Ash-Shawkani · Tafsir · in Arabic
Al-Mulk 67:12–30
67:12–21Page 562
إِنَّ ٱلَّذِينَ يَخۡشَوۡنَ رَبَّهُم بِٱلۡغَيۡبِ لَهُم مَّغۡفِرَةٞ وَأَجۡرٞ كَبِيرٞ ١٢
Indeed, those who fear their Lord unseen will have forgiveness and great reward.
وَأَسِرُّواْ قَوۡلَكُمۡ أَوِ ٱجۡهَرُواْ بِهِۦٓۖ إِنَّهُۥ عَلِيمُۢ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ ١٣
And conceal your speech or publicize it; indeed, He is Knowing of that within the breasts.
أَلَا يَعۡلَمُ مَنۡ خَلَقَ وَهُوَ ٱللَّطِيفُ ٱلۡخَبِيرُ ١٤
Does He who created not know,1 while He is the Subtle, the Aware?
هُوَ ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلۡأَرۡضَ ذَلُولٗا فَٱمۡشُواْ فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُواْ مِن رِّزۡقِهِۦۖ وَإِلَيۡهِ ٱلنُّشُورُ ١٥
It is He who made the earth tame1 for you - so walk among its slopes and eat of His provision - and to Him is the resurrection.
ءَأَمِنتُم مَّن فِي ٱلسَّمَآءِ أَن يَخۡسِفَ بِكُمُ ٱلۡأَرۡضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ ١٦
Do you feel secure that He who is above1 would not cause the earth to swallow you and suddenly it would sway?2
أَمۡ أَمِنتُم مَّن فِي ٱلسَّمَآءِ أَن يُرۡسِلَ عَلَيۡكُمۡ حَاصِبٗاۖ فَسَتَعۡلَمُونَ كَيۡفَ نَذِيرِ ١٧
Or do you feel secure that He who is above would not send against you a storm of stones? Then you would know how [severe] was My warning.
وَلَقَدۡ كَذَّبَ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡ فَكَيۡفَ كَانَ نَكِيرِ ١٨
And already had those before them denied, and how [terrible] was My reproach.
أَوَلَمۡ يَرَوۡاْ إِلَى ٱلطَّيۡرِ فَوۡقَهُمۡ صَٰٓفَّٰتٖ وَيَقۡبِضۡنَۚ مَا يُمۡسِكُهُنَّ إِلَّا ٱلرَّحۡمَٰنُۚ إِنَّهُۥ بِكُلِّ شَيۡءِۭ بَصِيرٌ ١٩
Do they not see the birds above them with wings outspread and [sometimes] folded in? None holds them [aloft] except the Most Merciful. Indeed He is, of all things, Seeing.
أَمَّنۡ هَٰذَا ٱلَّذِي هُوَ جُندٞ لَّكُمۡ يَنصُرُكُم مِّن دُونِ ٱلرَّحۡمَٰنِۚ إِنِ ٱلۡكَٰفِرُونَ إِلَّا فِي غُرُورٍ ٢٠
Or who is it that could be an army for you to aid you other than the Most Merciful? The disbelievers are not but in delusion.
أَمَّنۡ هَٰذَا ٱلَّذِي يَرۡزُقُكُمۡ إِنۡ أَمۡسَكَ رِزۡقَهُۥۚ بَل لَّجُّواْ فِي عُتُوّٖ وَنُفُورٍ ٢١
Or who is it that could provide for you if He withheld His provision? But they have persisted in insolence and aversion.
قَوْلُهُ: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهم بِالغَيْبِ﴾ لَمّا فَرَغَ سُبْحانَهُ مِن ذِكْرِ أحْوالِ أهْلِ النّارِ ذَكَرَ أهْلَ الجَنَّةِ، و" بِالغَيْبِ " حالٌ مِنَ الفاعِلِ أوِ المَفْعُولِ، أيْ: غائِبِينَ عَنْهُ، أوْ غائِبًا عَنْهم، والمَعْنى: أنَّهم يَخْشَوْنَ عَذابَهُ ولَمْ يَرَوْهُ فَيُؤْمِنُونَ بِهِ خَوْفًا مِن عَذابِهِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: يَخْشَوْنَ رَبَّهم حالَ كَوْنِهِمْ غائِبِينَ عَنْ أعْيُنِ النّاسِ وذَلِكَ في خَلَواتِهِمْ، أوِ المُرادُ بِالغَيْبِ كَوْنُ العَذابِ غائِبًا عَنْهم لِأنَّهم في الدُّنْيا، وهو إنَّما يَكُونُ يَوْمَ القِيامَةِ، فَتَكُونُ الباءُ عَلى هَذا سَبَبِيَّةً ﴿لَهم مَغْفِرَةٌ﴾ عَظِيمَةٌ يَغْفِرُ اللَّهُ بِها ذُنُوبَهم ﴿وأجْرٌ كَبِيرٌ﴾ وهو الجَنَّةُ، ومِثْلُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ: ﴿مَن خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالغَيْبِ﴾ [ق: ٣٣] .
ثُمَّ عادَ سُبْحانَهُ إلى خِطابِ الكُفّارِ فَقالَ: ﴿وأسِرُّوا قَوْلَكم أوِ اجْهَرُوا بِهِ﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ مَسُوقَةٌ لِبَيانِ تَساوِي الإسْرارِ والجَهْرِ بِالنِّسْبَةِ إلى عِلْمِ اللَّهِ سُبْحانَهُ، والمَعْنى: إنْ أخْفَيْتُمْ كَلامَكم أوْ جَهَرْتُمْ بِهِ في أمْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَكُلُّ ذَلِكَ يَعْلَمُهُ اللَّهُ لا تَخْفى عَلَيْهِ مِنهُ خافِيَةٌ، وجُمْلَةُ ﴿إنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ تَعْلِيلٌ لِلِاسْتِواءِ المَذْكُورِ، وذاتُ الصُّدُورِ هي مُضْمَراتُ القُلُوبِ.
والِاسْتِفْهامُ في قَوْلِهِ: ﴿ألا يَعْلَمُ مَن خَلَقَ﴾ لِلْإنْكارِ، والمَعْنى: ألا يَعْلَمُ السِّرَّ. ومُضْمَراتُ القُلُوبِ مِن خَلَقَ ذَلِكَ وأوْجَدَهُ، فالمَوْصُولُ عِبارَةٌ عَنِ الخالِقِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ عِبارَةً عَنِ المَخْلُوقِ، وفي " يَعْلَمُ " ضَمِيرٌ يَعُودُ إلى اللَّهِ، أيْ: ألا يَعْلَمُ اللَّهُ المَخْلُوقَ الَّذِي هو مِن جُمْلَةِ خَلْقِهِ، فَإنَّ الإسْرارَ والجَهْرَ ومُضْمَراتِ القُلُوبِ مِن جُمْلَةِ خَلْقِهِ، وجُمْلَةُ ﴿وهُوَ اللَّطِيفُ الخَبِيرُ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِن فاعِلِ " يَعْلَمُ "، أيِ الَّذِي لَطُفَ عِلْمُهُ بِما في القُلُوبِ، الخَبِيرُ بِما تُسِرُّهُ وتُضْمِرُهُ مِنَ الأُمُورِ، لا تَخْفى عَلَيْهِ مِن ذَلِكَ خافِيَةٌ.
ثُمَّ امْتَنَّ سُبْحانَهُ عَلى عِبادِهِ فَقالَ: ﴿هو الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ ذَلُولًا﴾ أيْ: سَهْلَةً لَيِّنَةً تَسْتَقِرُّونَ عَلَيْها، ولَمْ يَجْعَلْها خَشِنَةً بِحَيْثُ يَمْتَنِعُ عَلَيْكُمُ السُّكُونُ فِيها والمَشْيُ عَلَيْها، والذَّلُولُ في الأصْلِ: هو المُنْقادُ الَّذِي يَذِلُّ لَكَ ولا يَسْتَصْعِبُ عَلَيْكَ، والمَصْدَرُ الذُّلُّ، والفاءُ في قَوْلِهِ: ﴿فامْشُوا في مَناكِبِها﴾ لِتَرْتِيبِ الأمْرِ بِالمَشْيِ عَلى الجَعْلِ المَذْكُورِ، والأمْرُ لِلْإباحَةِ.
قالَ مُجاهِدٌ، والكَلْبِيُّ، ومُقاتِلٌ: مَناكِبُها طُرُقُها وأطْرافُها وجَوانِبُها.
وقالَ قَتادَةُ، وشَهْرُ بْنُ حَوْشَبٍ: مَناكِبُها جِبالُها، وأصْلُ المَنكِبِ الجانِبُ، ومِنهُ مَنكِبُ الرَّجُلِ، ومِنهُ الرِّيحُ النَّكْباءُ، لِأنَّها تَأْتِي مِن جانِبٍ دُونَ جانِبٍ ﴿وكُلُوا مِن رِزْقِهِ﴾ أيْ: مِمّا رَزَقَكم وخَلَقَهُ لَكم في الأرْضِ ﴿وإلَيْهِ النُّشُورُ﴾ أيْ: وإلَيْهِ البَعْثُ مِن قُبُورِكم، لا إلى غَيْرِهِ، (p-١٥١٣)وفِي هَذا وعِيدٌ شَدِيدٌ.
ثُمَّ خَوَّفَ سُبْحانَهُ الكُفّارَ.
فَقالَ: ﴿أأمِنتُمْ مَن في السَّماءِ أنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الأرْضَ﴾ قالَ الواحِدِيُّ قالَ المُفَسِّرُونَ: يَعْنِي عُقُوبَةَ مَن في السَّماءِ، وقِيلَ: مَن في السَّماءِ قُدْرَتُهُ وسُلْطانُهُ وعَرْشُهُ ومَلائِكَتُهُ، وقِيلَ: مَن في السَّماءِ مِنَ المَلائِكَةِ، وقِيلَ: المُرادُ جِبْرِيلُ، ومَعْنى ﴿أنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الأرْضَ﴾ يَقْلِعَها مُلْتَبِسَةً بِكم كَما فَعَلَ بِقارُونَ بَعْدَ ما جَعَلَها لَكم ذَلُولًا تَمْشُونَ في مَناكِبِها، وقَوْلُهُ: ﴿أنْ يَخْسِفَ﴾ بَدَلُ اشْتِمالٍ مِنَ المَوْصُولِ، أيْ: أأمِنتُمْ خَسْفَهُ، أوْ عَلى حَذْفِ مِن، أيْ: مِن أنْ يَخْسِفَ ﴿فَإذا هي تَمُورُ﴾ أيْ: تَضْطَرِبُ وتَتَحَرَّكُ عَلى خِلافِ ما كانَتْ عَلَيْهِ مِنَ السُّكُونِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ أأمِنتُمْ بِهَمْزَتَيْنِ، وقَرَأ البَصْرِيُّونَ والكُوفِيُّونَ بِالتَّخْفِيفِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ بِقَلْبِ الأُولى واوًا.
ثُمَّ كَرَّرَ سُبْحانَهُ التَّهْدِيدَ لَهم بِوَجْهٍ آخَرَ فَقالَ: ﴿أمْ أمِنتُمْ مَن في السَّماءِ أنْ يُرْسِلَ عَلَيْكم حاصِبًا﴾ أيْ: حِجارَةً مِنَ السَّماءِ كَما أرْسَلَها عَلى قَوْمِ لُوطٍ وأصْحابِ الفِيلِ، وقِيلَ: سَحابٌ فِيها حِجارَةٌ، وقِيلَ: رِيحٌ فِيها حِجارَةٌ ﴿فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ﴾ أيْ: إنْذارِي إذا عايَنْتُمُ العَذابَ ولا يَنْفَعُكم هَذا العِلْمُ، وقِيلَ: النَّذِيرُ هُنا مُحَمَّدٌ ﷺ، قالَهُ عَطاءُ، والضَّحّاكُ.
والمَعْنى: سَتَعْلَمُونَ رَسُولِي وصِدْقَهُ، والأوَّلُ أوْلى.
والكَلامُ في ﴿أنْ يُرْسِلَ عَلَيْكم حاصِبًا﴾ كالكَلامِ في ﴿أنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الأرْضَ﴾ فَهو إمّا بَدَلُ اشْتِمالٍ، أوْ بِتَقْدِيرِ " مِن " .
﴿ولَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ أيِ الَّذِينَ قَبْلَ كُفّارِ مَكَّةَ مِن كُفّارِ الأُمَمِ الماضِيَةِ.
كَقَوْمِ نُوحٍ وعادٍ وثَمُودَ وقَوْمِ لُوطٍ وأصْحابِ الأيْكَةِ وأصْحابِ الرَّسِّ وقَوْمِ فِرْعَوْنَ ﴿فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ﴾ أيْ: فَكَيْفَ كانَ إنْكارِي عَلَيْهِمْ بِما أصَبْتُهم بِهِ مِنَ العَذابِ الفَظِيعِ.
﴿أوَلَمْ يَرَوْا إلى الطَّيْرِ فَوْقَهم صافّاتٍ﴾ الهَمْزَةُ لِلِاسْتِفْهامِ والواوُ لِلْعَطْفِ عَلى مُقَدَّرٍ، أيْ: أغَفِلُوا ولَمْ يَنْظُرُوا، ومَعْنى صافّاتٍ أنَّها صافَّةٌ لِأجْنِحَتِها في الهَواءِ وتَبْسُطُها عِنْدَ طَيَرانِها ﴿ويَقْبِضْنَ﴾ أيْ: يَضْمُمْنَ أجْنِحَتَهُنَّ.
قالَ النَّحّاسُ: يُقالُ لِلطّائِرِ إذا بَسَطَ جَناحَهُ صافٌّ، وإذا ضَمَّها قابِضٌ كَأنَّهُ يَقْبِضُها، وهَذا مَعْنى الطَّيَرانِ، وهو بَسْطُ الجَناحِ وقَبْضُهُ بَعْدَ البَسْطِ ومِنهُ قَوْلُ أبِي خِراشٍ:
؎يُبادِرُ جُنْحَ اللَّيْلِ فَهو مُزايِلٌ تَحْتَ الجَناحِ بِالتَّبَسُّطِ والقَبْضِ
وإنَّما قالَ: ويَقْبِضْنَ ولَمْ يَقُلْ قابِضاتٍ كَما قالَ صافّاتٍ؛ لِأنَّ القَبْضَ يَتَجَدَّدُ تارَةً فَتارَةً، وأمّا البَسْطُ فَهو الأصْلُ، كَذا قِيلَ.
وقِيلَ: إنَّ مَعْنى ويَقْبِضْنَ قَبْضُهُنَّ لِأجْنِحَتِهِنَّ عِنْدَ الوُقُوفِ مِنَ الطَّيَرانِ، لا قَبْضُها في حالِ الطَّيَرانِ، وجُمْلَةُ ﴿ما يُمْسِكُهُنَّ إلّا الرَّحْمَنُ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِن فاعِلِ " يَقْبِضْنَ "، أوْ مُسْتَأْنَفَةٌ لِبَيانِ كَمالِ قُدْرَةِ اللَّهِ سُبْحانَهُ، والمَعْنى: أنَّهُ ما يُمْسِكُهُنَّ في الهَواءِ عِنْدَ الطَّيَرانِ إلّا الرَّحْمَنُ القادِرُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ ﴿إنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ﴾ لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ كائِنًا ما كانَ.
﴿أمَّنْ هَذا الَّذِي هو جُنْدٌ لَكم يَنْصُرُكم مِن دُونِ الرَّحْمَنِ﴾ الِاسْتِفْهامُ لِلتَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ، والمَعْنى أنَّهُ لا جُنْدَ لَكم يَمْنَعُكم مِن عَذابِ اللَّهِ، والجُنْدُ الحِزْبُ والمَنَعَةُ.
قَرَأ الجُمْهُورُ أمَّنْ هَذا بِتَشْدِيدِ المِيمِ عَلى إدْغامِ مِيمِ " أمْ " في مِيمِ " مَن " و" أمْ " بِمَعْنى " بَلْ " ولا سَبِيلَ إلى تَقْدِيرِ الهَمْزَةِ بَعْدَها كَما هو الغالِبُ في تَقْدِيرِ أمِ المُنْقَطِعَةِ بِبَلْ والهَمْزَةِ؛ لِأنَّ بَعْدَها هُنا " مَن " الِاسْتِفْهامِيَّةَ فَأغْنَتْ عَنْ ذَلِكَ التَّقْدِيرِ، و" مَن " الِاسْتِفْهامِيَّةُ مُبْتَدَأٌ واسْمُ الإشارَةِ خَبَرُهُ، والمَوْصُولُ مَعَ صِلَتِهِ صِفَةُ اسْمِ الإشارَةِ، و" يَنْصُرُكم " صِفَةٌ لِجُنْدٍ، و" مِن دُونِ الرَّحْمَنِ " في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِن فاعِلِ " يَنْصُرُكم "، والمَعْنى: بَلْ مَن هَذا الحَقِيرُ الَّذِي هو في زَعْمِكم جُنْدٌ لَكم مُتَجاوِزًا نَصْرَ الرَّحْمَنِ، وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ بِتَخْفِيفِ الأُولى وتَثْقِيلِ الثّانِيَةِ، وجُمْلَةُ ﴿إنِ الكافِرُونَ إلّا في غُرُورٍ﴾ مُعْتَرِضَةٌ مُقَرِّرَةٌ لِما قَبْلَها ناعِيَةٌ عَلَيْهِمْ ما هم فِيهِ مِنَ الضَّلالِ، والمَعْنى: ما الكافِرُونَ إلّا في غُرُورٍ عَظِيمٍ مِن جِهَةِ الشَّيْطانِ يَغُرُّهم بِهِ.
﴿أمَّنْ هَذا الَّذِي يَرْزُقُكم إنْ أمْسَكَ رِزْقَهُ﴾ الكَلامُ في هَذا كالكَلامِ في الَّذِي قَبْلَهُ قِراءَةً وإعْرابًا، أيْ: مَنِ الَّذِي يَدِرُّ عَلَيْكُمُ الأرْزاقَ مِنَ المَطَرِ وغَيْرِهِ إنْ أمْسَكَ اللَّهُ ذَلِكَ عَنْكم ومَنَعَهُ عَلَيْكم ﴿بَلْ لَجُّوا في عُتُوٍّ ونُفُورٍ﴾ أيْ: لَمْ يَتَأثَّرُوا لِذَلِكَ، بَلْ تَمادَوْا في عِنادٍ واسْتِكْبارٍ عَنِ الحَقِّ ونُفُورٍ عَنْهُ ولَمْ يَعْتَبِرُوا ولا تَفَكَّرُوا، وجَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ ما قَبْلَهُ عَلَيْهِ، أيْ: إنْ أمْسَكَ رِزْقَهُ فَمَن يَرْزُقُكم غَيْرُهُ، والعُتُوُّ العِنادُ والطُّغْيانُ، والنُّفُورُ الشُّرُودُ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿إنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهم بِالغَيْبِ﴾ قالَ: أبُو بَكْرٍ، وعُمَرُ، وعَلِيٌّ، وأبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الجَرّاحِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿فِي مَناكِبِها﴾ قالَ: جِبالُها.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ أيْضًا قالَ: أطْرافُها.
وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ، وابْنُ عَدِيٍّ، والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ والحَكِيمُ، التِّرْمِذِيُّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ العَبْدَ المُؤْمِنَ المُحْتَرِفَ» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿بَلْ لَجُّوا في عُتُوٍّ ونُفُورٍ﴾ قالَ: في ضَلالٍ.
67:22–30Page 563
أَفَمَن يَمۡشِي مُكِبًّا عَلَىٰ وَجۡهِهِۦٓ أَهۡدَىٰٓ أَمَّن يَمۡشِي سَوِيًّا عَلَىٰ صِرَٰطٖ مُّسۡتَقِيمٖ ٢٢
Then is one who walks fallen on his face better guided or one who walks erect on a straight path?
قُلۡ هُوَ ٱلَّذِيٓ أَنشَأَكُمۡ وَجَعَلَ لَكُمُ ٱلسَّمۡعَ وَٱلۡأَبۡصَٰرَ وَٱلۡأَفۡـِٔدَةَۚ قَلِيلٗا مَّا تَشۡكُرُونَ ٢٣
Say, "It is He who has produced you and made for you hearing and vision and hearts [i.e., intellect]; little are you grateful."
قُلۡ هُوَ ٱلَّذِي ذَرَأَكُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَإِلَيۡهِ تُحۡشَرُونَ ٢٤
Say, "It is He who has multiplied you throughout the earth, and to Him you will be gathered."
وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَٰذَا ٱلۡوَعۡدُ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ ٢٥
And they say, "When is this promise, if you should be truthful?"
قُلۡ إِنَّمَا ٱلۡعِلۡمُ عِندَ ٱللَّهِ وَإِنَّمَآ أَنَا۠ نَذِيرٞ مُّبِينٞ ٢٦
Say, "The knowledge is only with Allāh, and I am only a clear warner."
فَلَمَّا رَأَوۡهُ زُلۡفَةٗ سِيٓـَٔتۡ وُجُوهُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَقِيلَ هَٰذَا ٱلَّذِي كُنتُم بِهِۦ تَدَّعُونَ ٢٧
But when they see it1 approaching, the faces of those who disbelieve will be distressed, and it will be said, "This is that for which you used to call."2
قُلۡ أَرَءَيۡتُمۡ إِنۡ أَهۡلَكَنِيَ ٱللَّهُ وَمَن مَّعِيَ أَوۡ رَحِمَنَا فَمَن يُجِيرُ ٱلۡكَٰفِرِينَ مِنۡ عَذَابٍ أَلِيمٖ ٢٨
Say, [O Muḥammad], "Have you considered:1 whether Allāh should cause my death and those with me or have mercy upon us, who can protect the disbelievers from a painful punishment?"
قُلۡ هُوَ ٱلرَّحۡمَٰنُ ءَامَنَّا بِهِۦ وَعَلَيۡهِ تَوَكَّلۡنَاۖ فَسَتَعۡلَمُونَ مَنۡ هُوَ فِي ضَلَٰلٖ مُّبِينٖ ٢٩
Say, "He is the Most Merciful; we have believed in Him, and upon Him we have relied. And you will [come to] know who it is that is in clear error."
قُلۡ أَرَءَيۡتُمۡ إِنۡ أَصۡبَحَ مَآؤُكُمۡ غَوۡرٗا فَمَن يَأۡتِيكُم بِمَآءٖ مَّعِينِۭ ٣٠
Say, "Have you considered: if your water was to become sunken [into the earth], then who could bring you flowing water?"
ضَرَبَ سُبْحانَهُ مَثَلًا لِلْمُشْرِكِ والمُوَحِّدِ لِإيضاحِ حالِهِما وبَيانِ مَآلِهِما، فَقالَ: ﴿أفَمَن يَمْشِي مُكِبًّا عَلى وجْهِهِ أهْدى﴾ والمُكِبُّ والمُنْكَبُّ: السّاقِطُ عَلى وجْهِهِ، يُقالُ كَبَبْتُهُ فَأكَبَّ وانْكَبَّ، وقِيلَ: هو الَّذِي يَكُبُّ رَأْسَهُ فَلا يَنْظُرُ يَمِينًا ولا شِمالًا ولا أمامًا فَهو لا يَأْمَنُ العُثُورَ والِانْكِبابَ عَلى وجْهِهِ.
وقِيلَ: أرادَ بِهِ الأعْمى الَّذِي لا يَهْتَدِي إلى الطَّرِيقِ فَلا يَزالُ (p-١٥١٤)مَشْيُهُ يُنَكِّسُهُ عَلى وجْهِهِ.
قالَ قَتادَةُ: هو الكافِرُ يَكُبُّ عَلى مَعاصِي اللَّهِ في الدُّنْيا فَيَحْشُرُهُ اللَّهُ يَوْمَ القِيامَةِ عَلى وجْهِهِ.
والهَمْزَةُ لِلِاسْتِفْهامِ الإنْكارِيِّ، أيْ: هَلْ هَذا الَّذِي يَمْشِي عَلى وجْهِهِ أهْدى إلى المَقْصِدِ الَّذِي يُرِيدُهُ ﴿أمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا﴾ مُعْتَدِلًا ناظِرًا إلى ما بَيْنَ يَدَيْهِ ﴿عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ أيْ: عَلى طَرِيقٍ مُسْتَوٍ لا اعْوِجاجَ بِهِ ولا انْحِرافَ فِيهِ، وخَبَرُ " مَن " مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ خَبَرِ " مَنِ " الأُولى وهو " أهْدى " عَلَيْهِ، وقِيلَ: لا حاجَةَ إلى ذَلِكَ؛ لِأنَّ " مَنِ " الثّانِيَةَ مَعْطُوفَةٌ عَلى " مَنِ " الأُولى عَطْفَ المُفْرَدِ عَلى المُفْرَدِ، كَقَوْلِكَ أزْيَدٌ قائِمٌ أمْ عَمْرٌو ؟ وقِيلَ: أرادَ بِمَن يَمْشِي مُكِبًّا عَلى وجْهِهِ مَن يُحْشَرُ عَلى وجْهِهِ إلى النّارِ، ومَن يَمْشِي سَوِيًّا مَن يُحْشَرُ عَلى قَدَمَيْهِ إلى الجَنَّةِ، وهو كَقَوْلِ قَتادَةَ الَّذِي ذَكَرْناهُ، ومَثْلُهُ قَوْلُهُ: ﴿ونَحْشُرُهم يَوْمَ القِيامَةِ عَلى وُجُوهِهِمْ﴾ [الإسراء: ٩٧] .
﴿قُلْ هو الَّذِي أنْشَأكم﴾ أمَرَ سُبْحانَهُ رَسُولَهُ ﷺ أنْ يُخْبِرَهم بِأنَّ اللَّهَ هو الَّذِي أنْشَأهُمُ النَّشْأةَ الأُولى وجَعَلَ لَهُمُ السَّمْعَ لِيَسْمَعُوا بِهِ والأبْصارَ لِيُبْصِرُوا بِها، ووَجْهُ إفْرادِ السَّمْعِ مَعَ جَمْعِ الأبْصارِ أنَّهُ مَصْدَرٌ يُطْلَقُ عَلى القَلِيلِ والكَثِيرِ، وقَدْ قَدَّمْنا بَيانَ هَذا في مَواضِعَ مَعَ زِيادَةٍ في البَيانِ والأفْئِدَةَ القُلُوبُ الَّتِي يَتَفَكَّرُونَ بِها في مَخْلُوقاتِ اللَّهِ، فَذَكَرَ سُبْحانَهُ هاهُنا أنَّهُ قَدْ جَعَلَ لَهم ما يُدْرِكُونَ بِهِ المَسْمُوعاتِ والمُبْصَراتِ والمَعْقُولاتِ إيضاحًا لِلْحُجَّةِ وقَطْعًا لِلْمَعْذِرَةِ وذَمًّا لَهم عَلى عَدَمِ شُكْرِ نِعَمِ اللَّهِ، ولِهَذا قالَ: ﴿قَلِيلًا ما تَشْكُرُونَ﴾ وانْتِصابُ قَلِيلًا عَلى أنَّهُ نَعْتُ مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، و" ما " مَزِيدَةٌ لِلتَّأْكِيدِ، أيْ: شُكْرًا قَلِيلًا أوْ زَمانًا قَلِيلًا، وقِيلَ: أرادَ بِقِلَّةِ الشُّكْرِ عَدَمَ وُجُودِهِ مِنهم.
قالَ مُقاتِلٌ: يَعْنِي أنَّكم لا تَشْكُرُونَ رَبَّ هَذِهِ النِّعَمِ فَتُوَحِّدُونَهُ.
﴿قُلْ هو الَّذِي ذَرَأكم في الأرْضِ وإلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ أمَرَ اللَّهُ رَسُولَهُ ﷺ بِأنْ يُخْبِرَهم أنَّ اللَّهَ هو الَّذِي خَلَقَهم في الأرْضِ ونَشَرَهم فِيها وفَرَّقَهم عَلى ظَهْرِها وأنَّ حَشْرَهم لِلْجَزاءِ إلَيْهِ لا إلى غَيْرِهِ.
ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ أنَّهم يَسْتَعْجِلُونَ العَذابَ فَقالَ: ﴿ويَقُولُونَ مَتى هَذا الوَعْدُ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ أيْ: مَتى هَذا الوَعْدُ الَّذِي تَذْكُرُونَهُ لَنا مِنَ الحَشْرِ والقِيامَةِ والنّارِ والعَذابِ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ في ذَلِكَ.
والخِطابُ مِنهم لِلنَّبِيِّ ﷺ ولِمَن مَعَهُ مِنَ المُؤْمِنِينَ، وجَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ، والتَّقْدِيرُ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ فَأخْبِرُونا بِهِ أوْ فَبَيِّنُوهُ لَنا.
وهَذا مِنهُمُ اسْتِهْزاءٌ وسُخْرِيَةٌ.
ثُمَّ لَمّا قالُوا هَذا القَوْلَ أمَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ رَسُولَهُ ﷺ أنْ يُجِيبَ عَلَيْهِمْ فَقالَ: ﴿قُلْ إنَّما العِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ أيْ: إنَّ وقْتَ قِيامِ السّاعَةِ عِلْمُهُ عِنْدَ اللَّهِ لا يَعْلَمُهُ غَيْرُهُ.
ومَثْلُهُ قَوْلُهُ: ﴿قُلْ إنَّما عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي﴾ [الأعراف: ١٨٧] ثُمَّ أخْبَرَهم أنَّهُ مَبْعُوثٌ لِلْإنْذارِ لا لِلْإخْبارِ بِالغَيْبِ فَقالَ: ﴿وإنَّما أنا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ أُنْذِرُكم وأُخَوِّفُكم عاقِبَةَ كُفْرِكم وأُبَيِّنُ لَكم ما أمَرَنِي اللَّهُ بِبَيانِهِ.
ثُمَّ ذَكَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ حالَهم عِنْدَ مُعايَنَةِ العَذابِ فَقالَ: ﴿فَلَمّا رَأوْهُ زُلْفَةً﴾ يَعْنِي رَأوُا العَذابَ قَرِيبًا، وزُلْفَةٌ مَصْدَرٌ بِمَعْنى الفاعِلِ، أيْ: مُزْدَلِفًا أوْ حالٌ مِن مَفْعُولِ " رَأوْا " بِتَقْدِيرِ مُضافٍ، أيْ: ذا زُلْفَةٍ وقُرْبٍ.
أوْ ظَرْفٌ، أيْ: رَأوْهُ في مَكانٍ ذِي زُلْفَةٍ.
قالَ مُجاهِدٌ، أيْ: قَرِيبًا.
وقالَ الحَسَنُ: عَيانًا.
قالَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ: المُرادُ عَذابُ يَوْمِ القِيامَةِ، وقالَ مُجاهِدٌ: المُرادُ عَذابُ بَدْرٍ، وقِيلَ: رَأوْا ما وُعِدُوا بِهِ مِنَ الحَشْرِ قَرِيبًا مِنهم كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿وإلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ وقِيلَ: لَمّا رَأوْا عَمَلَهُمُ السَّيِّئَ قَرِيبًا ﴿سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أيِ اسْوَدَّتْ وعَلَتْها الكَآبَةُ وغَشِيَتْها الذِّلَّةُ، يُقالُ ساءَ الشَّيْءُ يَسُوءُ فَهو سَيِّئٌ إذا قَبُحَ.
قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى تَبَيَّنَ فِيها السُّوءُ، أيْ: ساءَهم ذَلِكَ العَذابُ فَظَهَرَ عَلَيْهِمْ بِسَبَبِهِ في وُجُوهِهِمْ ما يَدُلُّ عَلى كُفْرِهِمْ كَقَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ [آل عمران: ١٠٦] .
قَرَأ الجُمْهُورُ بِكَسْرِ السِّينِ بِدُونِ إشْمامٍ، وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، والكِسائِيُّ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ بِالإشْمامِ ﴿وقِيلَ هَذا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَدَّعُونَ﴾ أيْ: قِيلَ لَهم تَوْبِيخًا وتَقْرِيعًا: هَذا المُشاهَدُ الحاضِرُ مِنَ العَذابِ هو العَذابُ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَدَّعُونَ في الدُّنْيا، أيْ: تَطْلُبُونَهُ وتَسْتَعْجِلُونَ بِهِ اسْتِهْزاءً، عَلى أنَّ مَعْنى " تَدَّعُونَ " الدُّعاءُ.
قالَ الفَرّاءُ: تَدَّعُونَ مِنَ الدُّعاءِ، أيْ: تَتَمَنَّوْنَ وتَسْألُونَ، وبِهَذا قالَ الأكْثَرُ مِنَ المُفَسِّرِينَ.
وقالَ الزَّجّاجُ: هَذا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَدَّعُونَ الأباطِيلَ والأحادِيثَ.
وقِيلَ: مَعْنى تَدَّعُونَ: تَكْذِبُونَ، وهَذا عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ تَدَّعُونَ بِالتَّشْدِيدِ، فَهو إمّا مِنَ الدُّعاءِ كَما قالَ الأكْثَرُ، أوْ مِنَ الدَّعْوى كَما قالَ الزَّجّاجُ ومَن وافَقَهُ، والمَعْنى: أنَّهم كانُوا يَدَّعُونَ أنَّهُ لا بَعْثَ ولا حَشْرَ ولا جَنَّةَ ولا نارَ.
وقَرَأ قَتادَةُ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ، ويَعْقُوبُ، والضَّحّاكُ: " تَدْعُونَ " مُخَفَّفًا، ومَعْناها ظاهِرٌ.
قالَ قَتادَةَ: هو قَوْلُهم ﴿رَبَّنا عَجِّلْ لَنا قِطَّنا﴾ [ص: ١٦] وقالَ الضَّحّاكُ: هو قَوْلُهُمُ ﴿اللَّهُمَّ إنْ كانَ هَذا هو الحَقَّ مِن عِنْدِكَ فَأمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ﴾ [الأنفال: ٣٢] الآيَةَ.
قالَ النَّحّاسُ: تَدَّعُونَ وتَدْعُونَ بِمَعْنًى واحِدٍ كَما تَقُولُ قَدَرَ واقْتَدَرَ، وغَدا واغْتَدى، إلّا أنَّ أفْعَلَ مَعْناهُ مَضى شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ، وفِعْلٌ يَقَعُ عَلى القَلِيلِ والكَثِيرِ.
﴿قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ أهْلَكَنِيَ اللَّهُ ومَن مَعِيَ﴾ أيْ: أخْبِرُونِي إنْ أهْلَكَنِي اللَّهُ ومَن مَعِي بِالعَذابِ، أوْ رَحِمَنا فَلَمْ يُعَذِّبْنا ﴿فَمَن يُجِيرُ الكافِرِينَ مِن عَذابٍ ألِيمٍ﴾ أيْ: فَمَن يَمْنَعُهم ويُؤَمِّنُهم مِنَ العَذابِ.
والمَعْنى: أنَّهُ لا يُنْجِيهِمْ مِن ذَلِكَ أحَدٌ سَواءٌ أهَلَكَ اللَّهُ رَسُولَهَ والمُؤْمِنِينَ مَعَهُ كَما كانَ الكُفّارُ يَتَمَنَّوْنَهُ، أوْ أمْهَلَهم.
وقِيلَ: المَعْنى: إنّا مَعَ إيمانِنا بَيْنَ الخَوْفِ والرَّجاءِ، فَمَن يُجِيرُكم مَعَ كُفْرِكم مِنَ العَذابِ، ووَضَعَ الظّاهِرَ مَوْضِعَ المُضْمَرِ لِلتَّسْجِيلِ عَلَيْهِمْ بِالكُفْرِ، وبَيانِ أنَّهُ السَّبَبُ في عَدَمِ نَجاتِهِمْ.
﴿قُلْ هو الرَّحْمَنُ آمَنّا بِهِ﴾ وحْدَهُ، لا نُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا ﴿وعَلَيْهِ تَوَكَّلْنا﴾ لا عَلى غَيْرِهِ.
والتَّوَكُّلُ: تَفْوِيضُ الأُمُورِ إلَيْهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿فَسَتَعْلَمُونَ مَن هو في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ مِنّا ومِنكم.
وفِي هَذا تَهْدِيدٌ شَدِيدٌ مَعَ إخْراجِ الكَلامِ مَخْرَجَ الإنْصافِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ سَتَعْلَمُونَ بِالفَوْقِيَّةِ عَلى الخِطابِ.
وقَرَأ الكِسائِيُّ بِالتَّحْتِيَّةِ عَلى الخَبَرِ.
ثُمَّ احْتَجَّ سُبْحانَهُ عَلَيْهِمْ بِبَعْضِ نِعَمِهِ، وخَوَّفَهم بِسَلْبِ تِلْكَ (p-١٥١٥)النِّعْمَةِ عَنْهم فَقالَ: ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ أصْبَحَ ماؤُكم غَوْرًا﴾ أيْ: أخْبِرُونِي إنْ صارَ ماؤُكم غائِرًا في الأرْضِ بِحَيْثُ لا يَبْقى لَهُ وُجُودٌ فِيها أصْلًا، أوْ صارَ ذاهِبًا في الأرْضِ إلى مَكانٍ بَعِيدٍ بِحَيْثُ لا تَنالُهُ الدِّلاءُ.
يُقالُ غارَ الماءُ غَوْرًا، أيْ: نَضَبَ، والغَوْرُ الغائِرُ، وُصِفَ بِالمَصْدَرِ لِلْمُبالَغَةِ، كَما يُقالُ رَجُلٌ عَدْلٌ، وقَدْ تَقَدَّمَ مِثْلُ هَذا في سُورَةِ الكَهْفِ ﴿فَمَن يَأْتِيكم بِماءٍ مَعِينٍ﴾ أيْ: ظاهِرٍ تَراهُ العُيُونُ، وتَنالُهُ الدِّلاءُ، وقِيلَ: هو مِن مَعَنَ الماءُ، أيْ: كَثُرَ.
وقالَ قَتادَةُ، والضَّحّاكُ، أيْ: جارَ، وقَدْ تَقَدَّمَ مَعْنى المَعِينِ في سُورَةِ المُؤْمِنِ.
وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ " فَمَن يَأْتِيكم بِماءٍ عَذْبٍ " .
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿أفَمَن يَمْشِي مُكِبًّا﴾ قالَ: في الضَّلالَةِ ﴿أمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا﴾ قالَ: مُهْتَدِيًا.
وأخْرَجَ الخَطِيبُ في تارِيخِهِ وابْنُ النَّجّارِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَنِ اشْتَكى ضِرْسَهُ فَلْيَضَعْ أُصْبُعَهُ عَلَيْهِ، ولِيَقْرَأْ هَذِهِ الآيَةَ ﴿هُوَ الَّذِي أنْشَأكم وجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ والأبْصارَ والأفْئِدَةَ قَلِيلًا ما تَشْكُرُونَ﴾» .
وأخْرَجَ الدّارَقُطْنِيُّ في الأفْرادِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَنِ اشْتَكى ضِرْسَهُ فَلْيَضَعْ أُصْبُعَهُ عَلَيْهِ، ولْيَقْرَأْ هاتَيْنِ الآيَتَيْنِ سَبْعَ مَرّاتٍ ﴿وهُوَ الَّذِي أنْشَأكم مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ ومُسْتَوْدَعٌ﴾ إلى ﴿يَفْقَهُونَ﴾» [الأنعام: ٩٨] «و ﴿هُوَ الَّذِي أنْشَأكم وجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ والأبْصارَ والأفْئِدَةَ قَلِيلًا ما تَشْكُرُونَ﴾ فَإنَّهُ يَبْرَأُ بِإذْنِ اللَّهِ» .
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿إنْ أصْبَحَ ماؤُكم غَوْرًا﴾ قالَ: داخِلًا في الأرْضِ ﴿فَمَن يَأْتِيكم بِماءٍ مَعِينٍ﴾ قالَ: الجارِي.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ ﴿إنْ أصْبَحَ ماؤُكم غَوْرًا﴾ قالَ: يَرْجِعُ في الأرْضِ: وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا ﴿بِماءٍ مَعِينٍ﴾ قالَ: ظاهِرٌ.
وأخْرُجُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْهُ أيْضًا ﴿بِماءٍ مَعِينٍ﴾ قالَ: عَذْبٌ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences