Ash-ShawkaniAl‑A'raf · 7:80–93

Ash-Shawkani · Tafsir · in Arabic

Al-A'raf 7:80–93

7:80–84Page 160

وَلُوطًا إِذۡ قَالَ لِقَوۡمِهِۦٓ أَتَأۡتُونَ ٱلۡفَٰحِشَةَ مَا سَبَقَكُم بِهَا مِنۡ أَحَدٖ مِّنَ ٱلۡعَٰلَمِينَ ٨٠

And [We had sent] Lot when he said to his people, "Do you commit such immorality as no one has preceded you with from among the worlds [i.e., peoples]?

إِنَّكُمۡ لَتَأۡتُونَ ٱلرِّجَالَ شَهۡوَةٗ مِّن دُونِ ٱلنِّسَآءِۚ بَلۡ أَنتُمۡ قَوۡمٞ مُّسۡرِفُونَ ٨١

Indeed, you approach men with desire, instead of women. Rather, you are a transgressing people."

وَمَا كَانَ جَوَابَ قَوۡمِهِۦٓ إِلَّآ أَن قَالُوٓاْ أَخۡرِجُوهُم مِّن قَرۡيَتِكُمۡۖ إِنَّهُمۡ أُنَاسٞ يَتَطَهَّرُونَ ٨٢

But the answer of his people was only that they said, "Evict them from your city! Indeed, they are men who keep themselves pure."

فَأَنجَيۡنَٰهُ وَأَهۡلَهُۥٓ إِلَّا ٱمۡرَأَتَهُۥ كَانَتۡ مِنَ ٱلۡغَٰبِرِينَ ٨٣

So We saved him and his family, except for his wife; she was of those who remained [with the evildoers].

وَأَمۡطَرۡنَا عَلَيۡهِم مَّطَرٗاۖ فَٱنظُرۡ كَيۡفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلۡمُجۡرِمِينَ ٨٤

And We rained upon them a rain [of stones]. Then see how was the end of the criminals.

قَوْلُهُ: ولُوطًا مَعْطُوفٌ عَلى ما سَبَقَ: أيْ وأرْسَلْنا لُوطًا أوْ مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ: أيْ واذْكُرْ لُوطًا وقْتَ قالَ لِقَوْمِهِ.

قالَ الفَرّاءُ: لُوطٌ مُشْتَقٌّ مِن قَوْلِهِمْ: هَذا أُلِيطَ بِقَلْبِي: أيْ أُلْصِقَ.

قالَ الزَّجّاجُ: زَعَمَ بَعْضُ النَّحْوِيِّينَ أنَّ لُوطًا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُشْتَقًّا مِن لُطْتُ الحَوْضَ إذا مَلَّسْتُهُ بِالطِّينِ، وهَذا غَلَطٌ، لِأنَّ الأسْماءَ الأعْجَمِيَّةَ لا تُشْتَقُّ.

وقالَ سِيبَوَيْهِ: نُوحٌ ولُوطٌ أسْماءٌ أعْجَمِيَّةٌ إلّا أنَّها خَفِيفَةٌ، فَلِذَلِكَ صُرِفَتْ، ولُوطٌ هو ابْنُ هارانَ بْنِ تارِخٍ، فَهو ابْنُ أخِي إبْراهِيمَ، بَعَثَهُ اللَّهُ إلى أُمَّةٍ تُسَمّى سَدُومَ.

أتَأْتُونَ الفاحِشَةَ أيِ الخَصْلَةُ الفاحِشَةُ المُتَمادِيَةُ في الفُحْشِ والقُبْحِ، قالَ: ذَلِكَ إنْكارًا عَلَيْهِمْ وتَوْبِيخًا لَهم ﴿ما سَبَقَكم بِها مِن أحَدٍ مِنَ العالَمِينَ﴾ أيْ لَمْ يَفْعَلْها أحَدٌ قَبْلَكم، فَإنَّ اللِّواطَ لَمْ يَكُنْ في أُمَّةٍ مِنَ الأُمَمِ قَبْلَ هَذِهِ الأُمَّةِ، و" مِن " مَزِيدَةٌ لِلتَّوْكِيدِ لِلْعُمُومِ في النَّفْيِ، وإنَّهُ مُسْتَغْرِقٌ لِما دَخَلَ عَلَيْهِ، والجُمْلَةُ مَسُوقَةٌ لِتَأْكِيدِ النَّكِيرِ عَلَيْهِمْ والتَّوْبِيخِ لَهم.

قَوْلُهُ: ﴿إنَّكم لَتَأْتُونَ الرِّجالَ شَهْوَةً﴾ قَرَأ نافِعٌ وحَفْصٌ عَلى الخَبَرِ بِهَمْزَةٍ واحِدَةٍ مَكْسُورَةٍ.

وقَرَأ الباقُونَ بِهَمْزَتَيْنِ عَلى الِاسْتِفْهامِ المُقْتَضِي لِلتَّوْبِيخِ والتَّقْرِيعِ، واخْتارَ القِراءَةَ الأُولى اَبُو عُبَيْدٍ والكِسائِيُّ وغَيْرُهُما،، واخْتارَ الخَلِيلُ وسِيبَوَيْهِ القِراءَةَ الثّانِيَةَ، فَعَلى القِراءَةِ الأُولى تَكُونُ هَذِهِ الجُمْلَةُ مُبَيِّنَةً لِقَوْلِهِ: ﴿أتَأْتُونَ الفاحِشَةَ﴾ وكَذَلِكَ عَلى القِراءَةِ الثّانِيَةِ مَعَ مَزِيدِ الِاسْتِفْهامِ وتَكْرِيرِهِ المُفِيدِ لِلْمُبالَغَةِ في التَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ، وانْتِصابُ " شَهْوَةً " عَلى المَصْدَرِيَّةِ: أيْ تَشْتَهُونَهم شَهْوَةً، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا في مَوْضِعِ الحالِ: أيْ مُشْتَهِينَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا لَهُ: أيْ لِأجْلِ الشَّهْوَةِ، وفِيهِ أنَّهُ لا غَرَضَ لَهم بِإتْيانِ هَذِهِ الفاحِشَةِ إلّا مُجَرَّدُ قَضاءِ الشَّهْوَةِ مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ لَهم في ذَلِكَ غَرَضٌ يُوافِقُ العَقْلَ، فَهم في هَذا كالبَهائِمِ الَّتِي يَنْزُو بَعْضُها عَلى بَعْضٍ لِما يَتَقاضاها مِنَ الشَّهْوَةِ ﴿مِن دُونِ النِّساءِ﴾ أيْ مُتَجاوِزِينَ في فِعْلِكم هَذا لِلنِّساءِ اللّاتِي هُنَّ مَحَلٌّ لِقَضاءِ الشَّهْوَةِ، ومَوْضِعٌ لِطَلَبِ اللَّذَّةِ، ثُمَّ أضْرَبَ عَنِ الإنْكارِ المُتَقَدِّمِ إلى الإخْبارِ بِما هم عَلَيْهِ مِنَ الإسْرافِ الَّذِي تَسَبَّبَ عَنْهُ إتْيانُ هَذِهِ الفاحِشَةِ الفَظِيعَةِ.

قَوْلُهُ: ﴿وما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ﴾ الواقِعِينَ في هَذِهِ الفاحِشَةِ عَلى ما أنْكَرَهُ عَلَيْهِمْ مِنها ﴿إلّا أنْ قالُوا أخْرِجُوهُمْ﴾ أيْ لُوطًا وأتْباعَهُ ﴿مِن قَرْيَتِكُمْ﴾: أيْ ما كانَ لَهم جَوابٌ إلّا هَذا القَوْلُ المُبايِنُ لِلْإنْصافِ المُخالِفُ لِما طَلَبَهُ مِنهم وأنْكَرَهُ عَلَيْهِمْ، وجُمْلَةُ ﴿إنَّهم أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ تَعْلِيلٌ لِما أُمِرُوا بِهِ مِنَ الإخْراجِ، ووَصْفُهم بِالتَّطَهُّرِ يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ عَلى حَقِيقَتِهِ، وأنَّهم أرادُوا أنَّ هَؤُلاءِ يَتَنَزَّهُونَ عَنِ الوُقُوعِ في هَذِهِ الفاحِشَةِ فَلا يُساكِنُونا في قَرْيَتِنا، ويَحْتَمِلُ أنَّهم قالُوا ذَلِكَ عَلى طَرِيقِ السُّخْرِيَةِ والِاسْتِهْزاءِ.

ثُمَّ أخْبَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ أنَّهُ أنْجى لُوطًا وأهْلَهُ المُؤْمِنِينَ بِهِ، واسْتَثْنى امْرَأتَهُ مِنَ الأهْلِ لِكَوْنِها لَمْ تُؤْمِن بِهِ، ومَعْنى ﴿كانَتْ مِنَ الغابِرِينَ﴾ أنَّها كانَتْ مِنَ الباقِينَ في عَذابِ اللَّهِ، يُقالُ: غَبَرَ الشَّيْءُ إذا مَضى، وغَبَرَ إذا بَقِيَ فَهو مِنَ الأضْدادِ.

وحَكى ابْنُ فارِسٍ في المُجْمَلِ عَنْ قَوْمٍ أنَّهم قالُوا: الماضِي عابِرٌ بِالعَيْنِ المُهْمَلَةِ، والباقِي غابِرٌ بِالمُعْجَمَةِ.

وقالَ الزَّجّاجُ: ﴿مِنَ الغابِرِينَ﴾ أيْ مِنَ الغائِبِينَ عَنِ النَّجاةِ.

وقالَ اَبُو عُبَيْدٍ: المَعْنى ﴿مِنَ الغابِرِينَ﴾ أيْ مِنَ المُعَمَّرِينَ وكانَتْ قَدْ هَرِمَتْ، وأكْثَرَ أهْلُ اللُّغَةِ عَلى أنَّ الغابِرَ الباقِي.

قَوْلُهُ: ﴿وأمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَرًا﴾ قِيلَ: أمْطَرَ بِمَعْنى إرْسالِ المَطَرِ.

وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: مَطَرَ في الرَّحْمَةِ وأمْطَرَ في العَذابِ، والمَعْنى هُنا: أنَّ اللَّهَ أمْطَرَ عَلَيْهِمْ مَطَرًا غَيْرَ ما يَعْتادُونَهُ وهو رَمْيُهم بِالحِجارَةِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿وأمْطَرْنا عَلَيْهِمْ حِجارَةً مِن سِجِّيلٍ﴾ ( الحِجْرِ: ٧٤ ) ﴿فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُجْرِمِينَ﴾ هَذا خِطابٌ لِكُلِّ مَن يَصْلُحُ لَهُ، أوْ لِمُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، وسَيَأْتِي في هُودٍ قِصَّةُ لُوطٍ بِأبْيَنَ مِمّا هُنا.

وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، والبَيْهَقِيُّ في شُعَبِ الإيمانِ وابْنُ عَساكِرَ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿أتَأْتُونَ الفاحِشَةَ﴾ قالَ: أدْبارَ الرِّجالِ.

وأخْرَجَ ابْنُ عَساكِرَ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: إنَّما كانَ بَدْءُ عَمَلِ قَوْمِ لُوطٍ: أنَّ إبْلِيسَ جاءَهم في هَيْئَةِ صَبِيٍّ، أجْمَلَ صَبِيٍّ رَآهُ النّاسُ، فَدَعاهم إلى نَفْسِهِ فَنَكَحُوهُ ثُمَّ جَسَرُوا عَلى ذَلِكَ.

وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّهم أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ قالَ: مِن أدْبارِ الرِّجالِ ومِن أدْبارِ النِّساءِ.

وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ، في قَوْلِهِ: ﴿إلّا امْرَأتَهُ كانَتْ مِنَ الغابِرِينَ﴾ قالَ: مِنَ الباقِينَ في عَذابِ اللَّهِ.

وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أبِي عَرُوبَةَ قالَ: كانَ قَوْمُ لُوطٍ أرْبَعَةَ آلافِ ألْفٍ.

7:85–93Page 161

وَإِلَىٰ مَدۡيَنَ أَخَاهُمۡ شُعَيۡبٗاۚ قَالَ يَٰقَوۡمِ ٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ مَا لَكُم مِّنۡ إِلَٰهٍ غَيۡرُهُۥۖ قَدۡ جَآءَتۡكُم بَيِّنَةٞ مِّن رَّبِّكُمۡۖ فَأَوۡفُواْ ٱلۡكَيۡلَ وَٱلۡمِيزَانَ وَلَا تَبۡخَسُواْ ٱلنَّاسَ أَشۡيَآءَهُمۡ وَلَا تُفۡسِدُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ بَعۡدَ إِصۡلَٰحِهَاۚ ذَٰلِكُمۡ خَيۡرٞ لَّكُمۡ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ ٨٥

And to [the people of] Madyan [We sent] their brother Shuʿayb. He said, "O my people, worship Allāh; you have no deity other than Him. There has come to you clear evidence from your Lord. So fulfill the measure and weight and do not deprive people of their due and cause not corruption upon the earth after its reformation. That is better for you, if you should be believers.

وَلَا تَقۡعُدُواْ بِكُلِّ صِرَٰطٖ تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ مَنۡ ءَامَنَ بِهِۦ وَتَبۡغُونَهَا عِوَجٗاۚ وَٱذۡكُرُوٓاْ إِذۡ كُنتُمۡ قَلِيلٗا فَكَثَّرَكُمۡۖ وَٱنظُرُواْ كَيۡفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلۡمُفۡسِدِينَ ٨٦

And do not sit on every path, threatening and averting from the way of Allāh those who believe in Him, seeking to make it [seem] deviant. And remember when you were few and He increased you. And see how was the end of the corrupters.

وَإِن كَانَ طَآئِفَةٞ مِّنكُمۡ ءَامَنُواْ بِٱلَّذِيٓ أُرۡسِلۡتُ بِهِۦ وَطَآئِفَةٞ لَّمۡ يُؤۡمِنُواْ فَٱصۡبِرُواْ حَتَّىٰ يَحۡكُمَ ٱللَّهُ بَيۡنَنَاۚ وَهُوَ خَيۡرُ ٱلۡحَٰكِمِينَ ٨٧

And if there should be a group among you who has believed in that with which I have been sent and a group that has not believed, then be patient until Allāh judges between us. And He is the best of judges."

۞ قَالَ ٱلۡمَلَأُ ٱلَّذِينَ ٱسۡتَكۡبَرُواْ مِن قَوۡمِهِۦ لَنُخۡرِجَنَّكَ يَٰشُعَيۡبُ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَكَ مِن قَرۡيَتِنَآ أَوۡ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَاۚ قَالَ أَوَلَوۡ كُنَّا كَٰرِهِينَ ٨٨

Said the eminent ones who were arrogant among his people, "We will surely evict you, O Shuʿayb, and those who have believed with you from our city, or you must return to our religion." He said, "Even if we were unwilling?

قَدِ ٱفۡتَرَيۡنَا عَلَى ٱللَّهِ كَذِبًا إِنۡ عُدۡنَا فِي مِلَّتِكُم بَعۡدَ إِذۡ نَجَّىٰنَا ٱللَّهُ مِنۡهَاۚ وَمَا يَكُونُ لَنَآ أَن نَّعُودَ فِيهَآ إِلَّآ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ رَبُّنَاۚ وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيۡءٍ عِلۡمًاۚ عَلَى ٱللَّهِ تَوَكَّلۡنَاۚ رَبَّنَا ٱفۡتَحۡ بَيۡنَنَا وَبَيۡنَ قَوۡمِنَا بِٱلۡحَقِّ وَأَنتَ خَيۡرُ ٱلۡفَٰتِحِينَ ٨٩

We would have invented against Allāh a lie if we returned to your religion after Allāh had saved us from it. And it is not for us to return to it except that Allāh, our Lord, should will. Our Lord has encompassed all things in knowledge. Upon Allāh we have relied. Our Lord, decide between us and our people in truth, and You are the best of those who give decision."

وَقَالَ ٱلۡمَلَأُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَوۡمِهِۦ لَئِنِ ٱتَّبَعۡتُمۡ شُعَيۡبًا إِنَّكُمۡ إِذٗا لَّخَٰسِرُونَ ٩٠

Said the eminent ones who disbelieved among his people, "If you should follow Shuʿayb, indeed, you would then be losers."

فَأَخَذَتۡهُمُ ٱلرَّجۡفَةُ فَأَصۡبَحُواْ فِي دَارِهِمۡ جَٰثِمِينَ ٩١

So the earthquake seized them, and they became within their home [corpses] fallen prone.

ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ شُعَيۡبٗا كَأَن لَّمۡ يَغۡنَوۡاْ فِيهَاۚ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ شُعَيۡبٗا كَانُواْ هُمُ ٱلۡخَٰسِرِينَ ٩٢

Those who denied Shuʿayb - it was as though they had never resided there. Those who denied Shuʿayb - it was they who were the losers.

فَتَوَلَّىٰ عَنۡهُمۡ وَقَالَ يَٰقَوۡمِ لَقَدۡ أَبۡلَغۡتُكُمۡ رِسَٰلَٰتِ رَبِّي وَنَصَحۡتُ لَكُمۡۖ فَكَيۡفَ ءَاسَىٰ عَلَىٰ قَوۡمٖ كَٰفِرِينَ ٩٣

And he [i.e., Shuʿayb] turned away from them and said, "O my people, I had certainly conveyed to you the messages of my Lord and advised you, so how could I grieve for a disbelieving people?"

(p-٤٨٦)قَوْلُهُ: ﴿وإلى مَدْيَنَ أخاهم شُعَيْبًا﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ما تَقَدَّمَ: أيْ وأرْسَلْنا.

ومَدْيَنُ اسْمُ قَبِيلَةٍ، وقِيلَ: اسْمُ بَلَدٍ والأوَّلُ أوْلى، وسُمِّيَتِ القَبِيلَةُ بِاسْمِ أبِيهِمْ: وهو مَدْيَنُ بْنُ إبْراهِيمَ كَما يُقالُ: بَكْرٌ وتَمِيمٌ.

قَوْلُهُ: ﴿أخاهم شُعَيْبًا﴾ شُعَيْبٌ عَطْفُ بَيانٍ، وهو شُعَيْبُ بْنُ مِيكائِيلَ بْنِ يَشْجُبَ بْنِ مَدْيَنَ بْنِ إبْراهِيمَ، قالَهُ عَطاءٌ وابْنُ إسْحاقَ، وغَيْرُهُما.

وقالَ الشُّرَفِيُّ بْنُ القَطّامِيِّ: إنَّهُ شُعَيْبُ بْنُ عَيْفاءَ بْنِ ثُوَيْبِ بْنِ مَدْيَنَ بْنِ إبْراهِيمَ.

وزَعَمَ ابْنُ سَمْعانَ أنَّهُ شُعَيْبُ بْنُ حُرَّةَ بْنِ يَشْجُبَ بْنِ لاوِي بْنِ يَعْقُوبَ بْنِ إسْحاقَ بْنِ إبْراهِيمَ.

وقالَ قَتادَةُ: هو شُعَيْبُ بْنُ صَفْوانَ بْنِ عَيْفاءَ بْنِ ثابِتِ بْنِ مَدْيَنَ بْنِ إبْراهِيمَ.

قَوْلُهُ: ﴿قالَ ياقَوْمِ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿بَيِّنَةٌ مِن رَبِّكُمْ﴾ قَدْ سَبَقَ شَرْحُهُ في قِصَّةِ نُوحٍ.

قَوْلُهُ: ﴿فَأوْفُوا الكَيْلَ والمِيزانَ﴾ أمَرَهم بِإيفاءِ الكَيْلِ والمِيزانِ لِأنَّهم كانُوا أهْلَ مُعامَلَةٍ بِالكَيْلِ والوَزْنِ، وكانُوا لا يُوَفُّونَهُما، وذَكَرَ الكَيْلَ الَّذِي هو المَصْدَرُ وعَطَفَ عَلَيْهِ المِيزانَ الَّذِي هو اسْمٌ لِلْآلَةِ.

واخْتُلِفَ في تَوْجِيهِ ذَلِكَ، فَقِيلَ: المُرادُ بِالكَيْلِ المِكْيالُ فَتَناسَبَ عَطْفُ المِيزانِ عَلَيْهِ، وقِيلَ: المُرادُ بِالمِيزانِ الوَزْنُ فَيُناسِبُ الكَيْلَ، والفاءُ في فَأوْفُوا لِلْعَطْفِ عَلى اعْبُدُوا.

قَوْلُهُ: ﴿ولا تَبْخَسُوا النّاسَ أشْياءَهُمْ﴾ البَخْسُ النَّقْصُ وهو يَكُونُ بِالتَّعْيِيبِ لِلسِّلْعَةِ أوِ التَّزْهِيدِ فِيها أوِ المُخادَعَةِ لِصاحِبِها والِاحْتِيالِ عَلَيْهِ، وكُلُّ ذَلِكَ مِن أكْلِ أمْوالِ النّاسِ بِالباطِلِ وظاهِرُ قَوْلِهِ: أشْياءَهم أنَّهم كانُوا يَبْخَسُونَ النّاسَ في كُلِّ الأشْياءِ، وقِيلَ: كانُوا مَكّاسِينَ يَمْكِسُونَ كُلَّ ما دَخَلَ إلى أسْواقِهِمْ، ومِنهُ قَوْلُ زُهَيْرٍ:

؎أفِي كُلِّ أسْواقِ العِراقِ إتاوَةٌ وفي كُلِّ ما باعَ امْرُؤٌ مَكْسُ دِرْهَمِ

قَوْلُهُ: ﴿ولا تُفْسِدُوا في الأرْضِ بَعْدَ إصْلاحِها﴾ قَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ قَرِيبًا ويَدْخُلُ تَحْتَهُ قَلِيلُ الفَسادِ وكَثِيرُهُ ودَقِيقُهُ وجَلِيلُهُ، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ذَلِكم إلى العَمَلِ بِما أمَرَهم بِهِ وتَرْكِ ما نَهاهم عَنْهُ، والمُرادُ بِالخَيْرِيَّةِ هُنا الزِّيادَةُ المُطْلَقَةُ، لِأنَّهُ لا خَيْرَ في عَدَمِ إيفاءِ الكَيْلِ والوَزْنِ وفي بَخْسِ النّاسِ وفي الفَسادِ في الأرْضِ أصْلًا.

قَوْلُهُ: ﴿ولا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِراطٍ تُوعِدُونَ﴾ الصِّراطُ: الطَّرِيقُ: أيْ لا تَقْعُدُوا بِكُلِّ طَرِيقٍ تُوعِدُونَ النّاسَ بِالعَذابِ، قِيلَ: كانُوا يَقْعُدُونَ في الطُّرُقاتِ المُفْضِيَةِ إلى شُعَيْبٍ، فَيَتَوَعَّدُونَ مَن أرادَ المَجِيءَ إلَيْهِ، ويَقُولُونَ: إنَّهُ كَذّابٌ فَلا تَذْهَبْ إلَيْهِ كَما كانَتْ قُرَيْشٌ تَفْعَلُهُ مَعَ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ، ومُجاهِدٌ والسُّدِّيُّ، وغَيْرُهم، وقِيلَ: المُرادُ القُعُودُ عَلى طُرُقِ الدِّينِ ومَنعُ مَن أرادَ سُلُوكَها، ولَيْسَ المُرادُ بِهِ القُعُودَ عَلى الطُّرُقِ حَقِيقَةً، ويُؤَيِّدُهُ ﴿وتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَن آمَنَ بِهِ﴾ وقِيلَ: المُرادُ بِالآيَةِ النَّهْيُ عَنْ قَطْعِ الطَّرِيقِ وأخْذِ السَّلْبِ، وكانَ ذَلِكَ مِن فِعْلِهِمْ، وقِيلَ: إنَّهم كانُوا عَشّارِينَ يَأْخُذُونَ الجِبايَةَ في الطُّرُقِ مِن أمْوالِ النّاسِ فَنُهُوا عَنْ ذَلِكَ.

والقَوْلُ الأوَّلُ أقْرَبُها إلى الصَّوابِ مَعَ أنَّهُ لا مانِعَ مِن حَمْلِ النَّهْيِ عَلى جَمِيعِ هَذِهِ الأقْوالِ المَذْكُورَةِ.

وجُمْلَةُ تُوعِدُونَ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، وكَذَلِكَ ما عُطِفَ عَلَيْها: أيْ لا تَقْعُدُوا بِكُلِّ طَرِيقٍ مُوعِدِينَ لِأهْلِهِ صادِّينَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ باغِينَ لَها عِوَجًا، والمُرادُ بِالصَّدِّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ: صَدُّ النّاسِ عَنِ الطَّرِيقِ الَّذِي قَعَدُوا عَلَيْهِ، ومَنعُهم مِنَ الوُصُولِ إلى شُعَيْبٍ، فَإنَّ سُلُوكَ النّاسِ في ذَلِكَ السَّبِيلِ لِلْوُصُولِ إلى نَبِيِّ اللَّهِ هو سُلُوكُ سَبِيلِ اللَّهِ، و﴿مَن آمَنَ بِهِ﴾ مَفْعُولُ تَصُدُّونَ، والضَّمِيرُ في آمَنَ بِهِ يَرْجِعُ إلى اللَّهِ، أوْ إلى سَبِيلِ اللَّهِ، أوْ إلى كُلِّ صِراطٍ، أوْ إلى شُعَيْبٍ، ﴿وتَبْغُونَها عِوَجًا﴾ أيْ تَطْلُبُونَ سَبِيلَ اللَّهِ أنْ تَكُونَ مُعْوَجَّةً غَيْرَ مُسْتَقِيمَةٍ، وقَدْ سَبَقَ الكَلامُ عَلى العِوَجِ.

قالَ الزَّجّاجُ: كَسْرُ العَيْنِ في المَعانِي وفَتْحُها في الإحْرامِ ﴿واذْكُرُوا إذْ كُنْتُمْ﴾ أيْ وقْتَ كُنْتُمْ قَلِيلًا عَدَدُكم فَكَثَّرَكم بِالنَّسْلِ، وقِيلَ: كُنْتُمْ فُقَراءَ فَأغْناكم ﴿وانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُفْسِدِينَ﴾ مِنَ الأُمَمِ الماضِيَةِ فَإنَّ اللَّهَ أهْلَكَهم وأنْزَلَ بِهِمْ مِنَ العُقُوباتِ ما ذَهَبَ بِهِمْ ومَحا أثَرَهم.

﴿وإنْ كانَ طائِفَةٌ مِنكم آمَنُوا بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ﴾ إلَيْكم مِنَ الأحْكامِ الَّتِي شَرَعَها اللَّهُ لَكم وطائِفَةٌ مِنكم ﴿لَمْ يُؤْمِنُوا فاصْبِرُوا حَتّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنا وهو خَيْرُ الحاكِمِينَ﴾ هَذا مِن بابِ التَّهْدِيدِ والوَعِيدِ الشَّدِيدِ لَهم ولَيْسَ هو مِن بابِ الأمْرِ بِالصَّبْرِ عَلى الكُفْرِ.

وحُكْمُ اللَّهِ بَيْنَ الفَرِيقَيْنِ هو نَصْرُ المُحِقِّينَ عَلى المُبْطِلِينَ، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَتَرَبَّصُوا إنّا مَعَكم مُتَرَبِّصُونَ﴾ ( التَّوْبَةِ: ٥٢ ) أوْ هو أمْرٌ لِلْمُؤْمِنِينَ بِالصَّبْرِ عَلى ما يَحِلُّ بِهِمْ مِن أذى الكُفّارِ حَتّى يَنْصُرَهُمُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ.

﴿قالَ المَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِن قَوْمِهِ﴾ أيْ قالَ: الأشْرافُ المُسْتَكْبِرُونَ ﴿لَنُخْرِجَنَّكَ ياشُعَيْبُ والَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ﴾ لَمْ يَكْتَفُوا بِتَرْكِ الإيمانِ والتَّمَرُّدِ عَنِ الإجابَةِ إلى ما دَعاهم إلَيْهِ، بَلْ جاوَزُوا ذَلِكَ بَغْيًا وبَطَرًا وأشَرًا إلى تَوَعُّدِ نَبِيِّهِمْ ومَن آمَنَ بِهِ بِالإخْراجِ مِن قَرْيَتِهِمْ أوْ عَوْدِهِ هو ومَن مَعَهُ في مِلَّتِهِمُ الكُفْرِيَّةِ: أيْ لا بُدَّ مِن أحَدِ الأمْرَيْنِ: إمّا الإخْراجُ، أوِ العَوْدُ.

قالَ الزَّجّاجُ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ العَوْدُ بِمَعْنى الِابْتِداءِ، يُقالُ: عادَ إلَيَّ مِن فُلانٍ مَكْرُوهٌ: أيْ صارَ وإنْ لَمْ يَكُنْ سَبَقَهُ مَكْرُوهٌ قَبْلَ ذَلِكَ فَلا يُرَدُّ ما يُقالُ: كَيْفَ يَكُونُ شُعَيْبٌ عَلى مِلَّتِهِمُ الكُفْرِيَّةِ مِن قَبْلِ أنْ يَبْعَثَهُ اللَّهُ رَسُولًا ؟ ويَحْتاجُ إلى الجَوابِ بِتَغْلِيبِ قَوْمِهِ المُتَّبِعِينَ لَهُ عَلَيْهِ في الخِطابِ بِالعَوْدِ إلى مِلَّتِهِمْ، (p-٤٨٧)وجُمْلَةُ ﴿قالَ أوَلَوْ كُنّا كارِهِينَ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ جَوابٌ عَنْ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ، والهَمْزَةُ لِإنْكارِ وُقُوعِ ما طَلَبُوهُ مِنَ الإخْراجِ أوِ العَوْدِ، والواوُ لِلْحالِ: أيْ أتُعِيدُونَنا في مِلَّتِكم في حالِ كَراهَتِنا لِلْعَوْدِ إلَيْها، أوْ أتُخْرِجُونَنا مِن قَرْيَتِكم في حالِ كَراهَتِنا لِلْخُرُوجِ مِنها، أوْ في حالِ كَراهَتِنا لِلْأمْرَيْنِ جَمِيعًا، والمَعْنى: إنَّهُ لَيْسَ لَكم أنْ تُكْرِهُونا عَلى أحَدِ الأمْرَيْنِ ولا يَصِحُّ لَكم ذَلِكَ، فَإنَّ المُكْرَهَ لا اخْتِيارَ لَهُ ولا تُعَدُّ مُوافَقَتُهُ مُكْرَهًا مُوافَقَةً ولا عَوْدُهُ إلى مِلَّتِكم مُكْرَهًا عَوْدًا، وبِهَذا التَّقْرِيرِ يَنْدَفِعُ ما اسْتَشْكَلَهُ كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ في هَذا المَقامِ حَتّى تَسَبَّبَ عَنْ ذَلِكَ تَطْوِيلُ ذُيُولِ الكَلامِ.

﴿قَدِ افْتَرَيْنا عَلى اللَّهِ كَذِبًا إنْ عُدْنا في مِلَّتِكم﴾ الَّتِي هي الشِّرْكُ ﴿بَعْدَ إذْ نَجّانا اللَّهُ مِنها﴾ بِالإيمانِ فَلا يَكُونُ مِنّا عَوْدٌ إلَيْها أصْلًا ﴿وما يَكُونُ لَنا﴾ أيْ ما يَصِحُّ لَنا ولا يَسْتَقِيمُ ﴿أنْ نَعُودَ فِيها﴾ بِحالٍ مِنَ الأحْوالِ ﴿إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ﴾ أيْ إلّا حالَ مَشِيئَتِهِ سُبْحانَهُ، فَإنَّهُ ما شاءَ كانَ وما لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ.

قالَ الزَّجّاجُ: أيْ إلّا بِمَشِيئَةِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، قالَ: وهَذا قَوْلُ أهْلِ السُّنَّةِ، والمَعْنى: أنَّهُ لا يَكُونُ مِنّا العَوْدُ إلى الكُفْرِ إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ ذَلِكَ، فالِاسْتِثْناءُ مُنْقَطِعٌ، وقِيلَ: إنَّ الِاسْتِثْناءَ هُنا عَلى جِهَةِ التَّسْلِيمِ لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ كَما في قَوْلِهِ: ﴿وما تَوْفِيقِي إلّا بِاللَّهِ﴾ ( هُودٍ: ٨٨ ) وقِيلَ: هو كَقَوْلِهِمْ لا أُكَلِّمُكَ حَتّى يَبِيضَ الغُرابُ، وحَتّى يَلِجَ الجَمَلُ في سَمِّ الخِياطِ، والغُرابُ لا يَبِيضُ، والجَمَلُ لا يَلِجُ، فَهو مِن بابِ التَّعْلِيقِ بِالمُحالِ.

﴿وسِعَ رَبُّنا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ أيْ أحاطَ عِلْمُهُ بِكُلِّ المَعْلُوماتِ فَلا يَخْرُجُ عَنْهُ مِنها شَيْءٌ، وعِلْمًا مَنصُوبٌ عَلى التَّمْيِيزِ، وقِيلَ: المَعْنى ﴿وما يَكُونُ لَنا أنْ نَعُودَ فِيها﴾ أيِ القَرْيَةِ بَعْدَ أنْ كَرِهْتُمْ مُجاوَرَتَنا لَكم ﴿إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ﴾ عَوْدَنا إلَيْها ﴿عَلى اللَّهِ تَوَكَّلْنا﴾ أيْ عَلَيْهِ اعْتَمَدْنا في أنْ يُثَبِّتَنا عَلى الإيمانِ، ويَحُولَ بَيْنَنا وبَيْنَ الكُفْرِ وأهْلِهِ ويُتِمَّ عَلَيْنا نِعْمَتَهُ ويَعْصِمَنا مِن نِقْمَتِهِ.

قَوْلُهُ: ﴿رَبَّنا افْتَحْ بَيْنَنا وبَيْنَ قَوْمِنا بِالحَقِّ وأنْتَ خَيْرُ الفاتِحِينَ﴾ الفُتاحَةُ الحُكُومَةُ أيِ احْكم بَيْنَنا وبَيْنَ قَوْمِنا بِالحَقِّ وأنْتَ خَيْرُ الحاكِمِينَ، دَعَوُا اللَّهَ سُبْحانَهُ أنْ يَحْكُمَ بَيْنَهم ولا يَكُونُ حُكْمُهُ سُبْحانَهُ إلّا بِنَصْرِ المُحِقِّينَ عَلى المُبْطِلِينَ: كَما أخْبَرَنا بِهِ في غَيْرِ مَوْضِعٍ مِن كِتابِهِ فَكَأنَّهم طَلَبُوا نُزُولَ العَذابِ بِالكافِرِينَ وحُلُولَ نِقْمَةِ اللَّهِ بِهِمْ.

﴿وقالَ المَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَوْمِهِ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ﴿قالَ المَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا﴾ يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ هَؤُلاءِ هم أُولَئِكَ، ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونُوا غَيْرَهم مِن طَوائِفِ الكُفّارِ الَّذِينَ أُرْسِلَ إلَيْهِمْ شُعَيْبٌ، واللّامُ في ﴿لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْبًا﴾ مُوَطِّئَةٌ لِجَوابِ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ: أيْ دَخَلْتُمْ في دِينِهِ وتَرَكْتُمْ دِينَكم ﴿إنَّكم إذًا لَخاسِرُونَ﴾ جَوابُ القَسَمِ سادُّ مَسَدَّ جَوابِ الشَّرْطِ، وخُسْرانُهم: هَلاكُهم أوْ ما يَخْسَرُونَهُ بِسَبَبِ إيفاءِ الكَيْلِ والوَزْنِ وتَرْكِ التَّطْفِيفِ الَّذِي كانُوا يُعامِلُونَ النّاسَ بِهِ.

٩١ - ﴿فَأخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ﴾ أيِ الزَّلْزَلَةُ، وقِيلَ: الصَّيْحَةُ كَما في قَوْلِهِ: ﴿وأخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأصْبَحُوا في دِيارِهِمْ جاثِمِينَ﴾ ( هُودٍ: ٩٤ ) قَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ في قِصَّةِ صالِحٍ.

قَوْلُهُ: ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَأنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيها﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةُ مُبَيِّنَةٌ لِما حَلَّ بِهِمْ مِنَ النِّقْمَةِ، والمَوْصُولُ مُبْتَدَأٌ، وكَأنْ لَمْ يَغْنَوْا خَبَرُهُ: يُقالُ، غَنَيْتُ بِالمَكانِ إذا أقَمْتُ بِهِ، وغَنِيَ القَوْمُ في دارِهِمْ أيْ طالَ مُقامُهم فِيها والمَغْنى: المَنزِلُ، والجَمْعُ المَغانِي.

قالَ حاتِمٌ الطّائِيُّ:

؎غَنِينا زَمانًا بِالتَّصَعْلُكِ ∗∗∗ والغِنى وكُلًّا سَقاناهُ بِكاسَيْهِما الدَّهْرُ

؎فَما زادَنا بَغْيًا عَلى ذِي قَرابَةٍ ∗∗∗ غِنانا ولا أزْرى بِإحْسانِنا الفَقْرُ

ومَعْنى الآيَةِ: الَّذِينَ كَذَّبُوا شَعَيْبًا كَأنْ لَمْ يُقِيمُوا في دارِهِمْ، لِأنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ اسْتَأْصَلَهم بِالعَذابِ، والمَوْصُولُ في ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا﴾ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ ﴿كانُوا هُمُ الخاسِرِينَ﴾، وهَذِهِ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ كالأُولى مُتَضَمِّنَةٌ لِبَيانِ خُسْرانِ القَوْمِ المُكَذِّبِينَ.

﴿فَتَوَلّى عَنْهُمْ﴾ أيْ شُعَيْبٌ لَمّا شاهَدَ نُزُولَ العَذابِ بِهِمْ ﴿وقالَ ياقَوْمِ لَقَدْ أبْلَغْتُكم رِسالاتِ رَبِّي﴾ الَّتِي أرْسَلَنِي بِها إلَيْكم ﴿ونَصَحْتُ لَكُمْ﴾ بِبَيانٍ ما فِيهِ سَلامَةُ دِينِكم ودُنْياكم ﴿فَكَيْفَ آسى﴾ أيْ أحْزَنُ ﴿عَلى قَوْمٍ كافِرِينَ﴾ بِاللَّهِ مُصِرِّينَ عَلى كُفْرِهِمْ مُتَمَرِّدِينَ عَنِ الإجابَةِ، أوِ الأسى شِدَّةُ الحُزْنِ، آسى عَلى ذَلِكَ فَهو آسٍ.

قالَ شُعَيْبٌ هَذِهِ المَقالَةَ تَحَسُّرًا عَلى عَدَمِ إيمانِ قَوْمِهِ، ثُمَّ سَلّا نَفْسَهُ بِأنَّهُ كَيْفَ يَقَعُ مِنهُ الأسى عَلى قَوْمٍ لَيْسُوا بِأهْلٍ لِلْحُزْنِ عَلَيْهِمْ لِكَفْرِهِمْ بِاللَّهِ وعَدَمِ قَبُولِهِمْ لِما جاءَ بِهِ رَسُولُهُ.

وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ، وابْنُ عَساكِرَ، عَنْ عِكْرِمَةَ والسُّدَّيِّ، قالا: ما بَعَثَ اللَّهُ نَبِيًّا مَرَّتَيْنِ إلّا شُعَيْبًا: مَرَّةً إلى مَدِينَ فَأخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ، ومَرَّةً إلى أصْحابِ الأيْكَةِ فَأخَذَهُمُ اللَّهُ بِعَذابِ يَوْمِ الظُّلَّةِ.

وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ﴿ولا تَبْخَسُوا النّاسَ أشْياءَهُمْ﴾ قالَ: لا تَظْلِمُوا النّاسَ.

وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ، ﴿ولا تَبْخَسُوا النّاسَ أشْياءَهُمْ﴾ قالَ: لا تَظْلِمُوهم ﴿ولا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِراطٍ تُوعِدُونَ﴾ قالَ: كانُوا يُوعِدُونَ مَن أتى شُعَيْبًا وغَشِيَهُ وأرادَ الإسْلامَ.

وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ﴿ولا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِراطٍ تُوعِدُونَ﴾ قالَ: كانُوا يَجْلِسُونَ في الطَّرِيقِ فَيُخْبِرُونَ مَن أتى عَلَيْهِمْ أنَّ شُعَيْبًا كَذّابٌ فَلا يَفْتِنَنَّكم عَنْ دِينِكم.

وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ ﴿بِكُلِّ صِراطٍ تُوعِدُونَ﴾ قالَ: بِكُلِّ سَبِيلِ حَقٍّ ﴿وتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ قالَ: تَصُدُّونَ أهْلَها ﴿وتَبْغُونَها عِوَجًا﴾ قالَ: تَلْتَمِسُونَ لَها الزَّيْغَ.

وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ السُّدِّيِّ، ﴿ولا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِراطٍ تُوعِدُونَ﴾ قالَ: هو العاشِرُ ﴿وتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ قالَ: تَصُدُّونَ عَنِ الإسْلامِ وتَبْغُونَها عِوَجًا قالَ: هَلاكًا.

وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: هم العِشارُ.

وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ أبِي العالِيَةِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ أوْ غَيْرِهِ: شَكَّ أبُو العالِيَةِ قالَ: «أتى النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - لَيْلَةَ أُسَرِيَ بِهِ عَلى خَشَبَةٍ عَلى الطَّرِيقِ لا يَمُرُّ بِها ثَوْبٌ إلّا شَقَّتْهُ ولا شَيْءٌ إلّا خَرَقَتْهُ قالَ: ما هَذا يا جِبْرِيلُ ؟ قالَ: هَذا مَثَلُ أقْوامٍ مِن أُمَّتِكَ يَقْعُدُونَ عَلى الطَّرِيقِ فَيَقْطَعُونَهُ ثُمَّ تَلا» ﴿ولا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِراطٍ تُوعِدُونَ﴾ . .

وأخْرَجَ ابْنُ (p-٤٨٨)جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ السُّدِّيِّ، في قَوْلِهِ: ﴿وما يَكُونُ لَنا أنْ نَعُودَ فِيها﴾ قالَ: ما يَنْبَغِي لَنا أنْ نَعُودَ في شِرْكِكم بَعْدَ إذْ نَجّانا اللَّهُ ﴿إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ رَبُّنا﴾ واللَّهُ لا يَشاءُ الشِّرْكَ، ولَكِنْ يَقُولُ: إلّا أنْ يَكُونَ اللَّهُ قَدْ عَلِمَ شَيْئًا، فَإنَّهُ قَدْ وسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا.

وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ وابْنُ الأنْبارِيِّ في الوَقْفِ والِابْتِداءِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: ما كُنْتُ أدْرِي ما قَوْلُهُ: ﴿رَبَّنا افْتَحْ بَيْنَنا وبَيْنَ قَوْمِنا بِالحَقِّ﴾ حَتّى سَمِعْتُ ابْنَةَ ذِي يَزَنَ تَقُولُ: تَعالَ أُفاتِحُكَ، تَعْنِي أُقاضِيكَ.

وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿رَبَّنا افْتَحْ﴾ يَقُولُ: اقْضِ.

وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ السُّدِّيِّ، قالَ: الفَتْحُ القَضاءُ لُغَةٌ يَمانِيَةٌ إذا قالَ أحَدُهم: تَعالَ أُقاضِيكَ القَضاءَ قالَ: تَعالَ أُفاتِحُكَ.

وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ﴿لَمْ يَغْنَوْا فِيها﴾ قالَ: لَمْ يَعِيشُوا فِيها.

وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ قَتادَةَ، مِثْلَهُ.

وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ﴿فَكَيْفَ آسى﴾ قالَ: أحْزَنُ.

وأخْرَجَ ابْنُ عَساكِرَ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: في المَسْجِدِ الحَرامِ قَبْرانِ لَيْسَ فِيهِ غَيْرُهُما، قَبْرُ إسْماعِيلَ وقَبْرُ شُعَيْبٍ فَقَبْرُ إسْماعِيلَ في الحِجْرِ، وقَبْرُ شُعَيْبٍ مُقابِلَ الحَجَرِ الأسْوَدِ.

وأخْرَجَ ابْنُ عَساكِرَ، عَنْ وهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ أنَّ شُعَيْبًا ماتَ بِمَكَّةَ ومَن مَعَهُ مِنَ المُؤْمِنِينَ، فَقُبُورُهم في غَرْبِيِّ الكَعْبَةِ بَيْنَ دارِ النَّدْوَةِ وبَيْنَ بابِ بَنِي سَهْمٍ.

وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ عَنِ ابْنِ إسْحاقَ، قالَ: ذَكَرَ لِي يَعْقُوبُ بْنُ أبِي مَسْلَمَةَ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - كانَ إذا ذَكَرَ شُعَيْبًا قالَ: ذاكَ خَطِيبُ الأنْبِياءِ لِحُسْنِ مُراجَعَتِهِ قَوْمَهُ فِيما يُرِيدُهم بِهِ، فَلَمّا كَذَّبُوهُ وتَوَعَّدُوهُ بِالرَّجْمِ والنَّفْيِ مِن بِلادِهِمْ وعَتَوْا عَلى اللَّهِ أخَذَهم عَذابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ» .

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском