Ash-Shawkani · Tafsir · in Arabic
An-Nisa 4:23–30, continued
وقَدْ أبْعَدَ مَن قالَ: إنَّ تَحْرِيمَ الجَمْعِ بَيْنَ المَذْكُوراتِ مَأْخُوذٌ مِنَ الآيَةِ هَذِهِ؛ لِأنَّهُ حَرَّمُ الجَمْعَ بَيْنَ الأُخْتَيْنِ، فَيَكُونُ ما في مَعْناهُ في حُكْمِهِ، وهو الجَمْعُ بَيْنَ المَرْأةِ وعَمَّتِها وبَيْنَ المَرْأةِ وخالَتِها، وكَذَلِكَ تَحْرِيمُ نِكاحِ الأمَةِ لِمَن يَسْتَطِيعُ نِكاحَ حُرَّةٍ كَما سَيَأْتِي، فَإنَّهُ يُخَصِّصُ هَذا العُمُومَ. قَوْلُهُ: ﴿أنْ تَبْتَغُوا بِأمْوالِكُمْ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى العِلَّةِ؛ أيْ: حُرِّمَ عَلَيْكم ما حُرِّمَ وأُحِلَّ لَكم ما أُحِلَّ لِأجْلِ أنْ تَبْتَغُوا بِأمْوالِكُمُ النِّساءَ اللّاتِي أحَلَّهُنَّ اللَّهُ لَكم ولا تَبْتَغُوا بِها الحَرامَ فَتَذْهَبَ حالَ كَوْنِكم مُحْصِنِينَ أيْ مُتَعَفِّفِينَ عَنِ الزِّنا ﴿غَيْرَ مُسافِحِينَ﴾ أيْ غَيْرَ زانِينَ.
والسِّفاحُ: الزِّنا وهو مَأْخُوذٌ مِن سَفْحِ الماءِ؛ أيْ: صَبِّهِ وسَيَلانِهِ، فَكَأنَّهُ سُبْحانَهُ أمَرَهم بِأنْ يَطْلُبُوا بِأمْوالِهِمُ النِّساءَ عَلى وجْهِ النِّكاحِ، لا عَلى وجْهِ السِّفاحِ، وقِيلَ: إنَّ قَوْلَهُ: ﴿أنْ تَبْتَغُوا بِأمْوالِكُمْ﴾ بَدَلٌ مِن ما في قَوْلِهِ: ﴿ما وراءَ ذَلِكُمْ﴾ أيْ وأُحِلَّ لَكُمُ الِابْتِغاءُ بِأمْوالِكم. والأوَّلُ أوْلى، وأرادَ سُبْحانَهُ بِالأمْوالِ المَذْكُورَةِ ما يَدْفَعُونَهُ في مُهُورِ الحَرائِرِ وأثْمانِ الإماءِ. قَوْلُهُ: ﴿فَما اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ " ما " مَوْصُولَةٌ فِيها مَعْنى الشَّرْطِ، والفاءُ في قَوْلِهِ: فَآتُوهُنَّ لِتَضَمُّنِ المَوْصُولِ مَعْنى الشَّرْطِ، والعائِدُ مَحْذُوفٌ؛ أيْ: فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ عَلَيْهِ. وقَدِ اخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ في مَعْنى الآيَةِ: فَقالَ الحَسَنُ ومُجاهِدٌ وغَيْرُهُما: المَعْنى فَما انْتَفَعْتُمْ وتَلَذَّذْتُمْ بِالجِماعِ مِنَ النِّساءِ بِالنِّكاحِ الشَّرْعِيِّ ﴿فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ أيْ مُهُورَهُنَّ. وقالَ الجُمْهُورُ: إنَّ المُرادَ بِهَذِهِ الآيَةِ نِكاحُ المُتْعَةِ الَّذِي كانَ في صَدْرِ الإسْلامِ، ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ قِراءَةُ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ وابْنِ عَبّاسٍ وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ فَما اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنهُنَّ إلى أجَلٍ مُسَمًّى فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ ثُمَّ نَهى عَنْها النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ كَما صَحَّ ذَلِكَ مِن حَدِيثِ عَلِيٍّ قالَ: «نَهى النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ عَنْ نِكاحِ المُتْعَةِ وعَنْ لُحُومِ الحُمُرِ الأهْلِيَّةِ يَوْمَ خَيْبَرَ» . وهو في الصَّحِيحَيْنِ وغَيْرِهِما، وفي صَحِيحِ مُسْلِمٍ مِن حَدِيثِ سَبْرَةَ بْنِ مَعْبَدٍ الجُهَنِيِّ عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ أنَّهُ «قالَ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ: يا أيُّها النّاسُ إنِّي كُنْتُ أذِنْتُ لَكم في الِاسْتِمْتاعِ مِنَ النِّساءِ، واللَّهُ قَدْ حَرَّمَ ذَلِكَ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، فَمَن كانَ عِنْدَهُ مِنهُنَّ شَيْءٌ فَلْيُخَلِّ سَبِيلَها ولا تَأْخُذُوا مِمّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا» . وفي لَفْظٍ لِمُسْلِمٍ إنَّ ذَلِكَ كانَ في حَجَّةِ الوَداعِ، فَهَذا هو النّاسِخُ.
وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: نَسَخَتْها آياتُ المِيراثِ؛ إذِ المُتْعَةُ لا مِيراثَ فِيها. وقالَتْ عائِشَةُ والقاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ: تَحْرِيمُها ونَسْخُها في القُرْآنِ، وذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ هم لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ﴾ ﴿إلّا عَلى أزْواجِهِمْ أوْ ما مَلَكَتْ أيْمانُهم فَإنَّهم غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ [المعارج: ٢٩] ولَيْسَتِ المَنكُوحَةُ (p-٢٨٨)بِالمُتْعَةِ مِن أزْواجِهِمْ ولا مِمّا مَلَكَتْ أيْمانُهم، فَإنَّ مِن شَأْنِ الزَّوْجَةِ أنْ تَرِثَ وتُورَثَ، ولَيْسَتِ المُسْتَمْتَعُ بِها كَذَلِكَ.
وقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ بِجَوازِ المُتْعَةِ وأنَّها باقِيَةٌ لَمْ تُنْسَخْ. ورُوِيَ عَنْهُ أنَّهُ رَجَعَ عَنْ ذَلِكَ عِنْدَ أنْ بَلَغَهُ النّاسِخُ. وقَدْ قالَ بِجَوازِها جَماعَةٌ مِنَ الرَّوافِضِ ولا اعْتِبارَ بِأقْوالِهِمْ. وقَدْ أتْعَبَ نَفْسَهُ بَعْضُ المُتَأخِّرِينَ بِتَكْثِيرِ الكَلامِ عَلى هَذِهِ المَسْألَةِ وتَقْوِيَةِ ما قالَهُ المُجَوِّزُونَ لَها، ولَيْسَ هَذا المَقامُ مَقامَ بَيانِ بُطْلانِ كَلامِهِ.
وقَدْ طَوَّلْنا البَحْثَ ودَفَعْنا الشُّبَهَ الباطِلَةَ الَّتِي تَمَسَّكَ بِها المُجَوِّزُونَ لَها في شَرْحِنا لِلْمُنْتَقى فَلْيُرْجَعْ إلَيْهِ. قَوْلُهُ: ﴿فَرِيضَةً﴾ مُنْتَصِبٌ عَلى المَصْدَرِيَّةِ المُؤَكَّدَةِ أوْ عَلى الحالِ؛ أيْ: مَفْرُوضَةً.
قَوْلُهُ: ﴿ولا جُناحَ عَلَيْكم فِيما تَراضَيْتُمْ بِهِ مِن بَعْدِ الفَرِيضَةِ﴾ أيْ: مِن زِيادَةٍ أوْ نُقْصانٍ في المَهْرِ فَإنَّ ذَلِكَ سائِغٌ عِنْدَ التَّراضِي، هَذا عِنْدَ مَن قالَ بِأنَّ الآيَةَ في النِّكاحِ الشَّرْعِيِّ، وأمّا عِنْدَ الجُمْهُورِ القائِلِينَ بِأنَّها في المُتْعَةِ، فالمَعْنى التَّراضِي في زِيادَةِ مُدَّةِ المُتْعَةِ أوْ نُقْصانِها أوْ في زِيادَةِ ما دَفَعَهُ إلَيْها إلى مُقابِلِ الِاسْتِمْتاعِ بِها أوْ نُقْصانِهِ. قَوْلُهُ: ﴿ومَن لَمْ يَسْتَطِعْ مِنكم طَوْلًا أنْ يَنْكِحَ المُحْصَناتِ المُؤْمِناتِ﴾ الطَّوْلُ: الغِنى والسَّعَةُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ والسُّدِّيُّ وابْنُ زَيْدٍ ومالِكٌ والشّافِعِيُّ وأحْمَدُ وإسْحاقُ وأبُو ثَوْرٍ وجُمْهُورُ أهْلِ العِلْمِ.
ومَعْنى الآيَةِ: فَمَن لَمْ يَسْتَطِعْ مِنكم غِنًى وسَعَةً في مالِهِ يَقْدِرُ بِها عَلى نِكاحِ المُحْصَناتِ المُؤْمِناتِ فَلْيَنْكِحْ مِن فَتَياتِكُمُ المُؤْمِناتِ، يُقالُ: طالَ يَطُولُ طَوْلًا في الإفْضالِ والقُدْرَةِ، وفُلانٌ ذُو طَوْلٍ؛ أيْ: ذُو قُدْرَةٍ في مالِهِ. والطُّولُ بِالضَّمِّ: ضِدُّ القِصَرِ.
وقالَ قَتادَةُ والنَّخَعِيُّ وعَطاءٌ والثَّوْرِيُّ: إنَّ الطَّوْلَ الصَّبْرُ. ومَعْنى الآيَةِ عِنْدَهم أنَّ مَن كانَ يَهْوى أمَةً حَتّى صارَ لِذَلِكَ لا يَسْتَطِيعُ أنْ يَتَزَوَّجَ غَيْرَها، فَإنَّ لَهُ أنْ يَتَزَوَّجَها إذا لَمْ يَمْلِكْ نَفْسَهُ وخافَ أنْ يَبْغِيَ بِها، وإنْ كانَ يَجِدُ سِعَةً في المالِ لِنِكاحِ حُرَّةٍ.
وقالَ أبُو حَنِيفَةَ وهو مَرْوِيٌّ عَنْ مالِكٍ: إنِ الطَّوْلَ المَرْأةُ الحُرَّةُ، فَمَن كانَ تَحْتَهُ حُرَّةٌ لَمْ يَحِلَّ لَهُ أنْ يَنْكِحَ الأمَةَ، ومَن لَمْ يَكُنْ تَحْتَهُ حُرَّةٌ جازَ لَهُ أنْ يَتَزَوَّجَ أمَةً ولَوْ كانَ غَنِيًّا، وبِهِ قالَ أبُو يُوسُفَ، واخْتارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ واحْتَجَّ لَهُ. والقَوْلُ الأوَّلُ هو المُطابِقُ لِمَعْنى الآيَةِ، ولا يَخْلُو ما عَداهُ عَنْ تَكَلُّفٍ، فَلا يَجُوزُ لِلرَّجُلِ أنْ يَتَزَوَّجَ بِالأمَةِ إلّا إذا كانَ لا يَقْدِرُ عَلى أنْ يَتَزَوَّجَ بِالحُرَّةِ لِعَدَمِ وُجُودِ ما يَحْتاجُ إلَيْهِ في نِكاحِها مِن مَهْرٍ وغَيْرِهِ.
وقَدِ اسْتُدِلَّ بِقَوْلِهِ: ﴿مِن فَتَياتِكُمُ المُؤْمِناتِ﴾ عَلى أنَّهُ لا يَجُوزُ نِكاحُ الأمَةِ الكِتابِيَّةِ، وبِهِ قالَ أهْلُ الحِجازِ وجَوَّزَهُ أهْلُ العِراقِ، ودَخَلَتِ الفاءُ في قَوْلِهِ: ﴿فَمِن ما مَلَكَتْ أيْمانُكم﴾ لِتُضَمِّنِ المُبْتَدَأ مَعْنى الشَّرْطِ. وقَوْلُهُ: ﴿مِن فَتَياتِكُمُ المُؤْمِناتِ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، فَقَدْ عَرَفْتَ أنَّهُ لا يَجُوزُ لِلرَّجُلِ الحُرِّ أنْ يَتَزَوَّجَ بِالمَمْلُوكَةِ إلّا بِشَرْطِ عَدَمِ القُدْرَةِ عَلى الحُرَّةِ. والشَّرْطُ الثّانِي ما سَيَذْكُرُهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ آخِرَ الآيَةِ مِن قَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ لِمَن خَشِيَ العَنَتَ مِنكُمْ﴾ فَلا يَحِلُّ لِلْفَقِيرِ أنْ يَتَزَوَّجَ بِالمَمْلُوكَةِ إلّا إذا كانَ يَخْشى عَلى نَفْسِهِ العَنَتَ. والمُرادُ هُنا الأمَةُ المَمْلُوكَةُ لِلْغَيْرِ، وأمّا أمَةُ الإنْسانِ نَفْسِهِ فَقَدْ وقَعَ الإجْماعُ عَلى أنَّهُ لا يَجُوزُ لَهُ أنْ يَتَزَوَّجَها، وهي تَحْتَ مِلْكِهِ لِتَعارُضِ الحُقُوقِ واخْتِلافِها. والفَتَياتُ جَمْعُ فَتاةٍ، والعَرَبُ تَقُولُ لِلْمَمْلُوكِ فَتًى ولِلْمَمْلُوكَةِ فَتاةً. وفي الحَدِيثِ الصَّحِيحِ«لا يَقُولَنَّ أحَدُكم: عَبْدِي وأمَتِي، ولَكِنْ لِيَقُلْ: فَتايَ وفَتاتِي» .
قَوْلُهُ: ﴿واللَّهُ أعْلَمُ بِإيمانِكُمْ﴾ فِيهِ تَسْلِيَةٌ لِمَن يَنْكِحُ الأمَةَ إذا اجْتَمَعَ فِيهِ الشَّرْطانِ المَذْكُورانِ؛ أيْ: كُلُّكم بَنُو آدَمَ وأكْرَمُكم عِنْدَ اللَّهِ أتْقاكم، فَلا تَسْتَنْكِفُوا مِنَ الزَّواجِ بِالإماءِ عِنْدَ الضَّرُورَةِ، فَرُبَّما كانَ إيمانُ بَعْضِ الإماءِ أفْضَلَ مِن إيمانِ بَعْضِ الحَرائِرِ. والجُمْلَةُ اعْتِراضِيَّةٌ.
وقَوْلُهُ: ﴿بَعْضُكم مِن بَعْضٍ﴾ مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ ومَعْناهُ: أنَّهم مُتَّصِلُونَ في الأنْسابِ؛ لِأنَّهم جَمِيعًا بَنُو آدَمَ، أوْ مُتَّصِلُونَ في الدِّينِ لِأنَّهم جَمِيعًا أهْلُ مِلَّةٍ واحِدَةٍ وكِتابُهم واحِدٌ ونَبِيُّهم واحِدٌ. والمُرادُ بِهَذا تَوْطِئَةُ نُفُوسِ العَرَبِ؛ لِأنَّهم كانُوا يَسْتَهْجِنُونَ أوْلادَ الإماءِ ويَسْتَصْغِرُونَهم ويَغُضُّونَ مِنهم ﴿فانْكِحُوهُنَّ بِإذْنِ أهْلِهِنَّ﴾ أيْ بِإذْنِ المالِكِينَ لَهُنَّ؛ لِأنَّ مَنافِعَهُنَّ لَهم لا يَجُوزُ لِغَيْرِهِمْ أنْ يَنْتَفِعَ بِشَيْءٍ مِنها إلّا بِإذْنِ مَن هي لَهُ.
قَوْلُهُ: ﴿وآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالمَعْرُوفِ﴾ أيْ: أدُّوا إلَيْهِنَّ مُهُورَهُنَّ بِما هو بِالمَعْرُوفِ في الشَّرْعِ، وقَدِ اسْتَدَلَّ بِهَذا مَن قالَ: إنَّ الأمَةَ أحَقُّ بِمَهْرِها مِن سَيِّدِها، وإلَيْهِ ذَهَبَ مالِكٌ، وذَهَبَ الجُمْهُورُ إلى أنَّ المَهْرَ لِلسَّيِّدِ، وإنَّما أضافَها إلَيْهِنَّ؛ لِأنَّ التَّأْدِيَةَ إلَيْهِنَّ تَأْدِيَةٌ إلى سَيِّدِهِنَّ لِكَوْنِهِنَّ مالَهُ. قَوْلُهُ: ﴿مُحْصَناتٍ﴾ أيْ: عَفائِفَ.
وقَرَأ الكِسائِيُّ ( مُحْصِناتٍ ) بِكَسْرِ الصّادِ في جَمِيعِ القُرْآنِ إلّا في قَوْلِهِ: ﴿والمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ﴾ وقَرَأ الباقُونَ بِالفَتْحِ في جَمِيعِ القُرْآنِ. قَوْلُهُ: ﴿غَيْرَ مُسافِحاتٍ﴾ أيْ غَيْرَ مُعْلِناتٍ بِالزِّنا.
والأخْدانُ: الأخِلّاءُ، والخِدْنُ والخَدِينُ المُخادِنُ؛ أيِ: المُصاحِبُ - وقِيلَ: ذاتُ الخِدْنِ: هي الَّتِي تَزْنِي سِرًّا، فَهو مُقابِلٌ لِلْمُسافِحَةِ، وهي الَّتِي تُجاهِرُ بِالزِّنا، وقِيلَ: المُسافِحَةُ: المَبْذُولَةُ. وذاتُ الخِدْنِ: الَّتِي تَزْنِي بِواحِدٍ. وكانَتِ العَرَبُ تَعِيبُ الإعْلانَ بِالزِّنا ولا تَعِيبُ اتِّخاذَ الأخْدانِ، ثُمَّ رَفَعَ الإسْلامُ جَمِيعَ ذَلِكَ، قالَ اللَّهُ: ﴿ولا تَقْرَبُوا الفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنها وما بَطَنَ﴾ [الأنعام: ١٥١] .
قَوْلُهُ: ﴿فَإذا أُحْصِنَّ﴾ قَرَأ عاصِمٌ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ. وقَرَأ الباقُونَ بِضَمِّها، والمُرادُ بِالإحْصانِ هُنا الإسْلامُ.
رُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وابْنِ عُمَرَ وأنَسٍ والأسْوَدِ بْنِ يَزِيدَ وزِرِّ بْنِ حُبَيْشٍ وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وعَطاءٍ وإبْراهِيمَ النَّخَعِيِّ والشَّعْبِيِّ والسُّدِّيِّ ورُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ بِإسْنادٍ مُنْقَطِعٍ وهو الَّذِي نَصَّ عَلَيْهِ الشّافِعِيُّ، وبِهِ قالَ الجُمْهُورُ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وأبُو الدَّرْداءِ ومُجاهِدٌ وعِكْرِمَةُ وطاوُسٌ وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ والحَسَنُ وقَتادَةُ وغَيْرُهم: إنَّهُ التَّزْوِيجُ. ورُوِيَ عَنِ الشّافِعِيِّ فَعَلى القَوْلِ الأوَّلِ لا حَدَّ عَلى الأمَةِ الكافِرَةِ. وعَلى القَوْلِ الثّانِي لا حَدَّ عَلى الأمَةِ الَّتِي لَمْ تَتَزَوَّجْ.
وقالَ القاسِمُ وسالِمٌ: إحْصانُها إسْلامُها وعَفافُها. وقالَ ابْنُ جَرِيرٍ: إنَّ مَعْنى القِراءَتَيْنِ مُخْتَلِفٌ، فَمَن قَرَأ ( أُحْصِنَّ ) بِضَمِّ الهَمْزَةِ فَمَعْناهُ التَّزْوِيجُ، ومَن قَرَأ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ فَمَعْناهُ (p-٢٨٩)الإسْلامُ.
وقالَ قَوْمٌ: إنَّ الإحْصانَ المَذْكُورَ في الآيَةِ هو التَّزْوِيجُ، ولَكِنَّ الحَدَّ واجِبٌ عَلى الأمَةِ المُسْلِمَةِ إذا زَنَتْ قَبْلَ أنْ تَتَزَوَّجَ بِالسُّنَّةِ، وبِهِ قالَ الزُّهْرِيُّ. قالَ ابْنُ عَبْدِ البَرِّ: ظاهِرُ قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ يَقْتَضِي أنَّهُ لا حَدَّ عَلى الأمَةِ وإنْ كانَتْ مُسْلِمَةً إلّا بَعْدَ التَّزْوِيجِ، ثُمَّ جاءَتِ السُّنَّةُ بِجَلْدِها وإنْ لَمْ تُحْصَنْ، وكانَ ذَلِكَ زِيادَةَ بَيانٍ. قالَ القُرْطُبِيُّ: ظَهْرُ المُسْلِمِ حِمًى لا يُسْتَباحُ إلّا بِيَقِينٍ، ولا يَقِينَ مَعَ الِاخْتِلافِ لَوْلا ما جاءَ في صَحِيحِ السُّنَّةِ مِنَ الجَلْدِ. قالَ ابْنُ كَثِيرٍ في تَفْسِيرِهِ: والأظْهَرُ - واللَّهُ أعْلَمُ - أنَّ المُرادَ بِالإحْصانِ هُنا التَّزْوِيجُ؛ لِأنَّ سِياقَ الآيَةِ يَدُلُّ عَلَيْهِ حَيْثُ يَقُولُ سُبْحانَهُ: ﴿ومَن لَمْ يَسْتَطِعْ مِنكم طَوْلًا﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿فَإذا أُحْصِنَّ فَإنْ أتَيْنَ بِفاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ ما عَلى المُحْصَناتِ مِنَ العَذابِ﴾ فالسِّياقُ كُلُّهُ في الفَتَياتِ المُؤْمِناتِ، فَتَعَيَّنَ أنَّ المُرادَ بِقَوْلِهِ: ﴿فَإذا أُحْصِنَّ﴾ أيْ: تَزَوَّجْنَ كَما فَسَّرَهُ بِهِ ابْنُ عَبّاسٍ ومَن تَبِعَهُ، قالَ: وعَلى كُلٍّ مِنَ القَوْلَيْنِ إشْكالٌ عَلى مَذْهَبِ الجُمْهُورِ؛ لِأنَّهم يَقُولُونَ: إنَّ الأمَةَ إذا زَنَتْ فَعَلَيْها خَمْسُونَ جَلْدَةً سَواءٌ كانَتْ مُسْلِمَةً أوْ كافِرَةً مُزَوَّجَةً أوْ بِكْرًا، مَعَ أنَّ مَفْهُومَ الآيَةِ يَقْتَضِي أنَّهُ لا حَدَّ عَلى غَيْرِ المُحْصَنَةِ مِنَ الإماءِ.
وقَدِ اخْتَلَفَتْ أجْوِبَتُهم عَنْ ذَلِكَ، ثُمَّ ذُكِرَ أنَّ مِنهم مَن أجابَ وهُمُ الجُمْهُورَ بِتَقْدِيمِ مَنطُوقِ الأحادِيثِ عَلى هَذا المَفْهُومِ، ومِنهم مَن عَمِلَ عَلى مَفْهُومِ الآيَةِ، وقالَ: إذا زَنَتْ ولَمْ تُحْصَنْ فَلا حَدَّ عَلَيْها وإنَّما تُضْرَبُ تَأْدِيبًا. قالَ: وهو المَحْكِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وإلَيْهِ ذَهَبَ طاوُسٌ وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وأبُو عُبَيْدٍ وداوُدُ الظّاهِرِيُّ في رِوايَةٍ عَنْهُ، فَهَؤُلاءِ قَدَّمُوا مَفْهُومَ الآيَةِ عَلى العُمُومِ، وأجابُوا عَنْ مَثَلِ حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ وزَيْدِ بْنِ خالِدٍ في الصَّحِيحَيْنِ وغَيْرِهِما «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ سُئِلَ عَنِ الأمَةِ: إذا زَنَتْ ولَمْ تُحْصَنْ، قالَ: إنْ زَنَتْ فاجْلِدُوها ثُمَّ إنْ زَنَتْ فاجْلِدُوها، ثُمَّ إنْ زَنَتْ فاجْلِدُوها ثُمَّ بِيعُوها ولَوْ بِضَفِيرٍ» بِأنَّ المُرادَ بِالجَلْدِ هُنا التَّأْدِيبُ وهو تَعَسُّفٌ، وأيْضًا قَدْ ثَبَتَ في الصَّحِيحَيْنِ مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ يَقُولُ: «إذا زَنَتْ أمَةُ أحَدِكم فَلْيَجْلِدْها الحَدَّ ولا يُثَرِّبَ عَلَيْها، ثُمَّ إنْ زَنَتْ فَلْيَجْلِدْها الحَدَّ» الحَدِيثَ. ولِمُسْلِمٍ مِن حَدِيثِ عَلِيٍّ قالَ: ( «يا أيُّها النّاسُ أقِيمُوا عَلى أرِقّائِكُمُ الحَدَّ مَن أُحْصِنَ ومَن لَمْ يُحْصَنْ، فَإنَّ أمَةً لِرَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ زَنَتْ فَأمَرَنِي أنْ أجْلِدَها» ) الحَدِيثَ. وأمّا ما أخْرَجَهُ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ خُزَيْمَةَ والبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «لَيْسَ عَلى الأمَةِ حَدٌّ حَتّى تُحْصَنَ بِزَوْجٍ، فَإذا أُحْصِنَتْ بِزَوْجٍ فَعَلَيْها نِصْفُ ما عَلى المُحْصَناتِ مِنَ العَذابِ» فَقَدْ قالَ ابْنُ خُزَيْمَةَ والبَيْهَقِيُّ: إنَّ رَفْعَهُ خَطَأٌ، والصَّوابُ وقْفُهُ.
قَوْلُهُ: ﴿فَإنْ أتَيْنَ بِفاحِشَةٍ﴾ الفاحِشَةُ هُنا الزِّنا ﴿فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ ما عَلى المُحْصَناتِ﴾ أيِ الحَرائِرِ الأبْكارِ؛ لِأنَّ الثَّيِّبَ عَلَيْها الرَّجْمُ وهو لا يَتَبَعَّضُ، وقِيلَ: المُرادُ بِالمُحْصَناتِ هُنا المُزَوَّجاتُ؛ لِأنَّ عَلَيْهِنَّ الجَلْدَ والرَّجْمَ، والرَّجْمُ لا يَتَبَعَّضُ، فَصارَ عَلَيْهِنَّ نِصْفُ ما عَلَيْهِنَّ مِنَ الجَلْدِ.
والمُرادُ بِالعَذابِ هُنا الجَلْدُ، وإنَّما نَقَصَ حَدُّ الإماءِ عَنْ حَدِّ الحَرائِرِ لِأنَّهُنَّ أضْعَفُ، وقِيلَ: لِأنَّهُنَّ لا يَصِلْنَ إلى مُرادِهِنَّ كَما تَصِلُ الحَرائِرُ، وقِيلَ: لِأنَّ العُقُوبَةَ تَجِبُ عَلى قَدْرِ النِّعْمَةِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يُضاعَفْ لَها العَذابُ ضِعْفَيْنِ﴾ [الأحزاب: ٣٠] ولَمْ يَذْكُرِ اللَّهُ سُبْحانَهُ في هَذِهِ الآيَةِ العَبِيدَ وهم لاحِقُونَ بِالإماءِ بِطَرِيقِ القِياسِ، وكَما يَكُونُ عَلى الإماءِ والعَبِيدِ نِصْفُ الحَدِّ في الزِّنا، كَذَلِكَ يَكُونُ عَلَيْهِمْ نِصْفُ الحَدِّ في القَذْفِ والشُّرْبِ، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ لِمَن خَشِيَ العَنَتَ مِنكُمْ﴾ إلى نِكاحِ الإماءِ. والعَنَتُ: الوُقُوعُ في الإثْمِ، وأصْلُهُ في اللُّغَةِ انْكِسارُ العَظْمِ بَعْدَ الجَبْرِ، ثُمَّ اسْتُعِيرَ لِكُلِّ مَشَقَّةٍ ﴿وأنْ تَصْبِرُوا﴾ عَنْ نِكاحِ الإماءِ خَيْرٌ لَكم مِن نِكاحِهِنَّ؛ أيْ: صَبْرُكم خَيْرٌ لَكم؛ لِأنَّ نِكاحَهُنَّ يُفْضِي إلى إرْقاقِ الوَلَدِ والغَضِّ مِنَ النَّفْسِ.
قَوْلُهُ: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ﴾ اللّامُ هُنا هي لامُ كَيِ الَّتِي تُعاقِبُ أنْ. قالَ الفَرّاءُ: العَرَبُ تُعاقِبُ بَيْنَ لامِ كَيْ وأنْ، فَتَأْتِي بِاللّامِ الَّتِي عَلى مَعْنى كَيْ في مَوْضِعِ أنْ في أرَدْتُ وأمَرْتُ، فَيَقُولُونَ: أرَدْتُ أنْ تَفْعَلَ وأرَدْتُ لِتَفْعَلَ، ومِنهُ ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأفْواهِهِمْ﴾ [الصف: ٨] ﴿وأُمِرْتُ لِأعْدِلَ بَيْنَكُمُ﴾ [الشورى: ١٥] ٣٠ ﴿وأُمِرْنا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ العالَمِينَ﴾ [الأنعام: ٧١] ومِنهُ:
؎أُرِيدُ لِأنْسى ذِكْرَها فَكَأنَّما ∗∗∗ تُمَثَّلُ لِي لَيْلى بِكُلِّ سَبِيلِ
وحَكى الزَّجّاجُ هَذا القَوْلَ وقالَ: لَوْ كانَتِ اللّامُ بِمَعْنى أنْ لَدَخَلَتْ عَلَيْها لامٌ أُخْرى كَما تَقُولُ: جِئْتُ كَيْ تُكْرِمَنِي، ثُمَّ تَقُولُ: جِئْتُ لِكَيْ تُكْرِمَنِي، وأنْشَدَ:
؎أرَدْتُ لِكَيْما يَعْلَمَ النّاسُ أنَّها ∗∗∗ سَراوِيلُ قَيْسٍ والوُفُودُ شُهُودُ
وقِيلَ: اللّامُ زائِدَةٌ لِتَأْكِيدِ مَعْنى الِاسْتِقْبالِ، أوْ لِتَأْكِيدِ إرادَةِ التَّبْيِينِ، ومَفْعُولُ ( يُبَيِّنَ ) مَحْذُوفٌ؛ أيْ: لِيُبَيِّنَ لَكم ما خَفِيَ عَلَيْكم مِنَ الخَيْرِ، وقِيلَ: مَفْعُولُ يُرِيدُ مَحْذُوفٌ؛ أيْ: يُرِيدُ اللَّهُ هَذا لِيُبَيِّنَ لَكم، وبِهِ قالَ البَصْرِيُّونَ، وهو مَرْوِيٌّ عَنْ سِيبَوَيْهِ، وقِيلَ: اللّامُ بِنَفْسِها ناصِبَةٌ لِلْفِعْلِ مِن غَيْرِ إضْمارِ أنْ، وهي وما بَعْدَها مَفْعُولٌ لِلْفِعْلِ المُتَقَدِّمِ، وهو مِثْلُ قَوْلِ الفَرّاءِ السّابِقِ، وقالَ بَعْضُ البَصْرِيِّينَ: إنَّ قَوْلَهُ: ( يُرِيدُ ) مُئَوَّلٌ بِالمَصْدَرِ مَرْفُوعٌ بِالِابْتِداءِ مِثْلَ: تَسْمَعُ بِالمُعَيْدِيِّ خَيْرٌ مِن أنْ تَراهُ.
ومَعْنى الآيَةِ: يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكم مَصالِحَ دِينِكم وما يَحِلُّ لَكم وما يَحْرُمُ عَلَيْكم ويَهْدِيَكم سُنَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكم أيْ: طُرُقَهم، وهُمُ الأنْبِياءُ وأتْباعُهم لِتَقْتَدُوا بِهِمْ ويَتُوبَ عَلَيْكم أيْ: ويُرِيدُ أنْ يَتُوبَ عَلَيْكم فَتُوبُوا إلَيْهِ وتَلافَوْا ما فُرِّطَ مِنكم بِالتَّوْبَةِ يَغْفِرْ لَكم ذُنُوبَكم. واللَّهُ يُرِيدُ أنْ يَتُوبَ عَلَيْكم هَذا تَأْكِيدٌ لِما قَدْ فُهِمْ مِن قَوْلِهِ: ويَتُوبَ عَلَيْكم المُتَقَدِّمِ، وقِيلَ: الأوَّلُ مَعْناهُ لِلْإرْشادِ إلى الطّاعاتِ، والثّانِي فِعْلُ أسْبابِها، وقِيلَ: إنَّ الثّانِيَ لِبَيانِ كَمالِ مَنفَعَةِ إرادَتِهِ سُبْحانَهُ وكَمالِ ضَرَرِ ما يُرِيدُهُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَواتِ، ولَيْسَ المُرادُ بِهِ مُجَرَّدَ إرادَةِ التَّوْبَةِ حَتّى يَكُونَ مِن بابِ التَّكْرِيرِ لِلتَّأْكِيدِ، قِيلَ: هَذِهِ الإرادَةُ مِنهُ سُبْحانَهُ في جَمِيعِ أحْكامِ الشَّرْعِ، وقِيلَ: في نِكاحِ الأمَةِ فَقَطْ.
واخْتُلِفَ في تَعْيِينِ المُتَّبِعِينَ لِلشَّهَواتِ، فَقِيلَ: هُمُ الزُّناةُ، وقِيلَ: اليَهُودُ والنَّصارى، وقِيلَ: اليَهُودُ خاصَّةً، وقِيلَ: هُمُ (p-٢٩٠)المَجُوسُ لِأنَّهم أرادُوا أنْ يَتَّبِعَهُمُ المُسْلِمُونَ في نِكاحِ الأخَواتِ مِنَ الأبِ. والأوَّلُ أوْلى. والمَيْلُ: العُدُولُ عَنْ طَرِيقِ الِاسْتِواءِ. والمُرادُ بِالشَّهَواتِ هُنا ما حَرَّمَهُ الشَّرْعُ ودُونَ ما أحَلَّهُ، ووَصَفَ المَيْلَ بِالعِظَمِ بِالنِّسْبَةِ إلى مَيْلِ مَنِ اقْتَرَفَ خَطِيئَةً نادِرًا.
قَوْلُهُ: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ﴾ بِما مَرَّ مِنَ التَّرْخِيصِ لَكم، أوْ بِكُلِّ ما فِيهِ تَخْفِيفٌ عَلَيْكم ﴿وخُلِقَ الإنْسانُ ضَعِيفًا﴾ عاجِزًا غَيْرَ قادِرٍ عَلى مَلْكِ نَفْسِهِ ودَفْعِها عَنْ شَهَواتِها وفاءً بِحَقِّ التَّكْلِيفِ، فَهو مُحْتاجٌ مِن هَذِهِ الحَيْثِيَّةِ إلى التَّخْفِيفِ. فَلِهَذا أرادَ اللَّهُ سُبْحانَهُ التَّخْفِيفَ عَنْهُ.
وقَدْ أخْرَجَ البُخارِيُّ وغَيْرُهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: حُرِّمَ مِنَ النَّسَبِ سَبْعٌ ومِنَ الصِّهْرِ سَبْعٌ، ثُمَّ قَرَأ ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكم أُمَّهاتُكُمْ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿وبَناتُ الأُخْتِ﴾ هَذا مِنَ النَّسَبِ، وباقِي الآيَةِ مِنَ الصِّهْرِ، والسّابِعَةُ ولا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكم مِنَ النِّساءِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ والبَيْهَقِيُّ عَنْ عِمْرانَ بْنِ حُصَيْنٍ في قَوْلِهِ: ﴿وأُمَّهاتُ نِسائِكُمْ﴾ قالَ: هي مُبْهَمَةٌ.
وأخْرَجَ هَؤُلاءِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: هي مُبْهَمَةٌ إذا طَلَّقَ الرَّجُلُ امْرَأتَهُ قَبْلَ أنْ يَدْخُلَ بِها أوْ ماتَتْ لَمْ تَحِلَّ لَهُ أُمُّها. وأخْرَجَ هَؤُلاءِ إلّا البَيْهَقِيَّ عَنْ عَلِيٍّ في الرَّجُلِ يَتَزَوَّجُ المَرْأةَ ثُمَّ يُطَلِّقُها، أوْ ماتَتْ قَبْلَ أنْ يَدْخُلَ بِها هَلْ تَحِلُّ لَهُ أُمُّها ؟ قالَ: هي بِمَنزِلَةِ الرَّبِيبَةِ. وأخْرَجَ هَؤُلاءِ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثابِتٍ أنَّهُ كانَ يَقُولُ: إذا ماتَتْ عِنْدَهُ فَأخَذَ مِيراثَها كُرِهَ أنْ يَخْلُفَ عَلى أُمِّها، وإذا طَلَّقَها قَبْلَ أنْ يَدْخُلَ بِها فَلا بَأْسَ أنْ يَتَزَوَّجَ أُمَّها. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ في قَوْلِهِ: ﴿وأُمَّهاتُ نِسائِكم ورَبائِبُكُمُ اللّاتِي في حُجُورِكُمْ﴾: أُرِيدَ بِهِما الدُّخُولُ جَمِيعًا.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ قالَ: الرَّبِيبَةُ والأُمُّ سَواءٌ لا بَأْسَ بِهِما إذا لَمْ يَدْخُلْ بِالمَرْأةِ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ مالِكِ بْنِ أوْسِ بْنِ الحَدَثانِ قالَ: كانَتْ عِنْدِي امْرَأةٌ فَتُوُفِّيَتْ وقَدْ ولَدَتْ لِي فَوَجَدْتُ عَلَيْها، فَلَقِيَنِي عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ فَقالَ: ما لَكَ ؟ فَقُلْتُ: تُوُفِّيَتِ المَرْأةُ، فَقالَ عَلِيٌّ: لَها ابْنَةٌ ؟ قُلْتُ: نَعَمْ وهي بِالطّائِفِ، قالَ: كانَتْ في حِجْرِكَ ؟ قُلْتُ: لا. قالَ: فانْكِحْها. قُلْتُ: فَأيْنَ قَوْلُ اللَّهِ ﴿ورَبائِبُكُمُ اللّاتِي في حُجُورِكُمْ﴾ ؟ قالَ: إنَّها لَمْ تَكُنْ في حِجْرِكَ. وقَدْ قَدَّمْنا قَوْلَ مَن قالَ: إنَّهُ إسْنادٌ ثابِتٌ عَلى شَرْطِ مُسْلِمٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: الدُّخُولُ الجِماعُ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ في المُصَنَّفِ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عَطاءٍ قالَ: كُنّا نَتَحَدَّثُ أنَّ مُحَمَّدًا صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ لَمّا نَكَحَ امْرَأةَ زَيْدٍ قالَ المُشْرِكُونَ بِمَكَّةَ في ذَلِكَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وحَلائِلُ أبْنائِكُمُ الَّذِينَ مِن أصْلابِكُمْ﴾ ونَزَلَتْ ﴿وما جَعَلَ أدْعِياءَكم أبْناءَكُمْ﴾ [الأحزاب: ٤] ونَزَلَتْ ﴿ما كانَ مُحَمَّدٌ أبا أحَدٍ مِن رِجالِكم﴾ [الأحزاب: ٤٠] .
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وأنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ﴾ قالَ: يَعْنِي في النِّكاحِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْهُ في الآيَةِ قالَ: ذَلِكَ في الحَرائِرِ، فَأمّا المَمالِيكُ فَلا بَأْسَ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ نَحْوَهُ مِن طَرِيقٍ أُخْرى. وأخْرَجَ مالِكٌ والشّافِعِيُّ وعَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنْ عُثْمانَ بْنِ عَفّانَ: أنَّ رَجُلًا سَألَهُ عَنِ الأُخْتَيْنِ في مِلْكِ اليَمِينِ هَلْ يَجْمَعُ بَيْنَهُما ؟ قالَ: أحَلَّتْهُما آيَةٌ وحَرَّمَتْهُما آيَةٌ، وما كُنْتُ لِأصْنَعَ ذَلِكَ، فَخَرَجَ مِن عِنْدِهِ، فَلَقِيَ رَجُلًا مِن أصْحابِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ أراهُ عَلِيَّ بْنَ أبِي طالِبٍ، فَسَألَهُ عَنْ ذَلِكَ فَقالَ: لَوْ كانَ لِي مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ ثُمَّ وجَدْتُ أحَدًا فَعَلَ ذَلِكَ لَجَعَلْتُهُ نَكالًا.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ المُنْذِرِ والبَيْهَقِيُّ عَنْ عَلِيٍّ: أنَّهُ سُئِلَ عَنْ رَجُلٍ لَهُ أمَتانِ أُخْتانِ، وطِئَ إحْداهُما وأرادَ أنْ يَطَأ الأُخْرى، فَقالَ: لا؛ حَتّى يُخْرِجَها مِن مِلْكِهِ، وقِيلَ: فَإنْ زَوَّجَها عَبْدَهُ ؟ قالَ: لا؛ حَتّى يُخْرِجَها مِن مِلْكِهِ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والطَّبَرانِيُّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ: أنَّهُ سُئِلَ عَنِ الرَّجُلِ يَجْمَعُ بَيْنَ الأُخْتَيْنِ الأمَتَيْنِ فَكَرِهَهُ، فَقِيلَ: يَقُولُ اللَّهُ: ﴿إلّا ما مَلَكَتْ أيْمانُكُمْ﴾ فَقالَ: وبَعِيرُكَ أيْضًا مِمّا مَلَكَتْ يَمِينُكَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ والبَيْهَقِيُّ مِن طَرِيقِ أبِي صالِحٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ قالَ في الأُخْتَيْنِ المَمْلُوكَتَيْنِ: أحَلَّتْهُما آيَةٌ وحَرَّمَتْهُما آيَةٌ ولا آمُرُ ولا أُنْهِي، ولا أُحِلُّ ولا أُحَرِّمُ، ولا أفْعَلُ أنا وأهْلَ بَيْتِي. وأخْرَجَ أحْمَدُ عَنْ قَيْسٍ قالَ: قُلْتُ لِابْنِ عَبّاسٍ: أيَقَعُ الرَّجُلُ عَلى المَرْأةِ وابْنَتِها مَمْلُوكَتَيْنِ لَهُ ؟ فَقالَ: أحَلَّتْهُما آيَةٌ وحَرَّمَتْهُما آيَةٌ، ولَمْ أكُنْ لِأفْعَلَهُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ والبَيْهَقِيُّ عَنْهُ في الأُخْتَيْنِ مِن مِلْكِ اليَمِينِ: أحَلَّتْهُما آيَةٌ وحَرَّمَتْهُما آيَةٌ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ والبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: إذا كانَ لِلرَّجُلِ جارِيَتانِ أُخْتانِ فَغَشِيَ إحْداهُما فَلا يَقْرَبُ الأُخْرى حَتّى يُخْرِجَ الَّتِي غَشِيَ مِن مِلْكِهِ.
وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ عَنْ مُقاتِلِ بْنِ سُلَيْمانَ قالَ: إنَّما قالَ اللَّهُ في نِساءِ الآباءِ: ﴿إلّا ما قَدْ سَلَفَ﴾؛ لِأنَّ العَرَبَ كانُوا يَنْكِحُونَ نِساءَ الآباءِ، ثُمَّ حُرِّمَ النَّسَبُ والصِّهْرُ فَلَمْ يَقُلْ إلّا ما قَدْ سَلَفَ؛ لِأنَّ العَرَبَ كانَتْ لا تَنْكِحُ النَّسَبَ والصِّهْرَ. وقالَ في الأُخْتَيْنِ: ﴿إلّا ما قَدْ سَلَفَ﴾؛ لِأنَّهم كانُوا يَجْمَعُونَ بَيْنَهُما فَحَرَّمَ جَمْعَهُما جَمِيعًا إلّا ما قَدْ سَلَفَ قَبْلَ التَّحْرِيمِ ﴿إنَّ اللَّهَ كانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ لِما كانَ مِن جِماعِ الأُخْتَيْنِ قَبْلَ التَّحْرِيمِ.
وأخْرَجَ أحْمَدُ ومُسْلِمٌ وأبُو داوُدَ والتِّرْمِذِيُّ والنَّسائِيُّ وغَيْرُهم عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ: «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ بَعَثَ يَوْمَ حُنَيْنٍ جَيْشًا إلى أوْطاسٍ، فَلَقُوا عَدُوًّا فَقاتَلُوهم، فَظَهَرُوا عَلَيْهِمْ وأصابُوا لَهم سَبايا، فَكَأنَّ ناسًا مِن أصْحابِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ تَحَرَّجُوا مِن غِشْيانِهِنَّ مِن أجْلِ أزْواجِهِنَّ مِنَ المُشْرِكِينَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ في ذَلِكَ ﴿والمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ إلّا ما مَلَكَتْ أيْمانُكم﴾ يَقُولُ: إلّا ما أفاءَ اللَّهُ عَلَيْكم» . وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ ذَلِكَ سَبَبُ نُزُولِ الآيَةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ والبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: (p-٢٩١)﴿والمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ﴾ قالَ: كُلُّ ذاتِ زَوْجٍ إتْيانُها زِنًا إلّا ما سُبِيَتَ.
وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ والطَّبَرانِيُّ عَنْ عَلِيٍّ وابْنِ مَسْعُودٍ في قَوْلِهِ: والمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ إلّا ما مَلَكَتْ أيْمانُكم قالَ: عَلى المُشْرِكاتِ إذا سُبِينَ حَلَّتْ لَهُ. وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: المُشْرِكاتُ والمُسْلِماتُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: إذا بِيعَتِ الأمَةُ ولَها زَوْجٌ فَسَيِّدُها أحَقُّ بِبُضْعِها. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿والمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ﴾ قالَ: ذَواتُ الأزْواجِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿والمُحْصَناتُ﴾ قالَ: العَفِيفَةُ العاقِلَةُ مِن مُسْلِمَةٍ أوْ مِن أهْلِ الكِتابِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ في الآيَةِ قالَ: لا يَحِلُّ لَهُ أنْ يَتَزَوَّجَ فَوْقَ الأرْبَعِ، فَما زادَ فَهو عَلَيْهِ حَرامٌ كَأُمِّهِ وأُخْتِهِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ أبِي العالِيَةِ في قَوْلِهِ: ﴿والمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ﴾ قالَ: يَقُولُ انْكِحُوا ما طابَ لَكم مِنَ النِّساءِ مَثْنى وثُلاثَ ورُباعَ، ثُمَّ حَرَّمَ ما حَرَّمَ مِنَ النَّسَبِ والصِّهْرِ، ثُمَّ قالَ: ﴿والمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ﴾ فَرَجَعَ إلى أوَّلِ السُّورَةِ فَقالَ: هُنَّ حَرامٌ أيْضًا، إلّا لِمَن نَكَحَ بِصَداقٍ وسُنَّةٍ وشُهُودٍ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ عَبِيدَةَ قالَ: أحَلَّ اللَّهُ لَكَ أرْبَعًا في أوَّلِ السُّورَةِ، وحَرَّمَ نِكاحَ كُلِّ مُحْصَنَةٍ بَعْدَ الأرْبَعِ إلّا ما مَلَكَتْ يَمِينُكَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «الإحْصانُ إحْصانانِ: إحْصانُ نِكاحٍ، وإحْصانُ عَفافٍ؛ فَمَن قَرَأها والمُحْصِناتُ بِكَسْرِ الصّادِ فَهُنَّ العَفائِفُ، ومَن قَرَأها والمُحْصَناتُ بِالفَتْحِ فَهُنَّ المُتَزَوِّجاتُ». قالَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ: قالَ أبِي: هَذا حَدِيثٌ مُنْكَرٌ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences