْبَرْتُها» .
وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما عَنْ عائِشَةَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - «جاءَها حِينَ أمَرَهُ اللَّهُ أنْ يُخَيِّرَ أزْواجَهُ قالَتْ: فَبَدَأ بِي فَقالَ: إنِّي ذاكِرٌ لَكِ أمْرًا فَلا عَلَيْكِ أنْ لا تَسْتَعْجِلِي حَتّى تَسْتَأْمِرِي أبَوَيْكِ، وقَدْ عَلِمَ أنَّ أبَوَيَّ لَمْ يَكُونا يَأْمُرانِي بِفِراقِهِ، فَقالَ: إنَّ اللَّهَ قالَ: ﴿ياأيُّها النَّبِيُّ قُلْ لِأزْواجِكَ إنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الحَياةَ الدُّنْيا﴾ إلى تَمامِ الآيَةِ، فَقُلْتُ لَهُ: فَفي أيِّ هَذا أسْتَأْمِرُ أبَوَيَّ، فَإنِّي أُرِيدُ اللَّهَ ورَسُولَهُ والدّارَ الآخِرَةَ، وفَعَلَ أزْواجُ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مِثْلَ ما فَعَلَتْ» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ومَن يَقْنُتْ مِنكُنَّ لِلَّهِ ورَسُولِهِ وتَعْمَلْ صالِحًا﴾ قالَ يَقُولُ: مَن يُطِعِ اللَّهَ مِنكُنَّ وتَعْمَلْ مِنكُنَّ لِلَّهِ ورَسُولِهِ بِطاعَتِهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿فَلا تَخْضَعْنَ بِالقَوْلِ﴾ قالَ: يَقُولُ لا تُرَخِّصْنَ بِالقَوْلِ ولا تَخْضَعْنَ بِالكَلامِ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿فَلا تَخْضَعْنَ بِالقَوْلِ﴾ قالَ: مُقارَنَةُ الرِّجالِ في القَوْلِ حَتّى يَطْمَعَ الَّذِي في قَلْبِهِ مَرَضٌ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ قالَ: نُبِّئْتُ أنَّهُ قِيلَ: لِسَوْدَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: ما لَكِ لا تَحُجِّينَ ولا تَعْتَمِرِينَ كَما يَفْعَلُ أخَواتُكِ ؟ فَقالَتْ: قَدْ حَجَجْتُ واعْتَمَرْتُ وأمَرَنِي اللَّهُ أنْ أقِرَّ في بَيْتِي، فَواللَّهِ لا أخْرُجُ مِن بَيْتِي حَتّى أمُوتَ، قالَ: فَواللَّهِ ما خَرَجَتْ مِن بابِ حُجْرَتِها حَتّى أُخْرِجَتْ بِجِنازَتِها.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ سَعْدٍ، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ في زَوائِدِ الزُّهْدِ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ مَسْرُوقٍ قالَ: كانَتْ عائِشَةُ إذا قَرَأتْ ﴿وقَرْنَ في بُيُوتِكُنَّ﴾ بَكَتْ حَتّى تَبُلَّ خِمارَها.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ قالَ: كانَتِ الجاهِلِيَّةُ الأُولى فِيما بَيْنَ نُوحٍ وإدْرِيسَ وكانَتْ ألْفَ سَنَةٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ سَألَهُ فَقالَ: أرَأيْتَ قَوْلَ اللَّهِ لِأزْواجِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ﴿ولا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الجاهِلِيَّةِ الأُولى﴾ هَلْ كانَتْ جاهِلِيَّةٌ غَيْرَ واحِدَةٍ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ما سَمِعْتُ بِأُولى إلّا ولَها آخِرَةٌ، فَقالَ لَهُ عُمَرُ: فَأْتِنِي مِن كِتابِ اللَّهِ ما يُصَدِّقُ ذَلِكَ، فَقالَ: إنَّ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿وجاهِدُوا في اللَّهِ حَقَّ جِهادِهِ هو اجْتَباكم﴾ [الحج: ٧٨] أوَّلَ مَرَّةٍ فَقالَ عُمَرُ: مَن أمَرَنا أنْ نُجاهِدَ ؟ قالَ: مَخْزُومٌ وعَبْدُ شَمْسٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا في الآيَةِ قالَ: تَكُونُ جاهِلِيَّةٌ أُخْرى. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عائِشَةَ: أنَّها تَلَتْ هَذِهِ الآيَةَ فَقالَتْ: الجاهِلِيَّةُ الأُولى كانَتْ عَلى عَهْدِ إبْراهِيمَ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: الجاهِلِيَّةُ الأُولى ما بَيْنَ عِيسى ومُحَمَّدٍ.
وقَدْ قَدَّمْنا ذِكْرَ الآثارِ الوارِدَةِ في سَبَبِ نُزُولِ قَوْلِهِ: ﴿إنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أهْلَ البَيْتِ﴾ .
وأخْرَجَ، عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ سَعْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿واذْكُرْنَ ما يُتْلى في بُيُوتِكُنَّ مِن آياتِ اللَّهِ والحِكْمَةِ﴾ قالَ: القُرْآنُ والسُّنَّةُ يَمْتَنُّ بِذَلِكَ عَلَيْهِنَّ.
وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ عَنْ أبِي أُمامَةَ عَنْ سَهْلٍ في قَوْلِهِ: ﴿واذْكُرْنَ ما يُتْلى في بُيُوتِكُنَّ﴾ الآيَةَ قالَ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ (p-١١٧٠)- صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يُصَلِّي في بُيُوتِ أزْواجِهِ النَّوافِلَ بِاللَّيْلِ والنَّهارِ» .
33:35–36Page 422
إِنَّ ٱلۡمُسۡلِمِينَ وَٱلۡمُسۡلِمَٰتِ وَٱلۡمُؤۡمِنِينَ وَٱلۡمُؤۡمِنَٰتِ وَٱلۡقَٰنِتِينَ وَٱلۡقَٰنِتَٰتِ وَٱلصَّٰدِقِينَ وَٱلصَّٰدِقَٰتِ وَٱلصَّٰبِرِينَ وَٱلصَّٰبِرَٰتِ وَٱلۡخَٰشِعِينَ وَٱلۡخَٰشِعَٰتِ وَٱلۡمُتَصَدِّقِينَ وَٱلۡمُتَصَدِّقَٰتِ وَٱلصَّٰٓئِمِينَ وَٱلصَّٰٓئِمَٰتِ وَٱلۡحَٰفِظِينَ فُرُوجَهُمۡ وَٱلۡحَٰفِظَٰتِ وَٱلذَّٰكِرِينَ ٱللَّهَ كَثِيرٗا وَٱلذَّٰكِرَٰتِ أَعَدَّ ٱللَّهُ لَهُم مَّغۡفِرَةٗ وَأَجۡرًا عَظِيمٗا ٣٥
Indeed, the Muslim men and Muslim women, the believing men and believing women, the obedient men and obedient women, the truthful men and truthful women, the patient men and patient women, the humble men and humble women, the charitable men and charitable women, the fasting men and fasting women, the men who guard their private parts and the women who do so, and the men who remember Allāh often and the women who do so - for them Allāh has prepared forgiveness and a great reward.
وَمَا كَانَ لِمُؤۡمِنٖ وَلَا مُؤۡمِنَةٍ إِذَا قَضَى ٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥٓ أَمۡرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ ٱلۡخِيَرَةُ مِنۡ أَمۡرِهِمۡۗ وَمَن يَعۡصِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ فَقَدۡ ضَلَّ ضَلَٰلٗا مُّبِينٗا ٣٦
It is not for a believing man or a believing woman, when Allāh and His Messenger have decided a matter, that they should [thereafter] have any choice about their affair. And whoever disobeys Allāh and His Messenger has certainly strayed into clear error.
قَوْلُهُ: ﴿إنَّ المُسْلِمِينَ﴾ بَدَأ - سُبْحانَهُ - بِذِكْرِ الإسْلامِ الَّذِي هو مُجَرَّدُ الدُّخُولِ في الدِّينِ والِانْقِيادِ لَهُ مَعَ العَمَلِ، كَما ثَبَتَ في الحَدِيثِ الصَّحِيحِ «أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - لَمّا سَألَهُ جِبْرِيلُ عَنِ الإسْلامِ قالَ: هو أنْ تَشْهَدَ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، وتُقِيمَ الصَّلاةَ، وتُؤْتِيَ الزَّكاةَ، وتَحُجَّ البَيْتَ، وتَصُومَ رَمَضانَ» .
ثُمَّ عَطَفَ عَلى المُسْلِمِينَ المُسْلِماتِ تَشْرِيفًا لَهُنَّ بِالذِّكْرِ.
وهَكَذا فِيما بَعْدُ وإنْ كُنَّ داخِلاتٍ في لَفْظِ المُسْلِمِينَ والمُؤْمِنِينَ ونَحْوِ ذَلِكَ، والتَّذْكِيرُ إنَّما هو لِتَغْلِيبِ الذُّكُورِ عَلى الإناثِ كَما في جَمِيعِ ما ورَدَ في الكِتابِ العَزِيزِ مِن ذَلِكَ، ثُمَّ ذَكَرَ المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ وهم مَن يُؤْمِنُ بِاللَّهِ ومَلائِكَتِهِ وكُتُبِهِ ورُسُلِهِ والقَدَرِ خَيْرِهِ وشَرِّهِ كَما ثَبَتَ ذَلِكَ في الصَّحِيحِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، والقانِتُ: العابِدُ المُطِيعُ، وكَذا القانِتَةُ، وقِيلَ: المُداوِمِينَ عَلى العِبادَةِ والطّاعَةِ، والصّادِقُ والصّادِقَةُ هُما مَن يَتَكَلَّمُ بِالصِّدْقِ ويَتَجَنَّبُ الكَذِبَ ويَفِي بِما عُوهِدَ عَلَيْهِ، والصّابِرُ والصّابِرَةُ هُما مَن يَصْبِرُ عَنِ الشَّهَواتِ وعَلى مَشاقِّ التَّكْلِيفِ، والخاشِعُ والخاشِعَةُ هُما المُتَواضِعانِ لِلَّهِ الخائِفانِ مِنهُ الخاضِعانِ في عِبادَتِهِمْ لِلَّهِ، والمُتَصَدِّقُ والمُتَصَدِّقَةُ هُما مَن تَصَدَّقَ مِن مالِهِ بِما أوْجَبَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ.
وقِيلَ: ذَلِكَ أعَمُّ مِن صَدَقَةِ الفَرْضِ والنَّفْلِ، وكَذَلِكَ الصّائِمُ والصّائِمَةُ، قِيلَ: ذَلِكَ مُخْتَصٌّ بِالفَرْضِ، وقِيلَ: هو أعَمُّ، والحافِظُ والحافِظَةُ لِفَرْجَيْهِما عَنِ الحَرامِ بِالتَّعَفُّفِ والتَّنَزُّهِ والِاقْتِصارِ عَلى الحَلالِ، والذّاكِرُ والذّاكِرَةُ هُما مَن يَذْكُرُ اللَّهَ عَلى أحْوالِهِ، وفي ذِكْرِ الكَثْرَةِ دَلِيلٌ عَلى مَشْرُوعِيَّةِ الِاسْتِكْثارِ مِن ذِكْرِ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - بِالقَلْبِ واللِّسانِ، واكْتَفى في الحافِظاتِ بِما تَقَدَّمَ في الحافِظِينَ مِن ذِكْرِ الفُرُوجِ والتَّقْدِيرُ: والحافِظِينَ فُرُوجَهم والحافِظاتِ فُرُوجَهُنَّ، وكَذا في الذّاكِراتِ والتَّقْدِيرُ: والذّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا والذّاكِراتِ اللَّهَ كَثِيرًا، والخَبَرُ لِجَمِيعِ ما تَقَدَّمَ هو قَوْلُهُ: ﴿أعَدَّ اللَّهُ لَهم مَغْفِرَةً وأجْرًا عَظِيمًا﴾ أيْ: مَغْفِرَةً لِذُنُوبِهِمُ الَّتِي أذْنَبُوها وأجْرًا عَظِيمًا عَلى طاعاتِهِمُ الَّتِي فَعَلُوها مِنَ الإسْلامِ والإيمانِ والقُنُوتِ والصِّدْقِ والصَّبْرِ والخُشُوعِ والتَّصَدُّقِ والصَّوْمِ والعَفافِ والذِّكْرِ، ووَصْفُ الأجْرِ بِالعِظَمِ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّهُ بالِغٌ غايَةَ المَبالِغِ، ولا شَيْءَ أعْظَمُ مِن أجْرٍ هو الجَنَّةُ ونَعِيمُها الدّائِمُ الَّذِي لا يَنْقَطِعُ ولا يَنْفَدُ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ ذُنُوبَنا وأعْظِمْ أُجُورَنا.
﴿وما كانَ لِمُؤْمِنٍ ولا مُؤْمِنَةٍ إذا قَضى اللَّهُ ورَسُولُهُ أمْرًا أنْ يَكُونَ لَهُمُ الخِيَرَةُ مِن أمْرِهِمْ﴾ أيْ: ما صَحَّ ولا اسْتَقامَ لِرَجُلٍ ولا امْرَأةٍ مِنَ المُؤْمِنِينَ، ولَفْظُ ما كانَ وما يَنْبَغِي ونَحْوِهِما مَعْناها المَنعُ والحَظْرُ مِنَ الشَّيْءِ والإخْبارُ بِأنَّهُ لا يَحِلُّ أنْ يَكُونَ شَرْعًا، وقَدْ يَكُونُ لِما يَمْتَنِعُ عَقْلًا كَقَوْلِهِ: ﴿ما كانَ لَكم أنْ تُنْبِتُوا شَجَرَها﴾ [النمل: ٦٠] ومَعْنى الآيَةِ: أنَّهُ لا يَحِلُّ لِمَن يُؤْمِنُ بِاللَّهِ إذا قَضى اللَّهُ أمْرًا أنْ يَخْتارَ مِن أمْرِ نَفْسِهِ ما شاءَ، بَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ أنْ يُذْعِنَ لِلْقَضاءِ ويُوقِفَ نَفْسَهُ تَحْتَ ما قَضاهُ اللَّهُ واخْتارَهُ لَهُ، وجَمَعَ الضَّمِيرَيْنِ في قَوْلِهِ: لَهم و﴿مِن أمْرِهِمْ﴾؛ لِأنَّ مُؤْمِنٍ ومُؤْمِنَةٍ وقَعا في سِياقِ النَّفْيِ فَهُما يَعُمّانِ كُلَّ مُؤْمِنٍ ومُؤْمِنَةٍ.
قَرَأ الكُوفِيُّونَ أنْ يَكُونَ بِالتَّحْتِيَّةِ، واخْتارَ هَذِهِ القِراءَةَ أبُو عُبَيْدٍ؛ لِأنَّهُ قَدْ فَرَّقَ بَيْنَ الفِعْلِ وفاعِلِهِ المُؤَنَّثِ بِقَوْلِهِ: لَهم مَعَ كَوْنِ التَّأْنِيثِ غَيْرَ حَقِيقِيٍّ، وقَرَأ الباقُونَ بِالفَوْقِيَّةِ لِكَوْنِهِ مُسْنَدًا إلى الخِيَرَةِ وهي مُؤَنَّثَةٌ لَفْظًا، والخِيَرَةُ مَصْدَرٌ بِمَعْنى الِاخْتِيارِ.
وقَرَأ ابْنُ السَّمَيْفَعِ " الخِيرَةُ " بِسُكُونِ التَّحْتِيَّةِ، والباقُونَ بِتَحْرِيكِها، ثُمَّ تَوَعَّدَ - سُبْحانَهُ - مَن لَمْ يُذْعِنْ لِقَضاءِ اللَّهِ وقَدَرِهِ فَقالَ: ﴿ومَن يَعْصِ اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ في أمْرٍ مِنَ الأُمُورِ، ومِن ذَلِكَ عَدَمُ الرِّضا بِالقَضاءِ ﴿فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا مُبِينًا﴾ ضَلَّ عَنْ طَرِيقِ الحَقِّ ضَلالًا ظاهِرًا واضِحًا لا يَخْفى.
وقَدْ أخْرَجَ أحْمَدُ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ «عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قالَتْ: قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ ما لَنا لا نُذْكَرُ في القُرْآنِ كَما يُذْكَرُ الرِّجالُ فَلَمْ يَرُعْنِي مِنهُ ذاتَ يَوْمٍ إلّا نِداؤُهُ عَلى المِنبَرِ وهو يَقُولُ: إنَّ اللَّهَ يَقُولُ ﴿إنَّ المُسْلِمِينَ والمُسْلِماتِ﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ» .
ورُوِيَ نَحْوُ هَذا عَنْها مِن طَرِيقٍ أُخْرى أخْرَجَها الفِرْيابِيُّ وابْنُ سَعْدٍ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ.
وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والتِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ، والطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أُمِّ عُمارَةَ الأنْصارِيَّةِ أنَّها أتَتِ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَقالَ: ما أرى كُلَّ شَيْءٍ إلّا لِلرِّجالِ، وما أرى النِّساءَ يُذْكَرْنَ بِشَيْءٍ ؟ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ﴿إنَّ المُسْلِمِينَ والمُسْلِماتِ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ والطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ بِإسْنادٍ قالَ السُّيُوطِيُّ: حَسَنٌ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَتِ النِّساءُ يا رَسُولَ اللَّهِ ما بالُهُ يَذْكُرُ المُؤْمِنِينَ ولا يَذْكُرُ المُؤْمِناتِ ؟ فَنَزَلَتْ ﴿إنَّ المُسْلِمِينَ والمُسْلِماتِ﴾ الآيَةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - قالَ: إنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - «انْطَلَقَ لِيَخْطُبَ عَلى فَتاهُ زَيْدِ بْنِ حارِثَةَ، فَدَخَلَ عَلى زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ الأسَدِيَّةِ فَخَطَبَها، قالَتْ: لَسْتُ بِناكِحَتِهِ، قالَ: بَلى فانْكِحِيهِ، قالَتْ: يا رَسُولَ اللَّهِ أُؤامِرُ نَفْسِي، فَبَيْنَما هُما يَتَحَدَّثانِ أنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ عَلى رَسُولِهِ ﴿وما كانَ لِمُؤْمِنٍ ولا مُؤْمِنَةٍ﴾ الآيَةَ، قالَتْ: قَدْ رَضِيتَهُ لِي يا رَسُولَ اللَّهِ مُنْكِحًا، قالَ نَعَمْ، قالَتْ: إذَنْ لا أعْصِي رَسُولَ اللَّهِ قَدْ أنْكَحْتُهُ نَفْسِي» .
وأخْرَجَ نَحْوَهُ عَنْهُ ابْنُ جَرِيرٍ مِن طَرِيقٍ أُخْرى.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ أيْضًا قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - لِزَيْنَبَ: «إنِّي أُرِيدُ أنْ أُزَوِّجَكِ زَيْدَ بْنَ حارِثَةَ فَإنِّي قَدْ رَضِيتُهُ لَكِ، قالَتْ يا رَسُولَ اللَّهِ لَكِنِّي لا أرْضاهُ لِنَفْسِي وأنا أيِّمُ قَوْمِي وبِنْتُ عَمَّتِكَ فَلَمْ أكُنْ (p-١١٧١)لِأفْعَلَ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿وما كانَ لِمُؤْمِنٍ﴾ يَعْنِي زَيْدًا ﴿ولا مُؤْمِنَةٍ﴾ يَعْنِي زَيْنَبَ ﴿إذا قَضى اللَّهُ ورَسُولُهُ أمْرًا﴾ يَعْنِي النِّكاحَ في هَذا المَوْضِعِ ﴿أنْ يَكُونَ لَهُمُ الخِيَرَةُ مِن أمْرِهِمْ﴾ يَقُولُ: لَيْسَ لَهُمُ الخِيَرَةُ مِن أمْرِهِمْ خِلافَ ما أمَرَ اللَّهُ بِهِ ﴿ومَن يَعْصِ اللَّهَ ورَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا مُبِينًا﴾ قالَتْ: قَدْ أطَعْتُكَ فاصْنَعْ ما شِئْتَ، فَزَوَّجَها زَيْدًا ودَخَلَ عَلَيْها» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ زَيْدٍ قالَ: نَزَلَتْ في أُمِّ كُلْثُومٍ بِنْتِ عُقْبَةَ بْنِ أبِي مُعَيْطٍ وكانَتْ أوَّلَ امْرَأةٍ هاجَرَتْ فَوَهَبَتْ نَفْسَها لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَزَوَّجَها زَيْدَ بْنَ حارِثَةَ فَسَخِطَتْ هي وأخُوها وقالا: إنَّما أرَدْنا رَسُولَ اللَّهِ فَزَوَّجَنا عَبْدَهُ.
33:37–40Page 423
وَإِذۡ تَقُولُ لِلَّذِيٓ أَنۡعَمَ ٱللَّهُ عَلَيۡهِ وَأَنۡعَمۡتَ عَلَيۡهِ أَمۡسِكۡ عَلَيۡكَ زَوۡجَكَ وَٱتَّقِ ٱللَّهَ وَتُخۡفِي فِي نَفۡسِكَ مَا ٱللَّهُ مُبۡدِيهِ وَتَخۡشَى ٱلنَّاسَ وَٱللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخۡشَىٰهُۖ فَلَمَّا قَضَىٰ زَيۡدٞ مِّنۡهَا وَطَرٗا زَوَّجۡنَٰكَهَا لِكَيۡ لَا يَكُونَ عَلَى ٱلۡمُؤۡمِنِينَ حَرَجٞ فِيٓ أَزۡوَٰجِ أَدۡعِيَآئِهِمۡ إِذَا قَضَوۡاْ مِنۡهُنَّ وَطَرٗاۚ وَكَانَ أَمۡرُ ٱللَّهِ مَفۡعُولٗا ٣٧
And [remember, O Muḥammad], when you said to the one on whom Allāh bestowed favor and you bestowed favor,1 "Keep your wife and fear Allāh," while you concealed within yourself that which Allāh is to disclose.2 And you feared the people,3 while Allāh has more right that you fear Him.4 So when Zayd had no longer any need for her, We married her to you in order that there not be upon the believers any discomfort [i.e., guilt] concerning the wives of their claimed [i.e., adopted] sons when they no longer have need of them. And ever is the command [i.e., decree] of Allāh accomplished.
مَّا كَانَ عَلَى ٱلنَّبِيِّ مِنۡ حَرَجٖ فِيمَا فَرَضَ ٱللَّهُ لَهُۥۖ سُنَّةَ ٱللَّهِ فِي ٱلَّذِينَ خَلَوۡاْ مِن قَبۡلُۚ وَكَانَ أَمۡرُ ٱللَّهِ قَدَرٗا مَّقۡدُورًا ٣٨
There is not to be upon the Prophet any discomfort concerning that which Allāh has imposed upon him.1 [This is] the established way of Allāh with those [prophets] who have passed on before. And ever is the command of Allāh a destiny decreed.
ٱلَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَٰلَٰتِ ٱللَّهِ وَيَخۡشَوۡنَهُۥ وَلَا يَخۡشَوۡنَ أَحَدًا إِلَّا ٱللَّهَۗ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ حَسِيبٗا ٣٩
[Allāh praises] those who convey the messages of Allāh1 and fear Him and do not fear anyone but Allāh. And sufficient is Allāh as Accountant.
مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَآ أَحَدٖ مِّن رِّجَالِكُمۡ وَلَٰكِن رَّسُولَ ٱللَّهِ وَخَاتَمَ ٱلنَّبِيِّـۧنَۗ وَكَانَ ٱللَّهُ بِكُلِّ شَيۡءٍ عَلِيمٗا ٤٠
Muḥammad is not the father of [any] one of your men, but [he is] the Messenger of Allāh and seal [i.e., last] of the prophets. And ever is Allāh, of all things, Knowing.
لَمّا زَوَّجَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - زَيْدَ بْنَ حارِثَةَ بِزَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ كَما مَرَّ في تَفْسِيرِ الآيَةِ الَّتِي قَبْلَ هَذِهِ أنْزَلَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - ﴿وإذْ تَقُولُ لِلَّذِي أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وأنْعَمْتَ عَلَيْهِ﴾ أيْ: واذْكُرْ إذْ تَقُولُ لِلَّذِي أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وهو زَيْدُ بْنُ حارِثَةَ، أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ بِالإسْلامِ، وأنْعَمَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بِأنْ أعْتَقَهُ مِنَ الرِّقِّ، وكانَ مِن سَبْيِ الجاهِلِيَّةِ اشْتَراهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - في الجاهِلِيَّةِ وأعْتَقَهُ وتَبَنّاهُ، وسَيَأْتِي في بَيانِ سَبَبِ نُزُولِ الآيَةِ في آخِرِ البَحْثِ ما يُوَضِّحُ المُرادَ مِنها.
قالَ القُرْطُبِيُّ: وقَدِ اخْتُلِفَ في تَأْوِيلِ هَذِهِ الآيَةِ، فَذَهَبَ قَتادَةُ وابْنُ زَيْدٍ وجَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ مِنهُمُ ابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ وغَيْرُهُ إلى أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وقَعَ مِنهُ اسْتِحْسانٌ لِزَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ وهي في عِصْمَةِ زَيْدٍ، وكانَ حَرِيصًا عَلى أنْ يُطَلِّقَها زَيْدٌ فَيَتَزَوَّجَها هو، ثُمَّ إنَّ زَيْدًا لَمّا أخْبَرَهُ بِأنَّهُ يُرِيدُ فِراقَها ويَشْكُو مِنها غِلْظَةَ قَوْلٍ وعِصْيانَ أمْرٍ وأذًى بِاللِّسانِ وتَعَظُّمًا بِالشَّرَفِ، قالَ لَهُ: اتَّقِ اللَّهَ فِيما تَقُولُ عَنْها وأمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ، وهو يُخْفِي الحِرْصَ عَلى طَلاقِ زَيْدٍ إيّاها، وهَذا الَّذِي كانَ يُخْفِي في نَفْسِهِ ولَكِنَّهُ لَزِمَ ما يَجِبُ مِنَ الأمْرِ بِالمَعْرُوفِ. انْتَهى. ﴿أمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ﴾ يَعْنِي زَيْنَبَ ﴿واتَّقِ اللَّهَ﴾ في أمْرِها ولا تُعَجِّلْ بِطَلاقِها ﴿وتُخْفِي في نَفْسِكَ ما اللَّهُ مُبْدِيهِ﴾ وهو نِكاحُها إنْ طَلَّقَها زَيْدٌ، وقِيلَ: حُبُّها ﴿وتَخْشى النّاسَ﴾ أيْ: تَسْتَحْيِيهِمْ، أوْ تَخافُ مِن تَعْبِيرِهِمْ بِأنْ يَقُولُوا أمَرَ مَوْلاهُ بِطَلاقِ امْرَأتِهِ ثُمَّ تَزَوَّجَها ﴿واللَّهُ أحَقُّ أنْ تَخْشاهُ﴾ في كُلِّ حالٍ وتَخافُ مِنهُ وتَسْتَحْيِيهِ والواوُ لِلْحالِ أيْ: تُخْفِي في نَفْسِكَ ذَلِكَ الأمْرَ مَخافَةً مِنَ النّاسِ ﴿فَلَمّا قَضى زَيْدٌ مِنها وطَرًا﴾ قَضاءُ الوَطَرِ في اللُّغَةِ: بُلُوغُ مُنْتَهى ما في النَّفْسِ مِنَ الشَّيْءِ، يُقالُ: قَضى وطَرًا مِنهُ: إذا بَلَغَ ما أرادَ مِن حاجَتِهِ فِيهِ، ومِنهُ قَوْلُ عُمَرَ بْنِ أبِي رَبِيعَةَ
؎أيُّها الرّائِحُ المُجِدُّ ابْتِكارا قَدْ قَضى مِن تِهامَةَ الأوْطارا
أيْ: فَرَغَ مِن أعْمالِ الحَجِّ وبَلَغَ ما أرادَ مِنهُ، والمُرادُ هُنا أنَّهُ قَضى وطَرَهُ مِنها بِنِكاحِهِ والدُّخُولِ بِها بِحَيْثُ لَمْ يَبْقَ لَهُ فِيها حاجَةٌ، وقِيلَ: المُرادُ بِهِ الطَّلاقُ، وأنَّ الرَّجُلَ إنَّما يُطَلِّقُ امْرَأتَهُ إذا لَمْ يَبْقَ لَهُ فِيها حاجَةٌ وقالَ المُبَرِّدُ: الوَطَرُ الشَّهْوَةُ والمَحَبَّةُ وأنْشَدَ:
؎وكَيْفَ ثِوائِي بِالمَدِينَةِ بَعْدَ ما ∗∗∗ قَضى وطَرًا مِنها جَمِيلُ بْنُ مَعْمَرِ
وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الوَطَرُ: الأرَبُ والحاجَةُ، وأنْشَدَ قَوْلَ الفَزارِيِّ:
؎ودَّعَنا قَبْلَ أنْ نُوَدِّعَهُ ∗∗∗ لَمّا قَضى مِن شَبابِنا وطَرا
قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿زَوَّجْناكَها﴾ وقَرَأ عَلِيٌّ وابْناهُ الحَسَنُ والحُسَيْنُ " زَوَّجْتُكَها " فَلَمّا أعْلَمَهُ اللَّهُ بِذَلِكَ دَخَلَ عَلَيْها بِغَيْرِ إذْنٍ ولا عَقْدٍ ولا تَقْدِيرِ صَداقٍ ولا شَيْءٍ مِمّا هو مُعْتَبَرٌ في النِّكاحِ في حَقِّ أُمَّتِهِ.
وقِيلَ: المُرادُ بِهِ الأمْرُ لَهُ بِأنْ يَتَزَوَّجَها. والأوَّلُ أوْلى، وبِهِ جاءَتِ الأخْبارُ الصَّحِيحَةُ.
ثُمَّ عَلَّلَ - سُبْحانَهُ - ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿لِكَيْ لا يَكُونَ عَلى المُؤْمِنِينَ حَرَجٌ﴾ أيْ: ضِيقٌ ومَشَقَّةٌ ﴿فِي أزْواجِ أدْعِيائِهِمْ﴾ أيْ: في التَّزَوُّجِ بِأزْواجِ مَن يَجْعَلُونَهُ ابْنًا كَما كانَتْ تَفْعَلُهُ العَرَبُ فَإنَّهم كانُوا يَتَبَنَّوْنَ مَن يُرِيدُونَ، وكانَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قَدْ تَبَنّى زَيْدَ بْنَ حارِثَةَ، فَكانَ يُقالُ: زَيْدُ بْنُ مُحَمَّدٍ حَتّى نَزَلَ قَوْلُهُ - سُبْحانَهُ -: ﴿ادْعُوهم لِآبائِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٥] وكانَتِ العَرَبُ تَعْتَقِدُ أنَّهُ يَحْرُمُ عَلَيْهِمْ نِساءُ مَن تَبَنَّوْهُ كَما تَحْرُمُ عَلَيْهِمْ نِساءُ أبْنائِهِمْ حَقِيقَةً.
والأدْعِياءُ جَمْعُ دَعِيٍّ، وهو الَّذِي يَدَّعِي ابْنًا مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ ابْنًا عَلى الحَقِيقَةِ، فَأخْبَرَهُمُ اللَّهُ أنَّ نِساءَ الأدْعِياءِ حَلالٌ لَهم ﴿إذا قَضَوْا مِنهُنَّ وطَرًا﴾ بِخِلافِ ابْنِ الصُّلْبِ فَإنَّ امْرَأتَهُ تَحْرُمُ عَلى أبِيهِ بِنَفْسِ العَقْدِ عَلَيْها ﴿وكانَ أمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا﴾ أيْ: كانَ قَضاءُ اللَّهِ في زَيْنَبَ أنْ يَتَزَوَّجَها رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قَضاءً ماضِيًا مَفْعُولًا لا مَحالَةَ.
ثُمَّ بَيَّنَ - سُبْحانَهُ - أنَّهُ لَمْ يَكُنْ عَلى رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - حَرَجٌ في هَذا النِّكاحِ فَقالَ: ﴿ما كانَ عَلى النَّبِيِّ مِن حَرَجٍ فِيما فَرَضَ اللَّهُ لَهُ﴾ أيْ: فِيما أحَلَّ اللَّهُ لَهُ وقَدَّرَهُ وقَضاهُ، يُقالُ: فَرَضَ لَهُ كَذا أيْ: قَدَّرَ لَهُ ﴿سُنَّةَ اللَّهِ في الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ﴾ أيْ: إنَّ هَذا هو السَّنَنُ الأقْدَمُ في الأنْبِياءِ والأُمَمِ الماضِيَةِ أنْ يَنالُوا ما أحَلَّهُ اللَّهُ لَهم مِن أمْرِ النِّكاحِ وغَيْرِهِ ﴿وكانَ أمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا﴾ أيْ: قَضاءً مَقْضِيًّا.
قالَ مُقاتِلٌ: أخْبَرَ اللَّهُ أنَّ أمْرَ زَيْنَبَ كانَ مِن حُكْمِ اللَّهِ وقَدَرِهِ، وانْتِصابُ سُنَّةَ عَلى المَصْدَرِ أيْ: سَنَّ اللَّهُ سُنَّةَ اللَّهِ، أوِ اسْمٌ وُضِعَ مَوْضِعَ المَصْدَرِ أوْ مَنصُوبٌ بِجَعَلَ أوْ بِالإغْراءِ. ورَدَّهُ أبُو حَيّانَ بِأنَّ عامِلَ الإغْراءِ لا يُحْذَفُ.
ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - الأنْبِياءَ الماضِينَ وأثْنى عَلَيْهِمْ فَقالَ: ﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسالاتِ اللَّهِ﴾ والمَوْصُولُ في مَحَلِّ جَرِّ صِفَةٌ لِلَّذِينَ خَلَوْا أوْ مَنصُوبٌ عَلى المَدْحِ، مَدَحَهم - سُبْحانَهُ - بِتَبْلِيغِ ما أرْسَلَهم بِهِ إلى عِبادِهِ وخَشْيَتِهِ في كُلِّ فِعْلٍ وقَوْلٍ، (p-١١٧٢)ولا يَخْشَوْنَ سِواهُ ولا يُبالُونَ بِقَوْلِ النّاسِ ولا بِتَعْبِيرِهِمْ، بَلْ خَشْيَتُهم مَقْصُورَةٌ عَلى اللَّهِ - سُبْحانَهُ - ﴿وكَفى بِاللَّهِ حَسِيبًا﴾ حاضِرًا في كُلِّ مَكانٍ يَكْفِي عِبادَهُ كُلَّ ما يَخافُونَهُ، أوْ مُحاسِبًا لَهم في كُلِّ شَيْءٍ، ولَمّا تَزَوَّجَ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - زَيْنَبَ قالَ النّاسُ: تَزَوَّجَ امْرَأةَ ابْنِهِ.
فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿ما كانَ مُحَمَّدٌ أبا أحَدٍ مِن رِجالِكُمْ﴾ أيْ: لَيْسَ بِأبٍ لِزَيْدِ بْنِ حارِثَةَ عَلى الحَقِيقَةِ حَتّى تَحْرُمَ عَلَيْهِ زَوْجَتُهُ، ولا هو أبٌ لِأحَدٍ لَمْ يَلِدْهُ.
قالَ الواحِدِيُّ: قالَ المُفَسِّرُونَ: لَمْ يَكُنْ أبا أحَدٍ لَمْ يَلِدْهُ، وقَدْ وُلِدَ لَهُ مِنَ الذُّكُورِ إبْراهِيمُ والقاسِمُ والطَّيِّبُ والمُطَهَّرُ.
قالَ القُرْطُبِيُّ: ولَكِنْ لَمْ يَعِشْ لَهُ ابْنٌ حَتّى يَصِيرَ رَجُلًا: قالَ: وأمّا الحَسَنُ والحُسَيْنُ فَكانا طِفْلَيْنِ ولَمْ يَكُونا رَجُلَيْنِ مُعاصِرَيْنِ لَهُ ﴿ولَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ﴾ قالَ الأخْفَشُ والفَرّاءُ: ولَكِنْ كانَ رَسُولَ اللَّهِ وأجازا الرَّفْعَ.
وكَذا قَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ بِالرَّفْعِ في رَسُولَ وفي خاتَمَ عَلى مَعْنى: ولَكِنْ هو رَسُولُ اللَّهِ وخاتَمُ النَّبِيِّينَ وقَرَأ الجُمْهُورُ بِتَخْفِيفِ لَكِنْ، ونَصْبِ " رَسُولَ " و" خاتَمَ "، ووَجْهُ النَّصْبِ عَلى خَبَرِيَّةِ كانَ المُقَدَّرَةِ كَما تَقَدَّمَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ بِالعَطْفِ عَلى ﴿أبا أحَدٍ﴾ .
وقَرَأ أبُو عَمْرٍو في رِوايَةٍ عَنْهُ بِتَشْدِيدِ لَكِنْ ونَصْبِ رَسُولَ عَلى أنَّهُ اسْمُها وخَبَرُها مَحْذُوفٌ أيْ: ولَكِنَّ رَسُولَ اللَّهِ هو.
وقَرَأ الجُمْهُورُ " خاتِمَ " بِكَسْرِ التّاءِ. وقَرَأ عاصِمٌ بِفَتْحِها، ومَعْنى القِراءَةِ الأُولى: أنَّهُ خَتَمَهم أيْ: جاءَ آخِرَهم.
ومَعْنى القِراءَةِ الثّانِيَةِ: أنَّهُ صارَ كالخاتَمِ لَهُمُ الَّذِي يَتَخَتَّمُونَ بِهِ ويَتَزَيَّنُونَ بِكَوْنِهِ مِنهم. وقِيلَ: كَسْرُ التّاءِ وفَتْحُها لُغَتانِ.
قالَ أبُو عُبَيْدٍ: الوَجْهُ الكَسْرُ لِأنَّ التَّأْوِيلَ أنَّهُ خَتَمَهم فَهو خاتِمُهم، وأنَّهُ قالَ: «أنا خاتِمُ النَّبِيِّينَ» وخاتِمُ الشَّيْءِ آخِرُهُ ومِنهُ قَوْلُهم: خاتِمُهُ المِسْكُ.
وقالَ الحَسَنُ: الخاتَمُ هو الَّذِي خُتِمَ بِهِ ﴿وكانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ قَدْ أحاطَ عِلْمُهُ بِكُلِّ شَيْءٍ، ومِن جُمْلَةِ مَعْلُوماتِهِ هَذِهِ الأحْكامُ المَذْكُورَةُ هُنا.
وقَدْ أخْرَجَ أحْمَدُ والبُخارِيُّ، والتِّرْمِذِيُّ وغَيْرُهم عَنْ أنَسٍ قالَ: «جاءَ زَيْدُ بْنُ حارِثَةَ يَشْكُو زَيْنَبَ إلى رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَقُولُ: اتَّقِ اللَّهَ وأمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ، فَنَزَلَتْ ﴿وتُخْفِي في نَفْسِكَ ما اللَّهُ مُبْدِيهِ﴾» .
قالَ أنَسٌ: فَلَوْ كانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - كاتِمًا شَيْئًا لَكَتَمَ هَذِهِ الآيَةَ، فَتَزَوَّجَها رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَما أوْلَمَ عَلى امْرَأةٍ مِن نِسائِهِ ما أوْلَمَ عَلَيْها، ذَبَحَ شاةً ﴿فَلَمّا قَضى زَيْدٌ مِنها وطَرًا زَوَّجْناكَها﴾ فَكانَتْ تَفْخَرُ عَلى أزْواجِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - تَقُولُ: زَوَّجَكُنَّ أهالِيكُنَّ وزَوَّجَنِيَ اللَّهُ مِن فَوْقِ سَبْعِ سَماواتٍ.
وأخْرَجَ أحْمَدُ، ومُسْلِمٌ، والنَّسائِيُّ وغَيْرُهم عَنْ أنَسٍ قالَ: «لَمّا انْقَضَتْ عِدَّةُ زَيْنَبَ، قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - لِزَيْدٍ: اذْهَبْ فاذْكُرْها عَلَيَّ، فانْطَلَقَ، قالَ: فَلَمّا رَأيْتُها عَظُمَتْ في صَدْرِي، فَقُلْتُ: يا زَيْنَبُ أبْشِرِي أرْسَلَنِي رَسُولُ اللَّهِ يَذْكُرُكِ، قالَتْ ما أنا بِصانِعَةٍ شَيْئًا حَتّى أُؤامِرَ رَبِّي، فَقامَتْ إلى مَسْجِدِها ونَزَلَ القُرْآنُ، وجاءَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ودَخَلَ عَلَيْها بِغَيْرِ إذْنٍ، ولَقَدْ رَأيْتُنا حِينَ دَخَلَتْ عَلى رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أطْعَمَنا عَلَيْها الخُبْزَ واللَّحْمَ، فَخَرَجَ النّاسُ وبَقِيَ رِجالٌ يَتَحَدَّثُونَ في البَيْتِ بَعْدَ الطَّعامِ، فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - واتَّبَعْتُهُ، فَجَعَلَ يَتَتَبَّعُ حُجَرَ نِسائِهِ يُسَلِّمُ عَلَيْهِنَّ ويَقُولُونَ: يا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ وجَدْتَ أهْلَكَ ؟ فَما أدْرِي أنا أخْبَرْتُهُ أنَّ القَوْمَ قَدْ خَرَجُوا أوْ أُخْبِرَ، فانْطَلَقَ حَتّى دَخَلَ البَيْتَ، فَذَهَبْتُ أدْخُلُ مَعَهُ، فَألْقى السِّتْرَ بَيْنِي وبَيْنَهُ ونَزَلَ الحِجابُ ووُعِظَ القَوْمُ بِما وُعِظُوا بِهِ ﴿لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إلّا أنْ يُؤْذَنَ لَكم﴾ [الأحزاب: ٥٣] الآيَةَ» .
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والتِّرْمِذِيُّ وصَحَّحَهُ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عائِشَةَ قالَتْ لَوْ كانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - كاتِمًا شَيْئًا مِنَ الوَحْيِ لَكَتَمَ هَذِهِ الآيَةَ ﴿وإذْ تَقُولُ لِلَّذِي أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ﴾ يَعْنِي بِالإسْلامِ ﴿وأنْعَمْتَ عَلَيْهِ﴾ يَعْنِي بِالعِتْقِ ﴿أمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿وكانَ أمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا﴾ وإنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - لَمّا تَزَوَّجَها قالُوا تَزَوَّجَ حَلِيلَةَ ابْنِهِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿ما كانَ مُحَمَّدٌ أبا أحَدٍ مِن رِجالِكم ولَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وخاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ وكانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - تَبَنّاهُ وهو صَغِيرٌ، فَلَبِثَ حَتّى صارَ رَجُلًا يُقالُ: لَهُ زَيْدُ بْنُ مُحَمَّدٍ، فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿ادْعُوهم لِآبائِهِمْ هو أقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [الأحزاب: ٥] يَعْنِي أعْدَلَ عِنْدَ اللَّهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ القُرَظِيِّ في قَوْلِهِ: ﴿سُنَّةَ اللَّهِ في الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ﴾ قالَ: يَعْنِي يَتَزَوَّجُ مِنَ النِّساءِ ما شاءَ هَذا فَرِيضَةٌ، وكانَ مَن قَبْلُ مِنَ الأنْبِياءِ هَذا سُنَّتُهم، قَدْ كانَ لِسُلَيْمانَ بْنِ داوُدَ ألْفُ امْرَأةٍ، وكانَ لِداوُدَ مِائَةُ امْرَأةٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ والطَّبَرانِيُّ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ في قَوْلِهِ: ﴿سُنَّةَ اللَّهِ في الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ﴾ قالَ داوُدُ: والمَرْأةُ الَّتِي نَكَحَ وزُوِّجَها اسْمُها اليسية، فَذَلِكَ سُنَّةٌ في مُحَمَّدٍ وزَيْنَبَ ﴿وكانَ أمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا﴾ كَذَلِكَ مِن سُنَّتِهِ في داوُدَ والمَرْأةِ والنَّبِيِّ وزَيْنَبَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ما كانَ مُحَمَّدٌ أبا أحَدٍ مِن رِجالِكم﴾ قالَ: نَزَلَتْ في زَيْدِ بْنِ حارِثَةَ.
وأخْرَجَ أحْمَدُ، ومُسْلِمٌ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «مَثَلِي ومَثَلُ النَّبِيِّينَ كَمَثَلِ رَجُلٍ بَنى دارًا، فانْتَهى إلّا لَبِنَةً واحِدَةً، فَجِئْتُ أنا فَأتْمَمْتُ تِلْكَ اللَّبِنَةَ» .
وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما عَنْ جابِرٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «مَثَلِي ومَثَلُ الأنْبِياءِ كَمَثَلِ رَجُلٍ ابْتَنى دارًا فَأكْمَلَها وأحْسَنَها إلّا مَوْضِعَ لَبِنَةٍ، فَكانَ مَن دَخَلَها فَنَظَرَ إلَيْها قالَ: ما أحْسَنَها إلّا مَوْضِعَ اللَّبِنَةِ، فَأنا مَوْضِعُ اللَّبِنَةِ حَتّى خَتَمَ بِيَ الأنْبِياءَ» .
وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ أحْمَدُ، والتِّرْمِذِيُّ وصَحَّحَهُ مِن حَدِيثِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ نَحْوَهُ أيْضًا.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences