Ash-ShawkaniAl‑Ahqaf · 46:29–35

Ash-Shawkani · Tafsir · in Arabic

Al-Ahqaf 46:29–35

46:29–35Page 506

وَإِذۡ صَرَفۡنَآ إِلَيۡكَ نَفَرٗا مِّنَ ٱلۡجِنِّ يَسۡتَمِعُونَ ٱلۡقُرۡءَانَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوٓاْ أَنصِتُواْۖ فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوۡاْ إِلَىٰ قَوۡمِهِم مُّنذِرِينَ ٢٩

And [mention, O Muḥammad], when We directed to you a few of the jinn, listening to the Qur’ān. And when they attended it, they said, "Listen attentively." And when it was concluded, they went back to their people as warners.

قَالُواْ يَٰقَوۡمَنَآ إِنَّا سَمِعۡنَا كِتَٰبًا أُنزِلَ مِنۢ بَعۡدِ مُوسَىٰ مُصَدِّقٗا لِّمَا بَيۡنَ يَدَيۡهِ يَهۡدِيٓ إِلَى ٱلۡحَقِّ وَإِلَىٰ طَرِيقٖ مُّسۡتَقِيمٖ ٣٠

They said, "O our people, indeed we have heard a [recited] Book revealed after Moses confirming what was before it which guides to the truth and to a straight path.

يَٰقَوۡمَنَآ أَجِيبُواْ دَاعِيَ ٱللَّهِ وَءَامِنُواْ بِهِۦ يَغۡفِرۡ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمۡ وَيُجِرۡكُم مِّنۡ عَذَابٍ أَلِيمٖ ٣١

O our people, respond to the Caller [i.e., Messenger] of Allāh1 and believe in him; He [i.e., Allāh] will forgive for you your sins and protect you from a painful punishment.

وَمَن لَّا يُجِبۡ دَاعِيَ ٱللَّهِ فَلَيۡسَ بِمُعۡجِزٖ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَلَيۡسَ لَهُۥ مِن دُونِهِۦٓ أَوۡلِيَآءُۚ أُوْلَٰٓئِكَ فِي ضَلَٰلٖ مُّبِينٍ ٣٢

But he who does not respond to the Caller of Allāh will not cause failure [to Him] upon earth, and he will not have besides Him any protectors. Those are in manifest error."

أَوَلَمۡ يَرَوۡاْ أَنَّ ٱللَّهَ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ وَلَمۡ يَعۡيَ بِخَلۡقِهِنَّ بِقَٰدِرٍ عَلَىٰٓ أَن يُحۡـِۧيَ ٱلۡمَوۡتَىٰۚ بَلَىٰٓۚ إِنَّهُۥ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٞ ٣٣

Do they not see that Allāh, who created the heavens and earth and did not fail in their creation, is able to give life to the dead? Yes. Indeed, He is over all things competent.

وَيَوۡمَ يُعۡرَضُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ عَلَى ٱلنَّارِ أَلَيۡسَ هَٰذَا بِٱلۡحَقِّۖ قَالُواْ بَلَىٰ وَرَبِّنَاۚ قَالَ فَذُوقُواْ ٱلۡعَذَابَ بِمَا كُنتُمۡ تَكۡفُرُونَ ٣٤

And the Day those who disbelieved are exposed to the Fire [it will be said], "Is this not the truth?" They will say, "Yes, by our Lord." He will say, "Then taste the punishment for what you used to deny."1

فَٱصۡبِرۡ كَمَا صَبَرَ أُوْلُواْ ٱلۡعَزۡمِ مِنَ ٱلرُّسُلِ وَلَا تَسۡتَعۡجِل لَّهُمۡۚ كَأَنَّهُمۡ يَوۡمَ يَرَوۡنَ مَا يُوعَدُونَ لَمۡ يَلۡبَثُوٓاْ إِلَّا سَاعَةٗ مِّن نَّهَارِۭۚ بَلَٰغٞۚ فَهَلۡ يُهۡلَكُ إِلَّا ٱلۡقَوۡمُ ٱلۡفَٰسِقُونَ ٣٥

So be patient, [O Muḥammad], as were those of determination among the messengers and do not be impatient for them.1 It will be - on the Day they see that which they are promised - as though they had not remained [in the world] except an hour of a day. [This is] notification. And will [any] be destroyed except the defiantly disobedient people?

لَمّا بَيَّنَ سُبْحانَهُ أنَّ في الإنْسِ مَن آمَنَ، وفِيهِمْ مَن كَفَرَ بَيَّنَ أيْضًا أنَّ في الجِنِّ كَذَلِكَ، فَقالَ: ﴿وإذْ صَرَفْنا إلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الجِنِّ﴾ العامِلُ في الظَّرْفِ مُقَدَّرٌ: أيْ واذْكُرْ إذْ صَرَفْنا، أيْ: وجَّهْنا إلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الجِنِّ وبَعَثْناهم إلَيْكَ، وقَوْلُهُ: ﴿يَسْتَمِعُونَ القُرْآنَ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ صِفَةٌ ثانِيَةٌ لِ ( نَفَرًا )، أوْ حالٌ لِأنَّ النَّكِرَةَ قَدْ تَخَصَّصَتْ بِالصِّفَةِ الأُولى (p-١٣٦٩)﴿فَلَمّا حَضَرُوهُ﴾ أيْ حَضَرُوا القُرْآنَ عِنْدَ تِلاوَتِهِ، وقِيلَ: حَضَرُوا النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، ويَكُونُ في الكَلامِ التِفاتٌ مِنَ الخِطابِ إلى الغَيْبَةِ، والأوَّلُ أوْلى ﴿قالُوا أنْصِتُوا﴾ أيْ قالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ اسْكُتُوا، أمَرُوا بَعْضُهم بَعْضًا بِذَلِكَ لِأجْلِ أنْ يَسْمَعُوا ﴿فَلَمّا قُضِيَ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ ( قُضِيَ ) مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ: أيْ فُرِغَ مِن تِلاوَتِهِ.

وقَرَأ حَبِيبُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، ولاحِقُ بْنُ حُمَيْدٍ، وأبُو مِجْلَزٍ عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ: أيْ فَرَغَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مِن تِلاوَتِهِ، والقِراءَةُ الأُولى تُؤَيِّدُ أنَّ الضَّمِيرَ في حَضَرُوهُ لِلْقُرْآنِ، والقِراءَةُ الثّانِيَةُ تُؤَيِّدُ أنَّهُ لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ﴿ولَّوْا إلى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ﴾ أيِ انْصَرَفُوا قاصِدِينَ إلى ما وراءَهم مِن قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ لَهم عَنْ مُخالَفَةِ القُرْآنِ ومُحَذِّرِينَ لَهم، وانْتِصابُ: ( مُنْذِرِينَ ) عَلى الحالِ المُقَدَّرَةِ أيْ: مُقَدِّرِينَ الإنْذارِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهم آمَنُوا بِالنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، وسَيَأْتِي في آخِرِ البَحْثِ بَيانُ ذَلِكَ.

﴿قالُوا ياقَوْمَنا إنّا سَمِعْنا كِتابًا أُنْزِلَ مِن بَعْدِ مُوسى﴾ يَعْنُونَ القُرْآنَ، وفي الكَلامِ حَذْفٌ، والتَّقْدِيرُ: فَوَصَلُوا إلى قَوْمِهِمْ فَقالُوا يا قَوْمَنا.

قالَ عَطاءٌ: كانُوا يَهُودًا فَأسْلَمُوا ﴿مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ أيْ: لِما قَبْلَهُ مِنَ الكُتُبِ المُنَزَّلَةِ ﴿يَهْدِي إلى الحَقِّ﴾ أيْ إلى الدِّينِ الحَقِّ ﴿وإلى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ أيْ إلى طَرِيقِ اللَّهِ القَوِيمِ.

قالَ مُقاتِلٌ: لَمْ يَبْعَثِ اللَّهُ نَبِيًّا إلى الجِنِّ والإنْسِ قَبْلَ مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - .

﴿ياقَوْمَنا أجِيبُوا داعِيَ اللَّهِ وآمِنُوا بِهِ﴾ يَعْنُونَ مُحَمَّدًا - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أوِ القُرْآنَ ﴿يَغْفِرْ لَكم مِن ذُنُوبِكُمْ﴾ أيْ: بَعْضَها، وهو ما عَدا حَقَّ العِبادِ، وقِيلَ إنَّ ( مِن ) هُنا لِابْتِداءِ الغايَةِ.

والمَعْنى: أنَّهُ يَقَعُ ابْتِداءُ الغُفْرانِ مِنَ الذُّنُوبِ ثُمَّ يَنْتَهِي إلى غُفْرانِ تَرْكِ ما هو الأوْلى، وقِيلَ هي زائِدَةٌ ﴿ويُجِرْكم مِن عَذابٍ ألِيمٍ﴾ وهو عَذابُ النّارِ، وفي هَذِهِ الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ حُكْمَ الجِنِّ حُكْمُ الإنْسِ في الثَّوابِ والعِقابِ والتَّعَبُّدِ بِالأوامِرِ والنَّواهِي.

وقالَ الحَسَنُ لَيْسَ لِمُؤْمِنِي الجِنِّ ثَوابٌ غَيْرَ نَجاتِهِمْ مِنَ النّارِ، وبِهِ قالَ أبُو حَنِيفَةَ.

والأوَّلُ أوْلى، وبِهِ قالَ مالِكٌ، والشّافِعِيُّ، وابْنُ أبِي لَيْلى.

وعَلى القَوْلِ الأوَّلِ، فَقالَ القائِلُونَ بِهِ أنَّهم بَعْدَ نَجاتِهِمْ مِنَ النّارِ يُقالُ لَهم: كُونُوا تُرابًا، كَما يُقالُ لِلْبَهائِمِ والثّانِي أرْجَحُ.

وقَدْ قالَ اللَّهُ سُبْحانَهُ في مُخاطَبَةِ الجِنِّ والإنْسِ ﴿ولِمَن خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٤٧، ٤٦] فامْتَنَّ سُبْحانَهُ عَلى الثَّقَلَيْنِ بِأنْ جَعَلَ جَزاءَ مُحْسِنِهِمُ الجَنَّةَ، ولا يُنافِي هَذا الِاقْتِصارَ هاهُنا عَلى ذِكْرِ إجارَتِهِمْ مِن عَذابٍ ألِيمٍ، ومِمّا يُؤَيِّدُ هَذا أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ قَدْ جازى كافِرَهم بِالنّارِ وهو مَقامُ عَدْلٍ، فَكَيْفَ لا يُجازِي مُحْسِنَهم بِالجَنَّةِ وهو مَقامُ فَضْلٍ، ومِمّا يُؤَيِّدُ هَذا أيْضًا ما في القُرْآنِ الكَرِيمِ في غَيْرِ مَوْضِعٍ أنَّ جَزاءَ المُؤْمِنِينَ الجَنَّةُ، وجَزاءَ مَن عَمِلَ الصّالِحاتِ الجَنَّةُ، وجَزاءَ مَن قالَ " لا إلَهَ إلّا اللَّهُ " الجَنَّةُ، وغَيْرَ ذَلِكَ مِمّا هو كَثِيرٌ في الكِتابِ والسُّنَّةِ.

وقَدِ اخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ هَلْ أرْسَلَ اللَّهُ إلى الجِنِّ رُسُلًا مِنهم أمْ لا، وظاهِرُ الآياتِ القُرْآنِيَّةِ أنَّ الرُّسُلَ مِنَ الإنْسِ فَقَطْ كَما في قَوْلِهِ: ﴿وما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ إلّا رِجالًا نُوحِي إلَيْهِمْ مِن أهْلِ القُرى﴾ .

[يوسف: ١٠٩] وقالَ: ﴿وما أرْسَلْنا قَبْلَكَ مِنَ المُرْسَلِينَ إلّا إنَّهم لَيَأْكُلُونَ الطَّعامَ ويَمْشُونَ في الأسْواقِ﴾ [الفرقان: ٢٠] وقالَ سُبْحانَهُ في إبْراهِيمَ الخَلِيلِ: ﴿وجَعَلْنا في ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ والكِتابَ﴾، فَكُلُّ نَبِيٍّ بَعَثَهُ اللَّهُ بَعْدَ إبْراهِيمَ فَهو مِن ذُرِّيَّتِهِ، وأمّا قَوْلُهُ تَعالى في سُورَةِ الأنْعامِ: ﴿يامَعْشَرَ الجِنِّ والإنْسِ ألَمْ يَأْتِكم رُسُلٌ مِنكم﴾ [الأنعام: ١٣٠] فَقِيلَ المُرادُ مِن مَجْمُوعِ الجِنْسَيْنِ، وصَدَقَ عَلى أحَدِهِما، وهُمُ الإنْسُ: كَقَوْلِهِ: ﴿يَخْرُجُ مِنهُما اللُّؤْلُؤُ والمَرْجانُ﴾ أيْ: مِن أحَدِهِما.

[الرحمن: ٢٢] ﴿ومَن لا يُجِبْ داعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ في الأرْضِ﴾ أيْ لا يَفُوتُ اللَّهَ ولا يَسْبِقُهُ، ولا يَقْدِرُ عَلى الهَرَبِ مِنهُ؛ لِأنَّهُ وإنْ هَرَبَ كُلَّ مَهْرَبٍ فَهو في الأرْضِ لا سَبِيلَ لَهُ إلى الخُرُوجِ مِنها، وفي هَذا تَرْهِيبٌ شَدِيدٌ ولَيْسَ لَهُ مِن دُونِهِ أوْلِياءُ أيْ: أنْصارٌ يَمْنَعُونَهُ مِن عَذابِ اللَّهِ. بَيَّنَ سُبْحانَهُ بَعْدَ اسْتِحالَةِ نَجاتِهِ بِنَفْسِهِ اسْتِحالَةَ نَجاتِهِ بِواسِطَةِ غَيْرِهِ، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ( أُولَئِكَ ) إلى ( مَن لا يُجِبْ داعِيَ اللَّهِ )، وأخْبَرَ أنَّهم ﴿فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ أيْ: ظاهِرٍ واضِحٍ.

ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ دَلِيلًا عَلى البَعْثِ، فَقالَ: ﴿أوَلَمْ يَرَوْا أنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ﴾ الرُّؤْيَةُ هُنا هي القَلْبِيَّةُ الَّتِي بِمَعْنى العِلْمِ والهَمْزَةُ لِلْإنْكارِ، والواوُ لِلْعَطْفِ عَلى مُقَدَّرٍ: أيْ: ألَمْ يَتَفَكَّرُوا، ولَمْ يَعْلَمُوا أنَّ الَّذِي خَلَقَ هَذِهِ الأجْرامَ العِظامَ مِنَ السَّماواتِ والأرْضِ ابْتِداءً ﴿ولَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ﴾ أيْ: لَمْ يَعْجِزْ عَنْ ذَلِكَ ولا ضَعُفَ عَنْهُ، يُقالُ عَيَّ بِالأمْرِ وعَيِيَ: إذا لَمْ يَهْتَدِ لِوَجْهِهِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:

؎عَيَّوْا بِأمْرِهِمُ كَما عَيَّتْ بِبَيْضَتِها الحَمامَهْ

قَرَأ الجُمْهُورُ ( ولَمْ يَعْيَ ) بِسُكُونِ العَيْنِ وفَتْحِ الياءِ مُضارِعَ عَيِيَ.

وقَرَأ الحَسَنُ بِكَسْرِ العَيْنِ وسُكُونِ الياءِ ﴿بِقادِرٍ عَلى أنْ يُحْيِيَ المَوْتى﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ، والأخْفَشُ: الباءُ زائِدَةٌ لِلتَّوْكِيدِ، كَما في قَوْلِهِ: ﴿وكَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ .

قالَ الكِسائِيُّ، والفَرّاءُ، والزَّجّاجُ: العَرَبُ تُدْخِلُ الباءَ مَعَ الجَحْدِ والِاسْتِفْهامِ، فَتَقُولُ: ما أظُنُّكَ بِقائِمٍ، والجارُّ والمَجْرُورُ في مَحَلِّ رَفْعٍ عَلى أنَّهُما خَبَرٌ لِأنَّ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وعِيسى بْنُ عُمَرَ، والأعْرَجُ، والجَحْدَرِيُّ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ، ويَعْقُوبُ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، ( يَقْدِرُ ) عَلى صِيغَةِ المُضارِعِ، واخْتارَ أبُو عُبَيْدَةَ القِراءَةَ الأُولى، واخْتارَ أبُو حاتِمٍ القِراءَةَ الثّانِيَةَ قالَ: لِأنَّ دُخُولَ الباءِ في خَبَرِ " أنَّ " قَبِيحٌ ﴿بَلى إنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ لا يُعْجِزُهُ شَيْءٌ.

﴿ويَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلى النّارِ﴾ الظَّرْفُ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلٍ مُقَدَّرٍ: أيْ يُقالُ ذَلِكَ اليَوْمَ لِلَّذِينِ كَفَرُوا ﴿ألَيْسَ هَذا بِالحَقِّ﴾ وهَذِهِ الجُمْلَةُ هي المَحْكِيَّةُ بِالقَوْلِ، والإشارَةُ بِـ " هَذا " إلى ما هو مُشاهَدٌ لَهم يَوْمَ عَرْضِهِمْ عَلى النّارِ، وفي الِاكْتِفاءِ بِمُجَرَّدِ الإشارَةِ مِنَ التَّهْوِيلِ لِلْمُشارِ إلَيْهِ والتَّفْخِيمِ لِشَأْنِهِ ما لا يَخْفى، كَأنَّهُ أمْرٌ لا يُمْكِنُ التَّعْبِيرُ عَنْهُ بِلَفْظٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ ﴿قالُوا بَلى ورَبِّنا﴾ اعْتَرَفُوا حِينَ لا يَنْفَعُهُمُ الِاعْتِرافُ، وأكَّدُوا هَذا الِاعْتِرافَ بِالقَسَمِ؛ لِأنَّ المُشاهَدَةَ هي (p-١٣٧٠)حَقُّ اليَقِينِ الَّذِي لا يُمْكِنُ جَحَدُهُ ولا إنْكارُهُ ﴿قالَ فَذُوقُوا العَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ أيْ بِسَبَبِ كُفْرِكم بِهَذا في الدُّنْيا وإنْكارِكم لَهُ، وفي هَذا الأمْرِ لَهم بِذَوْقِ العَذابِ تَوْبِيخٌ بالِغٌ وتَهَكُّمٌ عَظِيمٌ.

لَمّا قَرَّرَ سُبْحانَهُ الأدِلَّةَ عَلى النُّبُوَّةِ والتَّوْحِيدِ والمَعادِ أمَرَ رَسُولَهُ بِالصَّبْرِ فَقالَ: ﴿فاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُو العَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ والفاءُ جَوابُ شَرْطٍ مَحْذُوفٌ: أيْ: إذا عَرَفْتَ ذَلِكَ وقامَتْ عَلَيْهِ البَراهِينُ ولَمْ يَنْجَعْ في الكافِرِينَ فاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُو العَزْمِ: أيْ: أرْبابُ الثَّباتِ والحَزْمِ فَإنَّكَ مِنهم.

قالَ مُجاهِدٌ: أُولُو العَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ خَمْسَةٌ: نُوحٌ، وإبْراهِيمُ، ومُوسى، وعِيسى، ومُحَمَّدٌ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، وهم أصْحابُ الشَّرائِعِ.

وقالَ أبُو العالِيَةِ: هم نُوحٌ، وهُودٌ، وإبْراهِيمُ، فَأمَرَ اللَّهُ رَسُولَهُ أنْ يَكُونَ رابِعَهم.

وقالَ السُّدِّيُّ: هم سِتَّةٌ إبْراهِيمُ، ومُوسى، وداوُدُ، وسُلَيْمانُ، وعِيسى، ومُحَمَّدٌ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، وقِيلَ نُوحٌ، وهُودٌ، وصالِحٌ، وشُعَيْبٌ، ولُوطٌ، ومُوسى.

وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: إنَّ مِنهم إسْماعِيلَ، ويَعْقُوبَ، وأيُّوبَ، ولَيْسَ مِنهم يُونُسُ.

وقالَ الشَّعْبِيُّ، والكَلْبِيُّ: هُمُ الَّذِينَ أُمِرُوا بِالقِتالِ، فَأظْهَرُوا المُكاشَفَةَ، وجاهَدُوا الكَفَرَةَ، وقِيلَ هم نُجَباءُ الرُّسُلِ المَذْكُورُونَ في سُورَةِ الأنْعامِ، وهم ثَمانِيَةَ عَشَرَ: إبْراهِيمُ، وإسْحاقُ، ويَعْقُوبُ، ونُوحٌ، وداوُدُ، وسُلَيْمانُ، وأيُّوبُ، ويُوسُفُ، ومُوسى، وهارُونُ، وزَكَرِيّا، ويَحْيى، وعِيسى، وإلْياسُ، وإسْماعِيلُ، واليَسَعُ، ويُونُسُ، ولُوطٌ.

واخْتارَ هَذا الحُسَيْنُ بْنُ الفَضْلِ لِقَوْلِهِ بَعْدَ ذِكْرِهِمْ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدى اللَّهُ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهِ﴾ [الأنعام: ٩٠] وقِيلَ إنَّ الرُّسُلَ كُلَّهم أُولُو العَزْمِ، وقِيلَ هُمُ اثْنا عَشَرَ نَبِيًّا إلى بَنِي إسْرائِيلَ.

وقالَ الحَسَنُ: هم أرْبَعَةٌ: إبْراهِيمُ، ومُوسى، وداوُدُ، وعِيسى

﴿ولا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ﴾ أيْ لا تَسْتَعْجِلِ العَذابَ يا مُحَمَّدُ لِلْكُفّارِ.

لَمّا أمَرَهُ سُبْحانَهُ بِالصَّبْرِ، ونَهاهُ عَنِ اسْتِعْجالِ العَذابِ لِقَوْمِهِ رَجاءَ أنْ يُؤْمِنُوا قالَ: ﴿كَأنَّهم يَوْمَ يَرَوْنَ ما يُوعَدُونَ﴾ مِنَ العَذابِ ﴿لَمْ يَلْبَثُوا إلّا ساعَةً مِن نَهارٍ﴾ أيْ: كَأنَّهم يَوْمَ يُشاهِدُونَهُ في الآخِرَةِ لَمْ يَلْبَثُوا في الدُّنْيا إلّا قَدْرَ ساعَةٍ مِن ساعاتِ الأيّامِ لِما يُشاهِدُونَهُ مِنَ الهَوْلِ العَظِيمِ والبَلاءِ المُقِيمِ.

قَرَأ الجُمْهُورُ ( بَلاغٌ ) بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ: أيْ: هَذا الَّذِي وعَظْتُهم بِهِ بَلاغٌ، أوْ تِلْكَ السّاعَةُ بَلاغٌ، أوْ هَذا القُرْآنُ بَلاغٌ، أوْ هو مُبْتَدَأٌ، والخَبَرُ لَهُمُ الواقِعُ بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿ولا تَسْتَعْجِلْ﴾ أيْ: لَهم بَلاغٌ، وقَرَأ الحَسَنُ، وعِيسى بْنُ عُمَرَ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، ( بَلاغًا ) بِالنَّصْبِ عَلى المَصْدَرِ: أيْ بَلِّغْ بَلاغًا، وقَرَأ أبُو مِجْلَزٍ ( بَلِّغْ ) بِصِيغَةِ الأمْرِ. وقُرِئَ ( بَلَّغَ ) بِصِيغَةِ الماضِي ﴿فَهَلْ يُهْلَكُ إلّا القَوْمُ الفاسِقُونَ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ ( فَهَلْ يُهْلَكُ ) عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ.

وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ، والمَعْنى: أنَّهُ لا يَهْلِكُ بِعَذابِ اللَّهِ إلّا القَوْمُ الخارِجُونَ عَنِ الطّاعَةِ الواقِعُونَ في مَعاصِي اللَّهِ.

قالَ قَتادَةُ: لا يَهْلِكُ عَلى اللَّهِ إلّا هالِكٌ مُشْرِكٌ.

قِيلَ: وهَذِهِ الآيَةُ أقْوى آيَةٍ في الرَّجاءِ.

قالَ الزَّجّاجُ: تَأْوِيلُهُ لا يَهْلِكُ مَعَ رَحْمَةِ اللَّهِ وفَضْلِهِ إلّا القَوْمُ الفاسِقُونَ.

وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ مَنِيعٍ، والحاكِمُ، وصَحَّحَهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وأبُو نُعَيْمٍ، والبَيْهَقِيُّ كِلاهُما في الدَّلائِلِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: هَبَطُوا، يَعْنِي الجِنَّ عَلى النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وهو يَقْرَأُ القُرْآنَ بِبَطْنِ نَخْلَةَ، فَلَمّا سَمِعُوهُ قالُوا: أنْصِتُوا، قالُوا صَهٍ، وكانُوا تِسْعَةً، أحَدُهم زَوْبَعَةُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وإذْ صَرَفْنا إلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الجِنِّ﴾ إلى قَوْلِهِ: ( ضَلالٍ مُبِينٍ ) .

وأخْرَجَ أحْمَدُ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ الزُّبَيْرِ ﴿وإذْ صَرَفْنا إلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الجِنِّ يَسْتَمِعُونَ القُرْآنَ﴾ قالَ: بِنَخْلَةَ، ورَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يُصَلِّي العِشاءَ الآخِرَةَ ﴿كادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا﴾ [الجن: ١٩]

وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، والطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ ﴿وإذْ صَرَفْنا إلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الجِنِّ﴾ الآيَةَ. قالَ كانُوا تِسْعَةَ نَفَرٍ مِن أهْلِ نَصِيبِينَ فَجَعَلَهم رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - رُسُلًا إلى قَوْمِهِمْ.

وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وأبُو نُعَيْمٍ نَحْوَهُ أيْضًا قالَ: صُرِفَتِ الجِنُّ إلى رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مَرَّتَيْنِ وكانُوا أشْرافَ الجِنِّ بِنَصِيبِينَ.

وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ، وغَيْرُهُما، عَنْ مَسْرُوقٍ قالَ: سَألْتُ ابْنَ مَسْعُودٍ مَن آذَنَ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بِالجِنِّ لَيْلَةَ اسْتَمَعُوا القُرْآنَ ؟ قالَ: آذَنَتْهُ بِهِمْ شَجَرَةٌ.

وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وأحْمَدُ، ومُسْلِمٌ، والتِّرْمِذِيُّ، عَنْ عَلْقَمَةَ قالَ: قُلْتُ لِابْنِ مَسْعُودٍ: «هَلْ صَحِبَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مِنكم أحَدًا لَيْلَةَ الجِنِّ ؟ قالَ: ما صَحِبَهُ مِنّا أحَدٌ، ولَكِنّا فَقَدْناهُ ذاتَ لَيْلَةٍ، فَقُلْنا اغْتِيلَ، اسْتُطِيرَ، ما فَعَلَ ؟ قالَ: فَبِتْنا بِشَرِّ لَيْلَةٍ باتَ بِها قَوْمٌ، فَلَمّا كانَ في وجْهِ الصُّبْحِ إذا نَحْنُ بِهِ يَجِيءُ مِن قِبَلِ حِراءٍ، فَأخْبَرْناهُ، فَقالَ: إنَّهُ أتانِي داعِي الجِنِّ، فَأتَيْتُهم، فَقَرَأْتُ عَلَيْهِمُ القُرْآنَ، فانْطَلَقَ، فَأرانا آثارَهم وآثارَ نِيرانِهِمْ» .

وأخْرَجَ أحْمَدُ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: كُنْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - لَيْلَةَ الجِنِّ.

وقَدْ رُوِيَ نَحْوُ هَذا مِن طُرُقٍ.

والجَمْعُ بَيْنَ الرِّواياتِ بِالحَمْلِ عَلى قِصَّتَيْنِ وقَعَتْ مِنهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مَعَ الجِنِّ حَضَرَ إحْداهُما ابْنُ مَسْعُودٍ، ولَمْ يَحْضُرْ في الأُخْرى.

وقَدْ ورَدَتْ أحادِيثُ كَثِيرَةٌ أنَّ الجِنَّ بَعْدَ هَذا وفَدَتْ عَلى رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ وأخَذُوا عَنْهُ الشَّرائِعَ.

وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: ﴿أُولُو العَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ونُوحٌ، وإبْراهِيمُ، ومُوسى، وعِيسى.

وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ قالَ: هُمُ الَّذِينَ أُمِرُوا بِالقِتالِ حَتّى مَضَوْا عَلى ذَلِكَ نُوحٌ، وهُودٌ، وصالِحٌ، ومُوسى، وداوُدُ، وسُلَيْمانُ، .

وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: بَلَغَنِي أنَّ أُولِي العَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ كانُوا ثَلاثَمِائَةٍ وثَلاثَةَ عَشَرَ.

وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، والدَّيْلَمِيُّ، عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: «ظَلَّ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - صائِمًا ثُمَّ طَوى، ثُمَّ ظَلَّ صائِمًا، ثُمَّ طَوى، ثُمَّ ظَلَّ صائِمًا قالَ: يا عائِشَةُ إنَّ الدَّيْنَ لا يَنْبَغِي لِمُحَمَّدٍ ولا لِآلِ مُحَمَّدٍ، يا عائِشَةُ إنَّ اللَّهَ لَمْ يَرْضَ مِن أُولِي العَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ إلّا بِالصَّبْرِ عَلى مَكْرُوهِها والصَّبْرِ عَنْ مَحْبُوبِها، ثُمَّ لَمْ يَرْضَ مِنِّي إلّا أنْ يُكَلِّفَنِي ما كَلَّفَهم، فَقالَ: ﴿فاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُو العَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ وإنِّي واللَّهِ لَأصْبِرَنَّ كَما صَبَرُوا جُهْدِي، ولا قُوَّةَ إلّا بِاللَّهِ» .

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском