Ash-Shawkani · Tafsir · in Arabic
Ghafir 40:21–40
40:21–39Page 469
۞ أَوَلَمۡ يَسِيرُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَيَنظُرُواْ كَيۡفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلَّذِينَ كَانُواْ مِن قَبۡلِهِمۡۚ كَانُواْ هُمۡ أَشَدَّ مِنۡهُمۡ قُوَّةٗ وَءَاثَارٗا فِي ٱلۡأَرۡضِ فَأَخَذَهُمُ ٱللَّهُ بِذُنُوبِهِمۡ وَمَا كَانَ لَهُم مِّنَ ٱللَّهِ مِن وَاقٖ ٢١
Have they not traveled through the land and observed how was the end of those who were before them? They were greater than them in strength and in impression on the land, but Allāh seized them for their sins. And they had not from Allāh any protector.
ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمۡ كَانَت تَّأۡتِيهِمۡ رُسُلُهُم بِٱلۡبَيِّنَٰتِ فَكَفَرُواْ فَأَخَذَهُمُ ٱللَّهُۚ إِنَّهُۥ قَوِيّٞ شَدِيدُ ٱلۡعِقَابِ ٢٢
That was because their messengers were coming to them with clear proofs, but they disbelieved, so Allāh seized them. Indeed, He is Powerful and severe in punishment.
وَلَقَدۡ أَرۡسَلۡنَا مُوسَىٰ بِـَٔايَٰتِنَا وَسُلۡطَٰنٖ مُّبِينٍ ٢٣
And We did certainly send Moses with Our signs and a clear authority1
إِلَىٰ فِرۡعَوۡنَ وَهَٰمَٰنَ وَقَٰرُونَ فَقَالُواْ سَٰحِرٞ كَذَّابٞ ٢٤
To Pharaoh, Hāmān and Qārūn, but they said, "[He is] a magician and a liar."
فَلَمَّا جَآءَهُم بِٱلۡحَقِّ مِنۡ عِندِنَا قَالُواْ ٱقۡتُلُوٓاْ أَبۡنَآءَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَهُۥ وَٱسۡتَحۡيُواْ نِسَآءَهُمۡۚ وَمَا كَيۡدُ ٱلۡكَٰفِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَٰلٖ ٢٥
And when he brought them the truth from Us, they said, "Kill the sons of those who have believed with him and keep their women alive." But the plan of the disbelievers is not except in error.
وَقَالَ فِرۡعَوۡنُ ذَرُونِيٓ أَقۡتُلۡ مُوسَىٰ وَلۡيَدۡعُ رَبَّهُۥٓۖ إِنِّيٓ أَخَافُ أَن يُبَدِّلَ دِينَكُمۡ أَوۡ أَن يُظۡهِرَ فِي ٱلۡأَرۡضِ ٱلۡفَسَادَ ٢٦
And Pharaoh said, "Let me kill Moses and let him call upon his Lord. Indeed, I fear that he will change your religion or that he will cause corruption1 in the land."
وَقَالَ مُوسَىٰٓ إِنِّي عُذۡتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُم مِّن كُلِّ مُتَكَبِّرٖ لَّا يُؤۡمِنُ بِيَوۡمِ ٱلۡحِسَابِ ٢٧
But Moses said, "Indeed, I have sought refuge in my Lord and your Lord from every arrogant one who does not believe in the Day of Account."
وَقَالَ رَجُلٞ مُّؤۡمِنٞ مِّنۡ ءَالِ فِرۡعَوۡنَ يَكۡتُمُ إِيمَٰنَهُۥٓ أَتَقۡتُلُونَ رَجُلًا أَن يَقُولَ رَبِّيَ ٱللَّهُ وَقَدۡ جَآءَكُم بِٱلۡبَيِّنَٰتِ مِن رَّبِّكُمۡۖ وَإِن يَكُ كَٰذِبٗا فَعَلَيۡهِ كَذِبُهُۥۖ وَإِن يَكُ صَادِقٗا يُصِبۡكُم بَعۡضُ ٱلَّذِي يَعِدُكُمۡۖ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَهۡدِي مَنۡ هُوَ مُسۡرِفٞ كَذَّابٞ ٢٨
And a believing man from the family of Pharaoh who concealed his faith said, "Do you kill a man [merely] because he says, 'My Lord is Allāh' while he has brought you clear proofs from your Lord? And if he should be lying, then upon him is [the consequence of] his lie; but if he should be truthful, there will strike you some of what he promises you. Indeed, Allāh does not guide one who is a transgressor and a liar.
يَٰقَوۡمِ لَكُمُ ٱلۡمُلۡكُ ٱلۡيَوۡمَ ظَٰهِرِينَ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَمَن يَنصُرُنَا مِنۢ بَأۡسِ ٱللَّهِ إِن جَآءَنَاۚ قَالَ فِرۡعَوۡنُ مَآ أُرِيكُمۡ إِلَّا مَآ أَرَىٰ وَمَآ أَهۡدِيكُمۡ إِلَّا سَبِيلَ ٱلرَّشَادِ ٢٩
O my people, sovereignty is yours today, [your being] dominant in the land. But who would protect us from the punishment of Allāh if it came to us?" Pharaoh said, "I do not show you except what I see, and I do not guide you except to the way of right conduct."
وَقَالَ ٱلَّذِيٓ ءَامَنَ يَٰقَوۡمِ إِنِّيٓ أَخَافُ عَلَيۡكُم مِّثۡلَ يَوۡمِ ٱلۡأَحۡزَابِ ٣٠
And he who believed said, "O my people, indeed I fear for you [a fate] like the day of the companies1 -
مِثۡلَ دَأۡبِ قَوۡمِ نُوحٖ وَعَادٖ وَثَمُودَ وَٱلَّذِينَ مِنۢ بَعۡدِهِمۡۚ وَمَا ٱللَّهُ يُرِيدُ ظُلۡمٗا لِّلۡعِبَادِ ٣١
Like the custom of the people of Noah and of ʿAad and Thamūd and those after them. And Allāh wants no injustice for [His] servants.
وَيَٰقَوۡمِ إِنِّيٓ أَخَافُ عَلَيۡكُمۡ يَوۡمَ ٱلتَّنَادِ ٣٢
And O my people, indeed I fear for you the Day of Calling1 -
يَوۡمَ تُوَلُّونَ مُدۡبِرِينَ مَا لَكُم مِّنَ ٱللَّهِ مِنۡ عَاصِمٖۗ وَمَن يُضۡلِلِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُۥ مِنۡ هَادٖ ٣٣
The Day you will turn your backs fleeing; there is not for you from Allāh any protector. And whoever Allāh sends astray - there is not for him any guide.
وَلَقَدۡ جَآءَكُمۡ يُوسُفُ مِن قَبۡلُ بِٱلۡبَيِّنَٰتِ فَمَا زِلۡتُمۡ فِي شَكّٖ مِّمَّا جَآءَكُم بِهِۦۖ حَتَّىٰٓ إِذَا هَلَكَ قُلۡتُمۡ لَن يَبۡعَثَ ٱللَّهُ مِنۢ بَعۡدِهِۦ رَسُولٗاۚ كَذَٰلِكَ يُضِلُّ ٱللَّهُ مَنۡ هُوَ مُسۡرِفٞ مُّرۡتَابٌ ٣٤
And Joseph had already come to you before with clear proofs, but you remained in doubt of that which he brought to you, until when he died, you said, 'Never will Allāh send a messenger after him.' Thus does Allāh leave astray he who is a transgressor and skeptic."
ٱلَّذِينَ يُجَٰدِلُونَ فِيٓ ءَايَٰتِ ٱللَّهِ بِغَيۡرِ سُلۡطَٰنٍ أَتَىٰهُمۡۖ كَبُرَ مَقۡتًا عِندَ ٱللَّهِ وَعِندَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْۚ كَذَٰلِكَ يَطۡبَعُ ٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ قَلۡبِ مُتَكَبِّرٖ جَبَّارٖ ٣٥
Those who dispute concerning the signs of Allāh without an authority1 having come to them - great is hatred [of them] in the sight of Allāh and in the sight of those who have believed. Thus does Allāh seal over every heart [belonging to] an arrogant tyrant.
وَقَالَ فِرۡعَوۡنُ يَٰهَٰمَٰنُ ٱبۡنِ لِي صَرۡحٗا لَّعَلِّيٓ أَبۡلُغُ ٱلۡأَسۡبَٰبَ ٣٦
And Pharaoh said, "O Hāmān, construct for me a tower that I might reach the ways1 -
أَسۡبَٰبَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ فَأَطَّلِعَ إِلَىٰٓ إِلَٰهِ مُوسَىٰ وَإِنِّي لَأَظُنُّهُۥ كَٰذِبٗاۚ وَكَذَٰلِكَ زُيِّنَ لِفِرۡعَوۡنَ سُوٓءُ عَمَلِهِۦ وَصُدَّ عَنِ ٱلسَّبِيلِۚ وَمَا كَيۡدُ فِرۡعَوۡنَ إِلَّا فِي تَبَابٖ ٣٧
The ways into the heavens - so that I may look at the deity of Moses; but indeed, I think he is a liar." And thus was made attractive to Pharaoh the evil of his deed, and he was averted from the [right] way. And the plan of Pharaoh was not except in ruin.
وَقَالَ ٱلَّذِيٓ ءَامَنَ يَٰقَوۡمِ ٱتَّبِعُونِ أَهۡدِكُمۡ سَبِيلَ ٱلرَّشَادِ ٣٨
And he who believed said, "O my people, follow me; I will guide you to the way of right conduct.
يَٰقَوۡمِ إِنَّمَا هَٰذِهِ ٱلۡحَيَوٰةُ ٱلدُّنۡيَا مَتَٰعٞ وَإِنَّ ٱلۡأٓخِرَةَ هِيَ دَارُ ٱلۡقَرَارِ ٣٩
O my people, this worldly life is only [temporary] enjoyment, and indeed, the Hereafter - that is the home of [permanent] settlement.
لَمّا خَوَّفَهم - سُبْحانَهُ - بِأحْوالِ الآخِرَةِ أرْدَفَهُ بِبَيانِ تَخْوِيفِهِمْ بِأحْوالِ الدُّنْيا فَقالَ: ﴿أوَلَمْ يَسِيرُوا في الأرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ كانُوا مِن قَبْلِهِمْ﴾ أرْشَدَهم - سُبْحانَهُ - إلى الِاعْتِبارِ بِغَيْرِهِمْ، فَإنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مَضَوْا مِنَ الكُفّارِ ﴿كانُوا هم أشَدَّ مِنهم قُوَّةً﴾ مِن هَؤُلاءِ الحاضِرِينَ مِنَ الكُفّارِ وأقْوى ﴿وآثارًا في الأرْضِ﴾ بِما عَمَّرُوا فِيها مِنَ الحُصُونِ والقُصُورِ وبِما لَهم مِنَ العَدَدِ والعُدَّةِ، فَلَمّا كَذَّبُوا رُسُلَهم أهْلَكَهُمُ اللَّهُ، وقَوْلُهُ: فَيَنْظُرُوا إمّا مَجْزُومٌ بِالعَطْفِ عَلى يَسِيرُوا، أوْ مَنصُوبٌ بِجَوابِ الِاسْتِفْهامِ، وقَوْلُهُ: ﴿كانُوا أشَدَّ مِنهم قُوَّةً﴾ بَيانٌ لِلتَّفاوُتِ بَيْنَ حالِ هَؤُلاءِ وأُولَئِكَ، وقَوْلُهُ: وآثارًا عَطْفٌ عَلى قُوَّةً.
قَرَأ الجُمْهُورُ أشَدَّ مِنهم وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ " أشَدَّ مِنكم " عَلى الِالتِفاتِ ﴿فَأخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ﴾ (p-١٢٩٩)أيْ: بِسَبَبِ ذُنُوبِهِمْ ﴿وما كانَ لَهم مِنَ اللَّهِ مِن واقٍ﴾ أيْ: مِن دافِعٍ يَدْفَعُ عَنْهُمُ العَذابَ، وقَدْ مَرَّ تَفْسِيرُ هَذِهِ الآيَةِ في مَواضِعَ.
والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ذَلِكَ إلى ما تَقَدَّمَ مِنَ الأخْذِ ﴿بِأنَّهم كانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهم بِالبَيِّناتِ﴾ أيْ: بِالحُجَجِ الواضِحَةِ فَكَفَرُوا بِما جاءُوهم بِهِ ﴿فَأخَذَهُمُ اللَّهُ إنَّهُ قَوِيٌّ﴾ يَفْعَلُ كُلَّ ما يُرِيدُهُ لا يُعْجِزُهُ شَيْءٌ شَدِيدُ العِقابِ لِمَن عَصاهُ ولَمْ يَرْجِعْ إلَيْهِ.
ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - قِصَّةَ مُوسى وفِرْعَوْنَ لِيَعْتَبِرُوا فَقالَ: ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا﴾ هي: التِّسْعُ الآياتُ الَّتِي قَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُها في غَيْرِ مَوْضِعٍ وسُلْطانٍ مُبِينٍ أيْ: حُجَّةٍ بَيِّنَةٍ واضِحَةٍ، وهي التَّوْراةُ.
﴿إلى فِرْعَوْنَ وهامانَ وقارُونَ فَقالُوا﴾ إنَّهُ ساحِرٌ كَذّابٌ أيْ: فِيما جاءَ بِهِ، وخَصَّهم بِالذِّكْرِ؛ لِأنَّهم رُؤَساءُ المُكَذِّبِينَ بِمُوسى، فَفِرْعَوْنُ المَلِكُ، وهامانُ الوَزِيرُ، وقارُونُ صاحِبُ الأمْوالِ والكُنُوزِ.
﴿فَلَمّا جاءَهم بِالحَقِّ مِن عِنْدِنا﴾ وهي مُعْجِزاتُهُ الظّاهِرَةُ الواضِحَةُ ﴿قالُوا اقْتُلُوا أبْناءَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ واسْتَحْيُوا نِساءَهم﴾ قالَ قَتادَةُ: هَذا قَتْلٌ غَيْرُ القَتْلِ الأوَّلِ؛ لِأنَّ فِرْعَوْنَ قَدْ كانَ أمْسَكَ عَنْ قَتْلِ الوِلْدانِ وقْتَ وِلادَةِ مُوسى، فَلَمّا بَعَثَ اللَّهُ مُوسى أعادَ القَتْلَ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ، فَكانَ يَأْمُرُ بِقَتْلِ الذُّكُورِ وتَرْكِ النِّساءِ، ومِثْلُ هَذا قَوْلُ فِرْعَوْنَ ﴿سَنُقَتِّلُ أبْناءَهم ونَسْتَحْيِي نِساءَهُمْ﴾ [الأعراف: ١٢٧] ﴿وما كَيْدُ الكافِرِينَ إلّا في ضَلالٍ﴾ أيْ: في خُسْرانٍ ووَبالٍ؛ لِأنَّهُ يَذْهَبُ باطِلًا ويَحِيقُ بِهِمْ ما يُرِيدُهُ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - .
﴿وقالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أقْتُلْ مُوسى﴾ إنَّما قالَ هَذا لِأنَّهُ كانَ في خاصَّةِ قَوْمِهِ مَن يَمْنَعُهُ مِن قَتْلِ مُوسى مَخافَةَ أنْ يَنْزِلَ بِهِمُ العَذابُ، والمَعْنى: اتْرُكُونِي أقْتُلْهُ ولْيَدْعُ رَبَّهُ الَّذِي يَزْعُمُ أنَّهُ أرْسَلَهُ إلَيْنا فَلْيَمْنَعْهُ مِنَ القَتْلِ إنْ قَدَرَ عَلى ذَلِكَ أيْ: لا يَهُولَنَّكم ذَلِكَ فَإنَّهُ لا رَبَّ لَهُ حَقِيقَةً؛ بَلْ أنا رَبُّكُمُ الأعْلى، ثُمَّ ذَكَرَ العِلَّةَ الَّتِي لِأجْلِها أرادَ أنْ يَقْتُلَهُ فَقالَ: ﴿إنِّي أخافُ أنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ﴾ الَّذِي أنْتُمْ عَلَيْهِ مِن عِبادَةِ غَيْرِ اللَّهِ ويُدْخِلَهم في دِينِهِ الَّذِي هو عِبادَةُ اللَّهِ وحْدَهُ ﴿أوْ أنْ يُظْهِرَ في الأرْضِ الفَسادَ﴾ أيْ: يُوقِعَ بَيْنَ النّاسِ الخِلافَ والفِتْنَةَ، جَعَلَ اللَّعِينُ ظُهُورَ ما دَعا إلَيْهِ مُوسى وانْتِشارَهُ في الأرْضِ واهْتِداءَ النّاسِ بِهِ فَسادًا، ولَيْسَ الفَسادُ إلّا ما هو عَلَيْهِ هو ومَن تابَعَهُ.
قَرَأ الكُوفِيُّونَ ويَعْقُوبُ أوْ أنْ يُظْهِرَ بِأوِ الَّتِي لِلْإبْهامِ، والمَعْنى: أنَّهُ لا بُدَّ مِن وُقُوعِ أحَدِ الأمْرَيْنِ.
وقَرَأ الباقُونَ " وأنْ يُظْهِرَ " بِدُونِ ألِفٍ عَلى مَعْنى وُقُوعِ الأمْرَيْنِ جَمِيعًا، وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو بِفَتْحِ الياءِ مِن " إنِّي أخافُ " وقَرَأ نافِعٌ وأبُو عَمْرٍو وحَفْصٌ يُظْهِرَ بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ الهاءِ مِن أظْهَرَ، وفاعِلُهُ ضَمِيرُ مُوسى، والفَسادُ نَصْبًا عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ بِهِ، وقَرَأ الباقُونَ بِفَتْحِ الياءِ والهاءِ، ورَفْعِ الفَسادِ عَلى الفاعِلِيَّةِ.
﴿وقالَ مُوسى إنِّي عُذْتُ بِرَبِّي ورَبِّكم مِن كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الحِسابِ﴾ قَرَأ أبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ " عُذْتُ " بِإدْغامِ الذّالِ، وقَرَأ الباقُونَ بِالإظْهارِ، لَمّا هَدَّدَهُ فِرْعَوْنُ بِالقَتْلِ اسْتَعاذَ بِاللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - مِن كُلِّ مُتَعَظِّمٍ عَنِ الإيمانِ بِاللَّهِ غَيْرِ مُؤْمِنٍ بِالبَعْثِ والنُّشُورِ، ويَدْخُلُ فِرْعَوْنُ في هَذا العُمُومِ دُخُولًا أوَّلِيًّا.
﴿وقالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِن آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إيمانَهُ﴾ قالَ الحَسَنُ ومُقاتِلٌ والسُّدِّيُّ: كانَ قِبْطِيًّا وهو ابْنُ عَمِّ فِرْعَوْنَ، وهو الَّذِي نَجا مَعَ مُوسى، وهو المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿وجاءَ رَجُلٌ مِن أقْصى المَدِينَةِ يَسْعى قالَ يامُوسى﴾ [القصص: ٢٠] الآيَةَ، وقِيلَ: كانَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ ولَمْ يَكُنْ مِن آلِ فِرْعَوْنَ وهو خِلافُ ما في الآيَةِ، وقَدْ تُمُحِّلَ لِذَلِكَ بِأنَّ في الآيَةِ تَقْدِيمًا وتَأْخِيرًا، والتَّقْدِيرُ: وقالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِن بَنِي إسْرائِيلَ يَكْتُمُ إيمانَهُ مِن آلِ فِرْعَوْنَ.
قالَ القُشَيْرِيُّ: ومَن جَعَلَهُ إسْرائِيلِيًّا فَفِيهِ بُعْدٌ؛ لِأنَّهُ يُقالُ: كَتَمَهُ أمْرَ كَذا ولا يُقالُ: كَتَمَ مِنهُ كَما قالَ - سُبْحانَهُ -: ﴿ولا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾ [النساء: ٤٢] وأيْضًا ما كانَ فِرْعَوْنُ يَحْتَمِلُ مِن بَنِي إسْرائِيلَ مِثْلَ هَذا القَوْلِ.
وقَدِ اخْتُلِفَ في اسْمِ هَذا الرَّجُلِ، فَقِيلَ: حَبِيبٌ، وقِيلَ: حِزْقِيلُ:، وقِيلَ: غَيْرُ ذَلِكَ، وقَرَأ الجُمْهُورُ رَجُلٌ بِضَمِّ الجِيمِ، وقَرَأ الأعْمَشُ وعَبْدُ الوارِثِ بِسُكُونِها، وهي لُغَةُ تَمِيمٍ ونَجْدٍ، والأُولى هي الفَصِيحَةُ، وقُرِئَ بِكَسْرِ الجِيمِ ومُؤْمِنٌ صِفَةٌ لِرَجُلٍ، ومِن آلِ فِرْعَوْنَ صِفَةٌ أُخْرى، ويَكْتُمُ إيمانَهُ صِفَةٌ ثالِثَةٌ، والِاسْتِفْهامُ في ﴿أتَقْتُلُونَ رَجُلًا﴾ لِلْإنْكارِ، و﴿أنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ﴾ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِنَزْعِ الخافِضِ أيْ: لِأنْ يَقُولَ أوْ كَراهَةَ أنْ يَقُولَ، وجُمْلَةُ ﴿وقَدْ جاءَكم بِالبَيِّناتِ مِن رَبِّكُمْ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ أيْ: والحالُ أنَّهُ قَدْ جاءَكم بِالمُعْجِزاتِ الواضِحاتِ والدَّلالاتِ الظّاهِراتِ عَلى نُبُوَّتِهِ وصِحَّةِ رِسالَتِهِ، ثُمَّ تَلَطَّفَ لَهم في الدَّفْعِ عَنْهُ فَقالَ: ﴿وإنْ يَكُ كاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وإنْ يَكُ صادِقًا يُصِبْكم بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكم﴾ ولَمْ يَكُنْ قَوْلُهُ هَذا لِشَكٍّ مِنهُ، فَإنَّهُ كانَ مُؤْمِنًا كَما وصَفَهُ اللَّهُ، ولا يَشُكُّ المُؤْمِنُ، ومَعْنى ﴿يُصِبْكم بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ﴾ أنَّهُ إذا لَمْ يُصِبْكم كُلُّهُ فَلا أقَلَّ مِن أنْ يُصِيبَكم بَعْضُهُ، وحُذِفَتِ النُّونُ مِن يَكُنْ في المَوْضِعَيْنِ تَخْفِيفًا لِكَثْرَةِ الِاسْتِعْمالِ: كَما قالَ سِيبَوَيْهِ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ وأبُو الهَيْثَمِ: بَعْضُ هُنا بِمَعْنى كُلٍّ أيْ: يُصِبْكم كُلُّ الَّذِي يَعِدُكم، وأنْشَدَ أبُو عُبَيْدَةَ عَلى هَذا قَوْلَ لَبِيدٍ:
؎تَرّاكُ أمْكِنَةٍ إذا لَمْ أرْضَها أوْ يَعْتَلِقْ بَعْضَ النُّفُوسِ حِمامُها
أيْ: كُلَّ النُّفُوسِ، وقَدِ اعْتُرِضَ عَلَيْهِ، وأُجِيبَ بِأنَّ البَعْضَ قَدْ يُسْتَعْمَلُ في لُغَةِ العَرَبِ بِمَعْنى الكُلِّ كَما في قَوْلِ الشّاعِرِ:
؎قَدْ يُدْرِكُ المُتَأنِّي بَعْضَ حاجَتِهِ ∗∗∗ وقَدْ يَكُونُ مَعَ المُسْتَعْجِلِ الزَّلَلُ
وقَوْلِ الآخَرِ:
؎إنَّ الأُمُورَ إذا الأحْداثُ دَبَّرَها ∗∗∗ دُونَ الشُّيُوخِ تَرى في بَعْضِها خَلَلا
ولَيْسَ في البَيْتَيْنِ ما يَدُلُّ عَلى ما زَعَمُوهُ، وأمّا بَيْتُ لَبِيدٍ فَقِيلَ: إنَّهُ أرادَ بِبَعْضِ النُّفُوسِ نَفْسَهُ، ولا ضَرُورَةَ تُلْجِئُ إلى حَمْلِ ما في الآيَةِ عَلى ذَلِكَ؛ لِأنَّهُ أرادَ التَّنَزُّلَ مَعَهم وإيهامَهم أنَّهُ لا يَعْتَقِدُ صِحَّةَ نُبُوَّتِهِ كَما يُفِيدُهُ قَوْلُهُ: ﴿يَكْتُمُ إيمانَهُ﴾ قالَ أهْلُ المَعانِي: وهَذا عَلى المُظاهَرَةِ في الحِجاجِ، كَأنَّهُ قالَ لَهم: أقَلُّ ما يَكُونُ في صِدْقِهِ أنْ يُصِيبَكم بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكم، (p-١٣٠٠)وفِي بَعْضِ ذَلِكَ هَلاكُكم، فَكَأنَّ الحاصِلَ بِالبَعْضِ هو الحاصِلُ بِالكُلِّ: وقالَ اللَّيْثُ: بَعْضُ هاهُنا صِلَةٌ، يُرِيدُ: يُصِبْكُمُ الَّذِي يَعِدُكم، وقِيلَ: يُصِبْكم هَذا العَذابُ الَّذِي يَقُولُهُ في الدُّنْيا وهو بَعْضُ ما يَتَوَعَّدُكم بِهِ مِنَ العَذابِ، وقِيلَ: إنَّهُ وعَدَهم بِالثَّوابِ والعِقابِ، فَإذا كَفَرُوا أصابَهُمُ العِقابُ، وهو بَعْضُ ما وعَدَهم بِهِ ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَن هو مُسْرِفٌ كَذّابٌ﴾ هَذا مِن تَمامِ كَلامِ الرَّجُلِ المُؤْمِنِ، وهو احْتِجاجٌ آخَرُ ذُو وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ لَوْ كانَ مُسْرِفًا كَذّابًا لَما هَداهُ اللَّهُ إلى البَيِّناتِ ولا أيَّدَهُ بِالمُعْجِزاتِ، وثانِيهِما: أنَّهُ إذا كانَ كَذَلِكَ خَذَلَهُ اللَّهُ وأهْلَكَهُ، فَلا حاجَةَ لَكم إلى قَتْلِهِ، والمُسْرِفُ المُقِيمُ عَلى المَعاصِي المُسْتَكْثِرُ مِنها، والكَذّابُ المُفْتَرِي.
﴿يا قَوْمِ لَكُمُ المُلْكُ اليَوْمَ ظاهِرِينَ في الأرْضِ﴾ ذَكَّرَهم ذَلِكَ الرَّجُلُ المُؤْمِنُ ما هم فِيهِ مِنَ المُلْكِ لِيَشْكُرُوا اللَّهَ ولا يَتَمادَوْا في كُفْرِهِمْ، ومَعْنى ظاهِرِينَ: الظُّهُورُ عَلى النّاسِ والغَلَبَةُ لَهم والِاسْتِعْلاءُ عَلَيْهِمْ، والأرْضُ أرْضُ مِصْرَ، وانْتِصابُ ظاهِرِينَ عَلى الحالِ ﴿فَمَن يَنْصُرُنا مِن بَأْسِ اللَّهِ إنْ جاءَنا﴾ أيْ: مَن يَمْنَعُنا مِن عَذابِهِ ويَحُولُ بَيْنَنا وبَيْنَهُ عِنْدَ مَجِيئِهِ، وفي هَذا تَحْذِيرٌ مِنهُ لَهم مِن نِقْمَةِ اللَّهِ بِهِمْ وإنْزالِ عَذابِهِ عَلَيْهِمْ، فَلَمّا سَمِعَ فِرْعَوْنُ ما قالَهُ هَذا الرَّجُلُ مِنَ النُّصْحِ الصَّحِيحِ جاءَ بِمُراوَغَةٍ يُوهِمُ بِها قَوْمَهُ أنَّهُ لَهم مِنَ النَّصِيحَةِ والرِّعايَةِ بِمَكانٍ مَكِينٍ، وأنَّهُ لا يَسْلُكُ بِهِمْ إلّا مَسْلَكًا يَكُونُ فِيهِ جَلْبُ النَّفْعِ لَهم ودَفْعُ الضُّرِّ عَنْهم، ولِهَذا قالَ: ﴿ما أُرِيكم إلّا ما أرى﴾ قالَ ابْنُ زَيْدٍ أيْ: ما أُشِيرُ عَلَيْكم إلّا بِما أرى لِنَفْسِي.
وقالَ الضَّحّاكُ ما أُعْلِمُكم إلّا ما أعْلَمُ، والرُّؤْيَةُ هُنا هي القَلْبِيَّةُ لا البَصَرِيَّةُ، والمَفْعُولُ الثّانِي هو إلّا ما أرى ﴿وما أهْدِيكم إلّا سَبِيلَ الرَّشادِ﴾ أيْ: ما أهْدِيكم بِهَذا الرَّأْيِ إلّا طَرِيقَ الحَقِّ.
قَرَأ الجُمْهُورُ " الرَّشادِ " بِتَخْفِيفِ الشِّينِ، وقَرَأ مُعاذُ بْنُ جَبَلٍ بِتَشْدِيدِها عَلى أنَّها صِيغَةُ مُبالَغَةٍ كَضَرّابٍ. وقالَ النَّحّاسُ: هي لَحْنٌ، ولا وجْهَ لِذَلِكَ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وقالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِن آلِ فِرْعَوْنَ﴾ قالَ: لَمْ يَكُنْ في آلِ فِرْعَوْنَ مُؤْمِنٌ غَيْرُهُ وغَيْرُ امْرَأةِ فِرْعَوْنَ وغَيْرُ المُؤْمِنِ الَّذِي أنْذَرَ مُوسى الَّذِي قالَ: ﴿إنَّ المَلَأ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ﴾ قالَ ابْنُ المُنْذِرِ: أُخْبِرْتُ أنَّ اسْمَهُ حِزْقِيلُ. وأخْرَجَ، عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ أبِي إسْحاقَ قالَ: اسْمُهُ حَبِيبٌ.
وأخْرَجَ البُخارِيُّ وغَيْرُهُ مِن طَرِيقِ عُرْوَةَ قالَ: قِيلَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ العاصِ «أخْبِرْنا بِأشَدِّ شَيْءٍ صَنَعَهُ المُشْرِكُونَ بِرَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: بَيْنا رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يُصَلِّي بِفِناءِ الكَعْبَةِ إذْ أقْبَلَ عُقْبَةُ بْنُ أبِي مُعَيْطٍ فَأخَذَ بِمَنكِبِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ولَوى ثَوْبَهُ في عُنُقِهِ فَخَنَقَهُ خَنْقًا شَدِيدًا، فَأقْبَلَ أبُو بَكْرٍ فَأخَذَ بِمَنكِبَيْهِ ودَفَعَهُ عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ثُمَّ قالَ ﴿أتَقْتُلُونَ رَجُلًا أنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وقَدْ جاءَكم بِالبَيِّناتِ مِن رَبِّكم﴾» .
وأخْرَجَ أبُو نُعَيْمٍ في فَضائِلِ الصَّحابَةِ، والبَزّارُ «عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ أنَّهُ قالَ أيُّها النّاسُ أخْبِرُونِي مَن أشْجَعُ النّاسِ ؟ قالُوا أنْتَ. قالَ: أما أنِّي ما بارَزْتُ أحَدًا إلّا انْتَصَفْتُ مِنهُ ولَكِنْ أخْبِرُونِي بِأشْجَعِ النّاسِ ؟ قالُوا: لا نَعْلَمُ فَمَن ؟ قالَ أبُو بَكْرٍ: رَأيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وأخَذَتْهُ قُرَيْشٌ، فَهَذا يُجَنِّبُهُ وهَذا يُتَلْتِلُهُ، وهم يَقُولُونَ أنْتَ الَّذِي جَعَلْتَ الآلِهَةَ إلَهًا واحِدًا، قالَ: فَواللَّهِ ما دَنا مِنّا أحَدٌ إلّا أبُو بَكْرٍ يَضْرِبُ هَذا ويَجِيءُ هَذا ويُتَلْتِلُ هَذا، وهو يَقُولُ: ويْلَكم أتَقْتُلُونَ رَجُلًا أنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ، ثُمَّ رَفَعَ بُرْدَةً كانَتْ عَلَيْهِ، فَبَكى حَتّى اخْضَلَّتْ لِحْيَتُهُ، ثُمَّ قالَ: أنْشُدُكم أمُؤْمِنُ آلِ فِرْعَوْنَ خَيْرٌ أمْ أبُو بَكْرٍ ؟ فَسَكَتَ القَوْمُ، فَقالَ: ألا تُجِيبُونَ ؟ فَواللَّهِ لَساعَةٌ مِن أبِي بَكْرٍ خَيْرٌ مِن مِثْلِ مُؤْمِنٍ مِن آلِ فِرْعَوْنَ، وذاكَ رَجُلٌ يَكْتُمُ إيمانَهُ وهَذا رَجُلٌ أعْلَنَ إيمانَهُ» .
40:40Page 471
مَنۡ عَمِلَ سَيِّئَةٗ فَلَا يُجۡزَىٰٓ إِلَّا مِثۡلَهَاۖ وَمَنۡ عَمِلَ صَٰلِحٗا مِّن ذَكَرٍ أَوۡ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤۡمِنٞ فَأُوْلَٰٓئِكَ يَدۡخُلُونَ ٱلۡجَنَّةَ يُرۡزَقُونَ فِيهَا بِغَيۡرِ حِسَابٖ ٤٠
Whoever does an evil deed will not be recompensed except by the like thereof; but whoever does righteousness, whether male or female, while he is a believer - those will enter Paradise, being given provision therein without account.
ثُمَّ كَرَّرَ ذَلِكَ الرَّجُلُ المُؤْمِنُ تَذْكِيرَهم، وحَذَّرَهم أنْ يَنْزِلَ بِهِمْ ما نَزَلَ بِمَن قَبْلَهم، فَقالَ اللَّهُ حاكِيًا عَنْهُ ﴿وقالَ الَّذِي آمَنَ يا قَوْمِ إنِّي أخافُ عَلَيْكم مِثْلَ يَوْمِ الأحْزابِ﴾ أيْ: مِثْلَ يَوْمِ عَذابِ الأُمَمِ الماضِيَةِ الَّذِينَ تَحَزَّبُوا عَلى أنْبِيائِهِمْ وأفْرَدَ اليَوْمَ؛ لِأنَّ جَمْعَ الأحْزابِ قَدْ أغْنى عَنْ جَمْعِهِ.
ثُمَّ فَسَّرَ الأحْزابَ فَقالَ: ﴿مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وعادٍ وثَمُودَ والَّذِينَ مِن بَعْدِهِمْ﴾ أيْ: مِثْلَ حالِهِمْ في العَذابِ، أوْ مِثْلَ عادَتِهِمْ في الإقامَةِ عَلى التَّكْذِيبِ، أوْ مِثْلَ جَزاءِ ما كانُوا عَلَيْهِ مِنَ الكُفْرِ والتَّكْذِيبِ ﴿وما اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبادِ﴾ أيْ: لا يُعَذِّبُهم بِغَيْرِ ذَنْبٍ، ونَفْيُ الإرادَةِ لِلظُّلْمِ يَسْتَلْزِمُ نَفْيَ الظُّلْمِ بِفَحْوى الخِطابِ.
ثُمَّ زادَ في الوَعْظِ والتَّذْكِيرِ فَقالَ: ﴿ويا قَوْمِ إنِّي أخافُ عَلَيْكم يَوْمَ التَّنادِ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ " التَّنادِ " بِتَخْفِيفِ الدّالِ وحَذْفِ الياءِ، والأصْلُ التَّنادِي، وهو التَّفاعُلُ مِنَ النِّداءِ، يُقالُ: تَنادى القَوْمُ أيْ: نادى بَعْضُهم بَعْضًا، وقَرَأ الحَسَنُ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ ويَعْقُوبُ وابْنُ كَثِيرٍ ومُجاهِدٌ بِإثْباتِ الياءِ عَلى الأصْلِ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، والضَّحّاكُ وعِكْرِمَةُ بِتَشْدِيدِ الدّالِ. قالَ بَعْضُ أهْلِ اللُّغَةِ هو لَحْنٌ؛ لِأنَّهُ مِن نَدَّ يَنِدُّ: إذا مَرَّ عَلى (p-١٣٠١)وجْهِهِ هارِبًا. قالَ النَّحّاسُ: وهَذا غَلَطٌ، والقِراءَةُ حَسَنَةٌ عَلى مَعْنى التَّنافِي.
قالَ الضَّحّاكُ: في مَعْناهُ أنَّهم إذا سَمِعُوا بِزَفِيرِ جَهَنَّمَ نَدُّوا هَرَبًا، فَلا يَأْتُونَ قُطْرًا مِن أقْطارِ الأرْضِ إلّا وجَدُوا صُفُوفًا مِنَ المَلائِكَةِ فَيَرْجِعُونَ إلى المَكانِ الَّذِي كانُوا فِيهِ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: يَوْمَ التَّنادِ وعَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ المَعْنى: يَوْمَ يُنادِي بَعْضُهم بَعْضًا، أوْ يُنادِي أهْلُ النّارِ أهْلَ الجَنَّةِ وأهْلُ الجَنَّةِ أهْلَ النّارِ، أوْ يُنادى فِيهِ بِسَعادَةِ السُّعَداءِ وشَقاوَةِ الأشْقِياءِ، أوْ يَوْمَ يُنادى فِيهِ كُلُّ أُناسٍ بِإمامِهِمْ، ولا مانِعَ مِنَ الحَمْلِ عَلى جَمِيعِ هَذِهِ المَعانِي.
وقَوْلُهُ: ﴿يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ﴾ بَدَلٌ مِن يَوْمِ التَّنادِ أيْ: مُنْصَرِفِينَ عَنِ المَوْقِفِ إلى النّارِ، أوْ فارِّينَ مِنها.
قالَ قَتادَةُ ومُقاتِلٌ: المَعْنى إلى النّارِ بَعْدَ الحِسابِ، وجُمْلَةُ ﴿ما لَكم مِنَ اللَّهِ مِن عاصِمٍ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ أيْ: ما لَكم مَن يَعْصِمُكم مِن عَذابِ اللَّهِ ويَمْنَعُكم مِنهُ ﴿ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن هادٍ﴾ يَهْدِيهِ إلى طَرِيقِ الرَّشادِ.
ثُمَّ زادَ في وعْظِهِمْ وتَذْكِيرِهِمْ فَقالَ: ﴿ولَقَدْ جاءَكم يُوسُفُ مِن قَبْلُ بِالبَيِّناتِ﴾ أيْ: يُوسُفُ بْنُ يَعْقُوبَ، والمَعْنى: أنَّ يُوسُفَ بْنَ يَعْقُوبَ جاءَهم بِالمُعْجِزاتِ والآياتِ الواضِحاتِ مِن قَبْلِ مَجِيءِ مُوسى إلَيْهِمْ أيْ: جاءَ إلى آبائِكم، فَجَعَلَ المَجِيءَ إلى الآباءِ مَجِيئًا إلى الأبْناءِ.
وقِيلَ: المُرادُ بِيُوسُفَ هُنا يُوسُفُ بْنُ إفْراثِيمَ بْنِ يُوسُفَ بْنِ يَعْقُوبَ، وكانَ أقامَ فِيهِمْ نَبِيًّا عِشْرِينَ سَنَةً.
وحَكى النَّقّاشُ عَنِ الضَّحّاكِ أنَّ اللَّهَ بَعَثَ إلَيْهِمْ رَسُولًا مِنَ الجِنِّ يُقالُ: لَهُ يُوسُفُ، والأوَّلُ أوْلى.
وقَدْ قِيلَ: إنَّ فِرْعَوْنَ مُوسى أدْرَكَ أيّامَ يُوسُفَ بْنِ يَعْقُوبَ لِطُولِ عُمْرِهِ ﴿فَما زِلْتُمْ في شَكٍّ مِمّا جاءَكم بِهِ﴾ مِنَ البَيِّناتِ ولَمْ تُؤْمِنُوا بِهِ حَتّى إذا هَلَكَ يُوسُفُ ﴿قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِن بَعْدِهِ رَسُولًا﴾ فَكَفَرُوا بِهِ في حَياتِهِ وكَفَرُوا بِمَن بَعْدَهُ مِنَ الرُّسُلِ بَعْدَ مَوْتِهِ ﴿كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَن هو مُسْرِفٌ مُرْتابٌ﴾ أيْ: مِثْلُ ذَلِكَ الضَّلالِ الواضِحِ يُضِلُّ اللَّهُ مَن هو مُسْرِفٌ في مَعاصِي اللَّهِ مُسْتَكْثِرٌ مِنها مُرْتابٌ في دِينِ اللَّهِ شاكٌّ في وحْدانِيَّتِهِ ووَعْدِهِ ووَعِيدِهِ.
والمَوْصُولُ في قَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ يُجادِلُونَ في آياتِ اللَّهِ﴾ بَدَلٌ مِن مَن، والجَمْعُ بِاعْتِبارِ مَعْناها، أوْ بَيانٌ لَها، أوْ صِفَةٌ، أوْ في مَحَلِّ نَصْبٍ بِإضْمارِ أعْنِي، أوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ: هُمُ الَّذِينَ، أوْ مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ يَطْبَعُ بِغَيْرِ سُلْطانٍ مُتَعَلِّقٌ بِـ يُجادِلُونَ أيْ: يُجادِلُونَ في آياتِ اللَّهِ بِغَيْرِ حُجَّةٍ واضِحَةٍ، وأتاهم صِفَةٌ لِسُلْطانٍ ﴿كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ وعِنْدَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِهِ التَّعَجُّبُ، وأنْ يُرادَ بِهِ الذَّمُّ كَبِئْسَ، وفاعِلُ كَبُرَ ضَمِيرٌ يَعُودُ إلى الجِدالِ المَفْهُومِ مِن يُجادِلُونَ، وقِيلَ: فاعِلُهُ ضَمِيرٌ يَعُودُ إلى مَن في مَن هو مُسْرِفٌ والأوَّلُ أوْلى.
وقَوْلُهُ: عِنْدَ اللَّهِ مُتَعَلِّقٌ بِـ كَبُرَ، وكَذَلِكَ عِنْدَ الَّذِينَ آمَنُوا قِيلَ: هَذا مِن كَلامِ الرَّجُلِ المُؤْمِنِ، وقِيلَ: ابْتِداءُ كَلامٍ مِنَ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - ﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبّارٍ﴾ أيْ: كَما طَبَعَ عَلى قُلُوبِ هَؤُلاءِ المُجادِلِينَ فَكَذَلِكَ يَطْبَعُ أيْ: يَخْتِمُ عَلى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبّارٍ.
قَرَأ الجُمْهُورُ بِإضافَةِ قَلْبٍ إلى مُتَكَبِّرٍ، واخْتارَ هَذِهِ القِراءَةَ أبُو عُبَيْدٍ، وفي الكَلامِ حَذْفٌ، وتَقْدِيرُهُ: كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلى كُلِّ قَلْبِ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ، فَحُذِفَ كُلٌّ الثّانِيَةُ لِدَلالَةِ الأُولى عَلَيْها، والمَعْنى: أنَّهُ - سُبْحانَهُ - يَطْبَعُ عَلى قُلُوبِ جَمِيعِ المُتَكَبِّرِينَ الجَبّارِينَ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو وابْنُ مُحَيْصِنٍ، وابْنُ ذَكْوانَ عَنْ أهْلِ الشّامِ بِتَنْوِينِ قَلْبِ عَلى أنَّ مُتَكَبِّرٍ صِفَةٌ لَهُ، فَيَكُونُ القَلْبُ مُرادًا بِهِ الجُمْلَةُ؛ لِأنَّ القَلْبَ هو مَحَلُّ التَّكَبُّرِ وسائِرُ الأعْضاءِ تَبَعٌ لَهُ في ذَلِكَ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ " عَلى قَلْبِ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ " .
ثُمَّ لَمّا سَمِعَ فِرْعَوْنُ هَذا رَجَعَ إلى تَكَبُّرِهِ وتَجَبُّرِهِ مُعْرِضًا عَنِ المَوْعِظَةِ نافِرًا مِن قَبُولِها وقالَ ﴿ياهامانُ ابْنِ لِي صَرْحًا﴾ أيْ: قَصْرًا مَشِيدًا كَما تَقَدَّمَ بَيانُ تَفْسِيرِهِ ﴿لَعَلِّي أبْلُغُ الأسْبابَ﴾ أيِ: الطُّرُقَ.
قالَ قَتادَةُ والزُّهْرِيُّ والسُّدِّيُّ والأخْفَشُ: هي الأبْوابُ. وقَوْلُهُ: ﴿أسْبابَ السَّماواتِ﴾ بَيانٌ لِلْأسْبابِ؛ لِأنَّ الشَّيْءَ إذا أُبْهِمَ ثُمَّ فُسِّرَ كانَ أوْقَعَ في النُّفُوسِ، وأنْشَدَ الأخْفَشُ عِنْدَ تَفْسِيرِهِ لِلْآيَةِ بَيْتَ زُهَيْرٍ:
؎ومَن هابَ أسْبابَ المَنايا يَنَلْنَهُ ولَوْ رامَ أسْبابَ السَّماءِ بِسُلَّمِ
وقِيلَ: ﴿أسْبابَ السَّماواتِ﴾ الأُمُورُ الَّتِي يُسْتَمْسَكُ بِها ﴿فَأطَّلِعَ إلى إلَهِ مُوسى﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ بِالرَّفْعِ عَطْفًا عَلى أبْلُغُ، فَهو عَلى هَذا داخِلٌ في حَيِّزِ التَّرَجِّي.
وقَرَأ الأعْرَجُ والسُّلَمِيُّ، وعِيسى بْنُ عُمَرَ وحَفْصٌ بِالنَّصْبِ عَلى جَوابِ الأمْرِ في قَوْلِهِ: ابْنِ لِي أوْ عَلى جَوابِ التَّرَجِّي كَما قالَ أبُو عُبَيْدَةَ وغَيْرُهُ.
قالَ النَّحّاسُ: ومَعْنى النَّصْبِ خِلافُ مَعْنى الرَّفْعِ؛ لِأنَّ مَعْنى النَّصْبِ: مَتى بَلَغْتَ الأسْبابَ اطَّلَعْتَ، ومَعْنى الرَّفْعِ: لَعَلِّي أبْلُغُ الأسْبابَ ولَعَلِّي أطَّلِعُ بَعْدَ ذَلِكَ، وفي هَذا دَلِيلٌ عَلى أنَّ فِرْعَوْنَ كانَ بِمَكانٍ مِنَ الجَهْلِ عَظِيمٍ، وبِمَنزِلَةٍ مِن فَهْمِ حَقائِقِ الأشْياءِ سافِلَةٍ جِدًّا ﴿وإنِّي لَأظُنُّهُ كاذِبًا﴾ أيْ: وإنِّي لَأظُنُّ مُوسى كاذِبًا في ادِّعائِهِ بِأنَّ لَهُ إلَهًا، أوْ فِيما يَدَّعِيهِ مِنَ الرِّسالَةِ ﴿وكَذَلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ﴾ أيْ: ومِثْلُ ذَلِكَ التَّزْيِينِ زَيَّنَ الشَّيْطانُ لِفِرْعَوْنَ سُوءَ عَمَلِهِ مِنَ الشِّرْكِ والتَّكْذِيبِ، فَتَمادى في الغَيِّ واسْتَمَرَّ عَلى الطُّغْيانِ وصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ أيْ: سَبِيلِ الرَّشادِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ " وصَدَّ " بِفَتْحِ الصّادِ والدّالِ أيْ: صَدَّ فِرْعَوْنُ النّاسَ عَنِ السَّبِيلِ، وقَرَأ الكُوفِيُّونَ وصُدَّ بِضَمِّ الصّادِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، واخْتارَ هَذِهِ القِراءَةَ أبُو عُبَيْدٍ وأبُو حاتِمٍ، ولَعَلَّ وجْهَ الِاخْتِيارِ لَها مِنهُما كَوْنُها مُطابِقَةً لِما أجْمَعُوا عَلَيْهِ في زُيِّنَ مِنَ البِناءِ لِلْمَفْعُولِ، وقَرَأ يَحْيى بْنُ وثّابٍ وعَلْقَمَةُ " صِدَّ " بِكَسْرِ الصّادِ، وقَرَأ ابْنُ أبِي إسْحاقَ وعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أبِي بَكْرَةَ بِفَتْحِ الصّادِ وضَمِّ الدّالِ مُنَوَّنًا عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ مَعْطُوفٌ عَلى سُوءِ عَمَلِهِ أيْ: زَيَّنَ لَهُ الشَّيْطانُ سُوءَ العَمَلِ والصَّدِّ ﴿وما كَيْدُ فِرْعَوْنَ إلّا في تَبابٍ﴾ التَّبابُ: الخَسارُ والهَلاكُ ومِنهُ ﴿تَبَّتْ يَدا أبِي لَهَبٍ﴾ [المسد: ١] .
ثُمَّ إنَّ ذَلِكَ الرَّجُلَ المُؤْمِنَ أعادَ التَّذْكِيرَ والتَّحْذِيرَ كَما حَكى اللَّهُ عَنْهُ بِقَوْلِهِ: ﴿وقالَ الَّذِي آمَنَ ياقَوْمِ اتَّبِعُونِ أهْدِكم سَبِيلَ الرَّشادِ﴾ أيِ: اقْتَدُوا بِي في الدِّينِ أهْدِكم طَرِيقَ الرَّشادِ، وهو الجَنَّةُ، وقِيلَ: هَذا مِن قَوْلِ مُوسى، والأوَّلُ أوْلى.
وقَرَأ مُعاذُ بْنُ جَبَلٍ " الرَّشّادِ " بِتَشْدِيدِ (p-١٣٠٢)الشِّينِ كَما تَقَدَّمَ قَرِيبًا في قَوْلِ فِرْعَوْنَ ووَقَعَ في المُصْحَفِ اتَّبِعُونِ بِدُونِ ياءٍ، وكَذَلِكَ قَرَأ أبُو عَمْرٍو ونافِعٌ بِحَذْفِها في الوَقْفِ وإثْباتِها في الوَصْلِ، وقَرَأ يَعْقُوبُ وابْنُ كَثِيرٍ بِإثْباتِها وصْلًا ووَقْفًا وقَرَأ الباقُونَ بِحَذْفِها وصْلًا ووَقْفًا فَمَن أثْبَتَها فَعَلى ما هو الأصْلُ، ومَن حَذَفَها فَلِكَوْنِها حُذِفَتْ في المُصْحَفِ.
﴿ياقَوْمِ إنَّما هَذِهِ الحَياةُ الدُّنْيا مَتاعٌ﴾ يَتَمَتَّعُ بِها أيّامًا ثُمَّ تَنْقَطِعُ وتَزُولُ ﴿وإنَّ الآخِرَةَ هي دارُ القَرارِ﴾ أيِ: الِاسْتِقْرارُ لِكَوْنِها دائِمَةً لا تَنْقَطِعُ ومُسْتَمِرَّةً لا تَزُولُ.
﴿مَن عَمِلَ سَيِّئَةً فَلا يُجْزى إلّا مِثْلَها﴾ أيْ: مَن عَمِلَ في دارِ الدُّنْيا مَعْصِيَةً مِنَ المَعاصِي كائِنَةً ما كانَتْ فَلا يُجْزى إلّا مِثْلَها ولا يُعَذَّبُ إلّا بِقَدْرِها، والظّاهِرُ شُمُولُ الآيَةِ لِكُلِّ ما يُطْلَقُ عَلَيْهِ اسْمُ السَّيِّئَةِ، وقِيلَ: هي خاصَّةٌ بِالشِّرْكِ، ولا وجْهَ لِذَلِكَ ﴿ومَن عَمِلَ صالِحًا مِن ذَكَرٍ أوْ أُنْثى وهو مُؤْمِنٌ﴾ أيْ: مَن عَمِلَ عَمَلًا صالِحًا مَعَ كَوْنِهِ مُؤْمِنًا بِاللَّهِ وبِما جاءَتْ بِهِ رُسُلُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ جَمَعُوا بَيْنَ العَمَلِ الصّالِحِ والإيمانِ ﴿يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيها بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ أيْ: بِغَيْرِ تَقْدِيرٍ ومُحاسَبَةٍ.
قالَ مُقاتِلٌ: يَقُولُ لا تَبِعَةَ عَلَيْهِمْ فِيما يُعْطَوْنَ في الجَنَّةِ مِنَ الخَيْرِ، وقِيلَ: العَمَلُ الصّالِحُ، هو لا إلَهَ إلّا اللَّهُ.
قَرَأ الجُمْهُورُ يَدْخُلُونَ بِفَتْحِ التَّحْتِيَّةِ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وابْنُ مُحَيْصِنٍ وأبُو عَمْرٍو ويَعْقُوبُ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ بِضَمِّها مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مِثْلَ دَأْبِ قالَ: مِثْلَ حالِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ قَتادَةَ ﴿مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ﴾ قالَ: هُمُ الأحْزابُ: قَوْمُ نُوحٍ وعادٌ وثَمُودُ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ جاءَكم يُوسُفُ مِن قَبْلُ بِالبَيِّناتِ﴾ قالَ: رُؤْيا يُوسُفَ، وفي قَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ يُجادِلُونَ في آياتِ اللَّهِ﴾ قالَ: يَهُودٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: إلّا في تَبابٍ قالَ: خُسْرانٍ. وأخْرَجَ، عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ مُجاهِدٍ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّما هَذِهِ الحَياةُ الدُّنْيا مَتاعٌ﴾ قالَ: الدُّنْيا جُمُعَةٌ مِن جُمَعِ الآخِرَةِ سَبْعَةُ آلافِ سَنَةٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «إنَّ الحَياةَ الدُّنْيا مَتاعٌ ولَيْسَ مِن مَتاعِها شَيْءٌ أفْضَلُ مِنَ المَرْأةِ الصّالِحَةِ، الَّتِي إذا نَظَرْتَ إلَيْها سَرَّتْكَ، وإذا غِبْتَ عَنْها حَفِظَتْكَ في نَفْسِها ومالِها» .
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences