Ash-ShawkaniAl‑Ahzab · 33:49–55

Ash-Shawkani · Tafsir · in Arabic

Al-Ahzab 33:49–55, continued

وكانَ مِمَّنْ أرْجى مَيْمُونَةُ وجُوَيْرِيَّةُ وأُمُّ حَبِيبَةَ وصَفِيَّةُ وسَوْدَةُ، وكانَ يَقْسِمُ بَيْنَهُنَّ مِن نَفْسِهِ ومالِهِ ما شاءَ، وكانَ مِمَّنْ آوى عائِشَةُ وحَفْصَةُ وأُمُّ سَلَمَةَ وزَيْنَبُ، فَكانَتْ قِسْمَتُهُ مِن نَفْسِهِ ومالِهِ بَيْنَهُنَّ سَواءً.

وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما عَنْ عائِشَةَ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - كانَ يَسْتَأْذِنُ في يَوْمِ المَرْأةِ مِنّا بَعْدَ أنْ أُنْزِلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ﴿تُرْجِي مَن تَشاءُ مِنهُنَّ﴾ فَقُلْتُ لَها: ما كُنْتِ تَقُولِينَ ؟ قالَتْ: كُنْتُ أقُولُ: إنْ كانَ ذَلِكَ إلَيَّ فَإنِّي لا أُرِيدُ أنْ أُؤْثِرَ عَلَيْكَ أحَدًا» .

وأخْرَجَ الرُّويانِيُّ، والدّارِمِيُّ وابْنُ سَعْدٍ، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ في زَوائِدِ المُسْنَدِ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والضِّياءُ في المُخْتارَةِ عَنْ زِيادٍ - رَجُلٍ مِنَ الأنْصارِ - قالَ: قُلْتُ لِأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: أرَأيْتَ لَوْ أنَّ أزْواجَ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مُتْنَ أما كانَ يَحِلُّ لَهُ أنْ يَتَزَوَّجَ ؟ قالَ: وما يَمْنَعُهُ مِن ذَلِكَ ؟ قُلْتُ: قَوْلُهُ: ﴿لا يَحِلُّ لَكَ النِّساءُ مِن بَعْدُ﴾ قالَ: إنَّما أحَلَّ لَهُ ضَرْبًا مِنَ النِّساءِ ووَصَفَ لَهُ صِفَةً فَقالَ: ﴿ياأيُّها النَّبِيُّ إنّا أحْلَلْنا لَكَ أزْواجَكَ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿وامْرَأةً مُؤْمِنَةً﴾ ثُمَّ قالَ: لا يَحِلُّ لَكَ النِّساءُ مِن بَعْدِ هَذِهِ الصِّفَةِ.

وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والتِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «نُهِيَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - عَنْ أصْنافِ النِّساءِ إلّا ما كانَ مِنَ المُؤْمِناتِ المُهاجِراتِ، قالَ: ﴿لا يَحِلُّ لَكَ النِّساءُ مِن بَعْدُ ولا أنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِن أزْواجٍ ولَوْ أعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ إلّا ما مَلَكَتْ يَمِينُكَ﴾ فَأحَلَّ لَهُ الفَتَياتِ المُؤْمِناتِ ﴿وامْرَأةً مُؤْمِنَةً إنْ وهَبَتْ نَفْسَها لِلنَّبِيِّ﴾ وحَرَّمَ كُلَّ ذاتِ دِينٍ غَيْرِ الإسْلامِ، وقالَ: ﴿ياأيُّها النَّبِيُّ إنّا أحْلَلْنا لَكَ أزْواجَكَ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿خالِصَةً لَكَ مِن دُونِ المُؤْمِنِينَ﴾ وحَرَّمَ ما سِوى ذَلِكَ مِن أصْنافِ النِّساءِ» .

وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ قالَ «نُهِيَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أنْ يَتَزَوَّجَ بَعْدَ نِسائِهِ الأُوَلِ شَيْئًا» .

وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ أيْضًا في الآيَةِ قالَ: حَبَسَهُ اللَّهُ عَلَيْهِنَّ كَما حَبَسَهُنَّ عَلَيْهِ.

وأخْرَجَ أبُو داوُدَ في ناسِخِهِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنْ أنَسٍ قالَ: «لَمّا خَيَّرَهُنَّ فاخْتَرْنَ اللَّهَ ورَسُولَهُ قَصَرَهُ عَلَيْهِنَّ فَقالَ: ﴿لا يَحِلُّ لَكَ النِّساءُ مِن بَعْدُ﴾» .

وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قالَتْ: لَمْ يَمُتْ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - حَتّى أحَلَّ اللَّهُ لَهُ أنْ يَتَزَوَّجَ مِنَ النِّساءِ ما شاءَ إلّا ذاتَ مَحْرَمٍ، وذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ ﴿تُرْجِي مَن تَشاءُ مِنهُنَّ وتُؤْوِي إلَيْكَ مَن تَشاءُ﴾ .

وأخْرَجَ، عَبْدُ الرَّزّاقِ، وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ سَعْدٍ وأحْمَدُ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وأبُو داوُدَ في ناسِخِهِ، والتِّرْمِذِيُّ وصَحَّحَهُ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ مِن طَرِيقِ عَطاءٍ عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: لَمْ يَمُتْ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - حَتّى أحَلَّ اللَّهُ لَهُ أنْ يَتَزَوَّجَ مِنَ النِّساءِ ما شاءَ إلّا ذاتَ مَحْرَمٍ لِقَوْلِهِ: ﴿تُرْجِي مَن تَشاءُ مِنهُنَّ وتُؤْوِي إلَيْكَ مَن تَشاءُ﴾ .

وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مِثْلَهُ.

وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ سَعْدٍ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ أبِي رَزِينٍ ﴿لا يَحِلُّ لَكَ النِّساءُ مِن بَعْدُ﴾ قالَ: مِنَ المُشْرِكاتِ إلّا ما سَبَيْتَ فَمَلَكَتْ يَمِينُكَ.

وأخْرَجَ البَزّارُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: «كانَ البَدَلُ في الجاهِلِيَّةِ أنْ يَقُولَ الرَّجُلُ لِلرَّجُلِ: بادِلْنِي امْرَأتَكَ وأُبادِلُكَ امْرَأتِي أيْ: تَنْزِلُ لِي عَنِ امْرَأتِكَ وأنْزِلُ لَكَ عَنِ (p-١١٧٩)امْرَأتِي، فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿ولا أنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِن أزْواجٍ ولَوْ أعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ﴾ قالَ: فَدَخَلَ عُيَيْنَةُ بْنُ حِصْنٍ الفَزارِيُّ إلى النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وعِنْدَهُ عائِشَةُ، فَدَخَلَ بِغَيْرِ إذْنٍ، فَقالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: أيْنَ الِاسْتِئْذانُ ؟ قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ ما اسْتَأْذَنْتُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الأنْصارِ مُنْذُ أدْرَكْتُ، ثُمَّ قالَ: مَن هَذِهِ الحُمَيْراءُ إلى جَنْبِكَ ؟ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ: هَذِهِ عائِشَةُ أُمُّ المُؤْمِنِينَ، قالَ: أفَلا أنْزِلُ لَكَ عَنْ أحْسَنِ خَلْقِ اللَّهِ ؟ قالَ: يا عُيَيْنَةُ إنَّ اللَّهَ حَرَّمَ ذَلِكَ، فَلَمّا أنْ خَرَجَ قالَتْ عائِشَةُ: مَن هَذا ؟ قالَ: أحْمَقُ مُطاعٌ، وإنَّهُ عَلى ما تَرَيْنَ لَسَيِّدُ قَوْمِهِ» .

33:53–55Page 425

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَدۡخُلُواْ بُيُوتَ ٱلنَّبِيِّ إِلَّآ أَن يُؤۡذَنَ لَكُمۡ إِلَىٰ طَعَامٍ غَيۡرَ نَٰظِرِينَ إِنَىٰهُ وَلَٰكِنۡ إِذَا دُعِيتُمۡ فَٱدۡخُلُواْ فَإِذَا طَعِمۡتُمۡ فَٱنتَشِرُواْ وَلَا مُسۡتَـٔۡنِسِينَ لِحَدِيثٍۚ إِنَّ ذَٰلِكُمۡ كَانَ يُؤۡذِي ٱلنَّبِيَّ فَيَسۡتَحۡيِۦ مِنكُمۡۖ وَٱللَّهُ لَا يَسۡتَحۡيِۦ مِنَ ٱلۡحَقِّۚ وَإِذَا سَأَلۡتُمُوهُنَّ مَتَٰعٗا فَسۡـَٔلُوهُنَّ مِن وَرَآءِ حِجَابٖۚ ذَٰلِكُمۡ أَطۡهَرُ لِقُلُوبِكُمۡ وَقُلُوبِهِنَّۚ وَمَا كَانَ لَكُمۡ أَن تُؤۡذُواْ رَسُولَ ٱللَّهِ وَلَآ أَن تَنكِحُوٓاْ أَزۡوَٰجَهُۥ مِنۢ بَعۡدِهِۦٓ أَبَدًاۚ إِنَّ ذَٰلِكُمۡ كَانَ عِندَ ٱللَّهِ عَظِيمًا ٥٣

O you who have believed, do not enter the houses of the Prophet except when you are permitted for a meal, without awaiting its readiness. But when you are invited, then enter; and when you have eaten, disperse without seeking to remain for conversation. Indeed, that [behavior] was troubling the Prophet, and he is shy of [dismissing] you. But Allāh is not shy of the truth. And when you ask [his wives] for something, ask them from behind a partition. That is purer for your hearts and their hearts. And it is not [conceivable or lawful] for you to harm the Messenger of Allāh or to marry his wives after him, ever. Indeed, that would be in the sight of Allāh an enormity.

إِن تُبۡدُواْ شَيۡـًٔا أَوۡ تُخۡفُوهُ فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيۡءٍ عَلِيمٗا ٥٤

Whether you reveal a thing or conceal it, indeed Allāh is ever, of all things, Knowing.

لَّا جُنَاحَ عَلَيۡهِنَّ فِيٓ ءَابَآئِهِنَّ وَلَآ أَبۡنَآئِهِنَّ وَلَآ إِخۡوَٰنِهِنَّ وَلَآ أَبۡنَآءِ إِخۡوَٰنِهِنَّ وَلَآ أَبۡنَآءِ أَخَوَٰتِهِنَّ وَلَا نِسَآئِهِنَّ وَلَا مَا مَلَكَتۡ أَيۡمَٰنُهُنَّۗ وَٱتَّقِينَ ٱللَّهَۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ شَهِيدًا ٥٥

There is no blame upon them [i.e., women] concerning their fathers or their sons or their brothers or their brothers' sons or their sisters' sons or their women or those their right hands possess [i.e., slaves].1 And fear Allāh. Indeed Allāh is ever, over all things, Witness.

قَوْلُهُ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ﴾ هَذا نَهْيٌ عامٌّ لِكُلِّ مُؤْمِنٍ أنْ يَدْخُلَ بُيُوتَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - إلّا بِإذْنٍ مِنهُ.

سَبَبُ النُّزُولِ ما وقَعَ مِن بَعْضِ الصَّحابَةِ في ولِيمَةِ زَيْنَبَ، وسَيَأْتِي بَيانُ ذَلِكَ آخِرَ البَحْثِ إنْ شاءَ اللَّهُ.

وقَوْلُهُ: ﴿إلّا أنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ﴾ اسْتِثْناءٌ مُفَرَّغٌ مِن أعَمِّ الأحْوالِ أيْ: لا تَدْخُلُوها في حالٍ مِنَ الأحْوالِ إلّا في حالِ كَوْنِكم مَأْذُونًا لَكم، وهو في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى الحالِ أيْ: إلّا مَصْحُوبِينَ بِالإذْنِ أوْ بِنَزْعِ الخافِضِ أيْ: إلّا بِأنْ يُؤْذَنَ لَكم، أوْ مَنصُوبٌ عَلى الظَّرْفِيَّةِ أيْ: إلّا وقْتَ أنْ يُؤْذَنَ لَكم، وقَوْلُهُ: ﴿إلى طَعامٍ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِـ يُؤْذَنَ عَلى تَضْمِينِهِ مَعْنى الدُّعاءِ أيْ: إلّا أنْ يُؤْذَنَ لَكم مَدْعُوِّينَ إلى طَعامٍ، وانْتِصابُ ﴿غَيْرَ ناظِرِينَ إناهُ﴾ عَلى الحالِ، والعامِلُ فِيهِ يُؤْذَنَ أوْ مُقَدَّرٌ أيِ: ادْخُلُوا غَيْرَ ناظِرِينَ، ومَعْنى ناظِرِينَ: مُنْتَظَرِينَ، وإناهُ: نُضْجَهُ وإدْراكَهُ، يُقالُ: أنى يَأْنِي أنًى: إذا حانَ وأدْرَكَ.

قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿غَيْرَ ناظِرِينَ﴾ بِالنَّصْبِ. وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ " غَيْرِ " بِالجَرِّ صِفَةً لِ طَعامٍ، وضَعَّفَ النُّحاةُ هَذِهِ القِراءَةَ لِعَدَمِ بُرُوزِ الضَّمِيرِ لِكَوْنِهِ جارِيًا عَلى غَيْرِ مَن هو لَهُ، فَكانَ حَقُّهُ أنْ يُقالَ: غَيْرَ ناظِرِينَ إناهُ أنْتُمْ، ثُمَّ بَيَّنَ لَهم - سُبْحانَهُ - ما يَنْبَغِي في ذَلِكَ فَقالَ: ﴿ولَكِنْ إذا دُعِيتُمْ فادْخُلُوا﴾ وفِيهِ تَأْكِيدٌ لِلْمَنعِ، وبَيانُ الوَقْتِ الَّذِي يَكُونُ فِيهِ الدُّخُولُ، وهو عِنْدَ الإذْنِ.

قالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ: وتَقْدِيرُ الكَلامِ: ولَكِنْ إذا دُعِيتُمْ وأُذِنَ لَكم فادْخُلُوا، وإلّا فَنَفْسُ الدَّعْوَةِ لا تَكُونُ إذْنًا كافِيًا في الدُّخُولِ، وقِيلَ: إنَّ فِيهِ دَلالَةً بَيِّنَةً عَلى أنَّ المُرادَ بِالإذْنِ إلى الطَّعامِ هو الدَّعْوَةُ إلَيْهِ ﴿فَإذا طَعِمْتُمْ فانْتَشِرُوا﴾ أمَرَهم - سُبْحانَهُ - بِالِانْتِشارِ بَعْدَ الطَّعامِ، وهو التَّفَرُّقُ، والمُرادُ الإلْزامُ بِالخُرُوجِ مِنَ المَنزِلِ الَّذِي وقَعَتِ الدَّعْوَةُ إلَيْهِ عِنْدَ انْقِضاءِ المَقْصُودِ مِنَ الأكْلِ ﴿ولا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ﴾ عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ ﴿غَيْرَ ناظِرِينَ﴾، أوْ عَلى مُقَدَّرٍ أيْ: ولا تَدْخُلُوا ولا تَمْكُثُوا مُسْتَأْنِسِينَ.

والمَعْنى: النَّهْيُ لَهم عَنْ أنْ يَجْلِسُوا بَعْدَ الطَّعامِ يَتَحَدَّثُونَ مُسْتَأْنِسِينَ بِالحَدِيثِ.

قالَ الرّازِيُّ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا أنْ يُؤْذَنَ لَكم إلى طَعامٍ﴾ إمّا أنْ يَكُونَ فِيهِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ تَقْدِيرُهُ: ولا تَدْخُلُوا إلى طَعامٍ إلّا أنْ يُؤْذَنَ لَكم فَلا يَكُونُ مَنعًا مِنَ الدُّخُولِ في غَيْرِ وقْتِ الطَّعامِ بِغَيْرِ إذْنٍ. إمّا أنْ لا يَكُونَ فِيهِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ فَيَكُونُ مَعْناهُ: ولا تَدْخُلُوا إلّا أنْ يُؤْذَنَ لَكم إلى طَعامٍ، فَيَكُونُ الإذْنُ مَشْرُوطًا بِكَوْنِهِ إلى طَعامٍ، فَإنْ لَمْ يُؤْذَنْ إلى طَعامٍ فَلا يَجُوزُ الدُّخُولُ، فَلَوْ أُذِنَ لِواحِدٍ في الدُّخُولِ لِاسْتِماعِ كَلامٍ لا لِأكْلِ طَعامٍ فَلا يَجُوزُ، فَنَقُولُ المُرادُ هو الثّانِي؛ لِيَعُمَّ النَّهْيُ عَنِ الدُّخُولِ.

وأمّا كَوْنُهُ لا يَجُوزُ إلّا بِإذْنٍ إلى طَعامٍ فَلِما هو مَذْكُورٌ في سَبَبِ النُّزُولِ أنَّ الخِطابَ مَعَ قَوْمٍ كانُوا يَتَحَيَّنُونَ حِينَ الطَّعامِ ويَدْخُلُونَ مِن غَيْرِ إذْنٍ، فَمُنِعُوا مِنَ الدُّخُولِ في وقْتِهِمْ بِغَيْرِ إذْنٍ.

وقالَ ابْنُ عادِلٍ: الأوْلى أنْ يُقالَ: المُرادُ هو الثّانِي، لِأنَّ التَّقْدِيمَ والتَّأْخِيرَ خِلافُ الأصْلِ، وقَوْلُهُ: ﴿إلى طَعامٍ﴾ مِن بابِ التَّخْصِيصِ بِالذِّكْرِ، فَلا يَدُلُّ عَلى نَفْيِ ما عَداهُ، لا سِيَّما إذا عُلِمَ مِثْلُهُ، فَإنَّ مَن جازَ دُخُولُهُ بِإذْنِهِ إلى طَعامِهِ جازَ دُخُولُهُ بِإذْنِهِ إلى غَيْرِ الطَّعامِ، انْتَهى.

والأوْلى في التَّعْبِيرِ عَنْ هَذا المَعْنى الَّذِي أرادَهُ أنْ يُقالَ: قَدْ دَلَّتِ الأدِلَّةُ عَلى جَوازِ دُخُولِ بُيُوتِهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بِإذْنِهِ لِغَيْرِ الطَّعامِ، وذَلِكَ مَعْلُومٌ لا شَكَّ فِيهِ، فَقَدْ كانَ الصَّحابَةُ وغَيْرُهم يَسْتَأْذِنُونَ عَلَيْهِ لِغَيْرِ الطَّعامِ فَيَأْذَنُ لَهم، وذَلِكَ يُوجِبُ قَصْرَ هَذِهِ الآيَةِ عَلى السَّبَبِ الَّذِي نَزَلَتْ فِيهِ، وهو القَوْمُ الَّذِينَ كانُوا يَتَحَيَّنُونَ طَعامَ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَيَدْخُلُونَ ويَقْعُدُونَ مُنْتَظِرِينَ لِإدْراكِهِ وأمْثالُهم، فَلا تَدُلُّ عَلى المَنعِ مِنَ الدُّخُولِ مَعَ الإذْنِ لِغَيْرِ ذَلِكَ، وإلّا لَما جازَ لِأحَدٍ أنْ يَدْخُلَ بُيُوتَهُ بِإذْنِهِ لِغَيْرِ الطَّعامِ، واللّازِمُ باطِلٌ فالمَلْزُومُ مِثْلُهُ.

قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وكانَتْ سِيرَةُ القَوْمِ إذا كانَ لَهم طَعامُ ولِيمَةٍ أوْ نَحْوُهُ أنْ يُبَكِّرَ مَن شاءَ إلى الدَّعْوَةِ يَنْتَظِرُونَ طَبْخَ الطَّعامِ ونُضْجَهُ، وكَذَلِكَ إذا فَرَغُوا مِنهُ جَلَسُوا كَذَلِكَ، فَنَهى اللَّهُ المُؤْمِنِينَ عَنْ ذَلِكَ في بَيْتِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، ودَخَلَ في النَّهْيِ سائِرُ المُؤْمِنِينَ، والتَزَمَ النّاسُ أدَبَ اللَّهِ لَهم في ذَلِكَ، فَمَنَعَهم مِنَ الدُّخُولِ إلّا بِإذْنٍ عِنْدَ الأكْلِ لا قَبْلَهُ لِانْتِظارِ نُضْجِ الطَّعامِ، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: إنَّ ذَلِكم إلى الِانْتِظارِ والِاسْتِئْناسِ لِلْحَدِيثِ، وأُشِيرَ إلَيْهِما بِما يُشارُ بِهِ إلى الواحِدِ بِتَأْوِيلِهِما بِالمَذْكُورِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿عَوانٌ بَيْنَ ذَلِكَ﴾ [البقرة: ٦٨] أيْ: إنَّ ذَلِكَ المَذْكُورَ مِنَ الأمْرَيْنِ ﴿كانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ﴾ لِأنَّهم كانُوا يُضَيِّقُونَ المَنزِلَ عَلَيْهِ وعَلى أهْلِهِ ويَتَحَدَّثُونَ بِما لا يُرِيدُهُ.

قالَ الزَّجّاجُ: كانَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَحْتَمِلُ إطالَتَهم كَرَمًا مِنهُ فَيَصْبِرُ عَلى الأذى في ذَلِكَ، فَعَلَّمَ اللَّهُ مَن يَحْضُرُهُ الأدَبَ، صارَ أدَبًا لَهم ولِمَن بَعْدَهم ﴿فَيَسْتَحْيِي مِنكُمْ﴾ أيْ: يَسْتَحْيِي أنْ يَقُولَ لَكم قُومُوا أوِ اخْرُجُوا ﴿واللَّهُ لا يَسْتَحْيِي مِنَ الحَقِّ﴾ (p-١١٨٠)أيْ: لا يَتْرُكُ أنْ يُبَيِّنَ لَكم ما هو الحَقُّ ولا يَمْتَنِعُ مِن بَيانِهِ وإظْهارِهِ والتَّعْبِيرِ عَنْهُ بِعَدَمِ الِاسْتِحْياءِ لِلْمُشاكَلَةِ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ " يَسْتَحْيِي " بِياءَيْنِ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ أنَّهُ قَرَأ بِياءٍ واحِدَةٍ، وهي لُغَةُ تَمِيمٍ يَقُولُونَ اسْتَحى يَسْتَحِي مِثْلَ اسْتَقى يَسْتَقِي، ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - أدَبًا آخَرَ مُتَعَلِّقًا بِنِساءِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَقالَ: ﴿وإذا سَألْتُمُوهُنَّ مَتاعًا﴾ أيْ: شَيْئًا يُتَمَتَّعُ بِهِ، مِنَ الماعُونِ وغَيْرِهِ ﴿فاسْألُوهُنَّ مِن وراءِ حِجابٍ﴾ أيْ: مِن وراءِ سِتْرٍ بَيْنَكم وبَيْنَهُنَّ.

والمَتاعُ يُطْلَقُ عَلى كُلِّ ما يُتَمَتَّعُ بِهِ، فَلا وجْهَ لِما قِيلَ: مِن أنَّ المُرادَ بِهِ العارِيَّةُ أوِ الفَتْوى أوِ المُصْحَفُ، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ذَلِكم إلى سُؤالِ المَتاعِ مِن وراءِ حِجابٍ، وقِيلَ: الإشارَةُ إلى جَمِيعِ ما ذُكِرَ مِن عَدَمِ الدُّخُولِ بِغَيْرِ إذْنٍ، وعَدَمِ الِاسْتِئْناسِ لِلْحَدِيثِ عِنْدَ الدُّخُولِ وسُؤالِ المَتاعِ، والأوَّلُ أوْلى، واسْمُ الإشارَةِ مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ ﴿أطْهَرُ لِقُلُوبِكم وقُلُوبِهِنَّ﴾ أيْ: أكْثَرُ تَطْهِيرًا لَها مِنَ الرِّيبَةِ، وخَواطِرِ السُّوءِ الَّتِي تَعْرِضُ لِلرِّجالِ في أمْرِ النِّساءِ، ولِلنِّساءِ في أمْرِ الرِّجالِ.

وفِي هَذا أدَبٌ لِكُلِّ مُؤْمِنٍ وتَحْذِيرٌ لَهُ مِن أنْ يَثِقَ بِنَفْسِهِ مِنَ الخَلْوَةِ مَعَ مَن لا تَحِلُّ لَهُ والمُكالَمَةِ مِن دُونِ حِجابٍ لِمَن تَحْرُمُ عَلَيْهِ ﴿وما كانَ لَكم أنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ﴾ أيْ: ما صَحَّ لَكم ولا اسْتَقامَ أنْ تُؤْذُوهُ بِشَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ كائِنًا ما كانَ، ومِن جُمْلَةِ ذَلِكَ دُخُولُ بُيُوتِهِ بِغَيْرِ إذْنٍ مِنهُ، واللُّبْثُ فِيها عَلى غَيْرِ الوَجْهِ الَّذِي يُرِيدُهُ، وتَكْلِيمُ نِسائِهِ مِن دُونِ حِجابٍ ﴿ولا أنْ تَنْكِحُوا أزْواجَهُ مِن بَعْدِهِ أبَدًا﴾ أيْ: ولا كانَ لَكم ذَلِكَ بَعْدَ وفاتِهِ؛ لِأنَّهُنَّ أُمَّهاتُ المُؤْمِنِينَ، ولا يَحِلُّ لِلْأوْلادِ نِكاحُ الأُمَّهاتِ، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: إنَّ ذَلِكم إلى نِكاحِ أزْواجِهِ مِن بَعْدِهِ ﴿كانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا﴾ أيْ: ذَنْبًا عَظِيمًا وخَطْبًا هائِلًا شَدِيدًا.

وكانَ سَبَبُ نُزُولِ الآيَةِ أنَّهُ قالَ قائِلٌ: لَوْ قَدْ ماتَ مُحَمَّدٌ لَتَزَوَّجْنا نِساءَهُ، وسَيَأْتِي بَيانُ ذَلِكَ.

﴿إنْ تُبْدُوا شَيْئًا أوْ تُخْفُوهُ فَإنَّ اللَّهَ كانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ يَعْلَمُ كُلَّ شَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ، ومِن جُمْلَةِ ذَلِكَ ما تُظْهِرُونَهُ في شَأْنِ أزْواجِ رَسُولِهِ، وما تَكْتُمُونَهُ في صُدُورِكم.

وفِي هَذا وعِيدٌ شَدِيدٌ، لِأنَّ إحاطَتَهُ بِالمَعْلُوماتِ تَسْتَلْزِمُ المُجازاةَ عَلى خَيْرِها وشَرِّها.

ثُمَّ بَيَّنَ - سُبْحانَهُ - مَن لا يَلْزَمُ الحِجابُ مِنهُ فَقالَ: ﴿لا جُناحَ عَلَيْهِنَّ في آبائِهِنَّ ولا أبْنائِهِنَّ ولا إخْوانِهِنَّ ولا أبْناءِ إخْوانِهِنَّ ولا أبْناءِ أخَواتِهِنَّ﴾ فَهَؤُلاءِ لا يَجِبُ عَلى نِساءِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ولا غَيْرِهِنَّ مِنَ النِّساءِ الِاحْتِجابُ مِنهم، ولَمْ يَذْكُرِ العَمَّ والخالَ؛ لِأنَّهُما يَجْرِيانِ مَجْرى الوالِدَيْنِ.

وقالَ الزَّجّاجُ: العَمُّ والخالُ رُبَّما يَصِفانِ المَرْأةَ لِوَلَدَيْهِما، فَإنَّ المَرْأةَ تَحِلُّ لِابْنِ العَمِّ، وابْنِ الخالِ فَكَرِهَ لَهُما الرُّؤْيَةَ، وهَذا ضَعِيفٌ جِدًّا، فَإنَّ تَجْوِيزَ وصْفِ المَرْأةِ لِمَن تَحِلُّ لَهُ مُمْكِنٌ مِن غَيْرِهِما مِمَّنْ يَجُوزُ لَهُ النَّظَرُ إلَيْها، لا سِيَّما أبْناءُ الإخْوَةِ وأبْناءُ الأخَواتِ، واللّازِمُ باطِلٌ فالمَلْزُومُ مِثْلُهُ، وهَكَذا يَسْتَلْزِمُ أنْ لا يَجُوزَ لِلنِّساءِ الأجْنَبِيّاتِ أنْ يَنْظُرْنَ إلَيْها لِأنَّهُنَّ يَصِفْنَها، واللّازِمُ باطِلٌ فالمَلْزُومُ مِثْلُهُ، وهَكَذا لا وجْهَ لِما قالَهُ الشَّعْبِيُّ وعِكْرِمَةُ مِن أنَّهُ يُكْرَهُ لِلْمَرْأةِ أنْ تَضَعَ خِمارَها عِنْدَ عَمِّها أوْ خالِها، والأوْلى أنْ يُقالَ: أنَّهُ - سُبْحانَهُ - اقْتَصَرَ هاهُنا عَلى بَعْضِ ما ذَكَرَهُ مِنَ المَحارِمِ في سُورَةِ النُّورِ اكْتِفاءً بِما تَقَدَّمَ ﴿ولا نِسائِهِنَّ﴾ هَذِهِ الإضافَةُ تَقْتَضِي أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالنِّساءِ المُؤْمِناتِ، لِأنَّ الكافِراتِ غَيْرُ مَأْمُوناتٍ عَلى العَوْراتِ، والنِّساءُ كُلُّهُنَّ عَوْرَةٌ ﴿ولا ما مَلَكَتْ أيْمانُهُنَّ﴾ مِنَ العَبِيدِ والإماءِ، وقِيلَ: الإماءُ خاصَّةً، ومَن لَمْ يَبْلُغْ مِنَ العَبِيدِ، والخِلافُ في ذَلِكَ مَعْرُوفٌ. وقَدْ تَقَدَّمَ في سُورَةِ النُّورِ ما فِيهِ كِفايَةٌ.

ثُمَّ أمَرَهُنَّ - سُبْحانَهُ - بِالتَّقْوى الَّتِي هي مِلاكُ الأمْرِ كُلِّهِ، " و" المَعْنى اتَّقِينَ اللَّهَ في كُلِّ الأُمُورِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها ما هو مَذْكُورٌ هُنا ﴿إنَّ اللَّهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا﴾ لَمْ يَغِبْ عَنْهُ شَيْءٌ مِنَ الأشْياءِ كائِنًا ما كانَ، فَهو مُجازٍ لِلْمُحْسِنِ بِإحْسانِهِ ولِلْمُسِيءِ بِإساءَتِهِ.

وقَدْ أخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ عَنْ أنَسٍ قالَ: «قالَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنْ نِساءَكَ يَدْخُلُ عَلَيْهِنَّ البَرُّ والفاجِرُ فَلَوْ حَجَبْتَهُنَّ، فَأنْزَلَ اللَّهُ الحِجابَ» .

وفِي لَفْظٍ أنَّهُ «قالَ عُمَرُ: يا رَسُولَ اللَّهِ يَدْخُلُ عَلَيْكَ البَرُّ والفاجِرُ، فَلَوْ أمَرْتَ أُمَّهاتِ المُؤْمِنِينَ بِالحِجابِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ آيَةَ الحِجابِ» .

وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما عَنْ أنَسٍ قالَ «لَمّا تَزَوَّجَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - زَيْنَبَ بِنْتَ جَحْشٍ دَعا القَوْمَ فَطَعِمُوا، ثُمَّ جَلَسُوا يَتَحَدَّثُونَ وإذا هو كَأنَّهُ يَتَهَيَّأُ لِلْقِيامِ فَلَمْ يَقُومُوا، فَلَمّا رَأى ذَلِكَ قامَ، فَلَمّا قامَ مَن قامَ وقَعَدَ ثَلاثَةُ نَفَرٍ، فَجاءَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - لِيَدْخُلَ فَإذا القَوْمُ جُلُوسٌ، ثُمَّ إنَّهم قامُوا فانْطَلَقْتُ فَجِئْتُ فَأخْبَرْتُ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أنَّهم قَدِ انْطَلَقُوا، فَجاءَ حَتّى دَخَلَ، فَذَهَبْتُ أدْخُلُ فَألْقى الحِجابَ بَيْنِي وبَيْنَهُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ﴾» الآيَةَ.

وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ عائِشَةَ «أنَّ أزْواجَ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - كُنَّ يَخْرُجْنَ بِاللَّيْلِ إذا تَبَرَّزْنَ إلى المَناصِعِ، وهو صَعِيدٌ أفْيَحُ، وكانَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ يَقُولُ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - احْجُبْ نِساءَكَ، فَلَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَفْعَلُ، فَخَرَجَتْ سَوْدَةُ بِنْتُ زَمْعَةَ لَيْلَةً مِنَ اللَّيالِي عِشاءً، وكانَتِ امْرَأةً طَوِيلَةً، فَناداها عُمَرُ بِصَوْتِهِ الأعْلى: قَدْ عَرَفْناكِ يا سَوْدَةُ حِرْصًا عَلى أنْ يَنْزِلَ الحِجابُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ الحِجابَ، قالَ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ﴾» الآيَةَ.

وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ «عَنْ أنَسٍ قالَ: نَزَلَتِ الحِجابُ مُبْتَنى رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بِزَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ، وذَلِكَ سَنَةَ خَمْسٍ مِنَ الهِجْرَةِ، وحَجَبَ نِساءَهُ مِن يَوْمِئِذٍ وأنا ابْنُ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةٍ» .

وكَذا أخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ عَنْ صالِحِ بْنِ كَيْسانَ، وقالَ: نَزَلَ الحِجابُ عَلى نِسائِهِ في ذِي القِعْدَةِ سَنَةَ خَمْسٍ مِنَ الهِجْرَةِ، وبِهِ قالَ قَتادَةُ والواقِدِيُّ.

وزَعَمَ أبُو عُبَيْدَةَ، وخَلِيفَةُ بْنُ خَيّاطٍ أنَّ ذَلِكَ كانَ في سَنَةِ ثَلاثٍ.

وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وما كانَ لَكم أنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ﴾ قالَ: نَزَلَتْ في رَجُلٍ هَمَّ أنْ يَتَزَوَّجَ بَعْضَ نِساءِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بَعْدَهُ.

قالَ سُفْيانُ: وذَكَرُوا أنَّها عائِشَةُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ قالَ: بَلَغَنا أنَّ طَلْحَةَ بْنَ عُبَيْدِ اللَّهِ قالَ أيَحْجُبُنا مُحَمَّدٌ عَنْ بَناتِ عَمِّنا، ويَتَزَوَّجُ نِساءَنا مِن بَعْدِنا ؟ لَئِنْ حَدَثَ بِهِ حَدَثٌ لَنَتَزَوَّجُ نِساءَهُ مِن بَعْدِهِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.

وأخْرَجَ (p-١١٨١)عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ قَتادَةَ قالَ: قالَ طَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ: لَوْ قُبِضَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - لَتَزَوَّجْتُ عائِشَةَ. فَنَزَلَتْ.

وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ عَنْ أبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ قالَ: نَزَلَتْ في طَلْحَةَ لِأنَّهُ قالَ: إذا تُوُفِّيَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - تَزَوَّجْتُ عائِشَةَ.

قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا عِنْدِي لا يَصِحُّ عَلى طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ.

قالَ القُرْطُبِيُّ: قالَ شَيْخُنا الإمامُ أبُو العَبّاسِ: وقَدْ حُكِيَ هَذا القَوْلُ عَنْ بَعْضِ فُضَلاءِ الصَّحابَةِ وحاشاهم عَنْ مِثْلِهِ، وإنَّما الكَذِبُ في نَقْلِهِ، وإنَّما يَلِيقُ مِثْلُ هَذا القَوْلِ بِالمُنافِقِينَ الجُهّالِ.

وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في السُّنَنِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ رَجُلٌ مِن أصْحابِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: لَوْ قَدْ ماتَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - تَزَوَّجْتُ عائِشَةَ أوْ أُمَّ سَلَمَةَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿وما كانَ لَكم أنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ﴾ الآيَةَ.

وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ «أنَّ رَجُلًا أتى بَعْضَ أزْواجِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَكَلَّمَها وهو ابْنُ عَمِّها، فَقالَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: لا تَقُومَنَّ هَذا المَقامَ بَعْدَ يَوْمِكَ هَذا، فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنَّها ابْنَةُ عَمِّي، واللَّهِ ما قُلْتُ لَها مُنْكَرًا ولا قالَتْ لِي، قالَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: قَدْ عَرَفْتُ ذَلِكَ إنَّهُ لَيْسَ أحَدٌ أغْيَرَ مِنَ اللَّهِ، وإنَّهُ لَيْسَ أحَدٌ أغْيَرَ مِنِّي، فَمَضى ثُمَّ قالَ: يَمْنَعُنِي مِن كَلامِ ابْنَةِ عَمِّي لَأتَزَوَّجَنَّها مِن بَعْدِهِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ، فَأعْتَقَ ذَلِكَ الرَّجُلُ رَقَبَةً وحَمَلَ عَلى عَشْرَةِ أبْعِرَةٍ في سَبِيلِ اللَّهِ، وحَجَّ ماشِيًا تَوْبَةً مِن كَلِمَتِهِ» .

وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أسْماءَ بِنْتِ عُمَيْسٍ قالَتْ: «خَطَبَنِي عَلِيٌّ فَبَلَغَ ذَلِكَ فاطِمَةَ، فَأتَتْ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَقالَتْ: إنَّ أسْماءَ مُتَزَوِّجَةٌ عَلِيًّا، فَقالَ لَها النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ما كانَ لَها أنْ تُؤْذِيَ اللَّهَ ورَسُولَهُ» .

وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ عَنْ أبِي أُمامَةَ بْنِ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ في قَوْلِهِ: ﴿إنْ تُبْدُوا شَيْئًا أوْ تُخْفُوهُ﴾ قالَ: إنْ تَكَلَّمُوا بِهِ، فَتَقُولُونَ تَتَزَوَّجُ فُلانَةً لِبَعْضِ أزْواجِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، أوْ تُخْفُوا ذَلِكَ في أنْفُسِكم فَلا تَنْطِقُوا بِهِ يَعْلَمْهُ اللَّهُ.

وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿لا جُناحَ عَلَيْهِنَّ﴾ إلى آخِرَ الآيَةِ قالَ: أُنْزِلَتْ هَذِهِ في نِساءِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - - خاصَّةً، وقَوْلُهُ نِساءَ النَّبِيِّ يَعْنِي نِساءَ المُسْلِماتِ ﴿ولا ما مَلَكَتْ أيْمانُهُنَّ﴾ مِنَ المَمالِيكِ والإماءِ ورُخِّصَ لَهُنَّ أنْ يَرَوْهُنَّ بَعْدَ ما ضُرِبَ الحِجابُ عَلَيْهِنَّ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском