Ash-Shawkani · Tafsir · in Arabic
Al-An'am 6:33–39
6:33–36Page 131
قَدۡ نَعۡلَمُ إِنَّهُۥ لَيَحۡزُنُكَ ٱلَّذِي يَقُولُونَۖ فَإِنَّهُمۡ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَٰكِنَّ ٱلظَّٰلِمِينَ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ يَجۡحَدُونَ ٣٣
We know that you, [O Muḥammad], are saddened by what they say. And indeed, they do not call you untruthful, but it is the verses of Allāh that the wrongdoers reject.
وَلَقَدۡ كُذِّبَتۡ رُسُلٞ مِّن قَبۡلِكَ فَصَبَرُواْ عَلَىٰ مَا كُذِّبُواْ وَأُوذُواْ حَتَّىٰٓ أَتَىٰهُمۡ نَصۡرُنَاۚ وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَٰتِ ٱللَّهِۚ وَلَقَدۡ جَآءَكَ مِن نَّبَإِيْ ٱلۡمُرۡسَلِينَ ٣٤
And certainly were messengers denied before you, but they were patient over the denial, and they were harmed until Our victory came to them. And none can alter the words [i.e., decrees] of Allāh. And there has certainly come to you some information about the [previous] messengers.
وَإِن كَانَ كَبُرَ عَلَيۡكَ إِعۡرَاضُهُمۡ فَإِنِ ٱسۡتَطَعۡتَ أَن تَبۡتَغِيَ نَفَقٗا فِي ٱلۡأَرۡضِ أَوۡ سُلَّمٗا فِي ٱلسَّمَآءِ فَتَأۡتِيَهُم بِـَٔايَةٖۚ وَلَوۡ شَآءَ ٱللَّهُ لَجَمَعَهُمۡ عَلَى ٱلۡهُدَىٰۚ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ ٱلۡجَٰهِلِينَ ٣٥
And if their evasion is difficult for you, then if you are able to seek a tunnel into the earth or a stairway into the sky to bring them a sign, [then do so]. But if Allāh had willed, He would have united them upon guidance. So never be of the ignorant.
۞ إِنَّمَا يَسۡتَجِيبُ ٱلَّذِينَ يَسۡمَعُونَۘ وَٱلۡمَوۡتَىٰ يَبۡعَثُهُمُ ٱللَّهُ ثُمَّ إِلَيۡهِ يُرۡجَعُونَ ٣٦
Only those who hear will respond. But the dead1 - Allāh will resurrect them; then to Him they will be returned.
قَوْلِهِ: ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقاءِ اللَّهِ﴾ هُمُ الَّذِينَ تَقَدَّمَ ذِكْرُهم.
والمُرادُ مِن تَكْذِيبِهِمْ بِلِقاءِ اللَّهِ تَكْذِيبُهم بِالبَعْثِ، وقِيلَ: تَكْذِيبُهم بِالجَزاءِ.
والأوَّلُ أوْلى، لِأنَّهُمُ الَّذِينَ قالُوا قَرِيبًا ﴿إنْ هي إلّا حَياتُنا الدُّنْيا وما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾ [الأنعام: ٢٩] ﴿حَتّى إذا جاءَتْهُمُ السّاعَةُ بَغْتَةً﴾ أيِ القِيامَةُ، وسُمِّيَتْ ساعَةً لِسُرْعَةِ الحِسابِ فِيها.
ومَعْنى بَغْتَةً: فَجْأةً، يُقالُ: بَغَتَهُمُ الأمْرُ يَبْغَتُهم بَغْتًا وبَغْتَةً.
قالَ سِيبَوَيْهِ: وهي مَصْدَرٌ في مَوْضِعِ الحالِ، قالَ: ولا يَجُوزُ أنْ يُقاسَ عَلَيْهِ، فَلا يُقالُ: جاءَ فُلانٌ سُرْعَةً، و" حَتّى " غايَةٌ لِلتَّكْذِيبِ لا لِلْخُسْرانِ، فَإنَّهُ لا (p-٤١٦)غايَةَ لَهُ ﴿قالُوا ياحَسْرَتَنا﴾ هَذا جَوابُ " إذا جاءَتْهم " أوْقَعُوا النِّداءَ عَلى الحَسْرَةِ، ولَيْسَتْ بِمُنادى في الحَقِيقَةِ لِيَدُلَّ ذَلِكَ عَلى كَثْرَةِ تَحَسُّرِهِمْ.
والمَعْنى: يا حَسْرَتَنا احْضُرِي فَهَذا أوانُكِ، كَذا قالَ سِيبَوَيْهِ في هَذا النِّداءِ وأمْثالِهِ كَقَوْلِهِمْ: يا لِلْعَجَبِ ويا لِلرَّجُلِ، وقِيلَ: هو تَنْبِيهٌ لِلنّاسِ عَلى عِظَمِ ما يَحِلُّ بِهِمْ مِنَ الحَسْرَةِ، كَأنَّهم قالُوا: يا أيُّها النّاسُ تَنَبَّهُوا عَلى عَظِيمِ ما بِنا مِنَ الحَسْرَةِ، والحَسْرَةُ: النَّدَمُ الشَّدِيدُ ﴿عَلى ما فَرَّطْنا فِيها﴾ أيْ عَلى تَفْرِيطِنا في السّاعَةِ: أيْ في الِاعْتِدادِ لَها، والِاحْتِفالِ بِشَأْنِها، والتَّصْدِيقِ بِها.
ومَعْنى فَرَّطْنا ضَيَّعْنا، وأصْلُهُ التَّقَدُّمُ، يُقالُ فَرَطَ فُلانٌ: أيْ تَقَدَّمَ وسَبَقَ إلى الماءِ، ومِنهُ قَوْلُهُ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «وأنا فَرَطُكم عَلى الحَوْضِ»، ومِنهُ الفارِطُ: أيِ: المُتَقَدِّمُ فَكَأنَّهم أرادُوا بِقَوْلِهِمْ: ﴿عَلى ما فَرَّطْنا﴾ أيْ: عَلى ما قَدَّمْنا مِن عَجْزِنا عَنِ التَّصْدِيقِ بِالسّاعَةِ والِاعْتِدادِ لَها.
وقالَ ابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرَيُّ: إنَّ الضَّمِيرَ في فَرَّطْنا فِيها يَرْجِعُ إلى الصَّفْقَةِ، وذَلِكَ أنَّهم لَمّا تَبَيَّنَ لَهم خُسْرانُ صَفْقَتِهِمْ بِبَيْعِهِمُ الإيمانَ بِالكُفْرِ، والدُّنْيا بِالآخِرَةِ ﴿قالُوا ياحَسْرَتَنا عَلى ما فَرَّطْنا﴾ في صَفْقَتِنا، وإنْ لَمْ تُذْكَرْ في الكَلامِ فَهو دالٌّ عَلَيْها، لِأنَّ الخُسْرانَ لا يَكُونُ إلّا في صَفْقَةٍ، وقِيلَ: الضَّمِيرُ راجِعٌ إلى الحَياةِ: أيْ: عَلى ما فَرَّطْنا في حَياتِنا.
قَوْلُهُ: ﴿وهم يَحْمِلُونَ أوْزارَهم عَلى ظُهُورِهِمْ﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ حالِيَّةٌ: أيْ يَقُولُونَ تِلْكَ المَقالَةَ، والحالُ أنَّهم ﴿يَحْمِلُونَ أوْزارَهم عَلى ظُهُورِهِمْ﴾ أيْ ذُنُوبَهم، جَمْعُ وِزْرٍ: يُقالُ وزَرَ يَزِرُ، فَهو وازِرٌ ومَوْزُورٌ، وأصْلُهُ مِنَ الوِزْرِ.
قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: يُقالُ لِلرَّجُلِ إذا بَسَطَ ثَوْبَهُ فَجَعَلَ فِيهِ المَتاعَ: احْمِلْ وِزْرَكَ: أيْ: ثِقْلَكَ، ومِنهُ الوَزِيرُ، لِأنَّهُ يَحْمِلُ أثْقالَ ما يُسْنَدُ إلَيْهِ مِن تَدْبِيرِ الوِلايَةِ.
والمَعْنى: أنَّها لَزِمَتْهُمُ الآثامُ فَصارُوا مُثْقَلِينَ بِها، وجَعْلُها مَحْمُولَةً عَلى الظُّهُورِ تَمْثِيلٌ ﴿ألا ساءَ ما يَزِرُونَ﴾ أيْ بِئْسَ ما يَحْمِلُونَ.
قَوْلُهُ: ﴿وما الحَياةُ الدُّنْيا إلّا لَعِبٌ ولَهْوٌ﴾ أيْ: وما مَتاعُ الدُّنْيا إلّا لَعِبٌ ولَهْوٌ عَلى تَقْدِيرِ حَذْفِ مُضافٍ، أوْ ما الدُّنْيا مِن حَيْثُ هي إلّا لَعِبٌ ولَهْوٌ.
والقَصْدُ بِالآيَةِ تَكْذِيبُ الكُفّارِ في قَوْلِهِمْ: ﴿ما هي إلّا حَياتُنا الدُّنْيا﴾ واللَّعِبُ مَعْرُوفٌ، وكَذَلِكَ اللَّهْوُ، وكُلُّ ما يَشْغَلُكَ فَقَدْ ألْهاكَ، وقِيلَ: أصْلُهُ الصَّرْفُ عَنِ الشَّيْءِ.
ورَدَ بِأنَّ اللَّهْوَ بِمَعْنى الصَّرْفِ لامُهُ ياءٌ، يُقالُ: لَهَيْتُ عَنْهُ، ولامُ اللَّهْوِ واوٌ، يُقالُ: لَهَوْتُ بِكَذا ﴿ولَلدّارُ الآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ سُمِّيَتْ آخِرَةً لِتَأخُّرِها عَنِ الدُّنْيا: أيْ هي خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ الشِّرْكَ والمَعاصِيَ، أفَلا تَعْقِلُونَ ذَلِكَ.
قَرَأ ابْنُ عامِرٍ: ( ولَدارُ الآخِرَةِ ) بِلامٍ واحِدَةٍ وبِالإضافَةِ وقَرَأ الجُمْهُورُ بِاللّامِ الَّتِي لِلتَّعْرِيفِ مَعَها، وجَعْلِ الآخِرَةَ نَعْتًا لَها والخَبَرَ " خَيْرٌ "، وقُرِئَ " تَعْقِلُونَ " بِالفَوْقِيَّةِ والتَّحْتِيَّةِ.
قَوْلُهُ: ﴿قَدْ نَعْلَمُ إنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ﴾ هَذِهِ اللّامُ مُبْتَدَأٌ مَسُوقٌ لِتَسْلِيَةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - عَمّا نالَهُ مِنَ الغَمِّ والحُزْنِ بِتَكْذِيبِ الكُفّارِ لَهُ، ودُخُولُ قَدْ لِلتَّكْثِيرِ فَإنَّها قَدْ تَأْتِي لِإفادَتِهِ كَما تَأْتِي رُبَّ والضَّمِيرُ في " إنَّهُ " لِلشَّأْنِ، وقُرِئَ بِفَتْحِ الياءِ مِن " يَحْزُنُكَ " وضَمِّها، وقُرِئَ " يُكَذِّبُونَكَ " مُشَدَّدًا ومُخَفَّفًا، واخْتارَ أبُو عُبَيْدٍ قِراءَةَ التَّخْفِيفِ.
قالَ النَّحّاسُ: وقَدْ خُولِفَ أبُو عُبَيْدٍ في هَذا.
ومَعْنى " يُكَذِّبُونَكَ " عَلى التَّشْدِيدِ: يَنْسِبُونَكَ إلى الكَذِبِ ويَرُدُّونَ عَلَيْكَ ما قُلْتَهُ.
ومَعْنى المُخَفَّفِ: أنَّهم لا يَجِدُونَكَ كَذّابًا.
يُقالُ أكْذَبْتُهُ: وجَدْتُهُ كَذّابًا، وأبْخَلْتُهُ: وجَدْتُهُ بَخِيلًا.
وحَكى الكِسائِيُّ عَنِ العَرَبِ: أكْذَبْتُ الرَّجُلَ: أخْبَرْتُ أنَّهُ جاءَ بِالكَذِبِ، وكَذَّبْتُهُ: أخْبَرْتُ أنَّهُ كاذِبٌ.
وقالَ الزَّجّاجُ: كَذَّبْتُهُ إذا قُلْتُ لَهُ كَذَبْتَ، وأكْذَبْتُهُ: إذا أرَدْتُ أنَّ ما أتى بِهِ كَذِبٌ.
والمَعْنى: أنَّ تَكْذِيبَهم لَيْسَ يَرْجِعُ إلَيْكَ فَإنَّهم يَعْتَرِفُونَ لَكَ بِالصِّدْقِ، ولَكِنَّ تَكْذِيبَهم راجِعٌ إلى ما جِئْتَ بِهِ، ولِهَذا قالَ: ﴿ولَكِنَّ الظّالِمِينَ بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ ووَضَعَ الظّاهِرَ مَوْضِعَ المُضْمِرِ لِزِيادَةِ التَّوْبِيخِ لَهم والإزْراءِ عَلَيْهِمْ، ووَصَفَهم بِالظُّلْمِ لِبَيانِ أنَّ هَذا الَّذِي وقَعَ مِنهم ظُلْمٌ بَيِّنٌ.
قَوْلُهُ: ﴿ولَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِن قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلى ما كُذِّبُوا وأُوذُوا حَتّى أتاهم نَصْرُنا﴾ هَذا مِن جُمْلَةِ التَّسْلِيَةِ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: أيْ أنَّ هَذا الَّذِي وقَعَ مِن هَؤُلاءِ إلَيْكَ لَيْسَ هو بِأوَّلِ ما صَنَعَهُ الكُفّارُ مَعَ مَن أرْسَلَهُ اللَّهُ إلَيْهِمْ، بَلْ قَدْ وقَعَ التَّكْذِيبُ لِكَثِيرٍ مِنَ الرُّسُلِ المُرْسَلِينَ مِن قَبْلِكَ فاقْتَدِ بِهِمْ ولا تَحْزَنْ واصْبِرْ كَما صَبَرُوا عَلى ما كُذِّبُوا بِهِ وأُوذُوا حَتّى يَأْتِيَكَ نَصْرُنا كَما أتاهم فَإنّا لا نُخْلِفُ المِيعادَ و﴿لِكُلِّ أجَلٍ كِتابٌ﴾ [الرعد: ٣٨] ﴿إنّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا والَّذِينَ آمَنُوا﴾ [غافر: ٥١] ﴿ولَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا لِعِبادِنا المُرْسَلِينَ إنَّهم لَهُمُ المَنصُورُونَ وإنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الغالِبُونَ﴾ [الصافات: ١٧١ - ١٧٣] ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأغْلِبَنَّ أنا ورُسُلِي﴾ [المجادلة: ٢١] .
﴿ولا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِ اللَّهِ﴾ بَلْ وعْدُهُ كائِنٌ وأنْتَ مَنصُورٌ عَلى المُكَذِّبِينَ، ظاهِرٌ عَلَيْهِمْ.
وقَدْ كانَ ذَلِكَ ولِلَّهِ الحَمْدُ ﴿ولَقَدْ جاءَكَ مِن نَبَإ المُرْسَلِينَ﴾ ما جاءَكَ مِن تَجَرِّي قَوْمِهِمْ عَلَيْهِمْ في الِابْتِداءِ وتَكْذِيبِهِمْ لَهم ثُمَّ نَصَرَهم عَلَيْهِمْ في الِانْتِهاءِ، وأنْتَ سَتَكُونُ عاقِبَةُ هَؤُلاءِ المُكَذِّبِينَ لَكَ كَعاقِبَةِ المُكَذِّبِينَ لِلرُّسُلِ فَيَرْجِعُونَ إلَيْكَ ويَدْخُلُونَ في الدِّينِ الَّذِي تَدْعُوهم إلَيْهِ طَوْعًا أوْ كَرْهًا.
قَوْلُهُ: ﴿وإنْ كانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إعْراضُهم﴾ كانَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَكْبُرُ عَلَيْهِ إعْراضُ قَوْمِهِ ويَتَعاظَمُهُ ويَحْزَنُ لَهُ فَبَيَّنَ لَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ أنَّ هَذا الَّذِي وقَعَ مِنهم مِن تَوَلِّيهِمْ عَنِ الإجابَةِ لَهُ، والإعْراضِ عَمّا دَعا إلَيْهِ هو كائِنٌ لا مَحالَةَ لِما سَبَقَ في عِلْمِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، ولَيْسَ في اسْتِطاعَتِهِ وقُدْرَتِهِ إصْلاحُهم وإجابَتُهم قَبْلَ أنْ يَأْذَنَ اللَّهُ بِذَلِكَ، ثُمَّ عَلَّقَ ذَلِكَ بِما هو مُحالٌ، فَقالَ: ﴿فَإنِ اسْتَطَعْتَ أنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا في الأرْضِ﴾ فَتَأْتِيَهم بِآيَةٍ مِنهُ ﴿أوْ سُلَّمًا في السَّماءِ فَتَأْتِيَهم بِآيَةٍ﴾ مِنها فافْعَلْ، ولَكِنَّكَ لا تَسْتَطِيعُ ذَلِكَ فَدَعِ الحُزْنَ و﴿فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَراتٍ﴾ [فاطر: ٨] .
و﴿لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ﴾ [الغاشية: ٢٢] والنَّفَقُ: السَّرَبُ والمَنفَذُ، ومِنهُ النّافِقاءُ لِجُحْرِ اليَرْبُوعِ، ومِنهُ المُنافِقُ.
وقَدْ تَقَدَّمَ في البَقَرَةِ ما يُغْنِي عَنِ الإعادَةِ.
والسُّلَّمُ: الدَّرَجُ الَّذِي يُرْتَقى عَلَيْهِ، وهو مُذَكَّرٌ لا يُؤَنَّثُ، وقالَ الفَرّاءُ: إنَّهُ يُؤَنَّثُ.
قالَ الزَّجّاجُ: وهو مُشْتَقٌّ مِنَ السَّلامَةِ، لِأنَّهُ يُسْلَكُ بِهِ إلى مَوْضِعِ الأمْنِ، وقِيلَ: إنَّ الخِطابَ وإنْ كانَ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فالمُرادُ بِهِ أُمَّتُهُ، (p-٤١٧)لِأنَّها كانَتْ تَضِيقُ صُدُورُهم بِتَمَرُّدِ الكَفَرَةِ وتَصْمِيمِهِمْ عَلى كُفْرِهِمْ ولا يَشْعُرُونَ أنَّ لِلَّهِ سُبْحانَهُ في ذَلِكَ حِكْمَةً لا تَبْلُغُها العُقُولُ ولا تُدْرِكُها الأفْهامُ، فَإنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ لَوْ جاءَ لِرَسُولِهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بِآيَةٍ تَضْطَرُّهم إلى الإيمانِ لَمْ يَبْقَ لِلتَّكْلِيفِ الَّذِي هو الِابْتِلاءُ والِامْتِحانُ مَعْنًى، ولِهَذا قالَ: ﴿ولَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهم عَلى الهُدى﴾ جَمْعُ إلْجاءٍ وقَسْرٍ، ولَكِنَّهُ لَمْ يَشَأْ ذَلِكَ ولِلَّهِ الحِكْمَةُ البالِغَةُ ﴿فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الجاهِلِينَ﴾ فَإنَّ شِدَّةَ الحِرْصِ والحُزْنَ لِإعْراضِ الكُفّارِ عَنِ الإجابَةِ قَبْلَ أنْ يَأْذَنَ اللَّهُ بِذَلِكَ هو صَنِيعُ أهْلِ الجَهْلِ ولَسْتَ مِنهم، فَدَعِ الأُمُورَ مُفَوَّضَةً إلى عالِمِ الغَيْبِ والشَّهادَةِ فَهو أعْلَمُ بِما فِيهِ المَصْلَحَةُ، ولا تَحْزَنْ لِعَدَمِ حُصُولِ ما يَطْلُبُونَهُ مِنَ الآياتِ الَّتِي لَوْ بَدا لَهم بَعْضُها لَكانَ إيمانُهم بِها اضْطِرارًا.
﴿إنَّما يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ﴾ أيْ إنَّما يَسْتَجِيبُ لَكَ إلى ما تَدْعُو إلَيْهِ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ سَماعَ تَفَهُّمٍ بِما تَقْتَضِيهِ العُقُولُ وتُوجِبُهُ الأفْهامُ وهَؤُلاءِ لَيْسُوا كَذَلِكَ، بَلْ هم بِمَنزِلَةِ المَوْتى الَّذِينَ لا يَسْمَعُونَ ولا يَعْقِلُونَ لِما جَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ مِنَ الأكِنَّةِ وفي آذانِهِمْ مِنَ الوَقْرِ، ولِهَذا قالَ: ﴿والمَوْتى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ﴾ شَبَّهَهم بِالأمْواتِ بِجامِعِ أنَّهم جَمِيعًا لا يَفْهَمُونَ الصَّوابَ ولا يَعْقِلُونَ الحَقَّ: أيْ أنَّ هَؤُلاءِ لا يُلْجِئُهُمُ اللَّهُ إلى الإيمانِ وإنْ كانَ قادِرًا عَلى ذَلِكَ كَما يَقْدِرُ عَلى بِعْثَةِ المَوْتى لِلْحِسابِ ﴿ثُمَّ إلَيْهِ يُرْجَعُونَ﴾ إلى الجَزاءِ فَيُجازِي كُلًّا بِما يَلِيقُ بِهِ كَما تَقْتَضِيهِ حِكْمَتُهُ البالِغَةُ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿قالُوا ياحَسْرَتَنا﴾ قالَ: الحَسْرَةُ النَّدامَةُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والخَطِيبُ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - في قَوْلِهِ: ﴿ياحَسْرَتَنا﴾ قالَ: «الحَسْرَةُ أنْ يَرى أهْلُ النّارِ مُنازِلَهم مِنَ الجَنَّةِ، فَتِلْكَ الحَسْرَةُ» .
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ، في قَوْلِهِ: ﴿ألا ساءَ ما يَزِرُونَ﴾ قالَ: ما يَعْمَلُونَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿لَعِبٌ ولَهْوٌ﴾ قالَ: كُلُّ لَعِبٍ: لَهْوٌ.
وأخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، والضِّياءُ في المُخْتارَةِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ قالَ: قالَ أبُو جَهْلٍ لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: إنّا لا نُكَذِّبُكَ ولَكِنْ نُكَذِّبُ بِما جِئْتَ بِهِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿فَإنَّهم لا يُكَذِّبُونَكَ ولَكِنَّ الظّالِمِينَ بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ أبِي يَزِيدَ المَدَنِيِّ أنَّ أبا جَهْلٍ قالَ: واللَّهِ إنِّي لَأعْلَمُ أنَّهُ صادِقٌ، ولَكِنْ مَتى كُنّا تَبَعًا لِبَنِي عَبْدِ مَنافٍ ؟ .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ أبِي مَيْسَرَةَ نَحْوَ رِوايَةِ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ، في قَوْلِهِ: ﴿ولَكِنَّ الظّالِمِينَ بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ قالَ: يَعْلَمُونَ أنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ ويَجْحَدُونَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ الضَّحّاكِ، في قَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِن قَبْلِكَ﴾ قالَ: يُعَزِّي نَبِيَّهُ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ مِثْلَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: ﴿فَإنِ اسْتَطَعْتَ أنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا في الأرْضِ﴾ والنَّفَقُ: السَّرَبُ، فَتَذْهَبُ فِيهِ فَتَأْتِيَهم بِآيَةٍ أوْ تَجْعَلُ لَهم سُلَّمًا في السَّماءِ فَتَصْعَدُ عَلَيْهِ فَتَأْتِيَهم بِآيَةٍ أفْضَلَ مِمّا أتَيْناهم بِهِ فافْعَلْ ﴿ولَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهم عَلى الهُدى﴾ يَقُولُ سُبْحانَهُ: لَوْ شِئْتُ لَجَمَعْتُهم عَلى الهُدى أجْمَعِينَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ، في قَوْلِهِ: ﴿نَفَقًا في الأرْضِ﴾ قالَ: سَرَبًا ﴿أوْ سُلَّمًا في السَّماءِ﴾ قالَ: يَعْنِي الدَّرَجَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ الحَسَنِ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّما يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ﴾ قالَ: المُؤْمِنُونَ والمَوْتى قالَ: الكُفّارُ.
وأخْرَجَ هَؤُلاءِ عَنْ مُجاهِدٍ مِثْلَهُ.
6:37–39Page 132
وَقَالُواْ لَوۡلَا نُزِّلَ عَلَيۡهِ ءَايَةٞ مِّن رَّبِّهِۦۚ قُلۡ إِنَّ ٱللَّهَ قَادِرٌ عَلَىٰٓ أَن يُنَزِّلَ ءَايَةٗ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَهُمۡ لَا يَعۡلَمُونَ ٣٧
And they say, "Why has a sign not been sent down to him from his Lord?" Say, "Indeed, Allāh is Able to send down a sign, but most of them do not know."
وَمَا مِن دَآبَّةٖ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَلَا طَٰٓئِرٖ يَطِيرُ بِجَنَاحَيۡهِ إِلَّآ أُمَمٌ أَمۡثَالُكُمۚ مَّا فَرَّطۡنَا فِي ٱلۡكِتَٰبِ مِن شَيۡءٖۚ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّهِمۡ يُحۡشَرُونَ ٣٨
And there is no creature on [or within] the earth or bird that flies with its wings except [that they are] communities like you. We have not neglected in the Register1 a thing. Then unto their Lord they will be gathered.
وَٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِنَا صُمّٞ وَبُكۡمٞ فِي ٱلظُّلُمَٰتِۗ مَن يَشَإِ ٱللَّهُ يُضۡلِلۡهُ وَمَن يَشَأۡ يَجۡعَلۡهُ عَلَىٰ صِرَٰطٖ مُّسۡتَقِيمٖ ٣٩
But those who deny Our verses are deaf and dumb within darknesses. Whomever Allāh wills - He sends astray; and whomever He wills - He puts him on a straight path.
هَذا كانَ مِنهم تَعَنُّتًا ومُكابَرَةً حَيْثُ لَمْ يَقْتَدُوا بِما قَدْ أنْزَلَهُ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنَ الآياتِ البَيِّناتِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها القُرْآنُ، وقَدْ عَلِمُوا أنَّهم قَدْ عَجَزُوا عَنْ أنْ يَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ، ومُرادُهم بِالآيَةِ هُنا هي الَّتِي تَضْطَرُّهم إلى الإيمانِ كَنُزُولِ المَلائِكَةِ بِمَرْأًى مِنهم ومَسْمَعٍ، أوْ نَتْقِ الجَبَلِ كَما وقَعَ لِبَنِي إسْرائِيلَ، فَأمَرَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ أنْ يُجِيبَهم بِأنَّ اللَّهَ قادِرٌ عَلى أنْ يُنَزِّلَ عَلى رَسُولِهِ آيَةً تَضْطَرُّهم إلى الإيمانِ، ولَكِنَّهُ تَرَكَ ذَلِكَ لِتَظْهَرَ فائِدَةُ التَّكْلِيفِ الَّذِي هو الِابْتِلاءُ والِامْتِحانُ، وأيْضًا لَوْ نَزَّلَ آيَةً كَما طَلَبُوا لَمْ يُمْهِلْهم بَعْدَ نُزُولِها بَلْ سَيُعاجِلُهم بِالعُقُوبَةِ إذا لَمْ يُؤْمِنُوا.
قالَ الزَّجّاجُ: طَلَبُوا أنْ يَجْمَعَهم عَلى الهُدى، يَعْنِي جَمْعَ إلْجاءٍ ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ﴾ أنَّ اللَّهَ قادِرٌ عَلى ذَلِكَ، وأنَّهُ تَرَكَهُ لِحِكْمَةٍ بالِغَةٍ لا تَبْلُغُها عُقُولُهم.
قَوْلُهُ: ﴿وما مِن دابَّةٍ في الأرْضِ ولا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ إلّا أُمَمٌ أمْثالُكم﴾ الدّابَّةُ مِن دَبَّ يَدِبُّ فَهو دابٌّ: إذا مَشى مَشْيًا فِيهِ تَقارُبُ خَطْوٍ وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ ذَلِكَ في البَقَرَةِ.
ولا طائِرٍ مَعْطُوفٌ عَلى دابَّةٍ مَجْرُورٌ في قِراءَةِ الجُمْهُورِ.
وقَرَأ الحَسَنُ وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أبِي إسْحاقَ ( ولا طائِرٌ ) بِالرَّفْعِ عَطْفًا عَلى مَوْضِعِ مِن دابَّةٍ عَلى تَقْدِيرِ زِيادَةِ مِن، وبِجَناحَيْهِ لِدَفْعِ الإبْهامِ، لِأنَّ العَرَبَ تَسْتَعْمِلُ الطَّيَرانَ لِغَيْرِ الطَّيْرِ كَقَوْلِهِمْ: طِرْ في حاجَتِي: أيْ أسْرِعْ، وقِيلَ: إنَّ اعْتِدالَ جَسَدِ الطّائِرِ بَيْنَ الجَناحَيْنِ يُعِينُهُ عَلى الطَّيَرانِ، ومَعَ عَدَمِ الِاعْتِدالِ يَمِيلُ، فَأعْلَمَنا سُبْحانَهُ أنَّ الطَّيَرانَ بِالجَناحَيْنِ، وقِيلَ: ذَكَرَ الجَناحَيْنِ لِلتَّأْكِيدِ كَضَرَبَ بِيَدِهِ وأبَصَرَ بِعَيْنَيْهِ ونَحْوِ ذَلِكَ.
والجَناحُ: أحَدُ ناحِيَتَيِ الطَّيْرِ الَّذِي يَتَمَكَّنُ بِهِ مِنَ الطَّيَرانِ في الهَواءِ، وأصْلُهُ المَيْلُ إلى ناحِيَةٍ مِنَ النَّواحِي.
(p-٤١٨)والمَعْنى: ما مِن دابَّةٍ مِنَ الدَّوابِّ الَّتِي تَدِبُّ في أيِّ مَكانٍ مِن أمْكِنَةِ الأرْضِ ولا طائِرٍ يَطِيرُ في أيِّ ناحِيَةٍ مِن نَواحِيها ﴿إلّا أُمَمٌ أمْثالُكُمْ﴾ أيْ: جَماعاتٌ مِثْلُكم خَلَقَهُمُ اللَّهُ كَما خَلَقَكم، ورَزَقَهم كَما رَزَقَكم داخِلَةٌ تَحْتَ عِلْمِهِ وتَقْدِيرِهِ وإحاطَتِهِ بِكُلِّ شَيْءٍ، وقِيلَ: " أمْثالُنا " في ذِكْرِ اللَّهِ والدَّلالَةِ عَلَيْهِ، وقِيلَ: " أمْثالُنا " في كَوْنِهِمْ مَحْشُورِينَ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ.
وقالَ سُفْيانُ بْنُ عُيَيْنَةَ: أيْ: ما مِن صِنْفٍ مِنَ الدَّوابِّ والطَّيْرِ إلّا في النّاسِ شِبْهٌ مِنهُ، فَمِنهم مَن يَعْدُو كالأسَدِ، ومِنهم مَن يَشْرَهُ كالخِنْزِيرِ، ومِنهم مَن يَعْوِي كالكَلْبِ، ومِنهم مَن يَزْهُو كالطّاوُسِ، وقِيلَ: أمْثالُكم في أنَّ لَها أسْماءً تُعْرَفُ بِها.
وقالَ الزَّجّاجُ: أمْثالُكم في الخَلْقِ والرِّزْقِ والمَوْتِ والبَعْثِ والِاقْتِصاصِ.
والأوْلى أنْ تُحْمَلَ المُماثَلَةُ عَلى كُلِّ ما يُمْكِنُ وُجُودُ شِبْهٍ فِيهِ كائِنًا ما كانَ.
قَوْلُهُ: ﴿ما فَرَّطْنا في الكِتابِ مِن شَيْءٍ﴾ أيْ ما أغْفَلْنا عَنْهُ ولا ضَيَّعْنا فِيهِ مِن شَيْءٍ.
والمُرادُ بِالكِتابِ: اللَّوْحُ المَحْفُوظُ، فَإنَّ اللَّهَ أثْبَتَ فِيهِ جَمِيعَ الحَوادِثِ، وقِيلَ: إنَّ المُرادَ بِهِ القُرْآنُ: أيْ ما تَرَكْنا في القُرْآنِ مِن شَيْءٍ مِن أمْرِ الدِّينِ إمّا تَفْصِيلًا أوْ إجْمالًا، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ونَزَّلْنا عَلَيْكَ الكِتابَ تِبْيانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [النحل: ٨٩] وقالَ: ﴿وأنْزَلْنا إلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنّاسِ ما نُزِّلَ إلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤]، ومِن جُمْلَةِ ما أجْمَلَهُ في الكِتابِ العَزِيزِ قَوْلُهُ: ﴿وما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وما نَهاكم عَنْهُ فانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧] فَأمَرَ في هَذِهِ الآيَةِ بِاتِّباعِ ما سَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، فَكُلُّ حُكْمٍ سَنَّهُ الرَّسُولُ لِأُمَّتِهِ قَدْ ذَكَرَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ في كِتابِهِ العَزِيزِ، بِهَذِهِ الآيَةِ وبِنَحْوِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ إنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فاتَّبِعُونِي﴾ [آل عمران: ٣١] وبِقَوْلِهِ: ﴿لَقَدْ كانَ لَكم في رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١]، ومِن في مِن شَيْءٍ مَزِيدَةٌ لِلِاسْتِغْراقِ.
قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ إلى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ﴾ يَعْنِي الأُمَمَ المَذْكُورَةَ، وفِيهِ دَلالَةٌ عَلى أنَّها تُحْشَرُ كَما يُحْشَرُ بَنُو آدَمَ، وقَدْ ذَهَبَ إلى هَذا جَمْعٌ مِنَ العُلَماءِ، ومِنهم أبُو ذَرٍّ وأبُو هُرَيْرَةَ والحَسَنُ وغَيْرُهم.
وذَهَبَ ابْنُ عَبّاسٍ، إلى أنَّ حَشْرَها مَوْتَها، وبِهِ قالَ الضَّحّاكُ.
والأوَّلُ أرْجَحُ لِلْآيَةِ، ولِما صَحَّ في السُّنَّةِ المُطَهَّرَةِ مِن أنَّهُ «يُقادُ يَوْمَ القِيامَةِ لِلشّاةِ الجَلْحاءِ مِنَ الشّاةِ القَرْناءِ،» ولِقَوْلِ اللَّهِ تَعالى: ﴿وإذا الوُحُوشُ حُشِرَتْ﴾ [التكوير: ٥]، وذَهَبَتْ طائِفَةٌ مِنَ العُلَماءِ إلى أنَّ المُرادَ بِالحَشْرِ المَذْكُورِ في الآيَةِ حَشْرُ الكُفّارِ، وما تَخَلَّلَ كَلامٌ مُعْتَرِضٌ.
قالُوا: وأمّا الحَدِيثُ فالمَقْصُودُ بِهِ التَّمْثِيلُ عَلى جِهَةِ تَعْظِيمِ أمْرِ الحِسابِ والقَصاصِ.
واسْتَدَلُّوا أيْضًا بِأنَّ في هَذا الحَدِيثِ خارِجَ الصَّحِيحِ عَنْ بَعْضِ الرُّواةِ زِيادَةً، ولَفْظُهُ: «حَتّى يُقادَ لِلشّاةِ الجَلْحاءِ مِنَ القَرْناءِ، ولِلْحَجَرِ لِمَ رَكِبَ عَلى الحَجَرِ ؟ والعُودُ لِمَ خَدَشَ العُودَ ؟» قالُوا: والجَماداتُ لا يُعْقَلُ خِطابُها ولا ثَوابُها ولا عِقابُها.
قَوْلُهُ: ﴿والَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا صُمٌّ وبُكْمٌ﴾ أيْ: لا يَسْمَعُونَ بَأسْماعِهِمْ ولا يَنْطِقُونَ بِألْسِنَتِهِمْ، نَزَّلَهم مَنزِلَةَ مَن لا يَسْمَعُ ولا يَنْطِقُ لِعَدَمِ قَبُولِهِمْ لِما يَنْبَغِي قَبُولُهُ مِنَ الحُجَجِ الواضِحَةِ والدَّلائِلِ الصَّحِيحَةِ.
وقالَ أبُو عَلِيٍّ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ صَمَمُهم وبُكْمُهم في الآخِرَةِ.
قَوْلُهُ: في الظُّلُماتِ أيْ في ظُلُماتِ الكُفْرِ والجَهْلِ والحَيْرَةِ لا يَهْتَدُونَ لِشَيْءٍ مِمّا فِيهِ صَلاحُهم.
والمَعْنى: كائِنِينَ في الظُّلُماتِ الَّتِي تَمْنَعُ مِن إبْصارِ المُبْصَراتِ وضَمُّوا إلى الصَّمَمِ والبُكْمِ عَدَمَ الِانْتِفاعِ بِالأبْصارِ لِتَراكُمِ الظُّلْمَةِ عَلَيْهِمْ، فَكانَتْ حَواسُّهم كالمَسْلُوبَةِ الَّتِي لا يُنْتَفَعُ بِها بِحالٍ وقَدْ تَقَدَّمَ في البَقَرَةِ تَحْقِيقُ المَقامِ بِما يُغْنِي عَنِ الإعادَةِ، ثُمَّ بَيَّنَ سُبْحانَهُ أنَّ الأمْرَ بِيَدِهِ ما شاءَ يَفْعَلُ، مَن شاءَ تَعالى أنْ يُضِلَّهُ أضَلَّهُ، ومَن شاءَ أنْ يَهْدِيَهُ جَعَلَهُ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ لا يَذْهَبُ بِهِ إلى غَيْرِ الحَقِّ، ولا يَمْشِي فِيهِ إلّا إلى صَوْبِ الِاسْتِقامَةِ.
وقَدْ أخْرَجَ الفِرْيابِيُّ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، في قَوْلِهِ: ﴿إلّا أُمَمٌ أمْثالُكم﴾ قالَ: أصْنافًا مُصَنَّفَةً تُعْرَفُ بِأسْمائِها.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ، في الآيَةِ قالَ: الطَّيْرُ أُمَّةٌ، والإنْسُ أُمَّةٌ، والجِنُّ أُمَّةٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ السُّدِّيِّ،: قالَ: خَلْقٌ أمْثالُكم.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ في الآيَةِ قالَ: الذَّرَّةُ فَما فَوْقَها مِن ألْوانِ ما خَلَقَ اللَّهُ مِنَ الدَّوابِّ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: ﴿ما فَرَّطْنا في الكِتابِ مِن شَيْءٍ﴾ يَعْنِي ما تَرَكْنا شَيْئًا إلّا وقَدْ كَتَبْناهُ في أُمِّ الكِتابِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ، نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ إلى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ﴾ قالَ: مَوْتُ البَهائِمِ حَشْرُها، وفي لَفْظٍ قالَ: يَعْنِي بِالحَشْرِ المَوْتَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وأبُو عُبَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: " ما مِن دابَّةٍ ولا طائِرٍ إلّا سَيُحْشَرُ يَوْمَ القِيامَةِ، ثُمَّ يُقْتَصُّ لِبَعْضِها مِن بَعْضٍ حَتّى يُقْتَصَّ لِلْجَلْحاءِ مِن ذاتِ القَرْنِ، ثُمَّ يُقالُ لَها: كُونِي تُرابًا، فَعِنْدَ ذَلِكَ يَقُولُ الكافِرُ: ﴿يالَيْتَنِي كُنْتُ تُرابًا﴾ [النبأ: ٤٠] وإنْ شِئْتُمْ فاقْرَءُوا ﴿وما مِن دابَّةٍ في الأرْضِ﴾ " الآيَةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ أبِي ذَرٍّ قالَ: انْتَطَحَتْ شاتانِ عِنْدَ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَقالَ لِي: «يا أبا ذَرٍّ أتَدْرِي فِيمَ انْتَطَحَتا ؟ قُلْتُ: لا، قالَ: لَكِنَّ اللَّهَ يَدْرِي وسَيَقْضِي بَيْنَهُما» .
قالَ أبُو ذَرٍّ: ولَقَدْ تَرَكَنا رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وما يَقْلِبُ طائِرٌ جَناحَيْهِ في السَّماءِ إلّا ذَكَرْنا مِنهُ عِلْمًا.
وأخْرَجَهُ أيْضًا أحْمَدُ، وفي صَحِيحِ مُسْلِمٍ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «لِتُؤَدُّنَّ الحُقُوقَ إلى أهْلِها يَوْمَ القِيامَةِ حَتّى يُقادَ لِلشّاةِ الجَلْحاءِ مِنَ الشّاةِ القَرْناءِ» .
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences