Ash-Shawkani · Tafsir · in Arabic
Al-Hadid 57:20–29
57:20–24Page 540
ٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّمَا ٱلۡحَيَوٰةُ ٱلدُّنۡيَا لَعِبٞ وَلَهۡوٞ وَزِينَةٞ وَتَفَاخُرُۢ بَيۡنَكُمۡ وَتَكَاثُرٞ فِي ٱلۡأَمۡوَٰلِ وَٱلۡأَوۡلَٰدِۖ كَمَثَلِ غَيۡثٍ أَعۡجَبَ ٱلۡكُفَّارَ نَبَاتُهُۥ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَىٰهُ مُصۡفَرّٗا ثُمَّ يَكُونُ حُطَٰمٗاۖ وَفِي ٱلۡأٓخِرَةِ عَذَابٞ شَدِيدٞ وَمَغۡفِرَةٞ مِّنَ ٱللَّهِ وَرِضۡوَٰنٞۚ وَمَا ٱلۡحَيَوٰةُ ٱلدُّنۡيَآ إِلَّا مَتَٰعُ ٱلۡغُرُورِ ٢٠
Know that the life of this world is but amusement and diversion and adornment and boasting to one another and competition in increase of wealth and children - like the example of a rain whose [resulting] plant growth pleases the tillers; then it dries and you see it turned yellow; then it becomes [scattered] debris. And in the Hereafter is severe punishment and forgiveness from Allāh and approval. And what is the worldly life except the enjoyment of delusion.
سَابِقُوٓاْ إِلَىٰ مَغۡفِرَةٖ مِّن رَّبِّكُمۡ وَجَنَّةٍ عَرۡضُهَا كَعَرۡضِ ٱلسَّمَآءِ وَٱلۡأَرۡضِ أُعِدَّتۡ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِۦۚ ذَٰلِكَ فَضۡلُ ٱللَّهِ يُؤۡتِيهِ مَن يَشَآءُۚ وَٱللَّهُ ذُو ٱلۡفَضۡلِ ٱلۡعَظِيمِ ٢١
Race [i.e., compete] toward forgiveness from your Lord and a Garden whose width is like the width of the heavens and earth, prepared for those who believed in Allāh and His messengers. That is the bounty of Allāh which He gives to whom He wills, and Allāh is the possessor of great bounty.
مَآ أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٖ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَلَا فِيٓ أَنفُسِكُمۡ إِلَّا فِي كِتَٰبٖ مِّن قَبۡلِ أَن نَّبۡرَأَهَآۚ إِنَّ ذَٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرٞ ٢٢
No disaster strikes upon the earth or among yourselves except that it is in a register1 before We bring it into being - indeed that, for Allāh, is easy -
لِّكَيۡلَا تَأۡسَوۡاْ عَلَىٰ مَا فَاتَكُمۡ وَلَا تَفۡرَحُواْ بِمَآ ءَاتَىٰكُمۡۗ وَٱللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخۡتَالٖ فَخُورٍ ٢٣
In order that you not despair over what has eluded you and not exult [in pride] over what He has given you. And Allāh does not like everyone self-deluded and boastful -
ٱلَّذِينَ يَبۡخَلُونَ وَيَأۡمُرُونَ ٱلنَّاسَ بِٱلۡبُخۡلِۗ وَمَن يَتَوَلَّ فَإِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلۡغَنِيُّ ٱلۡحَمِيدُ ٢٤
[Those] who are stingy and enjoin upon people stinginess. And whoever turns away1 - then indeed, Allāh is the Free of need, the Praiseworthy.
قَوْلُهُ ﴿اعْلَمُوا أنَّما الحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ ولَهْوٌ﴾ لَمّا ذَكَرَ سُبْحانَهُ حالَ الفَرِيقِ الثّانِي وما وقَعَ مِنهم مِنَ الكُفْرِ والتَّكْذِيبِ، وذَلِكَ بِسَبَبِ مَيْلِهِمْ إلى الدُّنْيا وتَأْثِيرِها بَيَّنَ لَهم حَقارَتَها وأنَّها أحْقَرُ مِن أنْ تُؤْثَرَ عَلى الدّارِ الآخِرَةِ، واللَّعِبُ هو الباطِلُ، واللَّهْوُ كُلُّ شَيْءٍ يُتَلَهّى بِهِ ثُمَّ يَذْهَبُ.
قالَ قَتادَةُ: لَعِبٌ ولَهْوٌ: أكْلٌ وشُرْبٌ.
قالَ مُجاهِدٌ: كُلُّ لَعِبٍ لَهْوٌ، وقِيلَ اللَّعِبُ ما رَغَّبَ في الدُّنْيا، واللَّهْوُ ما ألْهى عَنِ الآخِرَةِ وشَغَلَ عَنْها، وقِيلَ اللَّعِبُ الِاقْتِناءُ، واللَّهْوُ النِّساءُ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَحْقِيقُ هَذا في سُورَةِ الأنْعامِ، والزِّينَةُ التَّزَيُّنُ بِمَتاعِ الدُّنْيا مِن دُونِ عَمَلٍ لِلْآخِرَةِ ﴿وتَفاخُرٌ بَيْنَكُمْ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ بِتَنْوِينِ تَفاخُرٌ والظَّرْفُ صِفَةٌ لَهُ، أوْ مَعْمُولٌ لَهُ، وقَرَأ السُّلَمِيُّ بِالإضافَةِ: أيْ يَفْتَخِرُ بِهِ بَعْضُكم عَلى بَعْضٍ، وقِيلَ يَتَفاخَرُونَ بِالخِلْقَةِ والقُوَّةِ، وقِيلَ بِالأنْسابِ والأحْسابِ كَما كانَتْ عَلَيْهِ العَرَبُ وتَكاثُرٌ في الأمْوالِ والأوْلادِ أيْ يَتَكاثَرُونَ بِأمْوالِهِمْ وأوْلادِهِمْ ويَتَطاوَلُونَ بِذَلِكَ عَلى الفُقَراءِ ثُمَّ بَيَّنَ سُبْحانَهُ لِهَذِهِ الحِكايَةِ شَبَهًا، وضَرَبَ لَها مَثَلًا فَقالَ: ﴿كَمَثَلِ غَيْثٍ أعْجَبَ الكُفّارَ نَباتُهُ﴾ أيْ كَمَثَلِ مَطَرٍ أعْجَبَ الزُّرّاعَ نَباتُهُ، والمُرادُ بِالكُفّارِ هُنا الزُّرّاعُ لِأنَّهم يَكْفُرُونَ البَذْرَ: أيْ يُغَطُّونَهُ بِالتُّرابِ، ومَعْنى " نَباتُهُ ": النَّباتُ الحاصِلُ بِهِ ﴿ثُمَّ يَهِيجُ﴾ أيْ يَجِفُّ بَعْدَ خُضْرَتِهِ ويَيْبَسُ ﴿فَتَراهُ مُصْفَرًّا﴾ أيْ مُتَغَيِّرًا عَمّا كانَ عَلَيْهِ مِنَ الخُضْرَةِ: والرَّوْنَقُ إلى لَوْنِ الصُّفْرَةِ والذُّبُولِ ﴿ثُمَّ يَكُونُ حُطامًا﴾ أيْ فُتاتًا هَشِيمًا مُتَكَسِّرًا مُتَحَطِّمًا بَعْدَ يُبْسِهِ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذا المَثَلِ في سُورَةِ يُونُسَ والكَهْفِ، والمَعْنى: أنَّ الحَياةَ الدُّنْيا كالزَّرْعِ يُعْجِبُ النّاظِرِينَ إلَيْهِ لِخُضْرَتِهِ وكَثْرَةِ نَضارَتِهِ.
ثُمَّ لا يَلْبَثُ أنْ يَصِيرَ هَشِيمًا تِبْنًا كَأنْ لَمْ يَكُنْ.
وقُرِئَ " مُصْفارًّا " والكافُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، أوْ في مَحَلِّ رَفْعٍ عَلى أنَّها خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ أوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ.
ثُمَّ لَمّا ذَكَرَ سُبْحانَهُ حَقارَةَ الدُّنْيا وسُرْعَةَ زَوالِها، ذَكَرَ ما أعَدَّهُ لِلْعُصاةِ في الدّارِ الآخِرَةِ فَقالَ: وفي الآخِرَةِ عَذابٌ شَدِيدٌ وأتْبَعَهُ بِما أعَدَّهُ لِأهْلِ الطّاعَةِ فَقالَ: " ومَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ ورِضْوانٌ " والتَّنْكِيرُ فِيهِما لِلتَّعْظِيمِ.
قالَ قَتادَةُ: عَذابٌ شَدِيدٌ لِأعْداءِ اللَّهِ.
ومَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ ورِضْوانٌ لِأوْلِيائِهِ وأهْلِ طاعَتِهِ.
قالَ الفَرّاءُ: التَّقْدِيرُ في الآيَةِ إمّا عَذابٌ شَدِيدٌ، وإمّا مَغْفِرَةٌ، فَلا يُوقَفُ عَلى " شَدِيدٌ " .
ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ بَعْدَ التَّرْهِيبِ والتَّرْغِيبِ حَقارَةَ الدُّنْيا فَقالَ: وما الحَياةُ الدُّنْيا إلّا مَتاعُ الغُرُورِ لِمَنِ اغْتَرَّ بِها ولَمْ يَعْمَلْ لِآخِرَتِهِ.
قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: مَتاعُ الغُرُورِ لِمَن لَمْ يَشْتَغِلْ بِطَلَبِ الآخِرَةِ، ومَنِ اشْتَغَلَ بِطَلَبِها فَلَهُ مَتاعُ بِلاغٍ إلى ما هو خَيْرٌ مِنهُ.
وهَذِهِ الجُمْلَةُ مُقَرِّرَةٌ لِلْمَثَلِ المُتَقَدِّمِ ومُؤَكِّدَةٌ لَهُ.
ثُمَّ نَدَبَ عِبادَهُ إلى المُسابَقَةِ إلى ما يُوجِبُ المَغْفِرَةَ مِنَ التَّوْبَةِ والعَمَلِ الصّالِحِ، فَإنَّ ذَلِكَ سَبَبٌ إلى الجَنَّةِ فَقالَ: ﴿سابِقُوا إلى مَغْفِرَةٍ مِن رَبِّكم﴾ أيْ سارِعُوا مُسارَعَةَ السّابِقِينَ بِالأعْمالِ الصّالِحَةِ الَّتِي تُوجِبُ المَغْفِرَةَ لَكم مِن رَبِّكم وتُوبُوا مِمّا وقَعَ مِنكم مِنَ المَعاصِي، وقِيلَ المُرادُ بِالآيَةِ التَّكْبِيرَةُ الأُولى مَعَ الإمامِ قالَهُ مَكْحُولٌ، وقِيلَ المُرادُ الصَّفُّ الأوَّلُ.
ولا وجْهَ لِتَخْصِيصِ ما في الآيَةِ بِمِثْلِ هَذا، بَلْ هو مِن جُمْلَةِ ما تُصْدُقُ عَلَيْهِ صِدْقًا شُمُولِيًّا أوْ بَدَلِيًّا ﴿وجَنَّةٍ عَرْضُها كَعَرْضِ السَّماءِ والأرْضِ﴾ أيْ كَعَرْضِهِما، وإذا كانَ هَذا قَدْرَ عَرْضِها فَما ظَنُّكَ بِطُولِها.
قالَ الحَسَنُ: يَعْنِي جَمِيعَ السَّماواتِ والأرَضِينَ مَبْسُوطاتٍ كُلَّ واحِدَةٍ إلى صاحِبَتِها، وقِيلَ المُرادُ بِالجَنَّةِ الَّتِي عَرْضُها هَذا العَرْضُ هي جَنَّةُ كُلِّ واحِدٍ مِن أهْلِ الجَنَّةِ.
وقالَ ابْنُ كَيْسانَ: عَنى بِهِ جَنَّةً واحِدَةً مِنَ الجَنّاتِ، والعَرْضُ أقَلُّ مِنَ الطُّولِ، ومِن عادَةِ العَرَبِ أنَّها تُعَبِّرُ عَنِ الشَّيْءِ بِعَرْضِهِ دُونَ طُولِهِ، ومِن ذَلِكَ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎كَأنَّ بِلادَ اللَّهِ وهْيَ عَرِيضَةٌ عَلى الخائِفِ المَطْلُوبِ كِفَّةُ حابِلِ
وقَدْ مَضى تَفْسِيرُ هَذا في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ، ثُمَّ وصَفَ سُبْحانَهُ تِلْكَ الجَنَّةَ بِصِفَةٍ أُخْرى فَقالَ: " ﴿أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ ورُسُلِهِ﴾ " ويَجُوزُ أنَّ تَكُونَ هَذِهِ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةً.
وفِي هَذا دَلِيلٌ عَلى أنَّ اسْتِحْقاقَ الجَنَّةِ يَكُونُ بِمُجَرَّدِ الإيمانِ بِاللَّهِ ورُسُلِهِ، ولَكِنَّ هَذا مُقَيَّدٌ بِالأدِلَّةِ الدّالَّةِ عَلى أنَّهُ لا يَسْتَحِقُّها إلّا مَن عَمِلَ بِما فَرَضَ اللَّهُ عَلَيْهِ واجْتَنَبَ ما نَهاهُ اللَّهُ عَنْهُ، وهي أدِلَّةٌ كَثِيرَةٌ في الكِتابِ والسُّنَّةِ، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ذَلِكَ إلى ما وعَدَ بِهِ سُبْحانَهُ مِنَ المَغْفِرَةِ والجَنَّةِ، وهو مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ (p-١٤٦١)" ﴿فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشاءُ﴾ " أيْ يُعْطِيهِ مَن يَشاءُ إعْطاءَهُ إيّاهُ تَفَضُّلًا وإحْسانًا واللَّهُ ذُو الفَضْلِ العَظِيمِ فَهو يَتَفَضَّلُ عَلى مَن يَشاءُ بِما يَشاءُ، لا مانِعَ لِما أعْطى ولا مُعْطِيَ لِما مَنَعَ، والخَيْرُ كُلُّهُ بِيَدِهِ، وهو الكَرِيمُ المُطْلَقُ والجَوادُ الَّذِي لا يَبْخَلُ.
ثُمَّ بَيَّنَ سُبْحانَهُ أنَّ ما يُصابُ بِهِ العِبادُ مِنَ المَصائِبِ قَدْ سَبَقَ بِذَلِكَ قَضاؤُهُ وقَدَرُهُ وثَبَتَ في أُمِّ الكِتابِ فَقالَ: "﴿ما أصابَ مِن مُصِيبَةٍ في الأرْضِ﴾ مِن قَحْطِ مَطَرٍ وضَعْفِ نَباتٍ ونَقْصِ ثِمارٍ.
قالَ مُقاتِلٌ: القَحْطُ وقِلَّةُ النَّباتِ والثِّمارِ، وقِيلَ الجَوائِحُ في الزَّرْعِ ولا في أنْفُسِكم قالَ قَتادَةُ: بِالأوْصابِ والأسْقامِ.
وقالَ مُقاتِلٌ: إقامَةُ الحُدُودِ.
وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: ضِيقُ المَعاشِ " ﴿إلّا في كِتابٍ﴾ " في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِن " مُصِيبَةٌ ": أيْ إلّا حالَ كَوْنِها مَكْتُوبَةً في كِتابٍ، وهو اللَّوْحُ المَحْفُوظُ، وجُمْلَةُ " مِن قَبْلِ أنْ نَبْرَأها " في مَحَلِّ جَرٍّ صِفَةٌ لِ " كِتابٍ "، والضَّمِيرُ في " نَبْرَأها " عائِدٌ إلى المُصِيبَةِ، أوْ إلى الأنْفُسِ، أوْ إلى الأرْضِ، أوْ إلى جَمِيعِ ذَلِكَ، ومَعْنى " نَبْرَأها " نَخْلُقُها " ﴿إنَّ ذَلِكَ عَلى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ " أيْ أنَّ إثْباتَها في الكِتابِ عَلى كَثْرَتِهِ عَلى اللَّهِ يَسِيرٌ غَيْرُ عَسِيرٍ.
" ﴿لِكَيْ لا تَأْسَوْا عَلى ما فاتَكُمْ﴾ " أيِ اخْتَبَرْناكم بِذَلِكَ لِكَيْلا تَحْزَنُوا عَلى ما فاتَكم مِنَ الدُّنْيا ولا تَفْرَحُوا بِما آتاكم مِنها: أيْ أعْطاكم مِنها، فَإنَّ ذَلِكَ يَزُولُ عَنْ قَرِيبٍ، وكُلُّ زائِلٍ عَنْ قَرِيبٍ لا يَسْتَحِقُّ أنْ يُفْرَحَ بِحُصُولِهِ ولا يُحْزَنَ عَلى فَواتِهِ، ومَعَ أنَّ الكُلَّ بِقَضاءِ اللَّهِ وقَدَرِهُ، فَلَنْ يَعْدُو امْرَأً ما كُتِبَ لَهُ، وما كانَ حُصُولُهُ كائِنًا لا مَحالَةَ فَلَيْسَ بِمُسْتَحِقٍّ لِلْفَرَحِ بِحُصُولِهِ ولا لِلْحُزْنِ عَلى فَوْتِهِ، وقِيلَ والحُزْنُ والفَرَحُ المَنهِيُّ عَنْهُما هُما اللَّذانِ يُتَعَدّى فِيهِما إلى ما لا يَجُوزُ، وإلّا فَلَيْسَ مِن أحَدٍ إلّا وهو يَحْزَنُ ويَفْرَحُ.
قَرَأ الجُمْهُورُ " بِما آتاكم " بِالمَدِّ: أيْ أعْطاكم، وقَرَأ أبُو العالِيَةِ، ونَصْرُ بْنُ عاصِمٍ، وأبُو عَمْرٍو بِالقَصْرِ: أيْ جاءَكم، واخْتارَ القِراءَةَ الأُولى أبُو حاتِمٍ، واخْتارَ القِراءَةَ الثّانِيَةَ أبُو عُبَيْدٍ ﴿واللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ﴾ أيْ لا يُحِبُّ مَنِ اتَّصَفَ بِهاتَيْنِ الصِّفَتَيْنِ وهُما الِاخْتِيالُ والِافْتِخارُ، قِيلَ هو ذَمٌّ لِلْفَرَحِ الَّذِي يَخْتالُ فِيهِ صاحِبُهُ ويَبْطَرُ، وقِيلَ إنَّ مَن فَرِحَ بِالحُظُوظِ الدُّنْيَوِيَّةِ وعَظُمَتْ في نَفْسِهِ اخْتالَ وافْتَخَرَ بِها، وقِيلَ المُخْتالُ الَّذِي يَنْظُرُ إلى نَفْسِهِ، والفَخُورُ الَّذِي يَنْظُرُ إلى النّاسِ بِعَيْنِ الِاسْتِحْقارِ.
والأوْلى تَفْسِيرُ هاتَيْنِ الصِّفَتَيْنِ بِمَعْناهُما الشَّرْعِيِّ ثُمَّ اللُّغَوِيِّ، فَمَن حَصَلَتا فِيهِ فَهو الَّذِي لا يُحِبُّهُ اللَّهُ.
" ﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ ويَأْمُرُونَ النّاسَ بِالبُخْلِ﴾ " المَوْصُولُ في مَحَلِّ رَفْعٍ بِالِابْتِداءِ، وهو كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ لا تَعَلُّقَ لَهُ بِما قَبْلَهُ، والخَبَرُ مُقَدَّرٌ: أيِ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ فاللَّهُ غَنِيٌّ عَنْهم، ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ: " ﴿ومَن يَتَوَلَّ فَإنَّ اللَّهَ هو الغَنِيُّ الحَمِيدُ﴾ " وقِيلَ المَوْصُولُ في مَحَلِّ جَرٍّ بَدَلٌ مِن " مُخْتالٍ "، وهو بَعِيدٌ، فَإنَّ هَذا البُخْلَ بِما في اليَدِ وأمْرَ النّاسِ بِالبُخْلِ لَيْسَ هو مَعْنى المُخْتالِ الفَخُورِ، لا لُغَةً ولا شَرْعًا.
وقِيلَ هو في مَحَلِّ جَرٍّ نَعْتٌ لَهُ، وهو أيْضًا بِعِيدٌ.
قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِالعِلْمِ ويَأْمُرُونَ النّاسَ بِالبُخْلِ بِهِ لِئَلّا يُعَلِّمُوا النّاسَ شَيْئًا.
وقالَ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ: إنَّهُ البُخْلُ بِأداءِ حَقِّ اللَّهِ، وقِيلَ إنَّهُ البُخْلُ بِالصَّدَقَةِ، وقالَ طاوُوسُ: إنَّهُ البُخْلُ بِما في يَدَيْهِ، وقِيلَ أرادَ رُؤَساءَ اليَهُودِ الَّذِينَ بَخِلُوا بِبَيانِ صِفَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ في كُتُبِهِمْ لِئَلّا يُؤْمِنَ بِهِ النّاسُ فَتَذْهَبَ مَآكِلُهم قالَهُ السُّدِّيُّ، والكَلْبِيُّ: قَرَأ الجُمْهُورُ بِالبُخْلِ بِضَمِّ الباءِ وسُكُونِ الخاءِ.
وقَرَأ أنَسٌ، وعُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ، ويَحْيى بْنُ يَعْمَرَ، ومُجاهِدٌ، وحُمَيْدٌ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ بِفَتْحَتَيْنِ، وهي لُغَةُ الأنْصارِ.
وقَرَأ أبُو العالِيَةِ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ بِفَتْحِ الباءِ وإسْكانِ الخاءِ.
وقَرَأ نَصْرُ بْنُ عاصِمٍ بِضَمِّهِما، وكُلُّها لُغاتٌ ﴿ومَن يَتَوَلَّ فَإنَّ اللَّهَ هو الغَنِيُّ الحَمِيدُ﴾ أيْ ومَن يُعْرِضْ عَنِ الإنْفاقِ فَإنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْهُ مَحْمُودٌ عِنْدَ خَلْقِهِ لا يَضُرُّهُ ذَلِكَ.
قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿هُوَ الغَنِيُّ﴾ بِإثْباتِ ضَمِيرِ الفَصْلِ.
وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ " ﴿فَإنَّ اللَّهَ هو الغَنِيُّ﴾ " بِحَذْفِ الضَّمِيرِ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ما أصابَ مِن مُصِيبَةٍ في الأرْضِ ولا في أنْفُسِكم﴾ يَقُولُ في الدِّينِ والدُّنْيا ﴿إلّا في كِتابٍ مِن قَبْلِ أنْ نَبْرَأها﴾ قالَ نَخْلُقُها: ﴿لِكَيْ لا تَأْسَوْا عَلى ما فاتَكم﴾ مِنَ الدُّنْيا ﴿ولا تَفْرَحُوا بِما آتاكُمْ﴾ مِنها.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ في الآيَةِ قالَ: هو شَيْءٌ قَدْ فُرِغَ مِنهُ مِن قَبْلِ أنْ تُبْرَأ الأنْفُسُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿لِكَيْ لا تَأْسَوْا عَلى ما فاتَكم﴾ الآيَةَ قالَ: لَيْسَ أحَدٌ إلّا وهو يَحْزَنُ ويَفْرَحُ، ولَكِنْ مَن أصابَتْهُ مُصِيبَةٌ جَعَلَها صَبْرًا، ومَن أصابَهُ خَيْرٌ جَعَلَهُ شُكْرًا.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ في الآيَةِ قالَ: يُرِيدُ مَصائِبَ المَعاشِ، ولا يُرِيدُ مَصائِبَ الدِّينِ، إنَّهُ قالَ: ﴿لِكَيْ لا تَأْسَوْا عَلى ما فاتَكم ولا تَفْرَحُوا بِما آتاكم﴾ ولَيْسَ هَذا مِن مَصائِبِ الدِّينِ، أمَرَهم أنْ يَأْسَوْا عَلى السَّيِّئَةِ ويَفْرَحُوا بِالحَسَنَةِ.
57:25–29Page 541
لَقَدۡ أَرۡسَلۡنَا رُسُلَنَا بِٱلۡبَيِّنَٰتِ وَأَنزَلۡنَا مَعَهُمُ ٱلۡكِتَٰبَ وَٱلۡمِيزَانَ لِيَقُومَ ٱلنَّاسُ بِٱلۡقِسۡطِۖ وَأَنزَلۡنَا ٱلۡحَدِيدَ فِيهِ بَأۡسٞ شَدِيدٞ وَمَنَٰفِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعۡلَمَ ٱللَّهُ مَن يَنصُرُهُۥ وَرُسُلَهُۥ بِٱلۡغَيۡبِۚ إِنَّ ٱللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٞ ٢٥
We have already sent Our messengers with clear evidences and sent down with them the Scripture and the balance that the people may maintain [their affairs] in justice. And We sent down iron, wherein is great military might and benefits for the people, and so that Allāh may make evident those who support Him and His messengers unseen. Indeed, Allāh is Powerful and Exalted in Might.
وَلَقَدۡ أَرۡسَلۡنَا نُوحٗا وَإِبۡرَٰهِيمَ وَجَعَلۡنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا ٱلنُّبُوَّةَ وَٱلۡكِتَٰبَۖ فَمِنۡهُم مُّهۡتَدٖۖ وَكَثِيرٞ مِّنۡهُمۡ فَٰسِقُونَ ٢٦
And We have already sent Noah and Abraham and placed in their descendants prophethood and scripture; and among them is he who is guided, but many of them are defiantly disobedient.
ثُمَّ قَفَّيۡنَا عَلَىٰٓ ءَاثَٰرِهِم بِرُسُلِنَا وَقَفَّيۡنَا بِعِيسَى ٱبۡنِ مَرۡيَمَ وَءَاتَيۡنَٰهُ ٱلۡإِنجِيلَۖ وَجَعَلۡنَا فِي قُلُوبِ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُ رَأۡفَةٗ وَرَحۡمَةٗۚ وَرَهۡبَانِيَّةً ٱبۡتَدَعُوهَا مَا كَتَبۡنَٰهَا عَلَيۡهِمۡ إِلَّا ٱبۡتِغَآءَ رِضۡوَٰنِ ٱللَّهِ فَمَا رَعَوۡهَا حَقَّ رِعَايَتِهَاۖ فَـَٔاتَيۡنَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنۡهُمۡ أَجۡرَهُمۡۖ وَكَثِيرٞ مِّنۡهُمۡ فَٰسِقُونَ ٢٧
Then We sent following their footsteps [i.e., traditions] Our messengers and followed [them] with Jesus, the son of Mary, and gave him the Gospel. And We placed in the hearts of those who followed him compassion and mercy and monasticism, which they innovated; We did not prescribe it for them except [that they did so] seeking the approval of Allāh. But they did not observe it with due observance. So We gave the ones who believed among them their reward, but many of them are defiantly disobedient.
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَءَامِنُواْ بِرَسُولِهِۦ يُؤۡتِكُمۡ كِفۡلَيۡنِ مِن رَّحۡمَتِهِۦ وَيَجۡعَل لَّكُمۡ نُورٗا تَمۡشُونَ بِهِۦ وَيَغۡفِرۡ لَكُمۡۚ وَٱللَّهُ غَفُورٞ رَّحِيمٞ ٢٨
O you who have believed, fear Allāh and believe in His Messenger; He will [then] give you a double portion of His mercy and make for you a light by which you will walk and forgive you; and Allāh is Forgiving and Merciful.
لِّئَلَّا يَعۡلَمَ أَهۡلُ ٱلۡكِتَٰبِ أَلَّا يَقۡدِرُونَ عَلَىٰ شَيۡءٖ مِّن فَضۡلِ ٱللَّهِ وَأَنَّ ٱلۡفَضۡلَ بِيَدِ ٱللَّهِ يُؤۡتِيهِ مَن يَشَآءُۚ وَٱللَّهُ ذُو ٱلۡفَضۡلِ ٱلۡعَظِيمِ ٢٩
[This is] so that the People of the Scripture may know that they are not able [to obtain] anything from the bounty of Allāh1 and that [all] bounty is in the hand2 of Allāh; He gives it to whom He wills. And Allāh is the possessor of great bounty.
قَوْلُهُ ﴿لَقَدْ أرْسَلْنا رُسُلَنا بِالبَيِّناتِ﴾ أيْ بِالمُعْجِزاتِ البَيِّنَةِ والشَّرائِعِ الظّاهِرَةِ وأنْزَلْنا مَعَهُمُ الكِتابَ (p-١٤٦٢)المُرادُ الجِنْسُ، فَيَدْخُلُ فِيهِ كِتابُ كُلِّ رَسُولٍ " والمِيزانَ " لِيَقُومَ النّاسُ بِالقِسْطِ قالَ قَتادَةُ، ومُقاتِلُ بْنُ حَيّانَ: المِيزانُ العَدْلُ، والمَعْنى: أمَرْناهم بِالعَدْلِ كَما في قَوْلِهِ: " والسَّماءَ رَفَعَها ووَضَعَ المِيزانَ " [الرحمن: ٧] وقَوْلِهِ:﴿اللَّهُ الَّذِي أنْزَلَ الكِتابَ بِالحَقِّ والمِيزانَ﴾ [الشورى: ١٧] وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: هو ما يُوزَنُ بِهِ ويُتَعامَلُ بِهِ، ومَعْنى ﴿لِيَقُومَ النّاسُ بِالقِسْطِ﴾ لِيَتَّبِعُوا ما أُمِرُوا بِهِ مِنَ العَدْلِ فَيَتَعامَلُوا فِيما بَيْنَهم بِالنَّصَفَةِ، والقِسْطُ: العَدْلُ، وهو يَدُلُّ عَلى أنَّ المُرادَ بِالمِيزانِ العَدْلُ، ومَعْنى إنْزالِهِ: إنْزالُ أسْبابِهِ ومُوجِباتِهِ.
وعَلى القَوْلِ بِأنَّ المُرادَ بِهِ الآلَةُ الَّتِي يُوزَنُ بِها فَيَكُونُ إنْزالُهُ بِمَعْنى إرْشادِ النّاسِ إلَيْهِ وإلْهامِهِمُ الوَزْنَ بِهِ، ويَكُونُ الكَلامُ مِن بابِ:
؎عَلَفْتُها تِبْنًا وماءً بارِدًا
﴿وأنْزَلْنا الحَدِيدَ﴾ أيْ خَلَقْناهُ كَما في قَوْلِهِ: ﴿وأنْزَلَ لَكم مِنَ الأنْعامِ ثَمانِيَةَ أزْواجٍ﴾ [الزمر: ٦] والمَعْنى: أنَّهُ خَلَقَهُ مِنَ المَعادِنِ وعَلَّمَ النّاسَ صَنْعَتَهُ، وقِيلَ إنَّهُ نَزَلَ مَعَ آدَمَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ لِأنَّهُ تُتَّخَذُ مِنهُ آلاتُ الحَرْبِ.
قالَ الزَّجّاجُ: يُمْتَنَعُ بِهِ ويُحارَبُ، والمَعْنى: أنَّهُ تُتَّخَذُ مِنهُ آلَةٌ لِلدَّفْعِ وآلَةٌ لِلضَّرْبِ، قالَ مُجاهِدٌ: فِيهِ جُنَّةٌ وسِلاحٌ، ومَعْنى ﴿ومَنافِعُ لِلنّاسِ﴾ أنَّهم يَنْتَفِعُونَ بِهِ في كَثِيرٍ مِمّا يَحْتاجُونَ إلَيْهِ مِثْلِ السِّكِّينِ والفَأْسِ والإبْرَةِ وآلاتِ الزِّراعَةِ والنِّجارَةِ والعِمارَةِ و" لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَنْصُرُهُ ورُسُلَهُ بِالغَيْبِ " مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ: لِيَقُومَ النّاسُ: أيْ لَقَدْ أرْسَلْنا رُسُلَنا وفَعَلْنا كَيْتَ وكَيْتَ لِيَقُومَ النّاسُ ولِيَعْلَمَ، وقِيلَ مَعْطُوفٌ عَلى عِلَّةٍ مُقَدَّرَةٍ، كَأنَّهُ قِيلَ لِيَتَعَلَّمُوهُ ولِيَعْلَمَ اللَّهُ، والأوَّلُ أوْلى.
والمَعْنى: أنَّ اللَّهَ أمَرَ في الكِتابِ الَّذِي أنْزَلَ بِنُصْرَةِ دِينِهِ ورُسُلِهِ، فَمَن نَصَرَ دِينَهُ ورُسُلَهُ عَلِمَهُ ناصِرًا، ومَن عَصى عَلِمَهُ بِخِلافِ ذَلِكَ و" ﴿بِالغَيْبِ﴾ " في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِن فاعِلِ " يَنْصُرُهُ " أوْ مِن مَفْعُولِهِ: أيْ غائِبًا عَنْهم أوْ غائِبِينَ عَنْهُ ﴿إنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ أيْ قادِرٌ عَلى كُلِّ شَيْءٍ غالِبٌ لِكُلِّ شَيْءٍ، ولَيْسَ لَهُ حاجَةٌ في أنْ يَنْصُرَهُ أحَدٌ مِن عِبادِهِ ويَنْصُرَ رُسُلَهُ، بَلْ كَلَّفَهم بِذَلِكَ لِيَنْتَفِعُوا بِهِ إذا امْتَثَلُوا ويَحْصُلَ لَهم ما وعَدَ بِهِ عِبادَهُ المُطِيعِينَ.
﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا نُوحًا وإبْراهِيمَ﴾ لَمّا ذَكَرَ سُبْحانَهُ إرْسالَ الرُّسُلِ إجْمالًا أشارَ هُنا إلى نَوْعِ تَفْصِيلٍ، فَذَكَرَ رِسالَتَهُ لِنُوحٍ وإبْراهِيمَ، وكَرَّرَ القَسَمَ لِلتَّوْكِيدِ " وجَعَلْنا في ذُرِّيَّتِهِما النُّبُوَّةَ والكِتابِ " أيْ جَعَلْنا فِيهِمُ النُّبُوَّةَ والكُتُبَ المُنَزَّلَةَ عَلى الأنْبِياءِ مِنهم، وقِيلَ جَعَلَ بَعْضَهم أنْبِياءَ وبَعْضَهم يَتْلُونَ الكِتابَ ﴿فَمِنهم مُهْتَدٍ﴾ أيْ فَمِنَ الذُّرِّيَّةِ مَنِ اهْتَدى بِهُدى نُوحٍ وإبْراهِيمَ، وقِيلَ المَعْنى: فَمِنَ المُرْسَلِ إلَيْهِمْ مِن قَوْمِ الأنْبِياءِ مُهْتَدٍ بِما جاءَ بِهِ الأنْبِياءُ مِنَ الهُدى ﴿وكَثِيرٌ مِنهم فاسِقُونَ﴾ خارِجُونَ عَنِ الطّاعَةِ.
﴿ثُمَّ قَفَّيْنا عَلى آثارِهِمْ بِرُسُلِنا﴾ أيِ أتْبَعْنا عَلى آثارِ الذُّرِّيَّةِ أوْ عَلى آثارِ نُوحٍ وإبْراهِيمَ بِرُسُلِنا الَّذِينَ أرْسَلْناهم إلى الأُمَمِ كَمُوسى وإلْياسَ وداوُدَ وسُلَيْمانَ وغَيْرِهِمْ وقَفَّيْنا بِعِيسى ابْنِ مَرْيَمَ أيْ أرْسَلْنا رَسُولًا بَعْدَ رَسُولٍ حَتّى انْتَهى إلى عِيسى ابْنِ مَرْيَمَ، وهو مِن ذُرِّيَّةِ إبْراهِيمَ مِن جِهَةِ أُمِّهِ " وآتَيْناهُ الإنْجِيلَ " وهو الكِتابُ الَّذِي أنْزَلَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ، وقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ اشْتِقاقِهِ في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ.
قَرَأ الجُمْهُورُ الإنْجِيلَ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ، وقَرَأ الحَسَنُ بِفَتْحِها ﴿وجَعَلْنا في قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً ورَحْمَةً﴾ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ هُمُ الحَوارِيُّونَ جَعَلَ اللَّهُ في قُلُوبِهِمْ مَوَدَّةً لِبَعْضِهِمُ البَعْضَ، ورَحْمَةً يَتَراحَمُونَ بِها، بِخِلافِ اليَهُودِ فَإنَّهم لَيْسُوا كَذَلِكَ، وأصْلُ الرَّأْفَةِ اللِّينُ، والرَّحْمَةُ: الشَّفَقَةُ، وقِيلَ الرَّأْفَةُ أشَدُّ الرَّحْمَةِ " ورَهْبانِيَّةً ابْتَدَعُوها " انْتِصابُ " رَهْبانِيَّةً " عَلى الِاشْتِغالِ: أيْ وابْتَدَعُوا رَهْبانِيَّةً ابْتَدَعُوها، ولَيْسَ بِمَعْطُوفَةٍ عَلى ما قَبْلَها، وقِيلَ مَعْطُوفَةٌ عَلى ما قَبْلَها: أيْ وجَعَلْنا في قُلُوبِهِمْ رَأْفَةً ورَحْمَةً ورَهْبانِيَّةً مُبْتَدَعَةً مِن عِنْدِ أنْفُسِهِمْ.
والأوَّلُ أوْلى، ورَجَّحَهُ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ وغَيْرُهُ، وجُمْلَةُ " ما كَتَبْناها عَلَيْهِمْ " صِفَةٌ ثانِيَةٌ لِ " رَهْبانِيَّةً "، أوْ مُسْتَأْنَفَةٌ مُقَرِّرَةٌ لِكَوْنِها مُبْتَدَعَةً مِن جِهَةِ أنْفُسِهِمْ، والمَعْنى: ما فَرَضْناها عَلَيْهِمْ، والرَّهْبانِيَّةُ بِفَتْحِ الرّاءِ وضَمِّها، وقَدْ قُرِئَ بِهِما، وهي بِالفَتْحِ: الخَوْفُ، مِنَ الرَّهْبِ، وبِالضَّمِّ مَنسُوبَةٌ إلى الرُّهْبانِ، وذَلِكَ لِأنَّهم غَلَوْا في العِبادَةِ وحَمَلُوا عَلى أنْفُسِهِمُ المَشَقّاتِ في الِامْتِناعِ مِنَ المَطْعَمِ والمَشْرَبِ والمَنكِحِ، وتَعَلَّقُوا بِالكُهُوفِ والصَّوامِعِ، لِأنَّ مُلُوكَهم غَيَّرُوا وبَدَّلُوا وبَقِيَ مِنهم نَفَرٌ قَلِيلٌ فَتَرَهَّبُوا وتَبَتَّلُوا، ذَكَرَ مَعْناهُ الضَّحّاكُ، وقَتادَةُ وغَيْرُهُما " ﴿إلّا ابْتِغاءَ رِضْوانِ اللَّهِ﴾ " الِاسْتِثْناءُ مُنْقَطِعٌ: أيْ ما كَتَبْناها نَحْنُ عَلَيْهِمْ رَأْسًا، ولَكِنِ ابْتَدَعُوها ابْتِغاءَ رِضْوانِ اللَّهِ.
وقالَ الزَّجّاجُ: ﴿ما كَتَبْناها عَلَيْهِمْ﴾ مَعْناهُ لَمْ نَكْتُبْ عَلَيْهِمْ شَيْئًا ألْبَتَّةَ، قالَ: ويَكُونُ " إلّا ابْتِغاءَ رِضْوانِ اللَّهِ " بَدَلًا مِنَ الهاءِ والألِفِ في كَتَبْناها، والمَعْنى: ما كَتَبْنا عَلَيْهِمْ إلّا ابْتِغاءَ رِضْوانِ اللَّهِ " ﴿فَما رَعَوْها حَقَّ رِعايَتِها﴾ " أيْ لَمْ يَرْعَوْا هَذِهِ الرَّهْبانِيَّةَ الَّتِي ابْتَدَعُوها مِن جِهَةِ أنْفُسِهِمْ، بَلْ ضَيَّعُوها وكَفَرُوا بِدِينِ عِيسى، ودَخَلُوا في دِينِ المُلُوكِ الَّذِينَ غَيَّرُوا وبَدَّلُوا وتَرَكُوا التَّرَهُّبَ، ولَمْ يَبْقَ عَلى دِينِ عِيسى إلّا قَلِيلٌ مِنهم، وهُمُ المُرادُونَ بِقَوْلِهِ: ﴿فَآتَيْنا الَّذِينَ آمَنُوا مِنهم أجْرَهُمْ﴾ الَّذِي يَسْتَحِقُّونَهُ بِالإيمانِ، وذَلِكَ لِأنَّهم آمَنُوا بِعِيسى وثَبَتُوا عَلى دِينِهِ حَتّى آمَنُوا بِمُحَمَّدٍ ﷺ لَمّا بَعَثَهُ اللَّهُ ﴿وكَثِيرٌ مِنهم فاسِقُونَ﴾ خارِجُونَ عَنِ الإيمانِ بِما أُمِرُوا أنْ يُؤْمِنُوا بِهِ، ووَجْهُ الذَّمِّ لَهم عَلى تَقْدِيرِ أنَّ الِاسْتِثْناءَ مُنْقَطِعٌ أنَّهم قَدْ كانُوا ألْزَمُوا أنْفُسَهُمُ الرَّهْبانِيَّةَ مُعْتَقِدِينَ أنَّها طاعَةٌ وأنَّ اللَّهَ يَرْضاها، فَكانَ تَرْكُها وعَدَمُ رِعايَتِها حَقَّ الرِّعايَةِ يَدُلُّ عَلى عَدَمِ مُبالاتِهِمْ بِما يَعْتَقِدُونَهُ دِينًا.
وأمّا عَلى القَوْلِ بِأنَّ الِاسْتِثْناءَ مُتَّصِلٌ، وأنَّ التَّقْدِيرَ: ما كَتَبْناها عَلَيْهِمْ لِشَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ إلّا لِيَبْتَغُوا بِها رِضْوانَ اللَّهِ بَعْدَ أنْ وفَّقْناهم لِابْتِداعِها فَوَجْهُ الذَّمِّ ظاهِرٌ.
ثُمَّ أمَرَ سُبْحانَهُ المُؤْمِنِينَ بِالرُّسُلِ المُتَقَدِّمِينَ بِالتَّقْوى والإيمانِ بِمُحَمَّدٍ ﷺ فَقالَ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ﴾ بِتَرْكِ ما نَهاكم عَنْهُ وآمِنُوا بِرَسُولِهِ مُحَمَّدٍ ﷺ ﴿يُؤْتِكم كِفْلَيْنِ مِن رَحْمَتِهِ﴾ أيْ نَصِيبَيْنِ مِن رَحْمَتِهِ بِسَبَبِ إيمانِكم بِرَسُولِهِ بَعْدَ إيمانِكم بِمَن قَبْلَهُ مِنَ الرُّسُلِ، وأصْلُ الكِفْلِ الحَظُّ والنَّصِيبُ، وقَدْ تَقَدَّمَ (p-١٤٦٣)الكَلامُ عَلى تَفْسِيرِهِ في سُورَةِ النِّساءِ ﴿ويَجْعَلْ لَكم نُورًا تَمْشُونَ بِهِ﴾ يَعْنِي عَلى الصِّراطِ كَما قالَ: ﴿نُورُهم يَسْعى بَيْنَ أيْدِيهِمْ﴾ وقِيلَ المَعْنى: ويَجْعَلْ لَكم سَبِيلًا واضِحًا في الدِّينِ تَهْتَدُونَ بِهِ ﴿ويَغْفِرْ لَكُمْ﴾ ما سَلَفَ مِن ذُنُوبِكم واللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ أيْ بَلِيغُ المَغْفِرَةِ والرَّحْمَةِ.
﴿لِئَلّا يَعْلَمَ أهْلُ الكِتابِ﴾ اللّامُ مُتَعَلِّقَةٌ بِما تَقَدَّمَ مِنَ الأمْرِ بِالإيمانِ والتَّقْوى، والتَّقْدِيرُ: اتَّقُوا وآمِنُوا يُؤْتِكم كَذا وكَذا لِيَعْلَمَ الَّذِينَ لَمْ يَتَّقُوا ولا آمَنُوا مِن أهْلِ الكِتابِ ألّا يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ مِن فَضْلِ اللَّهِ و" لا " في قَوْلِهِ: " لِئَلّا " زائِدَةٌ لِلتَّوْكِيدِ، قالَهُ الفَرّاءُ، والأخْفَشُ وغَيْرُهُما، و" أنْ " في قَوْلِهِ: " أنْ لا يَقْدِرُونَ " هي المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَّقِيلَةِ، واسْمُها ضَمِيرُ شَأْنٍ مَحْذُوفٍ وخَبَرُها ما بَعْدَها، والجُمْلَةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى أنَّها مَفْعُولُ " يَعْلَمَ "، والمَعْنى: لِيَعْلَمَ أهْلُ الكِتابِ أنَّهم لا يَقْدِرُونَ عَلى أنْ يَنالُوا شَيْئًا مِن فَضْلِ اللَّهِ الَّذِي تَفَضَّلَ بِهِ عَلى مَن آمَنَ بِمُحَمَّدٍ ﷺ، ولا يَقْدِرُونَ عَلى دَفْعِ ذَلِكَ الفَضْلِ الَّذِي تَفَضَّلَ اللَّهُ بِهِ عَلى المُسْتَحِقِّينَ لَهُ، وجُمْلَةُ " وأنَّ الفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ " مَعْطُوفَةٌ عَلى الجُمْلَةِ الَّتِي قَبْلَها: أيْ لِيَعْلَمُوا أنَّهم لا يَقْدِرُونَ ولِيَعْلَمُوا أنَّ الفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ سُبْحانَهُ، وقَوْلُهُ: يُؤْتِيهِ مَن يَشاءُ خَبَرٌ ثانٍ لِ " أنْ " أوْ هو الخَبَرُ، والجارُّ والمَجْرُورُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ " ﴿واللَّهُ ذُو الفَضْلِ العَظِيمِ﴾ " هَذِهِ الجُمْلَةُ مُقَرِّرَةٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَها، والمُرادُ بِالفَضْلِ هُنا ما تَفَضَّلَ بِهِ عَلى الَّذِينَ اتَّقَوْا وآمَنُوا بِرَسُولِهِ مِنَ الأجْرِ المُضاعَفِ.
وقالَ الكَلْبِيُّ: هو رِزْقُ اللَّهِ، وقِيلَ نِعَمُ اللَّهِ الَّتِي لا تُحْصى، وقِيلَ هو الإسْلامُ، وقَدْ قِيلَ إنَّ " لا " في " لِئَلّا " غَيْرُ مَزِيدَةٍ، وضَمِيرَ " لا يَقْدِرُونَ " لِلنَّبِيِّ ﷺ وأصْحابِهِ، والمَعْنى: لِئَلّا يَعْتَقِدَ أهْلُ الكِتابِ أنَّهُ لا يَقْدِرُ النَّبِيُّ والمُؤْمِنُونَ عَلى شَيْءٍ مِن فَضْلِ اللَّهِ الَّذِي هو عِبارَةٌ عَمّا أُوتُوهُ، والأوَّلُ أوْلى.
وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ " لِكَيْلا يَعْلَمَ " وقَرَأ خَطّابُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ " لِأنْ يَعْلَمَ " وقَرَأ عِكْرِمَةُ " لِيَعْلَمَ " وقُرِئَ " لِيَلّا " بِقَلْبِ الهَمْزَةِ ياءً، وقُرِئَ بِفَتْحِ اللّامِ.
وقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والحَكِيمُ، التِّرْمِذِيُّ في نَوادِرِ الأُصُولِ، وأبُو يَعْلى، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ مِن طُرُقِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: «قالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: يا عَبْدَ اللَّهِ، قُلْتُ لَبَّيْكَ يا رَسُولَ اللَّهِ ثَلاثَ مَرّاتٍ، قالَ: هَلْ تَدْرِي: أيُّ عُرى الإسْلامِ أوْثَقُ ؟ قُلْتُ: اللَّهُ ورَسُولُهُ أعْلَمُ، قالَ: أفْضَلُ النّاسِ أفْضَلُهم عَمَلًا إذا فَقُهُوا في دِينِهِمْ، يا عَبْدَ اللَّهِ هَلْ تَدْرِي: أيُّ النّاسِ أعْلَمُ ؟ قُلْتُ: اللَّهُ ورَسُولُهُ أعْلَمُ، قالَ: فَإنَّ أعْلَمَ النّاسِ أبْصَرُهم بِالحَقِّ إذا اخْتَلَفَ النّاسُ وإنْ كانَ مُقَصِّرًا بِالعَمَلِ وإنْ كانَ يَزْحَفُ عَلى اسْتِهِ، واخْتَلَفَ مَن كانَ قَبْلَنا عَلى اثْنَتَيْنِ وسَبْعِينَ فِرْقَةً نَجا مِنها ثَلاثٌ وهَلَكَ سائِرُها: فِرْقَةٌ وازَرَتِ المُلُوكَ وقاتَلَتْهم عَلى دِينِ اللَّهِ وعِيسى ابْنِ مَرْيَمَ، وفِرْقَةٌ لَمْ تَكُنْ لَهم طاقَةٌ بِمُوازَرَةِ المُلُوكِ فَأقامُوا بَيْنَ ظَهَرانَيْ قَوْمِهِمْ فَدَعَوْهم إلى دِينِ اللَّهِ ودِينِ عِيسى فَقَتَلَهُمُ المُلُوكُ ونَشْرَتْهم بِالمَناشِيرِ، وفِرْقَةٌ لَمْ تَكُنْ لَهم طاقَةٌ بِمُوازَرَةِ المُلُوكِ ولا بِالمَقامِ مَعَهم فَساحُوا في الجِبالِ وتَرَهَّبُوا فِيها وهُمُ الَّذِينَ قالَ اللَّهُ: ﴿ورَهْبانِيَّةً ابْتَدَعُوها ما كَتَبْناها عَلَيْهِمْ إلّا ابْتِغاءَ رِضْوانِ اللَّهِ فَما رَعَوْها حَقَّ رِعايَتِها فَآتَيْنا الَّذِينَ آمَنُوا مِنهم أجْرَهم﴾ هُمُ الَّذِينَ آمَنُوا بِي وصَدَّقُونِي ﴿وكَثِيرٌ مِنهم فاسِقُونَ﴾ الَّذِينَ جَحَدُونِي وكَفَرُوا بِي» .
وأخْرَجَ النَّسائِيُّ، والحَكِيمُ، التِّرْمِذِيُّ في نَوادِرِ الأُصُولِ وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: كانَتْ مُلُوكٌ بَعْدَ عِيسى بَدَّلَتِ التَّوْراةَ والإنْجِيلَ، فَكانَ مِنهم مُؤْمِنُونَ يَقْرَءُونَ التَّوْراةَ والإنْجِيلَ فَقِيلَ لِمُلُوكِهِمْ ما نَجِدُ شَيْئًا أشَدَّ مِن شَتْمٍ يَشْتُمُنا هَؤُلاءِ إنَّهم يَقْرَءُونَ ﴿ومَن لَمْ يَحْكم بِما أنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الكافِرُونَ﴾ ﴿ومَن لَمْ يَحْكم بِما أنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾ ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الفاسِقُونَ﴾ مَعَ ما يَعِيبُونَنا بِهِ مِن أعْمالِنا في قِراءَتِهِمْ، فادْعُوهم فَلْيَقْرَءُوا كَما نَقْرَأُ ولْيُؤْمِنُوا كَما آمَنّا، فَدَعاهم فَجَمَعَهم وعَرَضَ عَلَيْهِمُ القَتْلَ، أوْ لِيَتْرُكُوا قِراءَةَ التَّوْراةِ والإنْجِيلِ إلّا ما بَدَّلُوا مِنهُما، فَقالُوا ما تُرِيدُونَ إلى ذَلِكَ ؟ دَعُونا، فَقالَتْ طائِفَةٌ مِنهم: ابْنُوا لَنا أُسْطُوانَةً ثُمَّ ارْفَعُونا إلَيْها، ثُمَّ أعْطُونا شَيْئًا نَرْفَعُ بِهِ طَعامَنا وشَرابَنا ولا نَرُدُّ عَلَيْكم، وقالَتْ طائِفَةٌ: دَعُونا نَسِيحُ في الأرْضِ ونَهِيمُ ونَأْكُلُ مِمّا تَأْكُلُ مِنهُ الوُحُوشُ ونَشْرَبُ مِمّا تَشْرَبُ، فَإنْ قَدَرْتُمْ عَلَيْنا في أرْضِكم فاقْتُلُونا، وقالَتْ طائِفَةٌ: ابْنُوا لَنا دُورًا في الفَيافِي، ونَحْتَفِرُ الآبارَ، ونَحْرُثُ البُقُولَ؛ فَلا نَرُدُّ عَلَيْكم ولا نَمُرُّ بِكم، ولَيْسَ أحَدٌ مِنَ القَبائِلِ إلّا لَهُ حَمِيمٌ فِيهِمْ فَفَعَلُوا ذَلِكَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: " رَهْبانِيَّةً ابْتَدَعُوها ما كَتَبْناها عَلَيْهِمْ إلّا ابْتِغاءَ رِضْوانِ اللَّهِ فَما رَعَوْها حَقَّ رِعايَتِها " وقالَ الآخَرُونَ مِمَّنْ تَعَبَّدَ مِن أهْلِ الشِّرْكِ وفَنِيَ مَن فَنِيَ مِنهم قالُوا: نَتَعَبَّدُ كَما تَعَبَّدَ فُلانٌ ونَسِيحُ كَما ساحَ فُلانٌ ونَتَّخِذُ دُورًا كَما اتَّخَذَ فُلانٌ وهم عَلى شِرْكِهِمْ لا عِلْمَ لَهم بِإيمانِ الَّذِينَ اقْتَدَوْا بِهِمْ، فَلَمّا بُعِثَ النَّبِيُّ ﷺ ولَمْ يَبْقَ مِنهم إلّا القَلِيلُ انْحَطَّ صاحِبُ الصَّوْمَعَةِ مِن صَوْمَعَتِهِ وجاءَ السَّيّاحُ مِن سِياحَتِهِ وصاحِبُ الدَّيْرِ مِن دَيْرِهِ، فَآمَنُوا بِهِ وصَدَّقُوهُ، فَقالَ اللَّهُ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكم كِفْلَيْنِ مِن رَحْمَتِهِ﴾ أجْرَيْنِ بِإيمانِهِمْ بِعِيسى ونَصَبِ أنْفُسِهِمْ والتَّوْراةِ والإنْجِيلِ، وبِإيمانِهِمْ بِمُحَمَّدٍ وتَصْدِيقِهِمْ " ويَجْعَلْ لَكم نُورًا تَمْشُونَ بِهِ " القُرْآنَ واتِّباعَهُمُ النَّبِيَّ ﷺ .
وأخْرَجَ أحْمَدُ، والحَكِيمُ، التِّرْمِذِيُّ، وأبُو يَعْلى، والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنْ أنَسٍ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «إنَّ لِكُلِّ أُمَّةٍ رَهْبانِيَّةً ورَهْبانِيَّةُ هَذِهِ الأُمَّةِ الجِهادُ في سَبِيلِ اللَّهِ» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي مُوسى الأشْعَرِيِّ في قَوْلِهِ: " كِفْلَيْنِ " قالَ: ضِعْفَيْنِ وهي بِلِسانِ الحَبَشَةِ.
وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ في قَوْلِهِ: ﴿يُؤْتِكم كِفْلَيْنِ مِن رَحْمَتِهِ﴾ قالَ: الكِفْلُ ثَلاثُمِائَةِ جُزْءٍ وخَمْسُونَ جُزْءًا مِن رَحْمَةِ اللَّهِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences