Ash-Shawkani · Tafsir · in Arabic
Al-Ma'idah 5:6–11
5:6Page 108
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِذَا قُمۡتُمۡ إِلَى ٱلصَّلَوٰةِ فَٱغۡسِلُواْ وُجُوهَكُمۡ وَأَيۡدِيَكُمۡ إِلَى ٱلۡمَرَافِقِ وَٱمۡسَحُواْ بِرُءُوسِكُمۡ وَأَرۡجُلَكُمۡ إِلَى ٱلۡكَعۡبَيۡنِۚ وَإِن كُنتُمۡ جُنُبٗا فَٱطَّهَّرُواْۚ وَإِن كُنتُم مَّرۡضَىٰٓ أَوۡ عَلَىٰ سَفَرٍ أَوۡ جَآءَ أَحَدٞ مِّنكُم مِّنَ ٱلۡغَآئِطِ أَوۡ لَٰمَسۡتُمُ ٱلنِّسَآءَ فَلَمۡ تَجِدُواْ مَآءٗ فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدٗا طَيِّبٗا فَٱمۡسَحُواْ بِوُجُوهِكُمۡ وَأَيۡدِيكُم مِّنۡهُۚ مَا يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيَجۡعَلَ عَلَيۡكُم مِّنۡ حَرَجٖ وَلَٰكِن يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمۡ وَلِيُتِمَّ نِعۡمَتَهُۥ عَلَيۡكُمۡ لَعَلَّكُمۡ تَشۡكُرُونَ ٦
O you who have believed, when you rise to [perform] prayer, wash your faces and your forearms to the elbows and wipe over your heads and wash your feet to the ankles. And if you are in a state of janābah,1 then purify yourselves. But if you are ill or on a journey or one of you comes from the place of relieving himself or you have contacted women2 and do not find water, then seek clean earth and wipe over your faces and hands with it. Allāh does not intend to make difficulty for you, but He intends to purify you and complete His favor upon you that you may be grateful.
قَوْلُهُ: ( إذا قُمْتُمْ ) إذا أرَدْتُمُ القِيامَ تَعْبِيرًا بِالمُسَبَّبِ عَنِ السَّبَبِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿فَإذا قَرَأْتَ القُرْآنَ فاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ [النحل: ٩٨] وقَدِ اخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ في هَذا الأمْرِ عِنْدَ إرادَةِ القِيامِ إلى الصَّلاةِ، فَقالَتْ طائِفَةٌ: هو عامٌّ في كُلِّ قِيامٍ إلَيْها، سَواءٌ كانَ القائِمُ مُتَطَهِّرًا أوْ مُحْدِثًا، فَإنَّهُ يَنْبَغِي لَهُ إذا قامَ إلى الصَّلاةِ أنْ يَتَوَضَّأ، وهو مَرْوِيٌّ عَنْ عَلِيٍّ وعِكْرِمَةَ، وقالَ ابْنُ سِيرِينَ: كانَ الخُلَفاءُ يَتَوَضَّئُونَ لِكُلِّ صَلاةٍ، وقالَتْ طائِفَةٌ أُخْرى: إنَّ هَذا الأمْرَ خاصٌّ بِالنَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ وهو ضَعِيفٌ، فَإنَّ الخِطابَ لِلْمُؤْمِنِينَ والأمْرَ لَهم، وقالَتْ طائِفَةٌ: الأمْرُ لِلنَّدْبِ طَلَبًا لِلْفَضْلِ، وقالَ آخَرُونَ: إنَّ الوُضُوءَ لِكُلِّ صَلاةٍ كانَ فَرْضًا عَلَيْهِمْ بِهَذِهِ الآيَةِ، ثُمَّ نُسِخَ في فَتْحِ مَكَّةَ، وقالَ جَماعَةٌ: هَذا الأمْرُ خاصٌّ بِمَن كانَ مُحْدِثًا، وقالَ آخَرُونَ: المُرادُ إذا قُمْتُمْ مِنَ النَّوْمِ إلى الصَّلاةِ، فَيَعُمُّ الخِطابُ كُلَّ قائِمٍ مِن نَوْمٍ، وقَدْ أخْرَجَ مُسْلِمٌ وأحْمَدُ وأهْلُ السُّنَنِ عَنْ بُرَيْدَةَ قالَ: «كانَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ يَتَوَضَّأُ عِنْدَ كُلِّ صَلاةٍ، فَلَمّا كانَ يَوْمُ الفَتْحِ تَوَضَّأ ومَسَحَ عَلى خُفَّيْهِ وصَلّى الصَّلَواتَ بِوُضُوءٍ واحِدٍ، فَقالَ لَهُ عُمَرُ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنَّكَ فَعَلْتَ شَيْئًا لَمْ تَكُنْ تَفْعَلُهُ، فَقالَ: عَمْدًا فَعَلْتُهُ يا عُمَرُ»، وهو مَرْوِيٌّ مِن طُرُقٍ كَثِيرَةٍ بِألْفاظٍ مُتَّفِقَةٍ في المَعْنى. وأخْرَجَ البُخارِيُّ وأحْمَدُ وأهْلُ السُّنَنِ عَنْ عَمْرِو بْنِ عامِرٍ الأنْصارِيِّ سَمِعْتُ أنَسَ بْنَ مالِكٍ يَقُولُ: «كانَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ يَتَوَضَّأُ عِنْدَ كُلِّ صَلاةٍ، قالَ: قُلْتُ: فَأنْتُمْ كَيْفَ كُنْتُمْ تَصْنَعُونَ ؟ قالَ: كُنّا نُصَلِّي الصَّلَواتِ بِوُضُوءٍ واحِدٍ ما لَمْ نُحْدِثْ»، فَتَقَرَّرَ بِما ذُكِرَ أنَّ الوُضُوءَ لا يَجِبُ إلّا عَلى المُحْدِثِ، وبِهِ قالَ جُمْهُورُ أهْلِ العِلْمِ وهو الحَقُّ.
قَوْلُهُ: ﴿فاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ الوَجْهُ في اللُّغَةِ مَأْخُوذٌ مِنَ المُواجَهَةِ، وهو عُضْوٌ مُشْتَمِلٌ عَلى أعْضاءٍ، ولَهُ طُولٌ وعَرْضٌ، فَحَدُّهُ في الطُّولِ مِن مُبْتَدَأِ سَطْحِ الجَبْهَةِ إلى مُنْتَهى اللِّحْيَيْنِ، وفي العَرْضِ مِنَ الأُذُنِ إلى الأُذُنِ، وقَدْ ورَدَ الدَّلِيلُ بِتَخْلِيلِ اللِّحْيَةِ، واخْتَلَفَ العُلَماءُ في غَسْلِ ما اسْتَرْسَلَ، والكَلامُ في ذَلِكَ مَبْسُوطٌ في مَواطِنِهِ، وقَدِ اخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ أيْضًا: هَلْ يُعْتَبَرُ في الغَسْلِ الدَّلْكُ بِاليَدِ أمْ يَكْفِي إمْرارُ الماءِ، والخِلافُ في ذَلِكَ مَعْرُوفٌ، والمَرْجِعُ اللُّغَةُ العَرَبِيَّةُ فَإنْ ثَبَتَ فِيها أنَّ الدَّلْكَ داخِلٌ في مُسَمّى الغَسْلِ كانَ مُعْتَبَرًا وإلّا فَلا، قالَ في شَمْسِ العُلُومِ: غَسَلَ الشَّيْءَ غَسْلًا إذا أجْرى عَلَيْهِ الماءَ ودَلَّكَهُ انْتَهى، وأمّا المَضْمَضَةُ والِاسْتِنْشاقُ، فَإذا لَمْ يَكُنْ لَفْظُ الوَجْهِ يَشْمَلُ باطِنَ الفَمِ والأنْفِ فَقَدْ ثَبَتَ غَسْلُها بِالسُّنَّةِ الصَّحِيحَةِ، والخِلافُ في الوُجُوبِ وعَدَمِهِ مَعْرُوفٌ، وقَدْ أوْضَحْنا ما هو الحَقُّ في مُؤَلَّفاتِنا.
قَوْلُهُ: ﴿وأيْدِيَكم إلى المَرافِقِ﴾ ( إلى ) لِلْغايَةِ، وأمّا كَوْنُ ما بَعْدَها يَدْخُلُ فِيما قَبْلَها فَمَحَلُّ خِلافٍ، وقَدْ ذَهَبَ سِيبَوَيْهِ وجَماعَةٌ إلى أنَّ ما بَعْدَها إنْ كانَ مِن نَوْعِ ما قَبْلَها دَخَلَ وإلّا فَلا، وقِيلَ: إنَّها هُنا بِمَعْنى مَعَ، وذَهَبَ قَوْمٌ إلى أنَّها تُفِيدُ الغايَةَ مُطْلَقًا، وأمّا الدُّخُولُ وعَدَمُهُ فَأمْرٌ يَدُورُ مَعَ الدَّلِيلِ، وقَدْ ذَهَبَ الجُمْهُورُ إلى أنَّ المَرافِقَ تُغْسَلُ، واسْتَدَلُّوا بِما (p-٣٥٨)أخْرَجَهُ الدّارَقُطْنِيُّ والبَيْهَقِيُّ مِن طَرِيقِ القاسِمِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَقِيلٍ، عَنْ جَدِّهِ، عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ إذا تَوَضَّأ أدارَ الماءَ عَلى مِرْفَقَيْهِ»، ولَكِنَّ القاسِمَ هَذا مَتْرُوكٌ وجَدُّهُ ضَعِيفٌ.
قَوْلُهُ: ( وامْسَحُوا بِرُءُوسِكم ) قِيلَ: الباءُ زائِدَةٌ، والمَعْنى: امْسَحُوا رُؤُوسَكم، وذَلِكَ يَقْتَضِي تَعْمِيمَ المَسْحِ لِجَمِيعِ الرَّأْسِ وقِيلَ: هي لِلتَّبْعِيضِ، وذَلِكَ يَقْتَضِي أنَّهُ يُجْزِئُ مَسْحُ بَعْضِهِ، واسْتَدَلَّ القائِلُونَ بِالتَّعْمِيمِ بِقَوْلِهِ تَعالى في التَّيَمُّمِ: ﴿فامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ﴾ ولا يُجْزِئُ مَسْحُ بَعْضِ الوَجْهِ اتِّفاقًا، وقِيلَ: إنَّها لَلْإلْصاقِ؛ أيْ: ألْصِقُوا أيْدِيَكم بِرُءُوسِكم، وعَلى كُلِّ حالٍ فَقَدْ ورَدَ في السُّنَّةِ المُطَهَّرَةِ ما يُفِيدُ أنَّهُ يَكْفِي مَسْحُ بَعْضِ الرَّأْسِ كَما أوْضَحْناهُ في مُؤَلِّفاتِنا، فَكانَ هَذا دَلِيلًا عَلى المَطْلُوبِ غَيْرَ مُحْتَمَلٍ كاحْتِمالِ الآيَةِ عَلى فَرْضِ أنَّها مُحْتَمَلَةٌ، ولا شَكَّ أنَّ مَن أمَرَ غَيْرَهُ بِأنْ يَمْسَحَ رَأْسَهُ كانَ مُمْتَثِلًا بِفِعْلِ ما يَصْدُقُ عَلَيْهِ مُسَمّى المَسْحِ، ولَيْسَ في لُغَةِ العَرَبِ ما يَقْتَضِي أنَّهُ لا بُدَّ في مِثْلِ هَذا الفِعْلِ مِن مَسْحِ جَمِيعِ الرَّأْسِ، وهَكَذا سائِرُ الأفْعالِ المُتَعَدِّيَةِ نَحْوَ اضْرِبْ زَيْدًا أوِ اطْعَنْهُ أوِ ارْجُمْهُ، فَإنَّهُ يُوجَدُ المَعْنى العَرَبِيُّ بِوُقُوعِ الضَّرْبِ أوِ الطَّعْنِ أوِ الرَّجْمِ عَلى عُضْوٍ مِن أعْضائِهِ ولا يَقُولُ قائِلٌ مِن أهْلِ اللُّغَةِ أوْ مَن هو عالِمٌ بِها إنَّهُ لا يَكُونُ ضارِبًا إلّا بِإيقاعِ الضَّرْبِ عَلى كُلِّ جُزْءٍ مِن أجْزاءِ زَيْدٍ، وكَذَلِكَ الطَّعْنُ والرَّجْمُ وسائِرُ الأفْعالِ، فاعْرِفْ هَذا حَتّى يَتَبَيَّنَ لَكَ ما هو الصَّوابُ مِنَ الأقْوالِ في مَسْحِ الرَّأْسِ، فَإنْ قُلْتَ: يَلْزَمُ مِثْلُ هَذا في غَسْلِ الوَجْهِ واليَدَيْنِ والرِّجْلَيْنِ، قُلْتُ: مُلْتَزِمٌ لَوْلا البَيانُ مِنَ السُّنَّةِ في الوَجْهِ والتَّحْدِيدِ بِالغايَةِ في اليَدَيْنِ والرِّجْلَيْنِ بِخِلافِ الرَّأْسِ، فَإنَّهُ ورَدَ في السُّنَّةِ مَسْحُ الكُلِّ ومَسْحُ البَعْضِ.
قَوْلُهُ: ﴿وأرْجُلَكم إلى الكَعْبَيْنِ﴾ قَرَأ نافِعٌ بِنَصْبِ الأرْجُلِ، وهي قِراءَةُ الحَسَنِ البَصْرِيِّ والأعْمَشِ وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو وحَمْزَةُ بِالجَرِّ، وقِراءَةُ النَّصْبِ تَدُلُّ عَلى أنَّهُ يَجِبُ غَسْلُ الرِّجْلَيْنِ؛ لِأنَّها مَعْطُوفَةٌ عَلى الوَجْهِ، وإلى هُنا ذَهَبَ جُمْهُورُ العُلَماءِ، وقِراءَةُ الجَرِّ تَدُلُّ عَلى أنَّهُ يَجُوزُ الِاقْتِصارُ عَلى مَسْحِ الرِّجْلَيْنِ؛ لِأنَّها مَعْطُوفَةٌ عَلى الرَّأْسِ، وإلَيْهِ ذَهَبَ ابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ وهو مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ ابْنُ العَرَبِيِّ: اتَّفَقَتِ الأُمَّةُ عَلى وُجُوبِ غَسْلِهِما وما عَلِمْتُ مَن رَدَّ ذَلِكَ إلّا الطَّبَرِيَّ مِن فُقَهاءِ المُسْلِمِينَ والرّافِضَةِ مِن غَيْرِهِمْ، وتَعَلَّقَ الطَّبَرِيُّ بِقِراءَةِ الجَرِّ، قالَ القُرْطُبِيُّ: قَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: الوُضُوءُ غَسْلَتانِ ومَسْحَتانِ، قالَ: وكانَ عِكْرِمَةُ يَمْسَحُ رِجْلَيْهِ، وقالَ: لَيْسَ في الرِّجْلَيْنِ غَسْلٌ، إنَّما نَزَلَ فِيهِما المَسْحُ، وقالَ عامِرٌ الشَّعْبِيُّ: نَزَلَ جِبْرِيلُ بِالمَسْحِ، قالَ: وقالَ قَتادَةُ: افْتَرَضَ اللَّهُ مَسْحَتَيْنِ وغَسْلَتَيْنِ، قالَ: وذَهَبَ ابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ إلى أنَّ فَرْضَهُما التَّخْيِيرُ بَيْنَ الغَسْلِ والمَسْحِ وجَعَلَ القِراءَتَيْنِ كالرِّوايَتَيْنِ، وقَوّاهُ النَّحّاسُ، ولَكِنَّهُ قَدْ ثَبَتَ في السُّنَّةِ المُطَهَّرَةِ بِالأحادِيثِ الصَّحِيحَةِ مِن فِعْلِهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ وقَوْلِهِ غَسْلُ الرِّجْلَيْنِ فَقَطْ، وثَبَتَ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: «ويْلٌ لِلْأعْقابِ مِنَ النّارِ» وهو في الصَّحِيحَيْنِ وغَيْرِهِما فَأفادَ وُجُوبَ غَسْلِ الرِّجْلَيْنِ، وأنَّهُ لا يُجْزِئُ مَسْحُهُما؛ لِأنَّ شَأْنَ المَسْحِ أنْ يُصِيبَ ما أصابَ ويُخْطِئَ ما أخْطَأ، فَلَوْ كانَ مُجْزِئًا لَما قالَ: «ويْلٌ لِلْأعْقابِ مِنَ النّارِ» .
وقَدْ ثَبَتَ عَنْهُ أنَّهُ «قالَ بَعْدَ أنْ تَوَضَّأ وغَسَلَ رِجْلَيْهِ: هَذا وُضُوءٌ لا يَقْبَلُ اللَّهُ الصَّلاةَ إلّا بِهِ» وقَدْ ثَبَتَ في صَحِيحِ مُسْلِمٍ وغَيْرِهِ «أنَّ رَجُلًا تَوَضَّأ فَتَرَكَ عَلى قَدَمِهِ مِثْلَ مَوْضِعِ الظُّفُرِ، فَقالَ لَهُ: ارْجِعْ فَأحْسِنْ وُضُوءَكَ» .
وأمّا المَسْحُ عَلى الخُفَّيْنِ فَهو ثابِتٌ بِالأحادِيثِ المُتَواتِرَةِ، وقَوْلُهُ: ( إلى الكَعْبَيْنِ ) الكَلامُ فِيهِ كالكَلامِ في قَوْلِهِ: ( إلى المَرافِقِ ) وقَدْ قِيلَ في وجْهِ جَمْعِ المَرافِقِ وتَثْنِيَةِ الكِعابِ: إنَّهُ لَمّا كانَ في كُلِّ رَجُلٍ كَعْبانِ ولَمْ يَكُنْ في كُلِّ يَدٍ إلّا مِرْفَقٌ واحِدٌ ثُنِّيَتِ الكِعابُ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ لِكُلِّ رِجْلٍ كَعْبَيْنِ، بِخِلافِ المَرافِقِ فَإنَّها جُمِعَتْ؛ لِأنَّهُ لَمّا كانَ في كُلِّ يَدٍ مِرْفَقٌ واحِدٌ لَمْ يُتَوَهَّمْ وُجُودُ غَيْرِهِ، ذَكَرَ مَعْنى هَذا ابْنُ عَطِيَّةَ.
وقالَ الكَواشِيُّ: ثَنّى الكَعْبَيْنِ وجَمَعَ المَرافِقِ لِنَفْيِ تَوَهُّمِ أنَّ في كُلِّ واحِدَةٍ مِنَ الرِّجْلَيْنِ كَعْبَيْنِ، وإنَّما في كُلِّ واحِدَةٍ كَعْبٌ واحِدٌ لَهُ طَرَفانِ مِن جانِبَيِ الرِّجْلِ، بِخِلافِ المِرْفَقِ فَهي أبْعَدُ عَنِ الوَهْمِ انْتَهى. وبَقِيَ مِن فَرائِضِ الوُضُوءِ النِّيَّةُ والتَّسْمِيَةُ ولَمْ يُذْكَرا في هَذِهِ الآيَةِ، بَلْ ورَدَتْ بِهِما السُّنَّةُ، وقِيلَ: إنَّ في هَذِهِ الآيَةِ ما يَدُلُّ عَلى النِّيَّةِ، لِأنَّهُ لَمّا قالَ: ﴿إذا قُمْتُمْ إلى الصَّلاةِ فاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ كانَ تَقْدِيرُ الكَلامِ: فاغْسِلُوا وُجُوهَكم لَها، وذَلِكَ هو النِّيَّةُ المُعْتَبَرَةُ.
قَوْلُهُ: ﴿وإنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فاطَّهَّرُوا﴾ أيْ: فاغْتَسِلُوا بِالماءِ، وقَدْ ذَهَبَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ وابْنُ مَسْعُودٍ إلى أنَّ الجُنَبَ لا يَتَيَمَّمُ ألْبَتَّةَ بَلْ يَدَعُ الصَّلاةَ حَتّى يَجِدَ الماءَ اسْتِدْلالًا بِهَذِهِ الآيَةِ، وذَهَبَ الجُمْهُورُ إلى وُجُوبِ التَّيَمُّمِ لِلْجَنابَةِ مَعَ عَدَمِ الماءِ، وهَذِهِ الآيَةُ هي لِلْواجِدِ، عَلى أنَّ التَّطَهُّرَ هو أعَمُّ مِنَ الحاصِلِ بِالماءِ أوْ بِما هو عِوَضٌ عَنْهُ مَعَ عَدَمِهِ، وهو التُّرابُ، وقَدْ صَحَّ عَنْ عُمَرَ وابْنِ مَسْعُودٍ الرُّجُوعُ إلى ما قالَهُ الجُمْهُورُ لِلْأحادِيثِ الصَّحِيحَةِ الوارِدَةِ في تَيَمُّمِ الجُنُبِ مَعَ عَدَمِ الماءِ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ الجُنُبِ في النِّساءِ.
قَوْلُهُ: ﴿وإنْ كُنْتُمْ مَرْضى أوْ عَلى سَفَرٍ أوْ جاءَ أحَدٌ مِنكم مِنَ الغائِطِ﴾ [النساء: ٤٣] قَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذا في سُورَةِ النِّساءِ مُسْتَوْفًى، وكَذَلِكَ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى مُلامَسَةِ النِّساءِ وعَلى التَّيَمُّمِ وعَلى الصَّعِيدِ، ومِن في قَوْلِهِ: ( مِنهُ ) لِابْتِداءِ الغايَةِ، وقِيلَ: لِلتَّبْعِيضِ، قِيلَ: ووَجْهُ تَكْرِيرِ هَذا هُنا لِاسْتِيفاءِ الكَلامِ في أنْواعِ الطَّهارَةِ ﴿ما يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكم مِن حَرَجٍ﴾ أيْ: ما يُرِيدُ بِأمْرِكم بِالطَّهارَةِ بِالماءِ أوْ بِالتُّرابِ التَّضْيِيقَ عَلَيْكم في الدِّينِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما جَعَلَ عَلَيْكم في الدِّينِ مِن حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨] ثُمَّ قالَ: ﴿ولَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكم﴾ مِنَ الذُّنُوبِ، وقِيلَ: مِنَ الحَدَثِ الأصْغَرِ والأكْبَرِ ﴿ولِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ﴾ أيْ: بِالتَّرْخِيصِ لَكم في التَّيَمُّمِ عِنْدَ عَدَمِ الماءِ أوْ بِما شَرَعَهُ لَكم مِنَ الشَّرائِعِ الَّتِي عَرَّضَكم بِها لِلثَّوابِ ( لَعَلَّكم تَشْكُرُونَ ) نِعْمَتَهُ عَلَيْكم فَتَسْتَحِقُّونَ بِالشُّكْرِ ثَوابَ الشّاكِرِينَ.
وقَدْ أخْرَجَ مالِكٌ والشّافِعِيُّ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ في قَوْلِهِ: ﴿إذا قُمْتُمْ إلى الصَّلاةِ﴾ (p-٣٥٩)قالَ: قُمْتُمْ مِنَ المَضاجِعِ، يَعْنِي النَّوْمَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ السُّدِّيِّ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ أيْضًا عَنْهُ يَقُولُ: إذا قُمْتُمْ وأنْتُمْ عَلى غَيْرِ طُهْرٍ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، عَنِ الحَسَنِ في قَوْلِهِ: ( فاغْسِلُوا وُجُوهَكم ) قالَ: ذَلِكَ الغَسْلُ الدَّلْكُ. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ أنَسٍ أنَّهُ قِيلَ لَهُ: إنَّ الحَجّاجَ خَطَبَنا فَقالَ: اغْسِلُوا وُجُوهَكم وأيْدِيَكم وامْسَحُوا بِرُءُوسِكم وأرْجُلِكم، وأنَّهُ لَيْسَ شَيْءٌ مِنَ ابْنِ آدَمَ أقْرَبَ إلى الخَبَثِ مِن قَدَمَيْهِ فاغْسِلُوا بُطُونَهُما وظُهُورَهُما وعَراقِيبَهُما، قالَ أنَسٌ: صَدَقَ اللَّهُ وكَذَبَ الحَجّاجُ، قالَ اللَّهُ: ( وامْسَحُوا بِرُءُوسِكم وأرْجُلَكم ) وكانَ أنَسٌ إذا مَسَحَ قَدَمَيْهِ بَلَّهُما.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أبِي لَيْلى قالَ: اجْتَمَعَ أصْحابُ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ عَلى غَسْلِ القَدَمَيْنِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ( مِن حَرَجٍ ) قالَ: مِن ضِيقٍ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ﴾ قالَ: تَمامُ النِّعْمَةِ دُخُولُ الجَنَّةِ، لَمْ يُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلى عَبْدٍ لَمْ يَدْخُلِ الجَنَّةَ.
5:7–11Page 108
وَٱذۡكُرُواْ نِعۡمَةَ ٱللَّهِ عَلَيۡكُمۡ وَمِيثَٰقَهُ ٱلَّذِي وَاثَقَكُم بِهِۦٓ إِذۡ قُلۡتُمۡ سَمِعۡنَا وَأَطَعۡنَاۖ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمُۢ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ ٧
And remember the favor of Allāh upon you and His covenant with which He bound you when you said, "We hear and we obey"; and fear Allāh. Indeed, Allāh is Knowing of that within the breasts.
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ كُونُواْ قَوَّٰمِينَ لِلَّهِ شُهَدَآءَ بِٱلۡقِسۡطِۖ وَلَا يَجۡرِمَنَّكُمۡ شَنَـَٔانُ قَوۡمٍ عَلَىٰٓ أَلَّا تَعۡدِلُواْۚ ٱعۡدِلُواْ هُوَ أَقۡرَبُ لِلتَّقۡوَىٰۖ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَۚ إِنَّ ٱللَّهَ خَبِيرُۢ بِمَا تَعۡمَلُونَ ٨
O you who have believed, be persistently standing firm for Allāh, witnesses in justice, and do not let the hatred of a people prevent you from being just. Be just; that is nearer to righteousness. And fear Allāh; indeed, Allāh is [fully] Aware of what you do.
وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ لَهُم مَّغۡفِرَةٞ وَأَجۡرٌ عَظِيمٞ ٩
Allāh has promised those who believe and do righteous deeds [that] for them there is forgiveness and great reward.
وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِنَآ أُوْلَٰٓئِكَ أَصۡحَٰبُ ٱلۡجَحِيمِ ١٠
But those who disbelieve and deny Our signs - those are the companions of Hellfire.
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱذۡكُرُواْ نِعۡمَتَ ٱللَّهِ عَلَيۡكُمۡ إِذۡ هَمَّ قَوۡمٌ أَن يَبۡسُطُوٓاْ إِلَيۡكُمۡ أَيۡدِيَهُمۡ فَكَفَّ أَيۡدِيَهُمۡ عَنكُمۡۖ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَۚ وَعَلَى ٱللَّهِ فَلۡيَتَوَكَّلِ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ ١١
O you who have believed, remember the favor of Allāh upon you when a people determined to extend their hands [in aggression] against you, but He withheld their hands from you; and fear Allāh. And upon Allāh let the believers rely.
( نِعْمَةَ اللَّهِ ) قِيلَ: هي الإسْلامُ.
والمِيثاقُ: العَهْدُ، قِيلَ: المُرادُ بِهِ هُنا: ما أخَذَهُ عَلى بَنِي آدَمَ كَما قالَ: ﴿وإذْ أخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ﴾ [الأعراف: ١٧٢] الآيَةَ، قالَ مُجاهِدٌ وغَيْرُهُ: نَحْنُ وإنْ لَمْ نَذْكُرْهُ فَقَدْ أخْبَرَنا اللَّهُ بِهِ، وقِيلَ: هو خِطابٌ لِلْيَهُودِ، والعَهْدُ: ما أخَذَهُ عَلَيْهِمْ في التَّوْراةِ، وذَهَبَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ مِنَ السَّلَفِ ومَن بَعْدَهم إلى أنَّهُ العَهْدُ الَّذِي أخَذَهُ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ لَيْلَةَ العَقَبَةِ عَلَيْهِمْ، وهو السَّمْعُ والطّاعَةُ في المَنشَطِ والمَكْرَهِ، وأضافَهُ تَعالى إلى نَفْسِهِ؛ لِأنَّهُ عَنْ أمْرِهِ وإذْنِهِ كَما قالَ: ﴿إنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ﴾ [الفتح: ١٠] وبَيْعَةُ العَقَبَةِ مَذْكُورَةٌ في كُتُبِ السِّيَرِ، وهَذا مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ: ( أوْفُوا بِالعُقُودِ ) [المائدة: ١] .
قَوْلُهُ: ﴿إذْ قُلْتُمْ سَمِعْنا وأطَعْنا﴾ أيْ: وقْتَ قَوْلِكم هَذا القَوْلَ، وهَذا مُتَعَلِّقٌ بِـ ( واثَقَكم )، أوْ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا؛ أيْ: كائِنًا هَذا الوَقْتِ، و( ذاتِ الصُّدُورِ ) ما تُخْفِيهِ الصُّدُورُ لِكَوْنِها مُخْتَصَّةً بِها لا يَعْلَمُها أحَدٌ، ولِهَذا أطْلَقَ عَلَيْها ذاتَ الَّتِي بِمَعْنى الصّاحِبِ، وإذا كانَ سُبْحانَهُ عالِمًا بِها فَكَيْفَ بِما كانَ ظاهِرًا جَلِيًّا.
قَوْلُهُ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوّامِينَ﴾ قَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُها في النِّساءِ، وصِيغَةُ المُبالَغَةِ في ( قَوّامِينَ ) تُفِيدُ أنَّهم مَأْمُورُونَ بِأنْ يَقُومُوا بِها أتَمَّ قِيامٍ ( لِلَّهِ ) أيْ لِأجْلِهِ تَعْظِيمًا لِأمْرِهِ وطَمَعًا في ثَوابِهِ.
والقِسْطُ: العَدْلُ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى قَوْلِهِ: ( يَجْرِمَنَّكم ) مُسْتَوْفًى؛ أيْ: لا يَحْمِلَنَّكم بُغْضُ قَوْمٍ عَلى تَرْكِ العَدْلِ وكَتْمِ الشَّهادَةِ ( اعْدِلُوا هو ) أيِ: العَدْلُ المَدْلُولُ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ: اعْدِلُوا ( أقْرَبُ لِلتَّقْوى ) الَّتِي أُمِرْتُمْ بِها غَيْرَ مَرَّةٍ؛ أيْ: أقْرَبُ لِأنْ تَتَّقُوا اللَّهَ، أوْ لِأنْ تَتَّقُوا النّارَ.
قَوْلُهُ: ﴿لَهم مَغْفِرَةٌ وأجْرٌ عَظِيمٌ﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى أنَّها المَفْعُولُ الثّانِي لِقَوْلِهِ: ( وعَدَ ) عَلى مَعْنى وعَدَهم أنَّ لَهم مَغْفِرَةً، أوْ وعَدَهم مَغْفِرَةً فَوَقَعَتِ الجُمْلَةُ مَوْقِعَ المُفْرَدِ فَأغْنَتْ عَنْهُ، ومِثْلُهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎وجَدْنا الصّالِحِينَ لَهم جَزاءُ وجَنّاتٍ وعَيْنًا سَلْسَبِيلا
قَوْلُهُ: ( أصْحابُ الجَحِيمِ ) أيْ: مُلابِسُوها، قَوْلُهُ: ( إذْ هَمَّ قَوْمٌ ) ظَرْفٌ لِقَوْلِهِ: ( اذْكُرُوا ) أوْ لِلنِّعْمَةِ أوْ لِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِنها: ( أنْ يَبْسُطُوا ) أيْ بِأنْ يَبْسُطُوا، وقَوْلُهُ: ( فَكَفَّ ) مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ: ( هَمَّ ) وسَيَأْتِي بَيانُ سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ، وبِهِ يَتَّضِحُ المَعْنى، وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ والطَّبَرانِيُّ في الكَبِيرِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿إذْ قُلْتُمْ سَمِعْنا وأطَعْنا﴾ يَعْنِي حَيْثُ بَعَثَ اللَّهُ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ وأنْزَلَ عَلَيْهِ الكِتابَ قالُوا: آمَنّا بِالنَّبِيِّ والكِتابِ وأقْرَرْنا بِما في التَّوْراةِ، فَذَكَّرَهُمُ اللَّهُ مِيثاقَهُ الَّذِي أقَرُّوا بِهِ عَلى أنْفُسِهِمْ وأمَرَهم بِالوَفاءِ بِهِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: النِّعَمُ: الآلاءُ، ﴿ومِيثاقَهُ الَّذِي واثَقَكم بِهِ﴾ قالَ: الَّذِي واثَقَ بِهِ بَنِي آدَمَ في ظَهْرِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَثِيرٍ في قَوْلِهِ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوّامِينَ بِالقِسْطِ﴾ الآيَةَ، قالَ: نَزَلَتْ في يَهُودِ خَيْبَرَ، ذَهَبَ إلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ يَسْتَفْتِيهِمْ في دِيَةٍ فَهَّمُوا أنْ يَقْتُلُوهُ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿ولا يَجْرِمَنَّكم شَنَآنُ قَوْمٍ عَلى ألّا تَعْدِلُوا﴾ الآيَةَ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ، عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ «أنَّ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ نَزَلَ مَنزِلًا فَتَفَرَّقَ النّاسُ في العِضاهِ يَسْتَظِلُّونَ تَحْتَها، فَعَلَّقَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ سِلاحَهُ بِشَجَرَةٍ، فَجاءَ أعْرابِيٌّ إلى سَيْفِهِ فَأخَذَهُ فَسَلَّهُ، ثُمَّ أقْبَلَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ فَقالَ: مَن يَمْنَعُكَ مِنِّي ؟ قالَ: اللَّهُ، قالَ الأعْرابِيُّ، مَرَّتَيْنِ أوْ ثَلاثًا: مَن يَمْنَعُكَ مِنِّي ؟ والنَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ يَقُولُ: اللَّهُ، فَشامَ الأعْرابِيُّ السَّيْفَ، فَدَعا النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ أصْحابَهُ فَأخْبَرَهم بِصَنِيعِ الأعْرابِيِّ وهو جالِسٌ إلى جَنْبِهِ لَمْ يُعاقِبْهُ» .
قالَ مَعْمَرٌ: وكانَ قَتادَةُ يَذْكُرُ نَحْوَ هَذا، ويَذْكُرُ أنَّ قَوْمًا مِنَ العَرَبِ أرادُوا أنْ يَفْتِكُوا بِالنَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ فَأرْسَلُوا هَذا الأعْرابِيَّ، ويَتَأوَّلُ ﴿اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكم إذْ هَمَّ قَوْمٌ أنْ يَبْسُطُوا إلَيْكم أيْدِيَهم﴾ الآيَةَ. وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْهُ بِنَحْوِهِ، وذَكَرَ أنَّ اسْمَ الرَّجُلِ غَوْرَثُ بْنُ الحارِثِ، وأنَّهُ «لَمّا قالَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: اللَّهُ، سَقَطَ السَّيْفُ مِن يَدِهِ، فَأخَذَهُ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ وقالَ: مَن يَمْنَعُكَ مِنِّي ؟ قالَ: كُنْ خَيْرَ آخِذٍ، قالَ: فَشَهِدَ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ» .
وأخْرَجَهُ أيْضًا ابْنُ إسْحاقَ وأبُو نُعَيْمٍ في الدَّلائِلِ (p-٣٦٠)عَنْهُ. وأخْرَجَ ابْنُ نُعَيْمٍ في الدَّلائِلِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّ بَنِي النَّضِيرِ هَمُّوا أنْ يَطْرَحُوا حَجَرًا عَلى النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ ومَن مَعَهُ، فَجاءَ جِبْرِيلُ فَأخْبَرَهُ بِما هَمُّوا، فَقامَ ومَن مَعَهُ، فَنَزَلَتْ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكم إذْ هَمَّ قَوْمٌ﴾ الآيَةَ، ورُوِيَ نَحْوُ هَذا مِن طُرُقٍ عَنْ غَيْرِهِ، وقِصَّةُ الأعْرابِيِّ وهو غَوْرَثُ المَذْكُورُ ثابِتَةٌ في الصَّحِيحِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences