Ash-Shawkani · Tafsir · in Arabic
Al-Ma'idah 5:64–67
5:64–66Page 118
وَقَالَتِ ٱلۡيَهُودُ يَدُ ٱللَّهِ مَغۡلُولَةٌۚ غُلَّتۡ أَيۡدِيهِمۡ وَلُعِنُواْ بِمَا قَالُواْۘ بَلۡ يَدَاهُ مَبۡسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيۡفَ يَشَآءُۚ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرٗا مِّنۡهُم مَّآ أُنزِلَ إِلَيۡكَ مِن رَّبِّكَ طُغۡيَٰنٗا وَكُفۡرٗاۚ وَأَلۡقَيۡنَا بَيۡنَهُمُ ٱلۡعَدَٰوَةَ وَٱلۡبَغۡضَآءَ إِلَىٰ يَوۡمِ ٱلۡقِيَٰمَةِۚ كُلَّمَآ أَوۡقَدُواْ نَارٗا لِّلۡحَرۡبِ أَطۡفَأَهَا ٱللَّهُۚ وَيَسۡعَوۡنَ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَسَادٗاۚ وَٱللَّهُ لَا يُحِبُّ ٱلۡمُفۡسِدِينَ ٦٤
And the Jews say, "The hand of Allāh is chained."1 Chained are their hands, and cursed are they for what they say. Rather, both His hands are extended; He spends however He wills. And that which has been revealed to you from your Lord will surely increase many of them in transgression and disbelief. And We have cast among them animosity and hatred until the Day of Resurrection. Every time they kindled the fire of war [against you], Allāh extinguished it. And they strive throughout the land [causing] corruption, and Allāh does not like corrupters.
وَلَوۡ أَنَّ أَهۡلَ ٱلۡكِتَٰبِ ءَامَنُواْ وَٱتَّقَوۡاْ لَكَفَّرۡنَا عَنۡهُمۡ سَيِّـَٔاتِهِمۡ وَلَأَدۡخَلۡنَٰهُمۡ جَنَّٰتِ ٱلنَّعِيمِ ٦٥
And if only the People of the Scripture had believed and feared Allāh, We would have removed from them their misdeeds and admitted them to Gardens of Pleasure.
وَلَوۡ أَنَّهُمۡ أَقَامُواْ ٱلتَّوۡرَىٰةَ وَٱلۡإِنجِيلَ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيۡهِم مِّن رَّبِّهِمۡ لَأَكَلُواْ مِن فَوۡقِهِمۡ وَمِن تَحۡتِ أَرۡجُلِهِمۚ مِّنۡهُمۡ أُمَّةٞ مُّقۡتَصِدَةٞۖ وَكَثِيرٞ مِّنۡهُمۡ سَآءَ مَا يَعۡمَلُونَ ٦٦
And if only they had upheld [the law of] the Torah, the Gospel, and what has been revealed to them from their Lord [i.e., the Qur’ān], they would have consumed [provision] from above them and from beneath their feet.1 Among them are a moderate [i.e., acceptable] community, but many of them - evil is that which they do.
قَوْلُهُ: ( ﴿يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾ ) اليَدُ عِنْدَ العَرَبِ تُطْلَقُ عَلى الجارِحَةِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا﴾ وعَلى النِّعْمَةِ، يَقُولُونَ: كَمْ يَدٌ لِي عِنْدَ فُلانٍ، وعَلى القُدْرَةِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ إنَّ الفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ٧٣] أوْ عَلى التَّأْيِيدِ، ومِنهُ قَوْلُهُ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «يَدُ اللَّهِ مَعَ القاضِي حِينَ يَقْضِي» وتُطْلَقُ عَلى مَعانٍ أُخَرَ، وهَذِهِ الآيَةُ هي عَلى طَرِيقِ التَّمْثِيلِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إلى عُنُقِكَ﴾ [الإسراء: ٢٩] والعَرَبُ تُطْلَقُ غُلُّ اليَدِ عَلى البُخْلِ وبَسْطُها عَلى الجُودِ مَجازًا، ولا يُرِيدُونَ الجارِحَةَ كَما يَصِفُونَ البَخِيلَ بِأنَّهُ جَعْدُ الأنامِلِ ومَقْبُوضُ الكَفِّ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎كانَتْ خُراسانُ أرْضًا إذْ يَزِيدُ بِها وكُلُّ بابٍ مِنَ الخَيْراتِ مَفْتُوحُ
؎فاسْتُبْدِلَتْ بَعْدَهُ جَعْدًا أنامِلُهُ ∗∗∗ كَأنَّما وجْهُهُ بِالخَلِّ مَنضُوحُ
فَمُرادُ اليَهُودُ هُنا عَلَيْهِمْ لِعائِنُ اللَّهِ أنَّ اللَّهَ بَخِيلٌ، فَأجابَ سُبْحانَهُ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ( ﴿غُلَّتْ أيْدِيهِمْ﴾ ) دُعاءً عَلَيْهِمْ بِالبُخْلِ، فَيَكُونُ الجَوابُ عَلَيْهِمْ مُطابِقًا لِما أرادُوهُ بِقَوْلِهِ: ( ﴿يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾ ) ويَجُوزُ أنْ يُرادَ غُلُّ أيْدِيهِمْ حَقِيقَةً بِالأسْرِ في الدُّنْيا أوْ بِالعَذابِ في الآخِرَةِ، ويُقَوِّي المَعْنى الأوَّلُ أنَّ البُخْلَ قَدْ لَزِمَ اليَهُودَ لُزُومَ الظِّلِّ لِلشَّمْسِ فَلا تَرى يَهُودِيًّا، وإنْ كانَ مالُهُ في غايَةِ الكَثْرَةِ، إلّا وهو مِن أبْخَلِ خَلْقِ اللَّهِ، وأيْضًا المَجازُ أوْفَقُ بِالمَقامِ لِمُطابَقَتِهِ لِما قَبْلَهُ.
قَوْلُهُ: ( ﴿ولُعِنُوا بِما قالُوا﴾ ) مَعْطُوفٌ عَلى ما قَبْلَهُ والباءُ سَبَبِيَّةٌ؛ أيْ: أُبْعِدُوا مِن رَحْمَةِ اللَّهِ بِسَبَبِ قَوْلِهِمْ: ( ﴿يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾ ) ثُمَّ رَدَّ سُبْحانَهُ بِقَوْلِهِ: ( ﴿بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ﴾ ) أيْ: بَلْ هو في غايَةِ ما يَكُونُ مِنَ الجُودِ، وذَكَرَ اليَدَيْنِ مَعَ كَوْنِهِمْ لَمْ يَذْكُرُوا إلّا اليَدَ الواحِدَةَ مُبالَغَةً في الرَّدِّ عَلَيْهِمْ بِإثْباتِ ما يَدُلُّ عَلى غايَةِ السَّخاءِ، فَإنَّ نِسْبَةَ الجُودِ إلى اليَدَيْنِ أبْلَغُ مِن نِسْبَتِهِ إلى اليَدِ الواحِدَةِ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ الإضْرابِيَّةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةٍ مُقَدَّرَةٍ يَقْتَضِيها المَقامُ؛ أيْ: كَلّا لَيْسَ الأمْرُ كَذَلِكَ ( ﴿بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ﴾ ) وقِيلَ: المُرادُ بِقَوْلِهِ: ( ﴿بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ﴾ ) نِعْمَةُ الدُّنْيا الظّاهِرَةُ ونِعْمَتُها الباطِنَةُ، وقِيلَ: نِعْمَةُ المَطَرِ والنَّباتِ، وقِيلَ: الثَّوابُ والعِقابُ، وحَكى الأخْفَشُ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ قَرَأ بَلْ يَداهُ بَسِيطَتانِ؛ أيْ: مُنْطَلِقَتانِ كَيْفَ يَشاءُ.
قَوْلُهُ: يُنْفِقُ كَيْفَ يَشاءُ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ مُؤَكِّدَةٌ لِكَمالِ جُودِهِ سُبْحانَهُ؛ أيْ: (p-٣٨٣)إنْفاقُهُ عَلى ما تَقْتَضِيهِ مَشِيئَتُهُ، فَإنْ شاءَ وسَّعَ، وإنْ شاءَ قَتَّرَ، فَهو الباسِطُ القابِضُ، فَإنْ قَبَضَ كانَ ذَلِكَ لِما تَقْتَضِيهِ حِكْمَتُهُ الباهِرَةُ لا لِشَيْءٍ آخَرَ، فَإنَّ خَزائِنَ مُلْكِهِ لا تَفْنى ومَوادَّ جُودِهِ لا تَتَناهى.
قَوْلُهُ: ( ﴿ولَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنهُمْ﴾ ) إلَخْ، اللّامُ هي لامُ القَسَمِ؛ أيْ: لَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنَ اليَهُودِ والنَّصارى ما أُنْزِلَ إلَيْكَ مِنَ القُرْآنِ المُشْتَمِلِ عَلى هَذِهِ الأحْكامِ الحَسَنَةِ ( ﴿طُغْيانًا وكُفْرًا﴾ ) أيْ: طُغْيانًا إلى طُغْيانِهِمْ وكُفْرًا إلى كُفْرِهِمْ.
قَوْلُهُ: ( وألْقَيْنا بَيْنَهُمُ ) أيْ: بَيْنَ اليَهُودِ ( العَداوَةَ والبَغْضاءَ ) أوْ بَيْنَ اليَهُودِ والنَّصارى.
قَوْلُهُ: ﴿كُلَّما أوْقَدُوا نارًا لِلْحَرْبِ أطْفَأها اللَّهُ﴾ أيْ: كُلَّما جَمَعُوا لِلْحَرْبِ جَمْعًا وأعْدُّوا لَهُ عُدَّةً شَتَّتَ اللَّهُ جَمْعَهم، وذَهَبَ بِرِيحِهِمْ فَلَمْ يَظْفَرُوا بِطائِلٍ ولا عادُوا بِفائِدَةٍ، بَلْ لا يَحْصُلُونَ مِن ذَلِكَ إلّا عَلى الغَلَبِ لَهم، وهَكَذا لا يَزالُونَ يُهَيِّجُونَ الحُرُوبَ ويَجْمَعُونَ عَلَيْها، ثُمَّ يُبْطِلُ اللَّهُ ذَلِكَ، والآيَةُ مُشْتَمِلَةٌ عَلى اسْتِعارَةٍ بَلِيغَةٍ، وأُسْلُوبٍ بَدِيعٍ، ( ﴿ويَسْعَوْنَ في الأرْضِ فَسادًا﴾ ) أيْ: يَجْتَهِدُونَ في فِعْلِ ما فِيهِ فَسادٌ، ومِن أعْظَمِهِ ما يُرِيدُونَهُ مِن إبْطالِ الإسْلامِ وكَيْدِ أهْلِهِ، وقِيلَ: المُرادُ بِالنّارِ هُنا الغَضَبُ؛ أيْ: كُلَّما أثارُوا في أنْفُسِهِمْ غَضَبًا أطْفَأهُ اللَّهُ بِما جَعَلَهُ مِنَ الرُّعْبِ في صُدُورِهِمْ والذِّلَّةِ والمَسْكَنَةِ المَضْرُوبَتَيْنِ عَلَيْهِمْ.
قَوْلُهُ: ( ﴿واللَّهُ لا يُحِبُّ المُفْسِدِينَ﴾ ) إنْ كانَتِ اللّامُ لِلْجِنْسِ فَهم داخِلُونَ في ذَلِكَ دُخُولًا أوَّلِيًّا، وإنْ كانَتْ لِلْعَهْدِ فَوَضْعُ الظّاهِرِ مَوْضِعَ المُضْمَرِ لِبَيانِ شِدَّةِ فَسادِهِمْ وكَوْنِهِمْ لا يَنْفَكُّونَ عَنْهُ.
قَوْلُهُ: ﴿ولَوْ أنَّ أهْلَ الكِتابِ آمَنُوا واتَّقَوْا﴾ أيْ: لَوْ أنَّ المُتَمَسِّكِينَ بِالكِتابِ، وهُمُ اليَهُودُ والنَّصارى، عَلى أنَّ التَّعْرِيفَ لِلْجِنْسِ ( آمَنُوا ) الإيمانَ الَّذِي طَلَبَهُ اللَّهُ مِنهم، ومِن أهَمِّ الإيمانِ بِما جاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ كَما أُمِرُوا بِذَلِكَ في كُتُبِ اللَّهِ المُنَزَّلَةِ عَلَيْهِمْ ( واتَّقَوْا ) المَعاصِيَ الَّتِي مِن أعْظَمِها ما هم عَلَيْهِ مِنَ الشِّرْكِ بِاللَّهِ والجُحُودِ لِما جاءَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ( ﴿لَكَفَّرْنا عَنْهم سَيِّئاتِهِمْ﴾ ) الَّتِي اقْتَرَفُوها، وإنْ كانَتْ كَثِيرَةً مُتَنَوِّعَةً، وقِيلَ المَعْنى: لَوَسَّعْنا عَلَيْهِمْ في أرْزاقِهِمْ.
﴿ولَوْ أنَّهم أقامُوا التَّوْراةَ والإنْجِيلَ﴾ أيْ: أقامُوا ما فِيهِما مِنَ الأحْكامِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها الإيمانُ بِما جاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ.
قَوْلُهُ: ( ﴿وما أُنْزِلَ إلَيْهِمْ مِن رَبِّهِمْ﴾ ) مِن سائِرِ كُتُبِ اللَّهِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها القُرْآنُ فَإنَّها كُلَّها وإنْ نَزَلَتْ عَلى غَيْرِهِمْ فَهي في حُكْمِ المُنَزَّلَةِ عَلَيْهِمْ لِكَوْنِهِمْ مُتَعَبِّدِينَ بِما فِيها ( ﴿لَأكَلُوا مِن فَوْقِهِمْ ومِن تَحْتِ أرْجُلِهِمْ﴾ ) ذَكَرَ فَوْقَ وتَحْتَ لِلْمُبالَغَةِ في تَيَسُّرِ أسْبابِ الرِّزْقِ لَهم وكَثْرَتِها وتَعَدُّدِ أنْواعِها.
قَوْلُهُ: ( ﴿مِنهم أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ﴾ ) جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ، كَأنَّهُ قِيلَ: هَلْ جَمِيعُهم مُتَّصِفُونَ بِالأوْصافِ السّابِقَةِ، أوِ البَعْضُ دُونَ البَعْضِ، والمُقْتَصِدُونَ مِنهم هُمُ المُؤْمِنُونَ كَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ ومَن تَبِعَهُ وطائِفَةٍ مِنَ النَّصارى ﴿وكَثِيرٌ مِنهم ساءَ ما يَعْمَلُونَ﴾ وهُمُ المُصِرُّونَ عَلى الكُفْرِ المُتَمَرِّدُونَ عَنْ إجابَةِ مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ والإيمانِ بِما جاءَ بِهِ، وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ، والطَّبَرانِيُّ في الكَبِيرِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ رَجُلٌ مِنَ اليَهُودِ يُقالُ لَهُ النَّبّاشُ بْنُ قَيْسٍ: إنَّ رَبَّكَ بَخِيلٌ لا يُنْفِقُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: وقالَتِ اليَهُودُ ( يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ ) الآيَةَ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنْهُ أنَّها نَزَلَتْ في فِنْحاصَ اليَهُودِيِّ. وأخْرَجَ مِثْلَهُ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وقالَتِ اليَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾ أيْ: بَخِيلَةٌ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿ولَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنهم ما أُنْزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ طُغْيانًا وكُفْرًا﴾ قالَ: حَمَلَهم حَسَدُ مُحَمَّدٍ والعَرَبِ عَلى أنْ تَرَكُوا القُرْآنَ وكَفَرُوا بِمُحَمَّدٍ ودِينِهِ وهم يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهم. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿كُلَّما أوْقَدُوا نارًا لِلْحَرْبِ﴾ قالَ: حَرْبُ مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ السُّدِّيِّ في الآيَةِ: كُلَّما أجْمَعُوا أمْرَهم عَلى شَيْءٍ فَرَّقَهُ اللَّهُ وأطْفَأ حَدَّهم ونارَهم وقَذَفَ في قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿ولَوْ أنَّ أهْلَ الكِتابِ آمَنُوا واتَّقَوْا﴾ قالَ: آمَنُوا بِما أُنْزِلَ عَلى مُحَمَّدٍ واتَّقَوْا ما حَرَّمَ اللَّهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولَوْ أنَّهم أقامُوا التَّوْراةَ والإنْجِيلَ﴾ قالَ: العَمَلَ بِهِما، وأمّا ( ما أُنْزِلَ إلَيْهِمْ ) فَمُحَمَّدٌ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ وما أُنْزِلَ عَلَيْهِ، وأمّا ( ﴿لَأكَلُوا مِن فَوْقِهِمْ﴾ ) فَأرْسَلْتُ عَلَيْهِمْ مَطَرًا، وأمّا ( مِن تَحْتِ أرْجُلِهِمْ ) يَقُولُ: أُنْبِتُ لَهم مِنَ الأرْضِ مِن رِزْقِي ما يُغْنِيهِمْ ( ﴿مِنهم أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ﴾ ) وهم مَسْلَمَةُ أهْلِ الكِتابِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿لَأكَلُوا مِن فَوْقِهِمْ﴾ يَعْنِي لَأُرْسِلُ عَلَيْهِمُ السَّماءَ مِدْرارًا ( ﴿ومِن تَحْتِ أرْجُلِهِمْ﴾ ) قالَ: تُخْرِجُ الأرْضُ مِن بَرَكَتِها. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أنَسٍ قالَ: الأُمَّةُ المُقْتَصِدَةُ: الَّذِينَ لا هم فَسَقُوا في الدِّينِ ولا هم غَلَوْا، قالَ: والغُلُوُّ الرَّغْبَةُ، والفِسْقُ التَّقْصِيرُ عَنْهُ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنِ السُّدِّيِّ ( أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ ) يَقُولُ: مُؤْمِنَةٌ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ قالَ: حَدَّثَنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنا أحْمَدُ بْنُ يُونُسَ الضَّبِّيُّ، حَدَّثَنا عاصِمُ بْنُ عَلِيٍّ، حَدَّثَنا أبُو مَعْشَرٍ، عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ زَيْدِ بْنِ طَلْحَةَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ، عَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ قالَ: كُنّا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ فَذَكَرَ حَدِيثًا، قالَ: ثُمَّ حَدَّثَهُمُ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ قالَ: «تَفَرَّقَتْ أُمَّةُ مُوسى عَلى اثْنَتَيْنِ وسَبْعِينَ مِلَّةً، واحِدَةٌ مِنها في الجَنَّةِ وإحْدى وسَبْعُونَ مِنها في النّارِ، وتَفَرَّقَتْ أُمَّةُ عِيسى عَلى اثْنَتَيْنِ وسَبْعِينَ مِلَّةً، واحِدَةٌ مِنها في الجَنَّةِ وإحْدى وسَبْعُونَ مِنها في النّارِ، تَعْلُو أُمَّتِي عَلى الفَرِيقَيْنِ جَمِيعًا مِلَّةٌ واحِدَةٌ في الجَنَّةِ وثِنْتانِ وسَبْعُونَ مِنها في النّارِ، قالُوا: مَن هم يا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قالَ: الجَماعاتُ الجَماعاتُ» قالَ يَعْقُوبُ بْنُ زَيْدٍ: كانَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ إذا حَدَّثَ بِهَذا الحَدِيثِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ تَلا فِيهِ قُرْآنًا، قالَ: ﴿ولَوْ أنَّ أهْلَ الكِتابِ آمَنُوا واتَّقَوْا لَكَفَّرْنا عَنْهم سَيِّئاتِهِمْ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿مِنهم أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وكَثِيرٌ مِنهم ساءَ ما يَعْمَلُونَ﴾ (p-٣٨٤)وتَلا أيْضًا: ﴿ومِمَّنْ خَلَقْنا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالحَقِّ وبِهِ يَعْدِلُونَ﴾ يَعْنِي أُمَّةَ مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ. قالَ ابْنُ كَثِيرٍ في تَفْسِيرِهِ بَعْدَ ذِكْرِهِ لِهَذا الحَدِيثِ ما لَفْظُهُ: وحَدِيثُ افْتِراقِ الأُمَمِ إلى بِضْعٍ وسَبْعِينَ مَرْوِيٌّ مِن طُرُقٍ عَدِيدَةٍ قَدْ ذَكَرْناها في مَوْضِعٍ آخَرَ انْتَهى.
قُلْتُ: أمّا زِيادَةُ كَوْنِها في النّارِ إلّا واحِدَةً، فَقَدْ ضَعَّفَها جَماعَةٌ مِنَ المُحَدِّثِينَ، بَلْ قالَ ابْنُ حَزْمٍ: إنَّها مَوْضُوعَةٌ.
5:67Page 119
۞ يَٰٓأَيُّهَا ٱلرَّسُولُ بَلِّغۡ مَآ أُنزِلَ إِلَيۡكَ مِن رَّبِّكَۖ وَإِن لَّمۡ تَفۡعَلۡ فَمَا بَلَّغۡتَ رِسَالَتَهُۥۚ وَٱللَّهُ يَعۡصِمُكَ مِنَ ٱلنَّاسِۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلۡكَٰفِرِينَ ٦٧
O Messenger, announce that which has been revealed to you from your Lord, and if you do not, then you have not conveyed His message. And Allāh will protect you from the people. Indeed, Allāh does not guide the disbelieving people.
العُمُومُ الكائِنُ في ( ما أُنْزِلَ ) يُفِيدُ أنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ أنْ يُبَلِّغَ جَمِيعَ ما أنْزَلَ اللَّهُ إلَيْهِ لا يَكْتُمُ مِنهُ شَيْئًا، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ لَمْ يُسِرَّ إلى أحَدٍ مِمّا يَتَعَلَّقُ بِما أنْزَلَهُ اللَّهُ إلَيْهِ شَيْئًا، ولِهَذا ثَبَتَ في الصَّحِيحَيْنِ، عَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها أنَّها قالَتْ: «مَن زَعَمَ أنَّ مُحَمَّدًا صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ كَتَمَ شَيْئًا مِنَ الوَحْيِ فَقَدْ كَذَبَ» . وفي صَحِيحِ البُخارِيِّ مِن حَدِيثِ أبِي جُحَيْفَةَ وهْبِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ السِّوائِيِّ قالَ: قُلْتُ لِعَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: هَلْ عِنْدَكم شَيْءٌ مِنَ الوَحْيِ مِمّا لَيْسَ في القُرْآنِ ؟ فَقالَ: لا والَّذِي فَلَقَ الحَبَّةَ وبَرَأ النَّسَمَةَ، إلّا فَهْمًا يُعْطِيهِ اللَّهُ رَجُلًا في القُرْآنِ وما في هَذِهِ الصَّحِيفَةِ، قُلْتُ: وما في هَذِهِ الصَّحِيفَةِ ؟ قالَ: العَقْلُ، وفِكاكُ الأسِيرِ، وأنْ لا يُقْتَلَ مُسْلِمٌ بِكافِرٍ.
( ﴿وإنْ لَمْ تَفْعَلْ﴾ ) ما أُمِرْتَ بِهِ مِن تَبْلِيغِ الجَمِيعِ بَلْ كَتَمْتَ ولَوْ بَعْضًا مِن ذَلِكَ ( ﴿فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ﴾ ) .
قَرَأ أبُو عَمْرٍو وأهْلُ الكُوفَةِ إلّا شُعْبَةَ ( رِسالَتَهُ ) عَلى التَّوْحِيدِ، وقَرَأ أهْلُ المَدِينَةِ وأهْلُ الشّامِ ( رِسالاتِهِ ) عَلى الجَمْعِ، قالَ النَّحّاسُ: والجَمْعُ أبْيَنُ؛ لِأنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ كانَ يَنْزِلُ عَلَيْهِ الوَحْيُ شَيْئًا فَشَيْئًا، ثُمَّ يُبَيِّنُهُ انْتَهى. وفِيهِ نَظَرٌ، فَإنَّ نَفْيَ التَّبْلِيغِ عَنِ الرِّسالَةِ الواحِدَةِ أبْلَغُ مِن نَفْيِهِ عَنِ الرِّسالاتِ، كَما ذَكَرَهُ عُلَماءُ البَيانِ عَلى خِلافٍ في ذَلِكَ، وقَدْ بَلَّغَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ لِأُمَّتِهِ ما نَزَلَ إلَيْهِمْ، وقالَ لَهم في غَيْرِ مَوْطِنٍ: هَلْ بَلَّغْتُ ؟ فَيَشْهَدُونَ لَهُ بِالبَيانِ، فَجَزاهُ اللَّهُ عَنْ أُمَّتِهِ خَيْرًا، ثُمَّ إنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ وعَدَهُ بِالعِصْمَةِ مِنَ النّاسِ دَفْعًا لِما يُظَنُّ أنَّهُ حامِلٌ عَلى كَتْمِ البَيانِ، وهو خَوْفُ لِحُوقِ الضَّرَرِ مِنَ النّاسِ، وقَدْ كانَ ذَلِكَ بِحَمْدِ اللَّهِ فَإنَّهُ بَيَّنَ لِعِبادِ اللَّهِ ما نَزَلَ إلَيْهِمْ عَلى وجْهِ التَّمامِ، ثُمَّ حَمَلَ مَن أبى مِنَ الدُّخُولِ في الدِّينِ عَلى الدُّخُولِ فِيهِ طَوْعًا أوْ كُرْهًا وقَتَلَ صَنادِيدَ الشِّرْكِ وفَرَّقَ جُمُوعَهم وبَدَّدَ شَمْلَهم، وكانَتْ كَلِمَةُ اللَّهِ هي العُلْيا، فَأسْلَمَ كُلُّ مَن نازَعَهُ مِمَّنْ لَمْ يَسْبِقْ فِيهِ السَّيْفُ العَذَلَ حَتّى قالَ يَوْمَ الفَتْحِ لِصَنادِيدِ قُرَيْشٍ وأكابِرِهِمْ: «ما تَظُنُّونَ أنِّي فاعِلٌ بِكم ؟ فَقالُوا: أخٌ كَرِيمٌ وابْنُ أخٍ كَرِيمٍ فَقالَ: اذْهَبُوا فَأنْتُمُ الطُّلَقاءُ،» وهَكَذا مَن سَبَقَتْ لَهُ العِنايَةُ مِن عُلَماءِ هَذِهِ الأُمَّةِ يَعْصِمُهُ اللَّهُ مِنَ النّاسِ، إنْ قامَ بِبَيانِ حُجَجِ اللَّهِ وإيضاحِ بَراهِينِهِ، وصَرَخَ بَيْنَ ظَهَرانَيْ مَن ضادَّ اللَّهَ وعانَدَهُ ولَمْ يَمْتَثِلْ لِشَرْعِهِ كَطَوائِفِ المُبْتَدَعَةِ، وقَدْ رَأيْنا مِن هَذا في أنْفُسِنا وسَمِعْناهُ في غَيْرِنا ما يَزِيدُ المُؤْمِنَ إيمانًا وصَلابَةً في دِينِ اللَّهِ وشِدَّةَ شَكِيمَةٍ في القِيامِ بِحُجَّةِ اللَّهِ، وكُلُّ ما يَظُنُّهُ مُتَزَلْزِلُو الأقْدامِ ومُضْطَرِبُو القُلُوبِ مِن نُزُولِ الضَّرَرِ بِهِمْ وحُصُولِ المِحَنِ عَلَيْهِمْ فَهو خَيالاتٌ مُخْتَلَّةٌ وتَوَهُّماتٌ باطِلَةٌ، فَإنَّ كُلَّ مِحْنَةٍ في الظّاهِرِ هي مِحْنَةٌ في الحَقِيقَةِ؛ لِأنَّها لا تَأْتِي إلّا بِخَيْرٍ في الأُولى والأُخْرى: ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَذِكْرى لِمَن كانَ لَهُ قَلْبٌ أوْ ألْقى السَّمْعَ وهو شَهِيدٌ﴾ [ق: ٣٧] .
قَوْلُهُ: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي القَوْمَ الكافِرِينَ﴾ جُمْلَةٌ مُتَضَمِّنَةٌ لِتَعْلِيلِ ما سَبَقَ مِنَ العِصْمَةِ؛ أيْ: إنَّ اللَّهَ لا يَجْعَلُ لَهم سَبِيلًا إلى الإضْرارِ بِكَ، فَلا تَخَفْ وبَلِّغْ ما أُمِرْتَ بِتَبْلِيغِهِ.
وقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: لَمّا نَزَلَتْ ( ﴿بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ﴾ ) قالَ: يا رَبِّ إنَّما أنا واحِدٌ كَيْفَ أصْنَعُ ؟ يَجْتَمِعُ عَلَيَّ النّاسُ، فَنَزَلَتْ ( ﴿وإنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ﴾ ) . وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنِ الحَسَنِ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ قالَ: «إنَّ اللَّهَ بَعَثَنِي بِرِسالَتِهِ فَضِقْتُ بِها ذَرْعًا وعَرَفْتُ أنَّ النّاسَ مُكَذِّبِيَّ، فَوَعَدَنِي لَأُبَلِّغَنَّ أوْ لَيُعَذِّبَنِّي، فَأُنْزِلَتْ ﴿ياأيُّها الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ﴾» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وإنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ﴾ يَعْنِي إنْ كَتَمْتَ آيَةً مِمّا أُنْزِلَ إلَيْكَ لَمْ تُبَلِّغْ رِسالَتَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وابْنُ عَساكِرَ، عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ قالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ( ﴿ياأيُّها الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إلَيْكَ﴾ ) عَلى رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ يَوْمَ غَدِيرِ خُمٍّ في عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: كُنّا نَقْرَأُ عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ ( يا أيُّها الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ إنَّ عَلِيًّا مَوْلى المُؤْمِنِينَ وإنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ واللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النّاسِ ) وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عَنْتَرَةَ قالَ: كُنْتُ عِنْدَ ابْنِ عَبّاسٍ فَجاءَهُ رَجُلٌ فَقالَ: إنَّ ناسًا يَأْتُونَنا فَيُخْبِرُونَنا أنَّ عِنْدَكم شَيْئًا لَمْ يُبْدِهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ لِلنّاسِ، فَقالَ: ألَمْ تَعْلَمْ أنَّ اللَّهَ قالَ: ( ﴿ياأيُّها الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ﴾ ) واللَّهِ ما ورَّثَنا رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ سَوْداءَ في بَيْضاءَ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ والضِّياءُ في المُخْتارَةِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ سُئِلَ: أيُّ آيَةٍ أُنْزِلَتْ مِنَ السَّماءِ أشُدُّ عَلَيْكَ ؟ قالَ: كُنْتُ بِمِنًى أيّامَ مَوْسَمٍ، فاجْتَمَعَ مُشْرِكُو العَرَبِ وأفْناءُ النّاسِ في المَوْسِمِ، فَأُنْزِلَ عَلَيَّ جِبْرِيلُ فَقالَ: ﴿ياأيُّها الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إلَيْكَ﴾ الآيَةَ، قالَ: فَقُمْتُ عِنْدَ العَقَبَةِ فَنادَيْتُ يا أيُّها النّاسُ مَن يَنْصُرُنِي عَلى أنْ أُبَلِّغَ رِسالَةَ رَبِّي ولَهُ الجَنَّةُ، أيُّها النّاسُ قُولُوا لا إلَهَ إلّا اللَّهُ وأنا رَسُولُ اللَّهِ إلَيْكم، تَفْلَحُوا وتَنْجَحُوا ولَكُمُ الجَنَّةُ، قالَ: فَما بَقِيَ رَجُلٌ ولا امْرَأةٌ ولا صَبِيٌّ إلّا يَرْمُونَ بِالتُّرابِ والحِجارَةِ ويَبْزُقُونَ في وجْهِي ويَقُولُونَ: كَذّابٌ صابِئٌ، فَعَرَضَ عَلَيَّ عارِضٌ فَقالَ: يا مُحَمَّدُ إنْ كُنْتَ رَسُولَ اللَّهِ فَقَدْ آنَ لَكَ أنْ تَدْعُوَ عَلَيْهِمْ كَما دَعا نُوحٌ عَلى قَوْمِهِ بِالهَلاكِ، فَقالَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: اللَّهُمَّ اهْدِ قَوْمِي فَإنَّهم لا يَعْلَمُونَ، فَجاءَ العَبّاسُ عَمُّهُ فَأنْقَذَهُ مِنهم وطَرَدَهم عَنْهُ» . قالَ الأعْمَشُ: فَبِذَلِكَ يَفْتَخِرُ بَنُو العَبّاسِ ويَقُولُونَ: فِيهِمْ نَزَلَتْ ( ﴿إنَّكَ لا تَهْدِي مَن أحْبَبْتَ ولَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشاءُ﴾ ) [القصص: ٥٦] هَوى النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ أبا طالِبٍ، وشاءَ اللَّهُ عَبّاسَ بْنَ عَبْدِ المُطَّلِبِ.
(p-٣٨٥)وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ والتِّرْمِذِيُّ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ والحاكِمُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ وأبُو نُعَيْمٍ والبَيْهَقِيُّ كِلاهُما في الدَّلائِلِ عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ يُحْرَسُ حَتّى نَزَلَتْ ﴿واللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النّاسِ﴾ فَأخْرَجَ رَأْسَهُ مِنَ القُبَّةِ فَقالَ: أيُّها النّاسُ انْصَرِفُوا فَقَدْ عَصَمَنِي اللَّهُ». قالَ الحاكِمُ في المُسْتَدْرَكِ: صَحِيحُ الإسْنادِ ولَمْ يُخَرِّجاهُ. وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن حَدِيثِ أبِي سَعِيدٍ. وقَدْ رُوِيَ في هَذا المَعْنى أحادِيثُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: «لَمّا غَزا رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ بَنِي أنْمارٍ نَزَلَ ذاتَ الرَّقِيعِ بِأعْلى نَخْلٍ، فَبَيْنَما هو جالِسٌ عَلى رَأْسِ بِئْرٍ قَدْ دَلّى رِجْلَيْهِ، فَقالَ الوارِثُ مِن بَنِي النَّجّارِ: لَأقْتُلَنَّ مُحَمَّدًا، فَقالَ لَهُ أصْحابُهُ: كَيْفَ تَقْتُلُهُ ؟ قالَ: أقُولُ لَهُ: أعْطِنِي سَيْفَكَ فَإذا أعْطانِيهِ قَتَلْتُهُ بِهِ، فَأتاهُ فَقالَ: يا مُحَمَّدُ أعْطِنِي سَيْفَكَ أشُمُّهُ، فَأعْطاهُ إيّاهُ، فَرَعَدَتْ يَدُهُ حَتّى سَقَطَ مِن يَدِهِ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: حالَ اللَّهُ بَيْنَكَ وبَيْنَ ما تُرِيدُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ سُبْحانَهُ: ﴿ياأيُّها الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إلَيْكَ﴾ الآيَةَ» . قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وهَذا حَدِيثٌ غَرِيبٌ مِن هَذا الوَجْهِ. وأخْرَجَ ابْنُ حِبّانَ في صَحِيحِهِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ نَحْوَ هَذِهِ القِصَّةِ ولَمْ يُسَمِّ الرَّجُلَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ مِن حَدِيثِ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ القُرَظِيِّ نَحْوَهُ، وفي البابِ رِواياتٌ. وقِصَّةُ غَوْرَثِ بْنِ الحارِثِ ثابِتَةٌ في الصَّحِيحِ، وهي مَعْرُوفَةٌ ومَشْهُورَةٌ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences