Ash-ShawkaniAn‑Nisa · 4:77–85

Ash-Shawkani · Tafsir · in Arabic

An-Nisa 4:77–85

4:77–81Page 90

أَلَمۡ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ قِيلَ لَهُمۡ كُفُّوٓاْ أَيۡدِيَكُمۡ وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتُواْ ٱلزَّكَوٰةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيۡهِمُ ٱلۡقِتَالُ إِذَا فَرِيقٞ مِّنۡهُمۡ يَخۡشَوۡنَ ٱلنَّاسَ كَخَشۡيَةِ ٱللَّهِ أَوۡ أَشَدَّ خَشۡيَةٗۚ وَقَالُواْ رَبَّنَا لِمَ كَتَبۡتَ عَلَيۡنَا ٱلۡقِتَالَ لَوۡلَآ أَخَّرۡتَنَآ إِلَىٰٓ أَجَلٖ قَرِيبٖۗ قُلۡ مَتَٰعُ ٱلدُّنۡيَا قَلِيلٞ وَٱلۡأٓخِرَةُ خَيۡرٞ لِّمَنِ ٱتَّقَىٰ وَلَا تُظۡلَمُونَ فَتِيلًا ٧٧

Have you not seen those who were told, "Restrain your hands [from fighting]1 and establish prayer and give zakāh"? But then when battle was ordained for them, at once a party of them feared men as they fear Allāh or with [even] greater fear. They said, "Our Lord, why have You decreed upon us fighting? If only You had postponed [it for] us for a short time." Say, "The enjoyment of this world is little, and the Hereafter is better for he who fears Allāh. And injustice will not be done to you, [even] as much as a thread [inside a date seed]."

أَيۡنَمَا تَكُونُواْ يُدۡرِككُّمُ ٱلۡمَوۡتُ وَلَوۡ كُنتُمۡ فِي بُرُوجٖ مُّشَيَّدَةٖۗ وَإِن تُصِبۡهُمۡ حَسَنَةٞ يَقُولُواْ هَٰذِهِۦ مِنۡ عِندِ ٱللَّهِۖ وَإِن تُصِبۡهُمۡ سَيِّئَةٞ يَقُولُواْ هَٰذِهِۦ مِنۡ عِندِكَۚ قُلۡ كُلّٞ مِّنۡ عِندِ ٱللَّهِۖ فَمَالِ هَٰٓؤُلَآءِ ٱلۡقَوۡمِ لَا يَكَادُونَ يَفۡقَهُونَ حَدِيثٗا ٧٨

Wherever you may be, death will overtake you, even if you should be within towers of lofty construction. But if good comes to them, they say, "This is from Allāh"; and if evil befalls them, they say,1 "This is from you." Say, "All [things] are from Allāh." So what is [the matter] with those people that they can hardly understand any statement?

مَّآ أَصَابَكَ مِنۡ حَسَنَةٖ فَمِنَ ٱللَّهِۖ وَمَآ أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٖ فَمِن نَّفۡسِكَۚ وَأَرۡسَلۡنَٰكَ لِلنَّاسِ رَسُولٗاۚ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيدٗا ٧٩

What comes to you of good is from Allāh, but what comes to you of evil, [O man], is from yourself.1 And We have sent you, [O Muḥammad], to the people as a messenger, and sufficient is Allāh as Witness.2

مَّن يُطِعِ ٱلرَّسُولَ فَقَدۡ أَطَاعَ ٱللَّهَۖ وَمَن تَوَلَّىٰ فَمَآ أَرۡسَلۡنَٰكَ عَلَيۡهِمۡ حَفِيظٗا ٨٠

He who obeys the Messenger has obeyed Allāh; but those who turn away - We have not sent you over them as a guardian.

وَيَقُولُونَ طَاعَةٞ فَإِذَا بَرَزُواْ مِنۡ عِندِكَ بَيَّتَ طَآئِفَةٞ مِّنۡهُمۡ غَيۡرَ ٱلَّذِي تَقُولُۖ وَٱللَّهُ يَكۡتُبُ مَا يُبَيِّتُونَۖ فَأَعۡرِضۡ عَنۡهُمۡ وَتَوَكَّلۡ عَلَى ٱللَّهِۚ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ وَكِيلًا ٨١

And they say, "[We pledge] obedience." But when they leave you, a group of them spend the night determining to do other than what you say. But Allāh records what they plan by night. So leave them alone and rely upon Allāh. And sufficient is Allāh as Disposer of affairs.

(p-٣١٣)قَوْلُهُ: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ قِيلَ لَهم كُفُّوا أيْدِيَكم﴾ الآيَةَ، قِيلَ: هم جَماعَةٌ مِنَ الصَّحابَةِ أُمِرُوا بِتَرْكِ القِتالِ في مَكَّةَ بَعْدَ أنْ تَسَرَّعُوا إلَيْهِ. فَلَمّا كُتِبَ عَلَيْهِمْ بِالمَدِينَةِ تَثَبَّطُوا عَنِ القِتالِ مِن غَيْرِ شَكٍّ في الدِّينِ بَلْ خَوْفًا مِنَ المَوْتِ وفَرَقًا مِن هَوْلِ القَتْلِ، وقِيلَ: إنَّها نَزَلَتْ في اليَهُودِ، وقِيلَ: في المُنافِقِينَ أسْلَمُوا قَبْلَ فَرْضِ القِتالِ، فَلَمّا فُرِضَ كَرِهُوهُ، وهَذا أشْبَهُ بِالسِّياقِ لِقَوْلِهِ: ﴿وقالُوا رَبَّنا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنا القِتالَ لَوْلا أخَّرْتَنا إلى أجَلٍ قَرِيبٍ﴾ وقَوْلِهِ: ﴿وإنْ تُصِبْهم حَسَنَةٌ﴾ الآيَةَ. ويَبْعُدُ صُدُورُ مِثْلِ هَذا مِنَ الصَّحابَةِ.

قَوْلُهُ: ﴿كَخَشْيَةِ اللَّهِ﴾ صِفَةُ مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ؛ أيْ: خَشْيَةٌ كَخَشْيَةِ اللَّهِ، أوْ حالٌ: أيْ: تَخْشَوْنَهم مُشْبِهِينَ أهْلَ خَشْيَةِ اللَّهِ، والمَصْدَرُ مُضافٌ إلى المَفْعُولِ؛ أيْ: كَخَشْيَتِهِمُ اللَّهَ.

وقَوْلُهُ: ﴿أوْ أشَدَّ خَشْيَةً﴾ مَعْطُوفٌ عَلى كَخَشْيَةِ اللَّهِ في مَحَلِّ جَرٍّ، أوْ مَعْطُوفٌ عَلى الجارِّ والمَجْرُورِ جَمِيعًا فَيَكُونُ في مَحَلِّ الحالِ كالمَعْطُوفِ عَلَيْهِ، أوْ لِلتَّنْوِيعِ عَلى مَعْنى أنَّ خَشْيَةَ بَعْضِهِمْ كَخَشْيَةِ اللَّهِ وخَشْيَةُ بَعْضِهِمْ أشَدُّ مِنها. قَوْلُهُ: وقالُوا عَطْفٌ عَلى ما يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: إذا فَرِيقٌ مِنهم أيْ: فَلَمّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ القِتالُ فاجَأ فَرِيقٌ مِنهم خَشْيَةَ النّاسِ ﴿وقالُوا رَبَّنا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنا القِتالَ لَوْلا أخَّرْتَنا﴾ أيْ: هَلّا أخَّرْتَنا، يُرِيدُونَ المُهْلَةَ إلى وقْتٍ آخَرَ قَرِيبٍ مِنَ الوَقْتِ الَّذِي فُرِضَ عَلَيْهِمْ فِيهِ القِتالُ، فَأمَرَهُ سُبْحانَهُ بِأنْ يُجِيبَ عَلَيْهِمْ فَقالَ: ﴿قُلْ مَتاعُ الدُّنْيا قَلِيلٌ﴾ سَرِيعُ الفَناءِ لا يَدُومُ لِصاحِبِهِ، وثَوابُ الآخِرَةِ خَيْرٌ لَكم مِنَ المَتاعِ القَلِيلِ لِمَنِ اتَّقى مِنكم ورَغِبَ في الثَّوابِ الدّائِمِ ﴿ولا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾ أيْ: شَيْئًا حَقِيرًا يَسِيرًا، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ الفَتِيلِ قَرِيبًا، وإذا كُنْتُمْ تُوَفَّرُونَ أُجُورَكم ولا تُنْقَصُونَ شَيْئًا مِنها، فَكَيْفَ تَرْغَبُونَ عَنْ ذَلِكَ وتَشْتَغِلُونَ بِمَتاعِ الدُّنْيا مَعَ قِلَّتِهِ وانْقِطاعِهِ.

وقَوْلُهُ: ﴿أيْنَما تَكُونُوا يُدْرِكُكُمُ المَوْتُ﴾ كَلامٌ مُبْتَدَأٌ، وفِيهِ حَثٌّ لِمَن قَعَدَ عَنِ القِتالِ خَشْيَةَ المَوْتِ، وبَيانٌ لِفَسادِ ما خالَطَهُ مِنَ الجِنِّ وخامَرَهُ مِنَ الخَشْيَةِ، فَإنَّ المَوْتَ إذا كانَ كائِنًا لا مَحالَةَ فَ

؎مَن لَمْ يَمُتْ بِالسَّيْفِ ماتَ بِغَيْرِهِ

والبُرُوجُ جَمْعُ بُرْجٍ: وهو البِناءُ المُرْتَفِعُ، والمُشَيَّدَةُ: المُرَفَّعَةُ مِن شادَ القَصْرَ: إذا رَفَعَهُ وطَلاهُ بِالشَّيْدِ وهو الجِصُّ، وجَوابُ لَوْلا مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ ما قَبْلَهُ عَلَيْهِ.

وقَدِ اخْتُلِفَ في هَذِهِ البُرُوجِ ما هي ؟ فَقِيلَ: الحُصُونُ الَّتِي في الأرْضِ، وقِيلَ: هي القُصُورُ. قالَ الزَّجّاجُ والقُتَيْبِيُّ: ومَعْنى مُشَيَّدَةٍ: مُطَوَّلَةٌ، وقِيلَ: مَعْناهُ مَطْلِيَّةٌ بِالشَّيْدِ وهو الجِصُّ، وقِيلَ: المُرادُ بِالبُرُوجِ بُرُوجٌ في سَماءِ الدُّنْيا مَبْنِيَّةٌ، حَكاهُ مَكِّيٌّ عَنْ مالِكٍ، وقالَ: ألا تَرى إلى قَوْلِهِ: ﴿والسَّماءِ ذاتِ البُرُوجِ﴾ [البروج: ١]، ﴿جَعَلَ في السَّماءِ بُرُوجًا﴾ [الفرقان: ٦١]، ﴿ولَقَدْ جَعَلْنا في السَّماءِ بُرُوجًا﴾ [الحجر: ١٦] وقِيلَ: إنَّ المُرادَ بِالبُرُوجِ المُشَيَّدَةِ هُنا قُصُورٌ مِن حَدِيدٍ.

وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ سُلَيْمانَ ( يُدْرِكُكُمُ المَوْتُ ) بِالرَّفْعِ عَلى تَقْدِيرِ الفاءِ كَما في قَوْلِهِ:

؎وقالَ رائِدُهم أرْسُوا نُزاوِلُها

قَوْلُهُ: ﴿وإنْ تُصِبْهم حَسَنَةٌ﴾ هَذا وما بَعْدَهُ مُخْتَصٌّ بِالمُنافِقِينَ؛ أيْ: إنْ تُصِبْهم نِعْمَةٌ نَسَبُوها إلى اللَّهِ تَعالى، وإنْ تُصِبْهم بَلِيَّةٌ ونِقْمَةٌ نَسَبُوها إلى رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ، فَرَدَّ اللَّهُ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ كُلٌّ مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾ لَيْسَ كَما تَزْعُمُونَ، ثُمَّ نَسَبَهم إلى الجَهْلِ وعَدَمِ الفَهْمِ فَقالَ: ﴿فَمالِ هَؤُلاءِ القَوْمِ لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا﴾ أيْ: ما بالُهم هَكَذا. قَوْلُهُ: ﴿ما أصابَكَ مِن حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ هَذا الخِطابُ إمّا لِكُلِّ مَن يَصْلُحُ لَهُ مِنَ النّاسِ، أوْ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ تَعْرِيضًا لِأُمَّتِهِ: أيْ: ما أصابَكَ مِن خَصْبٍ ورَخاءٍ وصِحَّةٍ وسَلامَةٍ فَمِنَ اللَّهِ بِفَضْلِهِ ورَحْمَتِهِ، وما أصابَكَ مِن جَهْدٍ وبَلاءٍ وشِدَّةٍ فَمِن نَفْسِكَ بِذَنْبٍ أتَيْتَهُ فَعُوقِبْتَ عَلَيْهِ، وقِيلَ: إنَّ هَذا مِن كَلامِ الَّذِينَ لا يَفْقَهُونَ حَدِيثًا؛ أيْ: فَيَقُولُونَ: ما أصابَكَ مِن حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ، وقِيلَ: إنَّ ألْفَ الِاسْتِفْهامِ مُضْمَرَةٌ؛ أيْ: أفَمِن نَفْسِكَ ؟ ومِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّها عَلَيَّ﴾ [الشعراء: ٢٢] والمَعْنى: أوَتِلْكَ نِعْمَةٌ ؟ ومِثْلُهُ قَوْلُهُ: ﴿فَلَمّا رَأى القَمَرَ بازِغًا قالَ هَذا رَبِّي﴾ [الأنعام: ٧٧] أيْ: أهَذا رَبِّي ؟ ومِنهُ قَوْلُ أبِي خِراشٍ الهُذَلِيِّ:

؎رَمَوْنِي وقالُوا يا خُوَيْلِدُ لَمْ تُرَعْ ∗∗∗ فَقُلْتُ وأنْكَرْتُ الوُجُوهَ هُمُ هُمُ

أيْ: أهُمُ هُمُ ؟ وهَذا خِلافُ الظّاهِرِ، وقَدْ ورَدَ في الكِتابِ العَزِيزِ ما يُفِيدُ مُفادَ هَذِهِ الآيَةِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما أصابَكم مِن مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أيْدِيكم ويَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ [الشورى: ٣٠]، وقَوْلِهِ: ﴿أوَلَمّا أصابَتْكم مُصِيبَةٌ قَدْ أصَبْتُمْ مِثْلَيْها قُلْتُمْ أنّى هَذا قُلْ هو مِن عِنْدِ أنْفُسِكم﴾ [آل عمران: ١٦٥] .

وقَدْ يُظَنُّ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وما أصابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَفْسِكَ﴾ مُنافٍ لِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ كُلٌّ مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾ ولِقَوْلِهِ: ﴿وما أصابَكم يَوْمَ التَقى الجَمْعانِ فَبِإذْنِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٦٦]، وقَوْلِهِ: ﴿ونَبْلُوكم بِالشَّرِّ والخَيْرِ فِتْنَةً﴾ [الأنبياء: ٤٥] وقَوْلِهِ: ﴿وإذا أرادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلا مَرَدَّ لَهُ وما لَهم مِن دُونِهِ مِن والٍ﴾ [الرعد: ١١] ولَيْسَ الأمْرُ كَذَلِكَ. فالجَمْعُ مُمْكِنٌ كَما هو مُقَرَّرٌ في مَواطِنِهِ.

قَوْلُهُ: ﴿وأرْسَلْناكَ لِلنّاسِ رَسُولًا﴾ فِيهِ البَيانُ لِعُمُومِ رِسالَتِهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ إلى الجَمِيعِ كَما يُفِيدُهُ التَّأْكِيدُ بِالمَصْدَرِ والعُمُومِ في النّاسِ، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ: ﴿وما أرْسَلْناكَ إلّا كافَّةً لِلنّاسِ﴾ [سبأ: ٢٨]، وقَوْلُهُ: ﴿ياأيُّها النّاسُ إنِّي رَسُولُ اللَّهِ إلَيْكم جَمِيعًا﴾ [الأعراف: ١٥٨] ( ﴿وكَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ ) [الفتح: ٢٨] عَلى ذَلِكَ. قَوْلُهُ: ﴿مَن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أطاعَ اللَّهَ﴾ فِيهِ أنَّ طاعَةَ الرَّسُولِ طاعَةٌ لِلَّهِ، وفي هَذا مِنَ النِّداءِ بِشَرَفِ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ وعُلُوِّ شانِهِ وارْتِفاعِ مَرْتَبَتِهِ ما لا يُقادَرُ قَدْرُهُ ولا يُبْلَغُ مَداهُ، ووَجْهُهُ أنَّ الرَّسُولَ لا يَأْمُرُ إلّا بِما أمَرَ اللَّهُ بِهِ، ولا (p-٣١٤)يَنْهى إلّا عَمّا نَهى اللَّهُ عَنْهُ ومَن تَوَلّى أيْ: أعْرَضَ ﴿فَما أرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾ أيْ حافِظًا لِأعْمالِهِمْ، إنَّما عَلَيْكَ البَلاغُ.

وقَدْ نُسِخَ هَذا بِآيَةِ السَّيْفِ، ﴿ويَقُولُونَ طاعَةٌ﴾ بِالرَّفْعِ عَلى أنَّها خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ؛ أيْ: أمْرُنا طاعَةٌ، أوْ شَأْنُنا طاعَةٌ. وقَرَأ الحَسَنُ والجَحْدَرِيُّ ونَصْرُ بْنُ عاصِمٍ بِالنَّصْبِ عَلى المَصْدَرِ؛ أيْ: نُطِيعُ طاعَةً وهَذِهِ في المُنافِقِينَ في قَوْلِ أكْثَرِ المُفَسِّرِينَ؛ أيْ: يَقُولُونَ إذا كانُوا عِنْدَكَ ﴿طاعَةٌ فَإذا بَرَزُوا مِن عِنْدِكَ﴾ أيْ: خَرَجُوا مِن عِنْدِكَ ﴿بَيَّتَ طائِفَةٌ مِنهم﴾ أيْ: زَوَّرَتْ طائِفَةٌ مِن هَؤُلاءِ القائِلِينَ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ لَهم أنْتَ وتَأْمُرُهم بِهِ، أوْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ لَكَ هي مِنَ الطّاعَةِ لَكَ، وقِيلَ: مَعْناهُ: غَيَّرُوا وبَدَّلُوا وحَرَّفُوا قَوْلَكَ فِيما عَهِدْتَ إلَيْهِمْ، والتَّبْيِيتُ: التَّبْدِيلُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:

؎أتَوْنِي فَلَمْ أرْضَ ما بَيَّتُوا ∗∗∗ وكانُوا أتَوْنِي بِأمْرٍ نُكُرْ

يُقالُ: بَيَّتَ الرَّجُلُ الأمْرَ: إذا تَدَبَّرَهُ لَيْلًا، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذْ يُبَيِّتُونَ ما لا يَرْضى مِنَ القَوْلِ﴾ [النساء: ١٠٨] . ﴿واللَّهُ يَكْتُبُ ما يُبَيِّتُونَ﴾ أيْ: يُثْبِتُهُ في صَحائِفِ أعْمالِهِمْ لِيُجازِيَهم عَلَيْهِ. وقالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى يُنْزِلُهُ عَلَيْكَ في الكِتابِ. قَوْلُهُ: ﴿فَأعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ أيْ: دَعْهم وشَأْنَهم حَتّى يُمْكِنَ الِانْتِقامُ مِنهم، وقِيلَ مَعْناهُ: لا تُخْبِرْ بِأسْمائِهِمْ، وقِيلَ: مَعْناهُ: لا تُعاقِبْهم. ثُمَّ أمَرَهُ بِالتَّوَكُّلِ عَلَيْهِ والثِّقَةِ بِهِ في النَّصْرِ عَلى عَدُوِّهِ قِيلَ: وهَذا مَنسُوخٌ بِآيَةِ السَّيْفِ.

وقَدْ أخْرَجَ النَّسائِيُّ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ وأصْحابًا لَهُ أتَوُا النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ فَقالُوا: «يا نَبِيَّ اللَّهِ كُنّا في عِزَّةٍ ونَحْنُ مُشْرِكُونَ فَلَمّا آمَنّا صِرْنا أذِلَّةً ؟ فَقالَ: إنِّي أُمِرْتُ بِالعَفْوِ فَلا تُقاتِلُوا القَوْمَ، فَلَمّا حَوَّلَهُ اللَّهُ إلى المَدِينَةِ أمَرَهُ بِالقِتالِ فَكَفُّوا، فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ قِيلَ لَهم كُفُّوا أيْدِيَكُمْ﴾ الآيَةَ» . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ قَتادَةَ في تَفْسِيرِ الآيَةِ نَحْوَهُ.

وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ: أنَّها نَزَلَتْ في اليَهُودِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طَرِيقِ العَوْفِيِّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَلَمّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ القِتالُ إذا فَرِيقٌ﴾ الآيَةَ، قالَ: نَهى اللَّهُ هَذِهِ الأُمَّةَ أنْ يَصْنَعُوا صَنِيعَهم.

وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ في قَوْلِهِ: إلى أجَلٍ قَرِيبٍ قالَ: هو المَوْتُ. وأخْرَجا نَحْوَهُ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ قَتادَةَ ﴿فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾ قالَ: في قُصُورٍ مُحَصَّنَةٍ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عِكْرِمَةَ نَحْوَهُ.

وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي العالِيَةِ قالَ: هي قُصُورٌ في السَّماءِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ سُفْيانَ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿وإنْ تُصِبْهم حَسَنَةٌ﴾ يَقُولُ: نِعْمَةٌ ﴿وإنْ تُصِبْهم سَيِّئَةٌ﴾ قالَ: مُصِيبَةٌ ﴿قُلْ كُلٌّ مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾ قالَ: النِّعَمُ والمَصائِبُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي العالِيَةِ في قَوْلِهِ: ﴿وإنْ تُصِبْهم حَسَنَةٌ﴾ قالَ: هَذِهِ في السَّرّاءِ والضَّرّاءِ، وفي قَوْلِهِ: ﴿ما أصابَكَ مِن حَسَنَةٍ﴾ قالَ: هَذِهِ في الحَسَناتِ والسَّيِّئاتِ.

وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: قُلْ كُلٌّ مِن عِنْدِ اللَّهِ يَقُولُ: الحَسَنَةُ والسَّيِّئَةُ مِن عِنْدِ اللَّهِ، أمّا الحَسَنَةُ فَأنْعَمَ بِها عَلَيْكَ، وأمّا السَّيِّئَةُ فابْتَلاكَ بِها، وفي قَوْلِهِ: ﴿وما أصابَكَ مِن سَيِّئَةٍ﴾ قالَ: ما أصابَهُ يَوْمَ أُحُدٍ أنْ شُجَّ وجْهُهُ وكُسِرَتْ رَباعِيَتُهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طَرِيقِ العَوْفِيِّ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿وما أصابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَفْسِكَ﴾ قالَ: هَذا يَوْمُ أُحُدٍ يَقُولُ: ما كانَتْ مِن نَكْبَةٍ فَبِذَنْبِكَ وأنا قَدَّرْتُ ذَلِكَ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ مِن طَرِيقِ مُجاهِدٍ أنَّ ابْنَ عَبّاسٍ كانَ يَقْرَأُ ( وما أصابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَفْسِكَ وأنا كَتَبْتُها عَلَيْكَ ) قالَ مُجاهِدٌ: وكَذَلِكَ قِراءَةُ أُبَيٍّ وابْنِ مَسْعُودٍ. وأخْرَجَ نَحْوَ قَوْلِ مُجاهِدٍ هَذا ابْنُ الأنْبارِيِّ في المَصاحِفِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طَرِيقِ العَوْفِيِّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ويَقُولُونَ طاعَةٌ﴾ قالَ: هم أُناسٌ كانُوا يَقُولُونَ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ آمَنّا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ لِيَأْمَنُوا عَلى دِمائِهِمْ وأمْوالِهِمْ، فَإذا بَرَزُوا مِن عِنْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﴿بَيَّتَ طائِفَةٌ مِنهُمْ﴾ يَقُولُ: خالَفُوا إلى غَيْرِ ما قالُوا عِنْدَهُ فَعابَهُمُ اللَّهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ قالَ: غَيَّرَ أُولَئِكَ ما قالَهُ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ.

4:82–85Page 91

أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ ٱلۡقُرۡءَانَۚ وَلَوۡ كَانَ مِنۡ عِندِ غَيۡرِ ٱللَّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ ٱخۡتِلَٰفٗا كَثِيرٗا ٨٢

Then do they not reflect upon the Qur’ān?1 If it had been from [any] other than Allāh, they would have found within it much contradiction.

وَإِذَا جَآءَهُمۡ أَمۡرٞ مِّنَ ٱلۡأَمۡنِ أَوِ ٱلۡخَوۡفِ أَذَاعُواْ بِهِۦۖ وَلَوۡ رَدُّوهُ إِلَى ٱلرَّسُولِ وَإِلَىٰٓ أُوْلِي ٱلۡأَمۡرِ مِنۡهُمۡ لَعَلِمَهُ ٱلَّذِينَ يَسۡتَنۢبِطُونَهُۥ مِنۡهُمۡۗ وَلَوۡلَا فَضۡلُ ٱللَّهِ عَلَيۡكُمۡ وَرَحۡمَتُهُۥ لَٱتَّبَعۡتُمُ ٱلشَّيۡطَٰنَ إِلَّا قَلِيلٗا ٨٣

And when there comes to them something [i.e., information] about [public] security or fear, they spread it around. But if they had referred it back to the Messenger or to those of authority among them, then the ones who [can] draw correct conclusions from it would have known about it. And if not for the favor of Allāh upon you and His mercy, you would have followed Satan, except for a few.

فَقَٰتِلۡ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفۡسَكَۚ وَحَرِّضِ ٱلۡمُؤۡمِنِينَۖ عَسَى ٱللَّهُ أَن يَكُفَّ بَأۡسَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْۚ وَٱللَّهُ أَشَدُّ بَأۡسٗا وَأَشَدُّ تَنكِيلٗا ٨٤

So fight, [O Muḥammad], in the cause of Allāh; you are not held responsible except for yourself. And encourage the believers [to join you] that perhaps Allāh will restrain the [military] might of those who disbelieve. And Allāh is greater in might and stronger in [exemplary] punishment.1

مَّن يَشۡفَعۡ شَفَٰعَةً حَسَنَةٗ يَكُن لَّهُۥ نَصِيبٞ مِّنۡهَاۖ وَمَن يَشۡفَعۡ شَفَٰعَةٗ سَيِّئَةٗ يَكُن لَّهُۥ كِفۡلٞ مِّنۡهَاۗ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ مُّقِيتٗا ٨٥

Whoever intercedes for a good cause will have a share [i.e., reward] therefrom; and whoever intercedes for an evil cause will have a portion [i.e., burden] therefrom. And ever is Allāh, over all things, a Keeper.1

الهَمْزَةُ في قَوْلِهِ: أفَلا يَتَدَبَّرُونَ لِلْإنْكارِ، والفاءُ لِلْعَطْفِ عَلى مُقَدَّرٍ؛ أيْ: أيُعْرِضُونَ عَنِ القُرْآنِ فَلا يَتَدَبَّرُونَهُ، يُقالُ تَدَبَّرْتُ الشَّيْءَ: تَفَكَّرْتُ في عاقِبَتِهِ وتَأمَّلْتُهُ، ثُمَّ اسْتُعْمِلَ في كُلِّ تَأمُّلٍ، والتَّدْبِيرُ: أنْ يُدَبِّرَ الإنْسانُ أمْرَهُ كَأنَّهُ يَنْظُرُ إلى ما تَصِيرُ إلَيْهِ عاقِبَتُهُ، ودَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَلا يَتَدَبَّرُونَ القُرْآنَ أمْ عَلى قُلُوبٍ أقْفالُها﴾ [محمد: ٢٤] عَلى وُجُوبِ التَّدَبُّرِ لِلْقُرْآنِ لِيُعْرَفَ مَعْناهُ. والمَعْنى: أنَّهم لَوْ تَدَبَّرُوهُ حَقَّ تَدَبُّرِهِ لَوَجَدُوهُ مُؤْتَلِفًا غَيْرَ مُخْتَلِفٍ، صَحِيحَ المَعانِي، قَوِيَّ المَبانِي، بالِغًا في البَلاغَةِ إلى أعْلى دَرَجاتِها ﴿ولَوْ كانَ مِن عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا﴾ أيْ: تَفاوُتًا وتَناقُضًا، ولا يَدْخُلُ في هَذا اخْتِلافُ مَقادِيرِ الآياتِ والسُّوَرِ؛ لِأنَّ المُرادَ اخْتِلافُ التَّناقُضِ والتَّفاوُتِ وعَدَمُ المُطابَقَةِ لِلْواقِعِ، وهَذا شَأْنُ كَلامِ البَشَرِ، لاسِيَّما إذا طالَ وتَعَرَّضَ قائِلُهُ لِلْإخْبارِ بِالغَيْبِ، فَإنَّهُ لا يُوجَدُ مِنهُ صَحِيحًا مُطابِقًا لِلْواقِعِ إلّا القَلِيلُ النّادِرُ.

قَوْلُهُ: ﴿وإذا جاءَهم أمْرٌ مِنَ الأمْنِ أوِ الخَوْفِ أذاعُوا بِهِ﴾ يُقالُ: أذاعَ الشَّيْءَ وأذاعَ بِهِ: إذا أفْشاهُ وأظْهَرَهُ، وهَؤُلاءِ هم جَماعَةٌ مِن ضَعَفَةِ المُسْلِمِينَ كانُوا إذا سَمِعُوا شَيْئًا مِن أمْرِ المُسْلِمِينَ فِيهِ أمْنٌ نَحْوَ ظَفَرِ المُسْلِمِينَ وقَتْلِ عَدُوِّهِمْ، أوْ فِيهِ خَوْفٌ نَحْوَ هَزِيمَةِ المُسْلِمِينَ وقَتْلِهِمْ؛ أفْشَوْهُ وهم يَظُنُّونَ أنَّهُ لا شَيْءَ عَلَيْهِمْ في ذَلِكَ. قَوْلُهُ: ﴿ولَوْ رَدُّوهُ إلى الرَّسُولِ وإلى أُولِي الأمْرِ مِنهم﴾ (p-٣١٥)وهم أهْلُ العِلْمِ والعُقُولِ الرّاجِحَةِ الَّذِينَ يَرْجِعُونَ إلَيْهِمْ في أُمُورِهِمْ أوْ هُمُ الوُلاةُ عَلَيْهِمْ ﴿لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنهُمْ﴾ أيْ: يَسْتَخْرِجُونَهُ بِتَدَبُّرِهِمْ وصِحَّةِ عُقُولِهِمْ.

والمَعْنى: أنَّهم لَوْ تَرَكُوا الإذاعَةَ لِلْأخْبارِ حَتّى يَكُونَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ هو الَّذِي يُذِيعُها أوْ يَكُونَ أُولُو الأمْرِ مِنهم هُمُ الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَ ذَلِكَ؛ لِأنَّهم يَعْلَمُونَ ما يَنْبَغِي أنْ يُفْشى وما يَنْبَغِي أنْ يُكْتَمَ. والِاسْتِنْباطُ مَأْخُوذٌ مِنِ اسْتَنْبَطْتُ الماءَ: إذا اسْتَخْرَجْتَهُ.

والنَّبَطُ: الماءُ المُسْتَنْبَطُ أوَّلَ ما يَخْرُجُ مِن ماءِ البِئْرِ عِنْدَ حَفْرِها، وقِيلَ: إنَّ هَؤُلاءِ الضَّعَفَةَ كانُوا يَسْمَعُونَ إرْجافاتِ المُنافِقِينَ عَلى المُسْلِمِينَ فَيُذِيعُونَها فَتَحْصُلُ بِذَلِكَ المَفْسَدَةُ. قَوْلُهُ: ﴿ولَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكم ورَحْمَتُهُ لاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطانَ إلّا قَلِيلًا﴾ أيْ: لَوْلا ما تَفَضَّلَ اللَّهُ بِهِ عَلَيْكم مِن إرْسالِ رَسُولِهِ وإنْزالِ كِتابِهِ لاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطانَ فَبَقِيتُمْ عَلى كُفْرِكم إلّا قَلِيلًا مِنكم، أوْ إلّا أتْباعًا قَلِيلًا مِنكم، وقِيلَ: المَعْنى: أذاعُوا بِهِ إلّا قَلِيلًا مِنهم فَإنَّهُ لَمْ يُذِعْ ولَمْ يُفْشِ، قالَهُ الكِسائِيُّ والأخْفَشُ والفَرّاءُ وأبُو عُبَيْدَةَ وأبُو حاتِمٍ وابْنُ جَرِيرٍ، وقِيلَ المَعْنى: لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ إلّا قَلِيلًا مِنهم، قالَهُ الزَّجّاجُ.

وقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ ﴿ولَوْ كانَ مِن عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا﴾ يَقُولُ: إنَّ قَوْلَ اللَّهِ لا يَخْتَلِفُ وهو حَقٌّ لَيْسَ فِيهِ باطِلٌ، وإنَّ قَوْلَ النّاسِ يَخْتَلِفُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ ومُسْلِمٌ وابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طَرِيقِ ابْنِ عَبّاسٍ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ قالَ: لَمّا اعْتَزَلَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ نِساءَهُ دَخَلْتُ المَسْجِدَ، فَوَجَدْتُ النّاسَ يَنْكُتُونَ بِالحَصا ويَقُولُونَ: طَلَّقَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ نِساءَهُ، فَقُمْتُ عَلى بابِ المَسْجِدِ فَنادَيْتُ بِأعْلى صَوْتِي: لَمْ يُطَلِّقْ نِساءَهُ، ونَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ﴿وإذا جاءَهم أمْرٌ مِنَ الأمْنِ أوِ الخَوْفِ أذاعُوا بِهِ ولَوْ رَدُّوهُ إلى الرَّسُولِ وإلى أُولِي الأمْرِ مِنهم لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنهم﴾ فَكُنْتُ أنا اسْتَنْبَطْتُ ذَلِكَ الأمْرَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في الآيَةِ، قالَ: هَذا في الإخْبارِ إذا غَزَتْ سَرِيَّةٌ مِنَ المُسْلِمِينَ أخْبَرَ النّاسُ عَنْها، فَقالُوا: أصابَ المُسْلِمُونَ مِن عَدُوِّهِمْ كَذا وكَذا، وأصابَ العَدُوُّ مِنَ المُسْلِمِينَ كَذا وكَذا، فَأفْشَوْهُ بَيْنَهم مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ هو يُخْبِرُهم بِهِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الضَّحّاكِ وإذا جاءَهم قالَ: هم أهْلُ النِّفاقِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ أبِي مُعاذٍ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكم ورَحْمَتُهُ لاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطانَ﴾ قالَ: فانْقَطَعَ الكَلامُ.

وقَوْلُهُ: إلّا قَلِيلًا فَهو في أوَّلِ الآيَةِ يُخْبِرُ عَنِ المُنافِقِينَ: قالَ: وإذا جاءَهم أمْرٌ مِنَ الأمْنِ أوِ الخَوْفِ أذاعُوا بِهِ يَعْنِي: بِالقَلِيلِ المُؤْمِنِينَ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском