Ash-Shawkani · Tafsir · in Arabic
Al-An'am 6:161–165
6:161–163Page 150
قُلۡ إِنَّنِي هَدَىٰنِي رَبِّيٓ إِلَىٰ صِرَٰطٖ مُّسۡتَقِيمٖ دِينٗا قِيَمٗا مِّلَّةَ إِبۡرَٰهِيمَ حَنِيفٗاۚ وَمَا كَانَ مِنَ ٱلۡمُشۡرِكِينَ ١٦١
Say, "Indeed, my Lord has guided me to a straight path - a correct religion - the way of Abraham, inclining toward truth. And he was not among those who associated others with Allāh."
قُلۡ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحۡيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ ١٦٢
Say, "Indeed, my prayer, my rites of sacrifice, my living and my dying are for Allāh, Lord of the worlds.
لَا شَرِيكَ لَهُۥۖ وَبِذَٰلِكَ أُمِرۡتُ وَأَنَا۠ أَوَّلُ ٱلۡمُسۡلِمِينَ ١٦٣
No partner has He. And this I have been commanded, and I am the first [among you] of the Muslims."1
لَمّا بَيَّنَ سُبْحانَهُ أنَّ الكُفّارَ تَفَرَّقُوا فِرَقًا وتَحَزَّبُوا أحْزابًا أمَرَ رَسُولَهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أنْ يَقُولَ لَهم: ﴿إنَّنِي هَدانِي رَبِّي﴾ أيْ أرْشَدَنِي بِما أوْحاهُ إلَيَّ ﴿إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ وهو مِلَّةُ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، ودِينًا مُنْتَصِبٌ عَلى الحالِ كَما قالَ قُطْرُبٌ، أوْ عَلى أنَّهُ مَفْعُولُ هَدانِي كَما قالَ الأخْفَشُ، وقِيلَ: مُنْتَصِبٌ بِفِعْلٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ هَدانِي، لِأنَّ مَعْناهُ عَرَّفَنِي: أيْ عَرَّفَنِي دِينًا، وقِيلَ: إنَّهُ بَدَلٌ مِن مَحَلِّ إلى صِراطٍ، لِأنَّ مَعْناهُ هَدانِي صِراطًا مُسْتَقِيمًا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ويَهْدِيَكم صِراطًا مُسْتَقِيمًا﴾ ( الفَتْحِ: ٢٠ ) وقِيلَ: مَنصُوبٌ بِإضْمارِ فِعْلٍ، كَأنَّهُ قِيلَ: اتَّبِعُوا دِينًا.
قَوْلُهُ: " قِيَمًا " قَرَأهُ الكُوفِيُّونَ وابْنُ عامِرٍ بِكَسْرِ القافِ، والتَّخْفِيفِ وفَتْحِ الياءِ.
وقَرَأهُ الباقُونَ بِفَتْحِ القافِ وكَسْرِ الياءِ المُشَدَّدَةِ، وهُما لُغَتانِ: ومَعْناهُ الدِّينُ المُسْتَقِيمُ الَّذِي لا عِوَجَ فِيهِ، وهو صِفَةٌ لِدِينًا وُصِفَ بِهِ مَعَ كَوْنِهِ مَصْدَرًا مُبالَغَةً، وانْتِصابُ ﴿مِلَّةَ إبْراهِيمَ﴾ عَلى أنَّها عَطْفُ بَيانٍ لِدِينًا، ويَجُوزُ نَصْبُها بِتَقْدِيرِ أعْنِي، وحَنِيفًا مُنْتَصِبٌ عَلى أنَّهُ حالٌ مِن إبْراهِيمَ، قالَهُ الزَّجّاجُ.
وقالَ عَلِيُّ بْنُ سُلَيْمانَ: هو مَنصُوبٌ بِإضْمارِ أعْنِي.
والحَنِيفُ المائِلُ إلى الحَقِّ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَحْقِيقُهُ ﴿وما كانَ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ في مَحَلِّ نَصْبِ مَعْطُوفٍ عَلى حَنِيفًا، أوْ جُمْلَةٌ مُعْتَرِضَةٌ مُقَرِّرَةٌ لِما قَبْلَها.
قَوْلُهُ: ﴿قُلْ إنَّ صَلاتِي﴾ أمَرَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ أنْ يَقُولَ لَهم: بِهَذِهِ المَقالَةِ عَقِبَ أمْرِهِ بِأنْ يَقُولَ لَهم بِالمَقالَةِ السّابِقَةِ، قِيلَ: ووَجْهُ ذَلِكَ أنَّ ما تَضَمَّنَهُ القَوْلُ الأوَّلُ إشارَةٌ إلى أُصُولِ الدِّينِ، وهَذا إلى فُرُوعِها.
والمُرادُ بِالصَّلاةِ جِنْسُها فَيَدْخُلُ فِيهِ جَمِيعُ أنْواعِها، وقِيلَ: المُرادُ بِها هُنا صَلاةُ اللَّيْلِ، وقِيلَ: صَلاةُ العِيدِ.
والنُّسُكُ: جَمْعُ نَسِيكَةٍ، وهي الذَّبِيحَةُ كَذا قالَ مُجاهِدٌ والضَّحّاكُ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وغَيْرُهم: أيْ ذَبِيحَتِي في الحَجِّ والعُمْرَةِ.
وقالَ الحَسَنُ: دِينِي.
وقالَ الزَّجّاجُ: عِبادَتِي مِن قَوْلِهِمْ: نَسَكَ فُلانٌ هو ناسِكٌ: إذا تَعَبَّدَ، وبِهِ قالَ جَماعَةٌ مِن أهْلِ العِلْمِ ﴿ومَحْيايَ ومَماتِي﴾ أيْ ما أعْمَلُهُ في حَياتِي ومَماتِي مِن أعْمالِ الخَيْرِ، ومِن أعْمالِ الخَيْرِ في المَماتِ الوَصِيَّةُ بِالصَّدَقاتِ وأنْواعِ القُرُباتِ، وقِيلَ: نَفْسُ الحَياةِ ونَفْسُ المَوْتِ لِلَّهِ قَرَأ الحَسَنُ " نُسْكِي " بِسُكُونِ السِّينِ.
وقَرَأ الباقُونَ بِضَمِّها.
وقَرَأ أهْلُ المَدِينَةِ " مَحْيايْ " بِسُكُونِ الياءِ.
وقَرَأ الباقُونَ بِفَتْحِها لِئَلّا يَجْتَمِعَ ساكِنانِ.
قالَ النَّحّاسُ: لَمْ يُجِزْهُ، أيِ السُّكُونَ أحَدٌ مِنَ النَّحْوِيِّينَ إلّا يُونُسُ، وإنَّما أجازَهُ لِأنَّ المَدَّةَ الَّتِي في الألِفِ تَقُومُ مَقامَ الحَرَكَةِ.
وقَرَأ ابْنُ أبِي إسْحاقَ وعِيسى بْنُ عُمَرَ وعاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ " مَحْيى " مِن غَيْرِ ألِفٍ وهي لُغَةُ عُلْيا مُضَرَ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎سَبَقُوا هَوَيَّ وأعْنَقُوا لِهَواهُمُ فَتُخُرِّمُوا ولِكُلِّ جَنْبٍ مَصْرَعُ
﴿لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ أيْ خالِصًا لَهُ لا شَرِيكَ لَهُ فِيهِ.
والإشارَةُ بِذَلِكَ إلى ما أفادَهُ ﴿لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿لا شَرِيكَ لَهُ﴾ مِنَ الإخْلاصِ في الطّاعَةِ وجَعْلِها لِلَّهِ وحْدَهُ.
قَوْلُهُ: ﴿وأنا أوَّلُ المُسْلِمِينَ﴾ أيْ أوَّلُ مُسْلِمِي أُمَّتِهِ، وقِيلَ: أوَّلُ المُسْلِمِينَ أجْمَعِينَ، لِأنَّهُ وإنْ كانَ مُتَأخِّرًا في الرِّسالَةِ فَهو أوَّلُهم في الخَلْقِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذْ أخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهم ومِنكَ ومِن نُوحٍ﴾ الآيَةَ، والأوَّلُ أوْلى.
قالَ ابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ: اسْتَدَلَّ بِهَذِهِ الآيَةِ الشّافِعِيُّ عَلى مَشْرُوعِيَّةِ افْتِتاحِ الصَّلاةِ بِهَذا الذِّكْرِ، فَإنَّ اللَّهَ أمَرَ بِهِ نَبِيَّهُ وأنْزَلَهُ في كِتابِهِ، ثُمَّ ذَكَرَ حَدِيثَ عَلِيٍّ «أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - كانَ إذا قامَ إلى الصَّلاةِ قالَ: " وجَّهْتُ وجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ والأرْضَ حَنِيفًا وما أنا مِنَ المُشْرِكِينَ " إلى قَوْلِهِ: " وأنا أوَّلُ المُسْلِمِينَ "» قُلْتُ: هَذا هو في صَحِيحِ مُسْلِمٍ مُطَوَّلًا، وهو أحَدُ التَّوَجُّهاتِ الوارِدَةِ، ولَكِنَّهُ مُقَيَّدٌ بِصَلاةِ اللَّيْلِ كَما في الرِّواياتِ الصَّحِيحَةِ، وأصَحُّ التَّوَجُّهاتِ الَّذِي كانَ يُلازِمُهُ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ ويُرْشِدُ إلَيْهِ هو: «اللَّهُمَّ باعِدْ بَيْنِي وبَيْنَ خَطايايَ» إلى آخِرِهِ، وقَدْ أوْضَحْنا هَذا في شَرْحِنا لِلْمُنْتَقى بِما لا يَحْتاجُ إلى زِيادَةٍ عَلَيْهِ هُنا.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُقاتِلٍ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ صَلاتِي﴾ قالَ: يَعْنِي المَفْرُوضَةَ ﴿ونُسُكِي﴾ يَعْنِي الحَجَّ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، ونُسُكِي قالَ: ذَبِيحَتِي.
وأخْرَجا أيْضًا عَنْ قَتادَةَ، ﴿إنَّ صَلاتِي ونُسُكِي﴾ قالَ: حَجِّي وذَبِيحَتِي.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿ونُسُكِي﴾ قالَ: ذَبِيحَتِي في الحَجِّ والعُمْرَةِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ، في قَوْلِهِ: ﴿ونُسُكِي﴾ قالَ: ضَحِيَّتِي.
وفِي قَوْلِهِ: ﴿وأنا أوَّلُ المُسْلِمِينَ﴾ قالَ: مِن هَذِهِ الأُمَّةِ.
وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ عَنْ عِمْرانَ بْنِ حُصَيْنٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «يا فاطِمَةُ قُومِي فاشْهَدِي أُضْحِيَّتَكَ فَإنَّهُ يُغْفَرُ لَكِ بِأوَّلِ قَطْرَةٍ تَقْطُرُ مِن دَمِها كُلَّ ذَنْبٍ عَمِلْتِهِ، وقُولِي: " إنَّ صَلاتِي " إلى " وأنا أوَّلُ المُسْلِمِينَ "، قَلَتُ يا رَسُولَ اللَّهِ: هَذا لَكَ ولِأهْلِ بَيْتِكَ خاصَّةً، فَأهْلُ ذَلِكَ أنْتُمْ أمْ لِلْمُسْلِمِينَ عامَّةً ؟ قالَ: لا بَلْ لِلْمُسْلِمِينَ عامَّةً» .
6:164–165Page 150
قُلۡ أَغَيۡرَ ٱللَّهِ أَبۡغِي رَبّٗا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيۡءٖۚ وَلَا تَكۡسِبُ كُلُّ نَفۡسٍ إِلَّا عَلَيۡهَاۚ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٞ وِزۡرَ أُخۡرَىٰۚ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّكُم مَّرۡجِعُكُمۡ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمۡ فِيهِ تَخۡتَلِفُونَ ١٦٤
Say, "Is it other than Allāh I should desire as a lord while He is the Lord of all things? And every soul earns not [blame] except against itself, and no bearer of burdens will bear the burden of another. Then to your Lord is your return, and He will inform you concerning that over which you used to differ."
وَهُوَ ٱلَّذِي جَعَلَكُمۡ خَلَٰٓئِفَ ٱلۡأَرۡضِ وَرَفَعَ بَعۡضَكُمۡ فَوۡقَ بَعۡضٖ دَرَجَٰتٖ لِّيَبۡلُوَكُمۡ فِي مَآ ءَاتَىٰكُمۡۗ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ ٱلۡعِقَابِ وَإِنَّهُۥ لَغَفُورٞ رَّحِيمُۢ ١٦٥
And it is He who has made you successors upon the earth and has raised some of you above others in degrees [of rank] that He may try you through what He has given you. Indeed, your Lord is swift in penalty; but indeed, He is Forgiving and Merciful.
الِاسْتِفْهامُ في أغَيْرَ اللَّهِ أبْغِي رَبّا لِلْإنْكارِ وهو جَوابٌ عَلى المُشْرِكِينَ لَمّا دَعَوْهُ إلى عِبادَةِ غَيْرِ اللَّهِ: أيْ كَيْفَ أبْغِي غَيْرَ اللَّهِ رَبّا مُسْتَقِلّا وأتْرُكُ عِبادَةَ اللَّهِ أوْ شَرِيكًا لِلَّهِ فَأعْبُدَهُما مَعًا، والحالُ أنَّهُ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ، والَّذِي تَدْعُونَنِي إلى عِبادَتِهِ هو مِن جُمْلَةِ مَن هو مَرْبُوبٌ لَهُ مَخْلُوقٌ مِثْلِي لا يَقْدِرُ عَلى نَفْعٍ ولا ضُرٍّ، وفي هَذا الكَلامِ مِنَ التَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ لَهم (p-٤٦٣)ما لا يُقادَرُ قَدْرُهُ، وغَيْرَ مَنصُوبٍ بِالفِعْلِ الَّذِي بَعْدَهُ، ورَبًّا تَمْيِيزٌ أوْ مَفْعُولٌ ثانٍ عَلى جَعْلِ الفِعْلِ ناصِبًا لِمَفْعُولَيْنِ قَوْلُهُ: ﴿ولا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إلّا عَلَيْها﴾ أيْ لا يُؤاخَذُ مِمّا أتَتْ مِنَ الذَّنْبِ وارْتَكَبَتْ مِنَ المَعْصِيَةِ سِواها، فَكُلُّ كَسْبِها لِلشَّرِّ عَلَيْها لا يَتَعَدّاها إلى غَيْرِها، وهو مِثْلُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَها ما كَسَبَتْ وعَلَيْها ما اكْتَسَبَتْ﴾ ( البَقَرَةِ: ٢٨٦ ) وقَوْلِهِ: ﴿لِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما تَسْعى﴾ ( طه: ١٥ ) .
قَوْلُهُ: ﴿ولا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى﴾ أصْلُ الوِزْرِ الثِّقْلُ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ووَضَعْنا عَنْكَ وِزْرَكَ﴾ ( الشَّرْحِ: ٢ ) وهو هُنا الذَّنْبُ ﴿وهم يَحْمِلُونَ أوْزارَهم عَلى ظُهُورِهِمْ﴾ ( الأنْعامِ: ٣١ ) .
قالَ الأخْفَشُ: يُقالُ: وُزِرَ يُوزَرُ، ووَزَرَ يَزِرُ وِزْرًا، ويَجُوزُ إزْرًا، وفِيهِ رَدٌّ لِما كانَتْ عَلَيْهِ الجاهِلِيَّةُ مِن مُؤاخَذَةِ القَرِيبِ بِذَنْبِ قَرِيبِهِ، والواحِدِ مِنَ القَبِيلَةِ بِذَنْبِ الآخَرِ.
وقَدْ قِيلَ: إنَّ المُرادَ بِهَذِهِ الآيَةِ في الآخِرَةِ وكَذَلِكَ الَّتِي قَبْلَها لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿واتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكم خاصَّةً﴾ ( الأنْفالِ: ٢٥ ) ومِثْلُهُ قَوْلُ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ: «يا رَسُولَ اللَّهِ أنَهْلَكُ وفِينا الصّالِحُونَ ؟ قالَ: نَعَمْ إذا كَثُرَ الخَبَثُ»، والأوْلى حَمْلُ الآيَةِ عَلى ظاهِرِها: أعْنِي العُمُومَ وما ورَدَ مِنَ المُؤاخَذَةِ بِذَنْبِ الغَيْرِ كالدِّيَةِ الَّتِي تَحْمِلُها العاقِلَةُ ونَحْوِ ذَلِكَ، فَيَكُونُ في حُكْمِ المُخَصَّصِ بِهَذا العُمُومِ ويُقِرُّ في مَوْضِعِهِ ولا يُعارِضُ هَذِهِ الآيَةَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَيَحْمِلُنَّ أثْقالَهم وأثْقالًا مَعَ أثْقالِهِمْ﴾ ( العَنْكَبُوتِ: ١٣ ) فَإنَّ المُرادَ بِالأثْقالِ الَّتِي مَعَ أثْقالِهِمْ هي أثْقالُ الَّذِينَ يُضِلُّونَهم كَما في الآيَةِ الأُخْرى: ﴿لِيَحْمِلُوا أوْزارَهم كامِلَةً يَوْمَ القِيامَةِ ومِن أوْزارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهم بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ ( النَّحْلِ: ٢٥ ) ﴿ثُمَّ إلى رَبِّكم مَرْجِعُكم﴾ يَوْمَ القِيامَةِ ﴿فَيُنَبِّئُكم بِما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ في الدُّنْيا، وعِنْدَ ذَلِكَ يَظْهَرُ حَقُّ المُحِقِّينَ وباطِلُ المُبْطِلِينَ.
قَوْلُهُ: ﴿وهُوَ الَّذِي جَعَلَكم خَلائِفَ الأرْضِ﴾ خَلائِفُ جَمْعُ خَلِيفَةٍ: أيْ جَعَلَكم خُلَفاءَ الأُمَمِ الماضِيَةِ والقُرُونِ السّالِفَةِ، قالَ الشَّمّاخُ:
؎أُصِيبُهُمُ وتُخْطِئُنِي المَنايا وأخْلُفُ في رُبُوعٍ عَنْ رُبُوعِ
أوِ المُرادُ أنَّهُ يُخْلِفُ بَعْضُهم بَعْضًا، أوْ أنَّ هَذا النَّوْعَ الإنْسانِيَّ خُلَفاءُ اللَّهِ في أرْضِهِ ﴿ورَفَعَ بَعْضَكم فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ﴾ في الخَلْقِ والرِّزْقِ والقُوَّةِ والفَضْلِ والعِلْمِ، ودَرَجاتٍ مَنصُوبٌ بِنَزْعِ الخافِضِ: أيْ إلى دَرَجاتٍ، " ﴿لِيَبْلُوَكم في ما آتاكُمْ﴾ " أيْ لِيَخْتَبِرَكم فِيما آتاكم مِن تِلْكَ الأُمُورِ، أوْ لِيَبْتَلِيَ بَعْضَكم بِبَعْضٍ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وجَعَلْنا بَعْضَكم لِبَعْضٍ فِتْنَةً﴾ ( الفَرْقانِ: ٢٠ ) ثُمَّ خَوَّفَهم فَقالَ: ﴿إنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ العِقابِ﴾ فَإنَّهُ وإنْ كانَ في الآخِرَةِ فَكُلُّ آتٍ قَرِيبٌ كَما قالَ: ﴿وما أمْرُ السّاعَةِ إلّا كَلَمْحِ البَصَرِ أوْ هو أقْرَبُ﴾ ( النَّحْلِ: ٧٧ ) ثُمَّ رَغَّبَ مَن يَسْتَحِقُّ التَّرْغِيبَ مِنَ المُسْلِمِينَ فَقالَ: ﴿وإنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ أيْ كَثِيرُ الغُفْرانِ والرَّحْمَةِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿ولا تَزِرُ وازِرَةٌ﴾ قالَ: لا يُؤاخَذُ أحَدٌ بِذَنْبِ غَيْرِهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ السُّدِّيِّ، في قَوْلِهِ: ﴿وهُوَ الَّذِي جَعَلَكم خَلائِفَ الأرْضِ﴾ قالَ: أهْلَكَ القُرُونَ الأُولى فاسْتَخْلَفَنا فِيها بَعْدَهم ﴿ورَفَعَ بَعْضَكم فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ﴾ قالَ: في الرِّزْقِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences