Ash-Shawkani · Tafsir · in Arabic
Al-An'am 6:121–128
6:121Page 143
وَلَا تَأۡكُلُواْ مِمَّا لَمۡ يُذۡكَرِ ٱسۡمُ ٱللَّهِ عَلَيۡهِ وَإِنَّهُۥ لَفِسۡقٞۗ وَإِنَّ ٱلشَّيَٰطِينَ لَيُوحُونَ إِلَىٰٓ أَوۡلِيَآئِهِمۡ لِيُجَٰدِلُوكُمۡۖ وَإِنۡ أَطَعۡتُمُوهُمۡ إِنَّكُمۡ لَمُشۡرِكُونَ ١٢١
And do not eat of that upon which the name of Allāh has not been mentioned, for indeed, it is grave disobedience. And indeed do the devils inspire their allies [among men] to dispute with you. And if you were to obey them, indeed, you would be associators [of others with Him].1
نَهى اللَّهُ سُبْحانَهُ عَنْ أكْلِ ما لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ بَعْدَ أنْ أمَرَ بِالأكْلِ مِمّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ.
وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى تَحْرِيمِ أكْلِ ما لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ.
وقَدِ اخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ في ذَلِكَ، فَذَهَبَ ابْنُ عُمَرَ ونافِعٌ مَوْلاهُ والشَّعْبِيُّ، وابْنُ سِيرِينَ وهو رِوايَةٌ عَنْ مالِكٍ وأحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، وبِهِ قالَ أبُو ثَوْرٍ وداوُدُ الظّاهِرِيُّ: أنَّ ما لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ مِنَ الذَّبائِحِ حَرامٌ مِن غَيْرِ فَرْقٍ بَيْنَ العامِدِ والنّاسِي لِهَذِهِ الآيَةِ، ولِقَوْلِهِ تَعالى في آيَةِ الصَّيْدِ: ﴿فَكُلُوا مِمّا أمْسَكْنَ عَلَيْكم واذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [المائدة: ٤] ويَزِيدُ هَذا الِاسْتِدْلالَ تَأْكِيدًا قَوْلُهُ سُبْحانَهُ في هَذِهِ الآيَةِ ﴿وإنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ .
وقَدْ ثَبَتَ في الأحادِيثِ الصَّحِيحَةِ الأمْرُ بِالتَّسْمِيَةِ في الصَّيْدِ وغَيْرِهِ.
وذَهَبَ الشّافِعِيُّ وأصْحابُهُ وهو رِوايَةٌ عَنْ مالِكٍ ورِوايَةٌ عَنْ أحْمَدَ، أنَّ التَّسْمِيَةَ مُسْتَحَبَّةٌ لا واجِبَةٌ، وهو مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وأبِي هُرَيْرَةَ وعَطاءِ بْنِ أبِي رَباحٍ، وحَمَلَ الشّافِعِيُّ الآيَةَ عَلى مَن ذَبَحَ لِغَيْرِ اللَّهِ وهو تَخْصِيصٌ لِلْآيَةِ بِغَيْرِ مُخَصِّصٍ.
وقَدْ رَوى أبُو داوُدَ في المُرْسَلِ أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «ذَبِيحَةُ المُسْلِمِ حَلالٌ، ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ أوْ لَمْ يُذْكَرْ» .
ولَيْسَ في هَذا المُرْسَلِ ما يَصْلُحُ لِتَخْصِيصِ الآيَةِ، نَعَمْ «حَدِيثُ عائِشَةَ أنَّها قالَتْ لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: إنَّ قَوْمًا يَأْتُونَنا بِلُحْمانٍ لا نَدْرِي أذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ أمْ لا ؟ فَقالَ: سَمُّوا أنْتُمْ وكُلُوا» يُفِيدُ أنَّ التَّسْمِيَةَ عِنْدَ الأكْلِ تُجْزِئُ مَعَ التِباسِ وُقُوعِها عِنْدَ الذَّبْحِ.
وذَهَبَ مالِكٌ وأحْمَدُ في المَشْهُورِ عَنْهُما وأبُو حَنِيفَةَ وأصْحابُهُ وإسْحاقُ بْنُ راهَوَيْهِ أنَّ التَّسْمِيَةَ إنْ تُرِكَتْ نِسْيانًا لَمْ تَضُرَّ، وإنْ تُرِكَتْ عَمْدًا لَمْ يَحِلَّ أكْلُ الذَّبِيحَةِ.
وهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ عَلِيٍّ وابْنِ عَبّاسٍ، وسَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ وعَطاءٍ وطاوُسٍ والحَسَنِ البَصْرِيِّ وأبِي مالِكٍ وعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أبِي لَيْلى وجَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ ورَبِيعَةَ بْنِ أبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ، واسْتَدَلُّوا بِما أخْرَجَهُ البَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «المُسْلِمُ إنْ نَسِيَ أنْ يُسَمِّيَ حِينَ يَذْبَحُ فَلْيَذْكُرِ اسْمَ اللَّهِ ولْيَأْكُلْهُ» وهَذا الحَدِيثُ رَفْعُهُ خَطَأٌ، وإنَّما هو مِن قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ.
وكَذا أخْرَجَهُ مِن قَوْلِهِ: عَبْدُ الرَّزّاقِ، وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، نَعَمْ يُمْكِنُ الِاسْتِدْلالُ لِهَذا المَذْهَبِ بِمِثْلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا إنْ نَسِينا أوْ أخْطَأْنا﴾ [البقرة: ٢٨٦] كَما سَبَقَ تَقْرِيرُهُ، وبِقَوْلِهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي الخَطَأُ والنِّسْيانُ» وأمّا حَدِيثُ أبِي هُرَيْرَةَ الَّذِي أخْرَجَهُ ابْنُ عَدِيٍّ «أنَّ رَجُلًا جاءَ إلى النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ أرَأيْتَ الرَّجُلَ مِنّا يَذْبَحُ ويَنْسى أنْ يُسَمِّيَ ؟ فَقالَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: اسْمُ اللَّهِ عَلى كُلِّ مُسْلِمٍ» فَهو حَدِيثٌ ضَعِيفٌ قَدْ ضَعَّفَهُ البَيْهَقِيُّ وغَيْرُهُ.
قَوْلُهُ: ﴿وإنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ الضَّمِيرُ يَرْجِعُ إلى " ما " بِتَقْدِيرِ مُضافٍ: أيْ وإنَّ أكْلَ ما لَمْ يُذْكَرْ لَفِسْقٌ، ويَجُوزُ أنْ يَرْجِعَ إلى مَصْدَرِ تَأْكُلُوا: أيْ فَإنَّ الأكْلَ لَفِسْقٌ.
وقَدْ تَقَدَّمَ تَحْقِيقُ الفِسْقِ.
وقَدِ اسْتَدَلَّ مَن حَمَلَ هَذِهِ الآيَةَ عَلى ما ذُبِحَ لِغَيْرِ اللَّهِ بِقَوْلِهِ: ﴿وإنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ ووَجْهُ الِاسْتِدْلالِ أنَّ التَّرْكَ لا يَكُونُ فِسْقًا، بَلِ الفِسْقُ الذَّبْحُ لِغَيْرِ اللَّهِ.
ويُجابُ عَنْهُ بِأنَّ إطْلاقَ اسْمِ الفِسْقِ عَلى تارِكِ ما فَرَضَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ غَيْرُ مُمْتَنَعٍ شَرْعًا ﴿وإنَّ الشَّياطِينَ لَيُوحُونَ إلى أوْلِيائِهِمْ﴾ أيْ يُوَسْوِسُونَ لَهم بِالوَساوِسِ المُخالِفَةِ لِلْحَقِّ المُبايِنَةِ لِلصَّوابِ قاصِدِينَ بِذَلِكَ أنْ يُجادِلَكم هَؤُلاءِ الأوْلِياءُ بِما يُوَسْوِسُونَ لَهم ﴿وإنْ أطَعْتُمُوهُمْ﴾ فِيما يَأْمُرُونَكم بِهِ ويَنْهَوْنَكم عَنْهُ ﴿إنَّكم لَمُشْرِكُونَ﴾ مِثْلَهم.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وأبُو داوُدَ وابْنُ ماجَهْ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والنَّحّاسُ، والطَّبَرانِيُّ وأبُو الشَّيْخِ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: المُشْرِكُونَ، وفي لَفْظٍ: قالَ اليَهُودُ: لا تَأْكُلُوا مِمّا قَتَلَ اللَّهُ وتَأْكُلُوا مِمّا قَتَلْتُمْ أنْتُمْ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿ولا تَأْكُلُوا مِمّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، والطَّبَرانِيُّ وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْهُ قالَ: لَمّا نَزَلَتْ: ﴿ولا تَأْكُلُوا مِمّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ أرْسَلَتْ فارِسُ إلى قُرَيْشٍ أنْ خاصِمُوا مُحَمَّدًا، فَقالُوا لَهُ: ما تَذْبَحُ أنْتَ بِيَدِكَ بِسِكِّينٍ فَهو حَلالٌ، وما ذَبَحَ اللَّهُ بِشِمْشارٍ مِن ذَهَبٍ يَعْنِي المَيْتَةَ فَهو حَرامٌ ؟ !، فَنَزَلَتْ: ﴿وإنَّ الشَّياطِينَ لَيُوحُونَ إلى أوْلِيائِهِمْ لِيُجادِلُوكم﴾ قالَ: الشَّياطِينُ مِن فارِسَ وأوْلِياؤُهم مِن قُرَيْشٍ.
وقَدْ رُوِيَ نَحْوُ ما تَقَدَّمَ في حَدِيثِ ابْنِ عَبّاسٍ، الأوَّلِ مِن غَيْرِ طَرِيقٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿وإنَّ الشَّياطِينَ لَيُوحُونَ إلى أوْلِيائِهِمْ﴾ قالَ: إبْلِيسُ أوْحى إلى مُشْرِكِي قُرَيْشٍ.
وأخْرَجَ أبُو داوُدَ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿ولا تَأْكُلُوا مِمّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وإنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ فَنُسِخَ، واسْتُثْنِيَ مِن ذَلِكَ فَقالَ: ﴿وطَعامُ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ حِلٌّ لَكم﴾ .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ الخَطْمِيِّ قالَ: كُلُوا ذَبائِحَ المُسْلِمِينَ وأهْلِ الكِتابِ مِمّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ.
ورَوى ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مَكْحُولٍ نَحْوَ قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ، في النَّسْخِ.
6:122–124Page 143
أَوَمَن كَانَ مَيۡتٗا فَأَحۡيَيۡنَٰهُ وَجَعَلۡنَا لَهُۥ نُورٗا يَمۡشِي بِهِۦ فِي ٱلنَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُۥ فِي ٱلظُّلُمَٰتِ لَيۡسَ بِخَارِجٖ مِّنۡهَاۚ كَذَٰلِكَ زُيِّنَ لِلۡكَٰفِرِينَ مَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ ١٢٢
And is one who was dead and We gave him life and made for him light by which to walk among the people like one who is in darkness, never to emerge therefrom? Thus it has been made pleasing to the disbelievers that which they were doing.
وَكَذَٰلِكَ جَعَلۡنَا فِي كُلِّ قَرۡيَةٍ أَكَٰبِرَ مُجۡرِمِيهَا لِيَمۡكُرُواْ فِيهَاۖ وَمَا يَمۡكُرُونَ إِلَّا بِأَنفُسِهِمۡ وَمَا يَشۡعُرُونَ ١٢٣
And thus We have placed within every city the greatest of its criminals to conspire therein. But they conspire not except against themselves, and they perceive [it] not.
وَإِذَا جَآءَتۡهُمۡ ءَايَةٞ قَالُواْ لَن نُّؤۡمِنَ حَتَّىٰ نُؤۡتَىٰ مِثۡلَ مَآ أُوتِيَ رُسُلُ ٱللَّهِۘ ٱللَّهُ أَعۡلَمُ حَيۡثُ يَجۡعَلُ رِسَالَتَهُۥۗ سَيُصِيبُ ٱلَّذِينَ أَجۡرَمُواْ صَغَارٌ عِندَ ٱللَّهِ وَعَذَابٞ شَدِيدُۢ بِمَا كَانُواْ يَمۡكُرُونَ ١٢٤
And when a sign comes to them, they say, "Never will we believe until we are given like that which was given to the messengers of Allāh." Allāh is most knowing of where [i.e., with whom] He places His message. There will afflict those who committed crimes debasement before Allāh and severe punishment for what they used to conspire.
(p-٤٤٦)قَوْلُهُ: ﴿أوَمَن كانَ مَيْتًا فَأحْيَيْناهُ﴾ .
قَرَأ الجُمْهُورُ بِفَتْحِ الواوِ بَعْدَ هَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ.
وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ أبِي نُعَيْمٍ بِإسْكانِها، قالَ النَّحّاسُ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَحْمُولًا عَلى المَعْنى: أيِ انْظُرُوا وتَدَبَّرُوا ﴿أفَغَيْرَ اللَّهِ أبْتَغِي حَكَمًا﴾، ﴿أوَمَن كانَ مَيْتًا فَأحْيَيْناهُ﴾ [الأنعام: ١٢٢] والمُرادُ بِالمَيِّتِ هُنا الكافِرُ أحْياهُ اللَّهُ بِالإسْلامِ، وقِيلَ: مَعْناهُ: كانَ مَيْتًا حِينَ كانَ نُطْفَةً فَأحْيَيْناهُ بِنَفْخِ الرُّوحِ فِيهِ.
والأوَّلُ أوْلى، لِأنَّ السِّياقَ يُشْعِرُ بِذَلِكَ لِكَوْنِهِ في تَنْفِيرِ المُسْلِمِينَ عَنِ اتِّباعِ المُشْرِكِينَ، وكَثِيرًا ما تُسْتَعارُ الحَياةُ لِلْهِدايَةِ والعِلْمِ، ومِنهُ قَوْلُ القائِلِ:
؎وفِي الجَهْلِ قَبْلَ المَوْتِ مَوْتٌ لِأهْلِهِ فَأجْسامُهم قَبْلَ القُبُورِ قُبُورُ
؎وإنَّ امْرَأً لَمْ يَحْيَ بِالعِلْمِ مَيِّتٌ ∗∗∗ فَلَيْسَ لَهُ حَتّى النُّشُورِ نُشُورُ
والنُّورُ عِبارَةٌ عَنِ الهِدايَةِ والإيمانِ، وقِيلَ: هو القُرْآنُ، وقِيلَ: الحِكْمَةُ، وقِيلَ: هو النُّورُ المَذْكُورُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَسْعى نُورُهم بَيْنَ أيْدِيهِمْ وبِأيْمانِهِمْ﴾ [الحديد: ١٢] والضَّمِيرُ في بِهِ راجِعٌ إلى النُّورِ ﴿كَمَن مَثَلُهُ في الظُّلُماتِ﴾ أيْ كَمَن صِفَتُهُ في الظُّلُماتِ، ومَثَلُهُ مُبْتَدَأٌ والظُّلُماتُ خَبَرُهُ، والجُمْلَةُ صِفَةٌ لِمَن، وقِيلَ: " مِثْلُ " زائِدَةٌ، والمَعْنى: كَمَن في الظُّلُماتِ كَما تَقُولُ: أنا أكْرَمُ مِن مِثْلِكَ: أيْ مِنكَ، ومِثْلُهُ ﴿فَجَزاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ [المائدة: ٩٥] ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١] .
وقِيلَ: المَعْنى: كَمَن مَثَلُهُ مِثْلَ مَن هو في الظُّلُماتِ، و﴿لَيْسَ بِخارِجٍ مِنها﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ: أيْ حالَ كَوْنِهِ لَيْسَ بِخارِجٍ مِنها بِحالٍ مِنَ الأحْوالِ.
قَوْلُهُ: ١٢٣ - ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْنا في كُلِّ قَرْيَةٍ أكابِرَ مُجْرِمِيها لِيَمْكُرُوا فِيها﴾ أيْ مِثْلَ ذَلِكَ الجَعْلِ جَعَلْنا في كُلِّ قَرْيَةٍ، والأكابِرُ جَمْعُ أكْبَرَ، قِيلَ: هُمُ الرُّؤَساءُ والعُظَماءُ، وخَصَّهم بِالذِّكْرِ لِأنَّهم أقْدَرُ عَلى الفَسادِ، والمَكْرُ: الحِيلَةُ في مُخالَفَةِ الِاسْتِقامَةِ، وأصْلُهُ الفَتْلُ، فالماكِرُ يَفْتِلُ عَنْ الِاسْتِقامَةِ: أيْ يَصْرِفُ عَنْها ﴿وما يَمْكُرُونَ إلّا بِأنْفُسِهِمْ﴾ أيْ: وبالُ مَكْرِهِمْ عائِدٌ عَلَيْهِمْ ﴿وما يَشْعُرُونَ﴾ بِذَلِكَ لِفَرْطِ جَهْلِهِمْ.
١٢٤ - ﴿وإذا جاءَتْهم آيَةٌ﴾ مِنَ الآياتِ ﴿قالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتّى نُؤْتى مِثْلَ ما أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ﴾ يُرِيدُونَ أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ حَتّى يَكُونُوا أنْبِياءَ، وهَذا نَوْعٌ عَجِيبٌ مِن جَهالاتِهِمُ الغَرِيبَةِ وعَجْرَفَتِهِمُ العَجِيبَةِ، ونَظِيرُهُ ﴿يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنهم أنْ يُؤْتى صُحُفًا مُنَشَّرَةً﴾ [المدثر: ٥٢] .
والمَعْنى: إذا جاءَتِ الأكابِرَ آيَةٌ قالُوا هَذِهِ المَقالَةَ، فَأجابَ اللَّهُ عَنْهم بِقَوْلِهِ: ﴿اللَّهُ أعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ﴾ أيْ إنَّ اللَّهَ أعْلَمُ بِمَن يَسْتَحِقُّ أنْ يَجْعَلَهُ رَسُولًا ويَكُونُ مَوْضِعًا لَها وأمِينًا عَلَيْها، وقَدِ اخْتارَ أنْ يَجْعَلَ الرِّسالَةَ في مُحَمَّدٍ صَفِيِّهِ وحَبِيبِهِ، فَدَعُوا طَلَبَ ما لَيْسَ مِن شَأْنِكم، تَوَعَّدَهم بِقَوْلِهِ: ﴿سَيُصِيبُ الَّذِينَ أجْرَمُوا صَغارٌ﴾ أيْ ذُلٌّ وهَوانٌ، وأصْلُهُ مِنَ الصِّغَرِ كَأنَّ الذُّلَّ يُصَغِّرُ إلى المَرْءِ نَفْسَهُ، وقِيلَ: الصَّغارُ هو الرِّضا بِالذُّلِّ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ السِّكِّيتِ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ﴿أوَمَن كانَ مَيْتًا فَأحْيَيْناهُ﴾ قالَ: كانَ كافِرًا ضالًّا فَهَدَيْناهُ ﴿وجَعَلْنا لَهُ نُورًا﴾ هو القُرْآنُ ﴿كَمَن مَثَلُهُ في الظُّلُماتِ﴾ الكُفْرِ والضَّلالَةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ عِكْرِمَةَ في الآيَةِ قالَ: نَزَلَتْ في عَمّارِ بْنِ ياسِرٍ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿أوَمَن كانَ مَيْتًا فَأحْيَيْناهُ وجَعَلْنا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ في النّاسِ﴾ يَعْنِي عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ ﴿كَمَن مَثَلُهُ في الظُّلُماتِ لَيْسَ بِخارِجٍ مِنها﴾ يَعْنِي أبا جَهْلِ بْنِ هِشامٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ في الآيَةِ قالَ: نَزَلَتْ في عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ وأبِي جَهْلِ بْنِ هِشامٍ كانا مَيِّتَيْنِ في ضَلالَتِهِما فَأحْيا اللَّهُ عُمَرَ بِالإسْلامِ وأعَزَّهُ، وأقَرَّ أبا جَهْلٍ في ضَلالَتِهِ ومَوْتِهِ، وذَلِكَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - دَعا فَقالَ: «اللَّهُمَّ أعِزَّ الإسْلامَ بِأبِي جَهْلِ بْنِ هِشامٍ، أوْ بِعُمَرَ بْنِ الخَطّابِ» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ عِكْرِمَةَ في قَوْلِهِ: ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْنا في كُلِّ قَرْيَةٍ أكابِرَ مُجْرِمِيها﴾ قالَ: نَزَلَتْ في المُسْتَهْزِئِينَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في الآيَةِ قالَ: سَلَّطْنا شِرارَها فَعَصَوْا فِيها، فَإذا فَعَلُوا ذَلِكَ أهْلَكْناهم بِالعَذابِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: ﴿أكابِرَ مُجْرِمِيها﴾ عُظَماءَها.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ في قَوْلِهِ: ﴿وإذا جاءَتْهم آيَةٌ﴾ الآيَةَ.
قالَ: قالُوا لِمُحَمَّدٍ حِينَ دَعاهم إلى ما دَعاهم إلَيْهِ مِنَ الحَقِّ: لَوْ كانَ هَذا حَقًّا لَكانَ فِينا مَن هو أحَقُّ أنْ يُؤْتى بِهِ مِن مُحَمَّدٍ ﴿وقالُوا لَوْلا نُزِّلَ هَذا القُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ القَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف: ٣١] .
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿سَيُصِيبُ الَّذِينَ أجْرَمُوا﴾ قالَ: أشْرَكُوا ﴿صَغارٌ﴾ قالَ: هَوانٌ.
6:125–128Page 144
فَمَن يُرِدِ ٱللَّهُ أَن يَهۡدِيَهُۥ يَشۡرَحۡ صَدۡرَهُۥ لِلۡإِسۡلَٰمِۖ وَمَن يُرِدۡ أَن يُضِلَّهُۥ يَجۡعَلۡ صَدۡرَهُۥ ضَيِّقًا حَرَجٗا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي ٱلسَّمَآءِۚ كَذَٰلِكَ يَجۡعَلُ ٱللَّهُ ٱلرِّجۡسَ عَلَى ٱلَّذِينَ لَا يُؤۡمِنُونَ ١٢٥
So whoever Allāh wants to guide - He expands his breast to [contain] Islām; and whoever He wants to send astray1 - He makes his breast tight and constricted as though he were climbing into the sky. Thus does Allāh place defilement upon those who do not believe.
وَهَٰذَا صِرَٰطُ رَبِّكَ مُسۡتَقِيمٗاۗ قَدۡ فَصَّلۡنَا ٱلۡأٓيَٰتِ لِقَوۡمٖ يَذَّكَّرُونَ ١٢٦
And this is the path of your Lord, [leading] straight. We have detailed the verses for a people who remember.
۞ لَهُمۡ دَارُ ٱلسَّلَٰمِ عِندَ رَبِّهِمۡۖ وَهُوَ وَلِيُّهُم بِمَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ ١٢٧
For them will be the Home of Peace [i.e., Paradise] with their Lord. And He will be their protecting friend because of what they used to do.
وَيَوۡمَ يَحۡشُرُهُمۡ جَمِيعٗا يَٰمَعۡشَرَ ٱلۡجِنِّ قَدِ ٱسۡتَكۡثَرۡتُم مِّنَ ٱلۡإِنسِۖ وَقَالَ أَوۡلِيَآؤُهُم مِّنَ ٱلۡإِنسِ رَبَّنَا ٱسۡتَمۡتَعَ بَعۡضُنَا بِبَعۡضٖ وَبَلَغۡنَآ أَجَلَنَا ٱلَّذِيٓ أَجَّلۡتَ لَنَاۚ قَالَ ٱلنَّارُ مَثۡوَىٰكُمۡ خَٰلِدِينَ فِيهَآ إِلَّا مَا شَآءَ ٱللَّهُۚ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٞ ١٢٨
And [mention, O Muḥammad], the Day when He will gather them together [and say], "O company of jinn, you have [misled] many of mankind." And their allies among mankind will say, "Our Lord, some of us made use of others, and we have [now] reached our term which You appointed for us." He will say, "The Fire is your residence, wherein you will abide eternally, except for what Allāh wills. Indeed, your Lord is Wise and Knowing."
قَوْلُهُ: ﴿فَمَن يُرِدِ اللَّهُ أنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإسْلامِ﴾ الشَّرْحُ: الشَّقُّ وأصْلُهُ التَّوْسِعَةُ، وشَرَحْتُ الأمْرَ بَيَّنْتُهُ وأوْضَحْتُهُ، والمَعْنى: مَن يَرُدِ اللَّهُ هِدايَتَهُ لِلْحَقِّ يُوَسِّعْ صَدْرَهُ حَتّى يَقْبَلَهُ بِصَدْرٍ مُنْشَرِحٍ، ﴿ومَن يُرِدْ﴾ إضْلالَهُ ﴿يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا﴾ .
قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ " ضَيْقًا " بِالتَّخْفِيفِ مِثْلَ هَيْنٍ ولَيْنٍ.
وقَرَأ الباقُونَ بِالتَّشْدِيدِ وهُما لُغَتانِ.
وقَرَأ نافِعٌ " حَرِجًا " بِالكَسْرِ، ومَعْناهُ الضَّيِّقُ، كَرَّرَ المَعْنى تَأْكِيدًا، وحَسَّنَ ذَلِكَ اخْتِلافُ اللَّفْظِ.
وقَرَأ الباقُونَ بِالفَتْحِ، جَمْعُ حَرَجَةٍ وهي شِدَّةُ الضَّيِّقِ، والحَرَجَةُ الغَيْظَةُ، والجَمْعُ حُرَجٍ وحُرُجاتٍ، (p-٤٤٧)ومِنهُ فُلانٌ يَتَحَرَّجُ: أيْ يُضَيِّقُ عَلى نَفْسِهِ.
وقالَ الجَوْهَرِيُّ: مَكانٌ حَرِجٌ وحَرَجٌ: أيْ ضَيِّقٌ كَثِيرُ الشَّجَرِ لا تَصِلُ إلَيْهِ الرّاعِيَةُ، والحَرِجُ الإثْمُ.
وقالَ الزَّجّاجُ: الحَرَجُ أضْيَقُ الضِّيقِ.
وقالَ النَّحّاسُ: " حَرِجٌ " اسْمُ الفاعِلِ، وحَرَجٌ مَصْدَرٌ وُصِفَ بِهِ كَما يُقالُ: رَجُلٌ عَدْلٌ.
قَوْلُهُ: ﴿كَأنَّما يَصَّعَّدُ في السَّماءِ﴾ .
قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ بِالتَّخْفِيفِ مِنَ الصُّعُودِ، شَبَّهَ الكافِرَ في ثِقَلِ الإيمانِ عَلَيْهِ بِمَن يَتَكَلَّفُ ما لا يُطِيقُهُ كَصُعُودِ السَّماءِ.
وقَرَأ النَّخَعِيُّ " يَصّاعَدُ " وأصْلُهُ يَتَصاعَدُ.
وقَرَأ الباقُونَ ﴿يَصَّعَّدُ﴾ بِالتَّشْدِيدِ وأصْلُهُ يَتَصَعَّدُ، ومَعْناهُ: يَتَكَلَّفُ ما لا يُطِيقُ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ كَما يَتَكَلَّفُ مَن يُرِيدُ الصُّعُودَ إلى السَّماءِ.
وقِيلَ: المَعْنى عَلى جَمِيعِ القِراءاتِ: كادَ قَلْبُهُ يَصْعَدُ إلى السَّماءِ نُبُوًّا عَلى الإسْلامِ، و" ما " في " كَأنَّما " هي المُهَيِّئَةُ لِدُخُولِ كَأنَّ عَلى الجُمَلِ الفِعْلِيَّةِ.
قَوْلُهُ: ﴿كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلى الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ أيْ: مِثْلُ ذَلِكَ الجَعْلِ الَّذِي هو جَعْلُ الصَّدْرِ ضَيِّقًا حَرَجًا يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ.
والرِّجْسُ في اللُّغَةِ: النَّتْنُ، وقِيلَ: هو العَذابُ، وقِيلَ: هو الشَّيْطانُ يُسَلِّطُهُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ، وقِيلَ: هو ما لا خَيْرَ فِيهِ، والمَعْنى الأوَّلُ هو المَشْهُورُ في لُغَةِ العَرَبِ، وهو مُسْتَعارٌ لِما يَحِلُّ بِهِمْ مِنَ العُقُوبَةِ وهو يَصْدُقُ عَلى جَمِيعِ المَعانِي المَذْكُورَةِ.
والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿وهَذا صِراطُ رَبِّكَ﴾ إلى ما عَلَيْهِ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ومَن مَعَهُ مِنَ المُؤْمِنِينَ: أيْ هَذا طَرِيقُ دِينِ رَبِّكَ لا اعْوِجاجَ فِيهِ، وقِيلَ: الإشارَةُ إلى ما تَقَدَّمَ مِمّا يَدُلُّ عَلى التَّوْفِيقِ والخِذْلانِ: أيْ هَذا هو عادَةُ اللَّهِ في عِبادِهِ يَهْدِي مَن يَشاءُ ويُضِلُّ مَن يَشاءُ، وانْتِصابُ ﴿مُسْتَقِيمًا﴾ عَلى الحالِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وهُوَ الحَقُّ مُصَدِّقًا﴾ [البقرة: ٩١] ﴿وهَذا بَعْلِي شَيْخًا﴾ [هود: ٧٢] .
﴿قَدْ فَصَّلْنا الآياتِ﴾ أيْ بَيَّنّاها وأوْضَحْناها ﴿لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ﴾ ما فِيها ويَتَفَهَّمُونَ مَعانِيها.
﴿لَهم دارُ السَّلامِ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ أيْ لِهَؤُلاءِ المُتَذَكِّرِينَ الجَنَّةَ لِأنَّها دارُ السَّلامَةِ مِن كُلِّ مَكْرُوهٍ، أوْ دارُ الرَّبِّ السَّلامُ مُدَّخَرَةٌ لَهم عِنْدَ رَبِّهِمْ يُوصِلُهم إلَيْها ﴿وهُوَ ولِيُّهُمْ﴾ أيْ ناصِرُهم، والباءُ في ﴿بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ لِلسَّبَبِيَّةِ: أيْ بِسَبَبِ أعْمالِهِمْ.
قَوْلُهُ: ﴿ويَوْمَ نَحْشُرُهم جَمِيعًا﴾ الظَّرْفُ مَنصُوبٌ بِمُضْمَرٍ يُقَدَّرُ مُتَقَدِّمًا: أيْ واذْكُرْ يَوْمَ نَحْشُرُهم أوْ ﴿ويَوْمَ نَحْشُرُهُمْ﴾ نَقُولُ: ﴿يامَعْشَرَ الجِنِّ﴾، والمُرادُ حَشْرُ جَمِيعِ الخَلْقِ في القِيامَةِ، والمَعْشَرُ الجَماعَةُ: أيْ يَوْمُ الحَشْرِ نَقُولُ: يا جَماعَةَ الجِنِّ ﴿قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الإنْسِ﴾ أيْ مِنَ الِاسْتِمْتاعِ بِهِمْ كَقَوْلِهِ: ﴿رَبَّنا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنا بِبَعْضٍ﴾ [الأنعام: ١٢٨] وقِيلَ: اسْتَكْثَرْتُمْ مِن إغْوائِهِمْ وإضْلالِهِمْ حَتّى صارُوا في حُكْمِ الأتْباعِ لَكم فَحَشَرْناهم مَعَكم، ومِثْلُهُ قَوْلُهُمُ: اسْتَكْثَرَ الأمِيرُ مِنَ الجُنُودِ، والمُرادُ التَّقْرِيعُ والتَّوْبِيخُ، وعَلى الأوَّلِ فالمُرادُ بِالِاسْتِمْتاعِ التَّلَذُّذُ مِنَ الجِنِّ بِطاعَةِ الإنْسِ لَهم ودُخُولِهِمْ فِيما يُرِيدُونَ مِنهم ﴿وقالَ أوْلِياؤُهم مِنَ الإنْسِ رَبَّنا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنا بِبَعْضٍ﴾ .
أمّا اسْتِمْتاعُ الجِنِّ بِالإنْسِ فَهو ما تَقَدَّمَ مِن تَلَذُّذِهِمْ بِاتِّباعِهِمْ لَهم، وأمّا اسْتِمْتاعُ الإنْسِ بِالجِنِّ فَحَيْثُ قَبِلُوا مِنهم تَحْسِينَ المَعاصِي فَوَقَعُوا فِيها وتَلَذَّذُوا بِها، فَذَلِكَ هو اسْتِمْتاعُهم بِالجِنِّ، وقِيلَ: اسْتِمْتاعُ الإنْسِ بِالجِنِّ أنَّهُ كانَ إذا مَرَّ الرَّجُلُ بِوادٍ في سَفَرِهِ وخافَ عَلى نَفْسِهِ قالَ: أعُوذُ بِرَبِّ هَذا الوادِي مِن جَمِيعِ ما أحْذَرُ، يَعْنِي رَبَّهُ مِنَ الجِنِّ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأنَّهُ كانَ رِجالٌ مِنَ الإنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجالٍ مِنَ الجِنِّ فَزادُوهم رَهَقًا﴾ [الجن: ٦] وقِيلَ: اسْتِمْتاعُ الجِنِّ بِالإنْسِ أنَّهم كانُوا يُصَدِّقُونَهم فِيما يَقُولُونَ مِنَ الأخْبارِ الغَيْبِيَّةِ الباطِلَةِ، واسْتِمْتاعُ الإنْسِ بِالجِنِّ أنَّهم كانُوا يَتَلَذَّذُونَ بِما يُلْقُونَهُ إلَيْهِمْ مِنَ الأكاذِيبِ ويَنالُونَ بِذَلِكَ شَيْئًا مِن حُظُوظِ الدُّنْيا كالكُهّانِ ﴿وبَلَغْنا أجَلَنا الَّذِي أجَّلْتَ لَنا﴾ أيْ يَوْمَ القِيامَةِ اعْتِرافًا مِنهم بِالوُصُولِ إلى ما وعَدَهُمُ اللَّهُ بِهِ مِمّا كانُوا يُكَذِّبُونَ بِهِ.
ولَمّا قالُوا هَذِهِ المَقالَةَ أجابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ فَ ﴿قالَ النّارُ مَثْواكُمْ﴾ أيْ مَوْضِعُ مَقامِكم.
والمَثْوى: المَقامُ، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ.
قَوْلُهُ: ﴿خالِدِينَ فِيها إلّا ما شاءَ اللَّهُ﴾ المَعْنى الَّذِي تَقْتَضِيهِ لُغَةُ العَرَبِ في هَذا التَّرْكِيبِ أنَّهم يَخْلُدُونَ في النّارِ في كُلِّ الأوْقاتِ إلّا في الوَقْتِ الَّذِي يَشاءُ اللَّهُ عَدَمَ بَقائِهِمْ فِيها.
وقالَ الزَّجّاجُ: إنَّ الِاسْتِثْناءَ يَرْجِعُ إلى يَوْمِ القِيامَةِ أيْ خالِدِينَ في النّارِ إلّا ما شاءَ اللَّهُ مِن مِقْدارِ حَشْرِهِمْ مِن قُبُورِهِمْ ومِقْدارِ مُدَّتِهِمْ في الحِسابِ، وهو تَعَسُّفٌ، لِأنَّ الِاسْتِثْناءَ هو مِنَ الخُلُودِ الدّائِمِ ولا يَصْدُقُ عَلى مَن لَمْ يَدْخُلِ النّارَ، وقِيلَ: الِاسْتِثْناءُ راجِعٌ إلى النّارِ: أيْ إلّا ما شاءَ اللَّهُ مِن تَعْذِيبِهِمْ بِغَيْرِها في بَعْضِ الأوْقاتِ كالزَّمْهَرِيرِ، وقِيلَ: الِاسْتِثْناءُ لِأهْلِ الإيمانِ، و" ما " بِمَعْنى مِن أيْ: إلّا مَن شاءَ اللَّهُ إيمانَهُ فَإنَّهُ لا يَدْخُلُ النّارَ، وقِيلَ: المَعْنى: إلّا ما شاءَ اللَّهُ مِن كَوْنِهِمْ في الدُّنْيا بِغَيْرِ عَذابٍ.
وكُلُّ هَذِهِ التَّأْوِيلاتِ مُتَكَلَّفَةٌ، والَّذِي ألْجَأ إلَيْها ما ورَدَ في الآياتِ القُرْآنِيَّةِ والأحادِيثِ النَّبَوِيَّةِ مِن خُلُودِ الكُفّارِ في النّارِ أبَدًا، ولَكِنْ لا تَعارُضَ بَيْنَ عامٍّ وخاصٍّ لا سِيَّما بَعْدَ وُرُودِهِ في القُرْآنِ مُكَرَّرًا كَما سَيَأْتِي في سُورَةِ هُودٍ: ﴿خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ والأرْضُ إلّا ما شاءَ رَبُّكَ إنَّ رَبَّكَ فَعّالٌ لِما يُرِيدُ﴾ [هود: ١٠٧] ولَعَلَّهُ يَأْتِي هُنالِكَ إنْ شاءَ اللَّهُ زِيادَةُ تَحْقِيقٍ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ المُبارَكِ في الزُّهْدِ وعَبْدُ الرَّزّاقِ، والفِرْيابِيُّ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ، عَنْ أبِي جَعْفَرٍ المَدائِنِيِّ رَجُلٌ مِن بَنِي هاشِمٍ، ولَيْسَ هو مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ قالَ: «سُئِلَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ عَنْ هَذِهِ الآيَةِ ﴿فَمَن يُرِدِ اللَّهُ أنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإسْلامِ﴾ قالُوا: كَيْفَ يَشْرَحُ صَدْرَهُ يا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قالَ: نُورٌ يُقْذَفُ فِيهِ فَيَنْشَرِحُ صَدْرُهُ لَهُ ويَنْفَسِحُ لَهُ، قالُوا: فَهَلْ لِذَلِكَ مِن أمارَةٍ يُعْرَفُ بِها ؟ قالَ: الإنابَةُ إلى دارِ الخُلُودِ، والتَّجافِي عَنْ دارِ الغُرُورِ، والِاسْتِعْدادُ لِلْمَوْتِ قَبْلَ لِقاءِ المَوْتِ» .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ فُضَيْلٍ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا عَنِ الحَسَنِ نَحْوَهُ أيْضًا.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ أبِي الدُّنْيا وابْنُ جَرِيرٍ، وأبُو الشَّيْخِ، والحاكِمُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ مِن طُرُقٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - حِينَ نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فَذَكَرَ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْهُ (p-٤٤٨)مَرْفُوعًا مِن طَرِيقٍ أُخْرى.
وأخْرَجَهُ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ وابْنُ النَّجّارِ في تارِيخِهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ المُسْتَوْرِدِ، وكانَ مِن ولَدِ جَعْفَرِ بْنِ أبِي طالِبٍ قالَ: تَلا رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ هَذِهِ الآيَةَ فَذَكَرَ نَحْوَهُ.
وهَذِهِ الطُّرُقُ يُقَوِّي بَعْضُها بَعْضًا، والمُتَّصِلُ يُقَوِّي المُرْسَلَ، فالمَصِيرُ إلى هَذا التَّفْسِيرِ النَّبَوِيِّ مُتَعَيَّنٌ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في الآيَةِ قالَ: كَما لا يَسْتَطِيعُ ابْنُ آدَمَ أنْ يَبْلُغَ السَّماءَ، كَذَلِكَ لا يَقْدِرُ عَلى أنْ يَدْخُلَ الإيمانُ والتَّوْحِيدُ قَلْبَهُ حَتّى يُدْخِلَهُ اللَّهُ في قَلْبِهِ.
وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ عَنْهُ في الآيَةِ يَقُولُ: مَن أرادَ أنْ يُضِلَّهُ يُضَيِّقْ عَلَيْهِ حَتّى يَجْعَلَ الإسْلامَ عَلَيْهِ ضَيِّقًا والإسْلامُ واسِعٌ وذَلِكَ حِينَ يَقُولُ: ﴿وما جَعَلَ عَلَيْكم في الدِّينِ مِن حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨] يَقُولُ: ما جَعَلَ عَلَيْكم في الإسْلامِ مِن ضِيقٍ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ، في قَوْلِهِ: ﴿دارُ السَّلامِ﴾ قالَ: الجَنَّةُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ جابِرِ بْنِ زَيْدٍ قالَ: السَّلامُ هو اللَّهُ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنِ السُّدِّيِّ، قالَ: اللَّهُ هو السَّلامُ، ودارُهُ الجَنَّةُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الإنْسِ﴾ يَقُولُ: مِن ضَلالَتِكم إيّاهم، يَعْنِي أضْلَلْتُمْ مِنهم كَثِيرًا، وفي قَوْلِهِ: ﴿خالِدِينَ فِيها إلّا ما شاءَ اللَّهُ﴾ قالَ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ لا يَنْبَغِي لِأحَدٍ أنْ يَحْكُمَ عَلى اللَّهِ في خَلْقِهِ لا يُنْزِلُهم جَنَّةً ولا نارًا.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences