Ash-Shawkani · Tafsir · in Arabic
Al-Insan 76:13–31
76:13–22Page 579
مُّتَّكِـِٔينَ فِيهَا عَلَى ٱلۡأَرَآئِكِۖ لَا يَرَوۡنَ فِيهَا شَمۡسٗا وَلَا زَمۡهَرِيرٗا ١٣
[They will be] reclining therein on adorned couches. They will not see therein any [burning] sun or [freezing] cold.
وَدَانِيَةً عَلَيۡهِمۡ ظِلَٰلُهَا وَذُلِّلَتۡ قُطُوفُهَا تَذۡلِيلٗا ١٤
And near above them are its shades, and its [fruit] to be picked will be lowered in compliance.
وَيُطَافُ عَلَيۡهِم بِـَٔانِيَةٖ مِّن فِضَّةٖ وَأَكۡوَابٖ كَانَتۡ قَوَارِيرَا۠ ١٥
And there will be circulated among them vessels of silver and cups having been [created] clear [as glass],
قَوَارِيرَاْ مِن فِضَّةٖ قَدَّرُوهَا تَقۡدِيرٗا ١٦
Clear glasses [made] from silver of which they have determined the measure.
وَيُسۡقَوۡنَ فِيهَا كَأۡسٗا كَانَ مِزَاجُهَا زَنجَبِيلًا ١٧
And they will be given to drink a cup [of wine] whose mixture is of ginger
عَيۡنٗا فِيهَا تُسَمَّىٰ سَلۡسَبِيلٗا ١٨
[From] a fountain within it [i.e., Paradise] named Salsabeel.
۞ وَيَطُوفُ عَلَيۡهِمۡ وِلۡدَٰنٞ مُّخَلَّدُونَ إِذَا رَأَيۡتَهُمۡ حَسِبۡتَهُمۡ لُؤۡلُؤٗا مَّنثُورٗا ١٩
There will circulate among them young boys made eternal. When you see them, you would think them [as beautiful as] scattered pearls.
وَإِذَا رَأَيۡتَ ثَمَّ رَأَيۡتَ نَعِيمٗا وَمُلۡكٗا كَبِيرًا ٢٠
And when you look there [in Paradise], you will see pleasure and great dominion.
عَٰلِيَهُمۡ ثِيَابُ سُندُسٍ خُضۡرٞ وَإِسۡتَبۡرَقٞۖ وَحُلُّوٓاْ أَسَاوِرَ مِن فِضَّةٖ وَسَقَىٰهُمۡ رَبُّهُمۡ شَرَابٗا طَهُورًا ٢١
Upon them [i.e., the inhabitants] will be green garments of fine silk and brocade. And they will be adorned with bracelets of silver, and their Lord will give them a purifying drink.
إِنَّ هَٰذَا كَانَ لَكُمۡ جَزَآءٗ وَكَانَ سَعۡيُكُم مَّشۡكُورًا ٢٢
[And it will be said], "Indeed, this is for you a reward, and your effort has been appreciated."
قَوْلُهُ: ﴿مُتَّكِئِينَ فِيها عَلى الأرائِكِ﴾ مَنصُوبٌ عَلى الحالِ مِن مَفْعُولِ ( جَزاهم )، والعامِلُ فِيها ( جَزى )، ولا يَعْمَلُ فِيها صَبَرُوا؛ لِأنَّ الصَّبْرَ إنَّما كانَ في الدُّنْيا، وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ أنْ يَكُونَ صِفَةً لِ ( جَنَّةٍ ) .
قالَ الفَرّاءُ: وإنْ شِئْتَ جَعَلْتَ ( مُتَّكِئِينَ ) تابِعًا، كَأنَّهُ قالَ: جَزاهم جَنَّةً مُتَّكِئِينَ فِيها.
وقالَ الأخْفَشُ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا عَلى المَدْحِ، والضَّمِيرُ مِن فِيها يَعُودُ إلى الجَنَّةِ. والأرائِكُ: السُّرُرُ في الحِجالِ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُها في سُورَةِ الكَهْفِ ﴿لا يَرَوْنَ فِيها شَمْسًا ولا زَمْهَرِيرًا﴾ الجُمْلَةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِن مَفْعُولِ ( جَزاهم )، فَتَكُونُ مِنَ الحالِ المُتَرادِفَةِ، أوْ مِنَ الضَّمِيرِ في مُتَّكِئِينَ، فَتَكُونُ مِنَ الحالِ المُتَداخِلَةِ، أوْ صِفَةً أُخْرى لِلْجَنَّةِ. والزَّمْهَرِيرُ: أشَدُّ البَرْدِ، والمَعْنى: أنَّهم لا يَرَوْنَ في الجَنَّةِ حَرَّ الشَّمْسِ ولا بَرْدَ الزَّمْهَرِيرِ. ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى:
؎مُنَعَّمَةٌ طِفْلَةٌ كالمَها لَمْ تَرَ شَمْسًا ولا زَمْهَرِيرا
(p-١٥٦٦)وقالَ ثَعْلَبٌ: الزَّمْهَرِيرُ: القَمَرُ بِلُغَةِ طَيِّءٍ، وأنْشَدَ لِشاعِرِهِمْ:
؎ولَيْلَةً ظَلامُها قَدِ اعْتَكَرْ ∗∗∗ قَطَعْتُها والزَّمْهَرِيرُ ما زَهَرْ
ويُرْوى ما ظَهَرَ: أيْ لَمْ يَطْلُعِ القَمَرُ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذا في سُورَةِ مَرْيَمَ.
﴿ودانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلالُها﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ ( دانِيَةً ) بِالنَّصْبِ عَطْفًا عَلى مَحَلِّ لا يَرَوْنَ، أوْ عَلى مُتَّكِئِينَ، أوْ صِفَةً لِمَحْذُوفٍ: أيْ وجَنَّةٍ دانِيَةٍ، كَأنَّهُ قالَ: وجَزاهم جَنَّةً دانِيَةً.
وقالَ الزَّجّاجُ: هو صِفَةٌ لِجَنَّةٍ المُتَقَدِّمِ ذِكْرُها.
وقالَ الفَرّاءُ: هو مَنصُوبٌ عَلى المَدْحِ.
وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ " ودانِيَةٌ " بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ مُقَدَّمٌ وظِلالُها مُبْتَدَأٌ مُؤَخَّرٌ، والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ النَّصْبِ عَلى الحالِ.
والمَعْنى: أنَّ ظِلالَ الأشْجارِ قَرِيبَةٌ مِنهم مُظِلَّةٌ عَلَيْهِمْ زِيادَةً في نَعِيمِهِمْ وإنْ كانَ لا شَمْسَ هُنالِكَ.
قالَ مُقاتِلٌ: يَعْنِي شَجَرُها قَرِيبٌ مِنهم.
وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ " ودانِيًا عَلَيْهِمْ " ﴿ذُلِّلَتْ قُطُوفُها تَذْلِيلًا﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ( دانِيَةً ) كَأنَّهُ قالَ: ومُذَلَّلَةً.
ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ في عَلَيْهِمْ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مُسْتَأْنَفَةً، والقُطُوفُ الثِّمارُ، والمَعْنى: أنَّها سُخِّرَتْ ثِمارُها لِمُتَناوِلِيها تَسْخِيرًا كَثِيرًا بِحَيْثُ يَتَناوَلُها القائِمُ والقاعِدُ والمُضْطَجِعُ لا يَرُدُّ أيْدِيَهم عَنْها بُعْدٌ ولا شَوْكٌ.
قالَ النَّحّاسُ: المُذَلَّلُ: القَرِيبُ المُتَناوَلِ، .
ومِنهُ قَوْلُهم حائِطٌ ذَلِيلٌ: أيْ قَصِيرٌ.
قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: ذُلِّلَتْ: أُدْنِيَتْ، مِن قَوْلِهِمْ حائِطٌ ذَلِيلٌ: أيْ كانَ قَصِيرَ السُّمْكِ. وقِيلَ ذُلِّلَتْ: أيْ جُعِلَتْ مُنْقادَةً لا تَمْتَنِعُ عَلى قِطافِها كَيْفَ شاءُوا.
﴿ويُطافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِن فِضَّةٍ وأكْوابٍ﴾ أيْ تَدُورُ عَلَيْهِمُ الخَدَمُ إذا أرادُوا الشَّرابَ بِآنِيَةِ الفِضَّةِ، والأكْوابُ جَمْعُ كُوبٍ، وهو الكُوزُ العَظِيمُ الَّذِي لا أُذُنَ لَهُ ولا عُرْوَةَ، ومِنهُ قَوْلُ عَدِيٍّ:
؎مُتَّكِئٌ تُقْرَعُ أبْوابُهُ ∗∗∗ يَسْعى عَلَيْهِ العَبْدُ بِالكُوبِ
وقَدْ مَضى تَفْسِيرُهُ في سُورَةِ الزُّخْرُفِ.
﴿كانَتْ قَوارِيرَ﴾ ﴿قَوارِيرَ مِن فِضَّةٍ﴾ أيْ في وصْفِ القَوارِيرِ في الصَّفاءِ وفي بَياضِ الفِضَّةِ، فَصَفاؤُها صَفاءُ الزُّجاجِ، ولَوْنُها لَوْنُ الفِضَّةِ.
قَرَأ نافِعٌ، والكِسائِيُّ، وأبُو بَكْرٍ قَوارِيرًا قَوارِيرًا بِالتَّنْوِينِ فِيهِما مَعَ الوَصْلِ، وبِالوَقْفِ عَلَيْهِما بِالألِفِ، وقَدْ تَقَدَّمَ وجْهُ هَذِهِ القِراءَةِ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ( سَلاسِلَ ) مِن هَذِهِ السُّورَةِ، وبَيَّنّا هُنالِكَ وجْهَ صَرْفِ ما فِيهِ صِيغَةُ مُنْتَهى الجُمُوعِ فارْجِعْ إلَيْهِ.
وقَرَأ حَمْزَةُ بِعَدَمِ التَّنْوِينِ فِيهِما وعَدَمِ الوَقْفِ بِالألِفِ، ووَجْهُ هَذِهِ القِراءَةِ ظاهِرٌ لِأنَّهُما مُمْتَنِعانِ لِصِيغَةِ مُنْتَهى الجُمُوعِ.
وقَرَأ هِشامٌ بِعَدَمِ التَّنْوِينِ فِيهِما مَعَ الوَقْفِ عَلَيْهِما بِالألِفِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ بِتَنْوِينِ الأوَّلِ دُونَ الثّانِي والوَقْفِ عَلى الأوَّلِ بِالألِفِ دُونِ الثّانِي.
وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وحَفْصٌ، وابْنُ ذَكْوانَ بِعَدَمِ التَّنْوِينِ فِيهِما، والوَقْفِ عَلى الأوَّلِ بِالألِفِ دُونِ الثّانِي، والجُمْلَةُ في مَحَلِّ جَرِّ صِفَةٍ لِ ( أكْوابٍ ) .
قالَ أبُو البَقاءِ: وحُسْنُ التَّكْرِيرِ لِما اتَّصَلَ بِهِ مِن بَيانِ أصْلِها.
قالَ الواحِدِيُّ: قالَ المُفَسِّرُونَ: جَعَلَ اللَّهُ قَوارِيرَ أهْلِ الجَنَّةِ مِن فِضَّةٍ، فاجْتَمَعَ لَها بَياضُ الفِضَّةِ وصَفاءُ القَوارِيرِ.
قالَ الزَّجّاجُ: القَوارِيرُ الَّتِي في الدُّنْيا مِنَ الرَّمْلِ، فَأعْلَمَ اللَّهُ فَضْلَ تِلْكَ القَوارِيرِ أنَّ أصْلَها مِن فِضَّةٍ يُرى مِن خارِجِها ما في داخِلِها، وجُمْلَةُ ﴿قَدَّرُوها تَقْدِيرًا﴾ صِفَةً لِقَوارِيرَ.
قَرَأ الجُمْهُورُ قَدَّرُوها بِفَتْحِ القافِ عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ: أيْ قَدَّرَها السُّقاةُ مِنَ الخَدَمِ الَّذِينَ يَطُوفُونَ عَلَيْهِمْ عَلى قَدْرِ ما يَحْتاجُ إلَيْهِ الشّارِبُونَ مِن أهْلِ الجَنَّةِ مَن دُونِ زِيادَةٍ ولا نُقْصانٍ.
قالَ مُجاهِدٌ وغَيْرُهُ: أتَوْا بِها عَلى قَدْرِ رَيِّهِمْ بِغَيْرِ زِيادَةٍ ولا نُقْصانٍ.
قالَ الكَلْبِيُّ: وذَلِكَ ألَذُّ وأشْهى، وقِيلَ: قَدَّرَها المَلائِكَةُ، وقِيلَ قَدَّرَها أهْلُ الجَنَّةِ الشّارِبُونَ عَلى مِقْدارِ شَهَواتِهِمْ وحاجاتِهِمْ فَجاءَتْ كَما يُرِيدُونَ في الشَّكْلِ لا تَزِيدُ ولا تَنْقُصُ.
وقَرَأ عَلِيٌّ، وابْنُ عَبّاسٍ، والسُّلَمِيُّ، والشَّعْبِيُّ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، وعُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ، وأبُو عَمْرٍو في رِوايَةٍ عَنْهُ قُدِّرُوها بِضَمِّ القافِ وكَسْرِ الدّالِّ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ: أيْ جُعِلَتْ لَهم عَلى قَدْرِ إرادَتِهِمْ.
قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: هو مِن بابِ القَلْبِ، قالَ: لِأنَّ حَقِيقَةَ المَعْنى أنْ يُقالَ: قُدِّرَتْ عَلَيْهِمْ لا قَدَّرُوها؛ لِأنَّهُ في مَعْنى قُدِّرُوا عَلَيْها.
وقالَ أبُو حاتِمٍ: التَّقْدِيرُ قُدِّرَتِ الأوانِي عَلى قَدْرِ رَيِّهِمْ، فَمَفْعُولُ ما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ مَحْذُوفٌ.
قالَ أبُو حَيّانَ: والأقْرَبُ في تَخْرِيجِ هَذِهِ القِراءَةِ الشّاذَّةِ أنْ يُقالَ: قُدِّرَ رَيُّهم مِنها تَقْدِيرًا، فَحُذِفَ المُضافُ فَصارَ قُدِّرُوها.
وقالَ المَهْدَوِيُّ: إنَّ القِراءَةَ الأخِيرَةَ يَرْجِعُ مَعْناها إلى مَعْنى القِراءَةِ الأُولى، وكَأنَّ الأصْلَ قَدَرُوا عَلَيْها فَحُذِفَ حَرْفُ الجَرِّ كَما أنْشَدَ سِيبَوَيْهِ:
؎آلَيْتُ حُبَّ العِراقِ الدَّهْرُ آكُلُهُ ∗∗∗ والحَبُّ يَأْكُلُهُ في القَرْيَةِ السُّوسُ
أيْ آلَيْتُ عَلى حُبِّ العِراقِ.
﴿ويُسْقَوْنَ فِيها كَأْسًا كانَ مِزاجُها زَنْجَبِيلًا﴾ قَدْ تَقَدَّمَ أنَّ الكَأْسَ هو الإناءُ فِيهِ الخَمْرُ، وإذا كانَ خالِيًا عَنِ الخَمْرِ فَلا يُقالُ لَهُ كَأْسٌ، والمَعْنى: أنَّ أهْلَ الجَنَّةِ يُسْقَوْنَ في الجَنَّةِ كَأْسًا مِنَ الخَمْرِ مَمْزُوجَةٌ بِالزَّنْجَبِيلِ وقَدْ كانَتِ العَرَبُ تَسْتَلِذُّ مَزْجَ الشَّرابِ بِالزَّنْجَبِيلِ لِطِيبِ رائِحَتِهِ.
وقالَ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ: الزَّنْجَبِيلُ اسْمٌ لِلْعَيْنِ الَّتِي يَشْرَبُ بِها المُقَرَّبُونَ.
وقالَ مُقاتِلٌ: هو زَنْجَبِيلٌ لا يُشْبِهُ زَنْجَبِيلَ الدُّنْيا.
﴿عَيْنًا فِيها تُسَمّى سَلْسَبِيلًا﴾ انْتِصابُ عَيْنًا عَلى أنَّها بَدَلٌ مِن كَأْسًا
ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مَنصُوبَةً بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ: أيْ يُسْقَوْنَ عَيْنًا، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مَنصُوبَةً بِنَزْعِ الخافِضِ: أيْ مِن عَيْنٍ، والسَّلْسَبِيلُ: الشَّرابُ اللَّذِيذُ، مَأْخُوذٌ مِنَ السَّلاسَةِ، تَقُولُ العَرَبُ: هَذا شَرابٌ سَلِسٌ، وسَلْسالٌ وسَلْسَبِيلٌ: أيْ طَيِّبٌ لَذِيذٌ.
قالَ الزَّجّاجُ: السَّلْسَبِيلُ في اللُّغَةِ اسْمٌ لِماءٍ في غايَةِ السَّلاسَةِ حَدِيدُ الجَرْيَةِ يَسُوغُ في حُلُوقِهِمْ، ومِنهُ قَوْلُ حَسّانَ بْنِ ثابِتٍ:
؎يُسْقَوْنَ مِن ورْدِ البَرِيصِ عَلَيْهِمُ ∗∗∗ كَأْسًا يُصَفِّقُ بِالرَّحِيقِ السَّلْسَلِ
﴿ويَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ﴾ لَمّا فَرَغَ سُبْحانَهُ مِن وصْفِ شَرابِهِمْ، ووَصْفِ آنِيَتِهِمْ، ووَصْفِ السُّقاةِ الَّذِينَ يَسْقُونَهم ذَلِكَ الشَّرابَ.
ومَعْنى مُخَلَّدُونَ باقُونَ عَلى ما هم عَلَيْهِ مِنَ الشَّبابِ والطَّراوَةِ والنَّضارَةِ، لا يَهْرَمُونَ ولا يَتَغَيَّرُونَ، وقِيلَ مَعْنى مُخَلَّدُونَ لا يَمُوتُونَ، وقِيلَ التَّخْلِيدُ التَّحْلِيَةُ: أيْ مُحَلَّوْنَ ﴿إذا رَأيْتَهم حَسِبْتَهم لُؤْلُؤًا مَنثُورًا﴾ إذا نَظَرْتَ إلَيْهِمْ ظَنَنْتَهم لِمَزِيدِ حُسْنِهِمْ وصَفاءِ (p-١٥٦٧)ألْوانِهِمْ ونَضارَةِ وُجُوهِهِمْ لُؤْلُؤًا مُفَرَّقًا.
قالَ عَطاءٌ: يُرِيدُ في بَياضِ اللَّوْنِ وحُسْنِهِ، واللُّؤْلُؤُ إذا نُثِرَ مِنَ الخَيْطِ عَلى البِساطِ كانَ أحْسَنَ مِنهُ مَنظُومًا.
قالَ أهْلُ المَعانِي: إنَّما شُبِّهُوا بِالمَنثُورِ لِانْتِثارِهِمْ في الخِدْمَةِ، ولَوْ كانُوا صَفًّا لَشُبِّهُوا بِالمَنظُومِ، وقِيلَ إنَّما شَبَّهَهم بِالمَنثُورِ لِأنَّهم سِراعٌ في الخِدْمَةِ، بِخِلافِ الحُورِ العِينِ فَإنَّهُ شَبَّهَهُنَّ بِاللُّؤْلُؤِ المَكْنُونِ لِأنَّهُنَّ لا يُمْتَهَنَّ بِالخِدْمَةِ.
﴿وإذا رَأيْتَ ثَمَّ رَأيْتَ نَعِيمًا ومُلْكًا كَبِيرًا﴾ أيْ وإذا رَمَيْتَ بِبَصَرِكَ هُناكَ، يَعْنِي في الجَنَّةِ رَأيْتَ نَعِيمًا لا يُوصَفُ، ومُلْكًا كَبِيرًا لا يُقادَرُ قَدْرُهُ، و" ثَمَّ " ظَرْفُ مَكانٍ، والعامِلُ فِيها ( رَأيْتَ ) .
قالَ الفَرّاءُ في الكَلامِ ما مُضْمَرَةٌ: أيْ وإذا رَأيْتَ ما ثَمَّ، كَقَوْلِهِ: ﴿لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ﴾ [الأنعام: ٩٤] أيْ ما بَيْنَكم.
قالَ الزَّجّاجُ مُعْتَرِضًا عَلى الفَرّاءِ: إنَّهُ لا يَجُوزُ إسْقاطُ المَوْصُولِ وتَرْكُ الصِّلَةِ، ولَكِنْ " رَأيْتَ " يَتَعَدّى في المَعْنى إلى ثَمَّ.
والمَعْنى: إذا رَأيْتَ بِبَصَرِكَ ثَمَّ، ويَعْنِي بِثَمَّ الجَنَّةَ.
قالَ السُّدِّيُّ: النَّعِيمُ ما يُتَنَعَّمُ بِهِ، والمُلْكُ الكَبِيرُ: اسْتِئْذانُ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمْ، وكَذا قالَ مُقاتِلٌ، والكَلْبِيُّ.
وقِيلَ إنَّ " رَأيْتَ " لَيْسَ لَهُ مَفْعُولٌ مَلْفُوظٌ ولا مُقَدَّرٌ ولا مَنوِيٌّ، بَلْ مَعْناهُ: أنَّ بَصَرَكَ أيْنَما وقَعَ في الجَنَّةِ رَأيْتَ نَعِيمًا ومُلْكًا كَبِيرًا. ﴿عالِيَهم ثِيابُ سُنْدُسٍ﴾ قَرَأ نافِعٌ، وحَمْزَةُ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ عالِيهِمْ بِسُكُونِ الياءِ وكَسْرِ الهاءِ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ مُقَدَّمٌ، وثِيابٌ مُبْتَدَأٌ مُؤَخَّرٌ،
أوْ عَلى أنَّ ( عالِيهِمْ ) مُبْتَدَأٌ، و( ثِيابُ ) مُرْتَفِعٌ بِالفاعِلِيَّةِ وإنْ لَمْ يَعْتَمِدِ الوَصْفَ كَما هو مَذْهَبُ الأخْفَشِ.
وقالَ الفَرّاءُ: هو مَرْفُوعٌ بِالِابْتِداءِ، وخَبَرُهُ: ثِيابُ سُنْدُسٍ، واسْمُ الفاعِلِ مُرادٌ بِهِ الجَمْعُ.
وقَرَأ الباقُونَ بِفَتْحِ الياءِ وضَمِّ الهاءِ عَلى أنَّهُ ظَرْفٌ في مَحَلِّ رَفْعٍ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ مُقَدَّمٌ، و( ثِيابُ ) مُبْتَدَأٌ مُؤَخَّرٌ، كَأنَّهُ قِيلَ فَوْقَهم ثِيابٌ.
قالَ الفَرّاءُ: إنَّ ( عالِيَهم ) بِمَعْنى فَوْقَهم، وكَذا قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ.
قالَ أبُو حَيّانَ: عالٍ وعالِيَةٌ اسْمُ فاعِلٍ، فَيَحْتاجُ في كَوْنِهِما ظَرْفَيْنِ إلى أنْ يَكُونَ مَنقُولًا مِن كَلامِ العَرَبِ، وقَدْ تَقَدَّمَهُ إلى هَذا الزَّجّاجُ وقالَ: هَذا مِمّا لا نَعْرِفُهُ في الظُّرُوفِ ولَوْ كانَ ظَرْفًا لِمَ لَمْ يَجُزْ إسْكانُ الياءِ، ولَكِنَّهُ نُصِبَ عَلى الحالِ مِن شَيْئَيْنِ: أحَدُهُما الهاءُ والمِيمُ في قَوْلِهِ: ﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ﴾ أيْ عَلى الأبْرارِ ( وِلْدانٌ ) عالِيًا الأبْرارَ ﴿ثِيابُ سُنْدُسٍ﴾ أيْ يَطُوفُ عَلَيْهِمْ في هَذِهِ الحالِ.
والثّانِي أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ الوِلْدانِ: أيْ إذا رَأيْتَهم حَسِبْتَهم لُؤْلُؤًا مَنثُورًا في حالِ عُلُوِّ الثِّيابِ أبْدانِهِمْ.
وقالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: العامِلُ في الحالِ إمّا لَقّاهم نَضْرَةً وسُرُورًا وإمّا جَزاهم بِما صَبَرُوا.
قالَ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ظَرْفًا.
وقَرَأ ابْنُ سِيرِينَ، ومُجاهِدٌ، وأبُو حَيْوَةَ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: " عَلَيْهِمْ " وهي قِراءَةٌ واضِحَةُ المَعْنى ظاهِرَةُ الدَّلالَةِ.
واخْتارَ أبُو عُبَيْدٍ القِراءَةَ الأُولى لِقِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ: " عَلِيَتْهم " .
وقَرَأ الجُمْهُورُ بِإضافَةِ ثِيابٍ إلى سُنْدُسٍ.
وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ بِتَنْوِينِ ( ثِيابٌ ) وقَطْعِها عَنِ الإضافَةِ ورَفْعِ ( سُنْدُسٌ )، و﴿خُضْرٌ وإسْتَبْرَقٌ﴾ عَلى أنَّ السُّنْدُسَ نَعْتٌ لِلثِّيابِ؛ لِأنَّ السُّنْدُسَ نَوْعٌ مِنَ الثِّيابِ، وعَلى أنَّ " خُضْرٍ " نَعْتٌ لِسُنْدُسٍ؛ لِأنَّهُ يَكُونُ أخْضَرُ وغَيْرُ أخْضَرٍ، وعَلى أنَّ ( إسْتَبْرَقٍ ) مَعْطُوفٌ عَلى سُنْدُسٍ: أيْ وثِيابُ إسْتَبْرَقٍ، والجُمْهُورُ مِنَ القُرّاءِ اخْتَلَفُوا في ﴿خُضْرٌ وإسْتَبْرَقٌ﴾ مَعَ اتِّفاقِهِمْ عَلى جَرِّ سُنْدُسٍ بِإضافَةِ ( ثِيابُ ) إلَيْهِ، فَقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ بِجَرِّ " خُضْرٍ " نَعْتًا لِ ( سُنْدُسٍ ) ورَفْعِ ( إسْتَبْرَقُ ) عَطْفًا عَلى ( ثِيابُ ): أيْ عَلَيْهِمْ ثِيابُ سُنْدُسٍ وعَلَيْهِمْ إسْتَبْرَقٌ.
وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ بِرَفْعِ ( خُضَرٌ ) نَعْتًا لِ ( ثِيابُ )، وجَرِّ " إسْتَبْرَقٍ " نَعْتٌ لِسُنْدُسٍ.
واخْتارَ هَذِهِ القِراءَةَ أبُو حاتِمٍ، وأبُو عُبَيْدٍ، لِأنَّ الخُضْرَ أحْسَنُ ما كانَتْ نَعْتًا لِلثِّيابِ فَهي مَرْفُوعَةٌ، والإسْتَبْرَقُ مِن جِنْسِ السُّنْدُسِ.
وقَرَأ نافِعٌ، وحَفْصٌ بِرَفْعِ ﴿خُضْرٌ وإسْتَبْرَقٌ﴾ لِأنَّ ( خُضْرٌ ) نَعْتٌ لِلثِّيابِ، و( إسْتَبْرَقٌ ) عَطْفٌ عَلى الثِّيابِ.
وقَرَأ الأعْمَشُ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ بِجَرِّ " خُضْرٍ وإسْتَبْرَقٍ " عَلى أنَّ ( خُضْرٍ ) نَعْتٌ لِلسُّنْدُسِ، و( إسْتَبْرَقٍ ) مَعْطُوفٌ عَلى سُنْدُسٍ.
وقَرَءُوا كُلُّهم بِصَرْفِ ( إسْتَبْرَقٍ ) إلّا ابْنُ مُحَيْصِنٍ فَإنَّهُ لَمْ يَصْرِفْهُ، قالَ: لِأنَّهُ أعْجَمِيٌّ، ولا وجْهَ لِهَذا لِأنَّهُ نَكِرَةٌ إلّا أنْ يَقُولَ إنَّهُ عَلَمٌ لِهَذا الجِنْسِ مِنَ الثِّيابِ.
والسُّنْدُسُ: ما رَقَّ مِنَ الدِّيباجِ.
والإسْتَبْرَقُ: ما غَلُظَ مِنهُ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُما في سُورَةِ الكَهْفِ ﴿وحُلُّوا أساوِرَ مِن فِضَّةٍ﴾ عَطْفٌ عَلى يَطُوفُ عَلَيْهِمْ.
ذَكَرَ سُبْحانَهُ هُنا أنَّهم يُحَلَّوْنَ بِأساوِرِ الفِضَّةِ وفي سُورَةِ فاطِرٍ ﴿يُحَلَّوْنَ فِيها مِن أساوِرَ مِن ذَهَبٍ﴾ [فاطر: ٣٣] وفي سُورَةِ الحَجِّ ﴿يُحَلَّوْنَ فِيها مِن أساوِرَ مِن ذَهَبٍ ولُؤْلُؤًا﴾ [الحج: ٢٣] ولا تَعارُضَ بَيْنَ هَذِهِ الآياتِ لِإمْكانِ الجَمْعِ بِأنْ يَجْعَلَ لَهم سِواراتٍ مِن ذَهَبٍ وفِضَّةٍ ولُؤْلُؤٍ، أوْ بِأنَّ المُرادَ أنَّهم يَلْبَسُونَ سِواراتِ الذَّهَبِ تارَةً، وسِواراتِ الفِضَّةِ تارَةً، وسِواراتِ اللُّؤْلُؤِ تارَةً، أوْ أنَّهُ يَلْبَسُ كُلُّ أحَدٍ مِنهُ ما تَمِيلُ إلَيْهِ نَفْسُهُ مِن ذَلِكَ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ هَذِهِ الجُمْلَةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِن ضَمِيرِ عالِيَهم بِتَقْدِيرِ ( قَدْ ) ﴿وسَقاهم رَبُّهم شَرابًا طَهُورًا﴾ هَذا نَوْعٌ آخَرُ مِنَ الشَّرابِ الَّذِي يَمُنُّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بِهِ.
قالَ الفَرّاءُ: يَقُولُ هو طَهُورٌ لَيْسَ بِنَجِسٍ كَما كانَ في الدُّنْيا مَوْصُوفًا بِالنَّجاسَةِ.
والمَعْنى: أنَّ ذَلِكَ الشَّرابَ طاهِرٌ لَيْسَ كَخَمْرِ الدُّنْيا.
قالَ مُقاتِلٌ: هو عَيْنُ ماءٍ عَلى بابِ الجَنَّةِ مَن شَرِبَ مِنها نَزَعَ اللَّهُ ما كانَ في قَلْبِهِ مَن غَشٍّ وغِلٍّ وحَسَدٍ.
قالَ أبُو قِلابَةَ، وإبْراهِيمُ النَّخَعِيُّ: يُؤْتُونَ بِالطَّعامِ، فَإذا كانَ آخِرُهُ أتَوْا بِالشَّرابِ الطَّهُورِ، فَيَشْرَبُونَ فَتَضْمُرُ بُطُونُهم مِن ذَلِكَ ويَفِيضُ عَرَقٌ مِن أبْدانِهِمْ مِثْلَ رِيحِ المِسْكِ.
﴿إنَّ هَذا كانَ لَكم جَزاءً﴾ أيْ يُقالُ لَهم: إنَّ هَذا الَّذِي ذُكِرَ مِن أنْواعِ النِّعَمِ كانَ لَكم جَزاءً بِأعْمالِكم: أيْ ثَوابًا لَها ﴿وكانَ سَعْيُكم مَشْكُورًا﴾ أيْ كانَ عَمَلُكم في الدُّنْيا بِطاعَةِ اللَّهِ مَرْضِيًّا مَقْبُولًا، وشُكْرُ اللَّهِ سُبْحانَهُ لِعَمَلِ عَبْدِهِ هو قَبُولُهُ لِطاعَتِهِ.
وقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: الزَّمْهَرِيرُ هو البَرْدُ الشَّدِيدُ.
وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «اشْتَكَتِ النّارُ إلى رَبِّها فَقالَتْ: رَبِّ أكَلَ بَعْضِي بَعْضًا، فَجَعَلَ لَها نَفَسَيْنِ: نَفَسًا في الصَّيْفِ، ونَفَسًا في الشِّتاءِ، فَشِدَّةُ ما تَجِدُونَ مِنَ البَرْدِ مِن زَمْهَرِيرِها، وشِدَّةُ ما تَجِدُونَ في (p-١٥٦٨)الصَّيْفِ مِنَ الحَرِّ مِن سَمُومِها» .
وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وهَنّادُ بْنُ السَّرِيِّ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ في زَوائِدِ الزُّهْدِ وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ عَنِ البَراءِ بْنِ عازِبٍ في قَوْلِهِ: ﴿ودانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلالُها﴾ قالَ: قَرِيبَةٌ ﴿وذُلِّلَتْ قُطُوفُها تَذْلِيلًا﴾ قالَ: إنَّ أهْلَ الجَنَّةِ يَأْكُلُونَ مِن ثِمارِ الجَنَّةِ قِيامًا وقُعُودًا ومُضْطَجِعِينَ وعَلى أيِّ حالٍ شاءُوا.
وفِي لَفْظٍ قالَ: ذُلِّلَتْ فَيَتَناوَلُونَ مِنها كَيْفَ شاءُوا.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: آنِيَةٍ مِن فِضَّةٍ وُصَفاؤُها كَصَفاءِ القَوارِيرِ ﴿قَدَّرُوها تَقْدِيرًا﴾ قالَ: قُدِّرَتْ لِلْكَفِّ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، والبَيْهَقِيُّ عَنْهُ قالَ: لَوْ أخَذْتَ فِضَّةً مِن فِضَّةِ الدُّنْيا فَضَرَبْتَها حَتّى جَعَلْتَها مِثْلَ جَناحِ الذُّبابِ لَمْ يُرَ الماءُ مِن ورائِها، ولَكِنْ قَوارِيرَ الجَنَّةِ بَياضُ الفِضَّةِ في صَفاءِ القَوارِيرِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا قالَ: لَيْسَ في الجَنَّةِ شَيْءٌ إلّا وقَدْ أعْطَيْتُمْ في الدُّنْيا شِبْهَهُ إلّا قَوارِيرَ مِن فِضَّةٍ.
وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿قَدَّرُوها تَقْدِيرًا﴾ قالَ: أتَوْا بِها عَلى قَدْرِ الفَمِ لا يُفَضِّلُونَ شَيْئًا ولا يَشْتَهُونَ بَعْدَها شَيْئًا.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ أيْضًا ﴿قَدَّرُوها تَقْدِيرًا﴾ قالَ: قَدَّرَتْها السُّقاةُ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُبارَكِ، وهَنّادٌ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ عَنِ ابْنِ عَمْرٍو قالَ: إنَّ أدْنى أهْلِ الجَنَّةِ مَنزِلًا مَن يَسْعى عَلَيْهِ ألْفُ خادِمٍ كُلُّ خادِمٍ عَلى عَمَلٍ لَيْسَ عَلَيْهِ صاحِبُهُ، وتَلا هَذِهِ الآيَةَ ﴿إذا رَأيْتَهم حَسِبْتَهم لُؤْلُؤًا مَنثُورًا﴾ .
76:23–31Page 579
إِنَّا نَحۡنُ نَزَّلۡنَا عَلَيۡكَ ٱلۡقُرۡءَانَ تَنزِيلٗا ٢٣
Indeed, it is We who have sent down to you, [O Muḥammad], the Qur’ān progressively.
فَٱصۡبِرۡ لِحُكۡمِ رَبِّكَ وَلَا تُطِعۡ مِنۡهُمۡ ءَاثِمًا أَوۡ كَفُورٗا ٢٤
So be patient for the decision of your Lord and do not obey from among them a sinner or ungrateful [disbeliever].
وَٱذۡكُرِ ٱسۡمَ رَبِّكَ بُكۡرَةٗ وَأَصِيلٗا ٢٥
And mention the name of your Lord [in prayer] morning and evening
وَمِنَ ٱلَّيۡلِ فَٱسۡجُدۡ لَهُۥ وَسَبِّحۡهُ لَيۡلٗا طَوِيلًا ٢٦
And during the night prostrate to Him and exalt [i.e., praise] Him a long [part of the] night.
إِنَّ هَٰٓؤُلَآءِ يُحِبُّونَ ٱلۡعَاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَرَآءَهُمۡ يَوۡمٗا ثَقِيلٗا ٢٧
Indeed, these [disbelievers] love the immediate and leave behind them1 a grave Day.
نَّحۡنُ خَلَقۡنَٰهُمۡ وَشَدَدۡنَآ أَسۡرَهُمۡۖ وَإِذَا شِئۡنَا بَدَّلۡنَآ أَمۡثَٰلَهُمۡ تَبۡدِيلًا ٢٨
We have created them and strengthened their forms, and when We will, We can change their likenesses with [complete] alteration.
إِنَّ هَٰذِهِۦ تَذۡكِرَةٞۖ فَمَن شَآءَ ٱتَّخَذَ إِلَىٰ رَبِّهِۦ سَبِيلٗا ٢٩
Indeed, this is a reminder, so he who wills may take to his Lord a way.
وَمَا تَشَآءُونَ إِلَّآ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمٗا ٣٠
And you do not will except that Allāh wills. Indeed, Allāh is ever Knowing and Wise.
يُدۡخِلُ مَن يَشَآءُ فِي رَحۡمَتِهِۦۚ وَٱلظَّٰلِمِينَ أَعَدَّ لَهُمۡ عَذَابًا أَلِيمَۢا ٣١
He admits whom He wills into His mercy; but the wrongdoers - He has prepared for them a painful punishment.
قَوْلُهُ: ﴿إنّا نَحْنُ نَزَّلْنا عَلَيْكَ القُرْآنَ تَنْزِيلًا﴾ أيْ فَرَّقْناهُ في الإنْزالِ ولَمْ نُنْزِلْهُ جُمْلَةً واحِدَةً.
وقِيلَ المَعْنى: نَزَّلْناهُ عَلَيْكَ ولَمْ تَأْتِ بِهِ مِن عِنْدِكَ كَما يَدَّعِيهِ المُشْرِكُونَ.
﴿فاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ﴾ أيْ لِقَضائِهِ، ومِن حُكْمِهِ وقَضائِهِ تَأْخِيرُ نَصْرِكَ إلى أجَلٍ اقْتَضَتْهُ حِكْمَتُهُ.
قِيلَ وهَذا مَنسُوخٌ بِآيَةِ السَّيْفِ ﴿ولا تُطِعْ مِنهم آثِمًا أوْ كَفُورًا﴾ أيْ لا تُطِعْ كُلَّ واحِدٍ مِن مُرْتَكِبٍ لِإثْمٍ وغالٍ في كُفْرٍ، فَنَهاهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ عَنْ ذَلِكَ.
قالَ الزَّجّاجُ: إنَّ الألِفَ هُنا آكُدُ مِنَ الواوِ وحْدَها لِأنَّكَ إذا قُلْتَ: لا تُطِعْ زَيْدًا وعَمْرًا، فَأطاعَ أحَدَهُما كانَ غَيْرَ عاصٍ؛ لِأنَّهُ أمَرَهُ أنْ لا يُطِيعَ الِاثْنَيْنِ، فَإذا قالَ: لا تُطِعْ مِنهم آثِمًا أوْ كَفُورًا دَلَّ ذَلِكَ عَلى أنْ كُلَّ واحِدٍ مِنهُما أهْلٌ أنْ يُعْصى، كَما أنَّكَ إذا قُلْتَ: لا تُخالِفِ الحَسَنَ أوْ ابْنَ سِيرِينَ، فَقَدْ قُلْتَ إنَّهُما أهْلٌ أنْ يُتَّبَعا، وكُلُّ واحِدٍ مِنهُما أهْلٌ أنْ يُتَّبَعَ.
وقالَ الفَرّاءُ " أوْ " هُنا بِمَنزِلَةِ ( لا )، كَأنَّهُ قالَ: ولا كَفُورًا.
وقِيلَ المُرادُ بِقَوْلِهِ: آثِمًا عُتْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ، وبِقَوْلِهِ: ﴿أوْ كَفُورًا﴾ الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ، لِأنَّهُما قالا لِلنَّبِيِّ ﷺ: ارْجِعْ عَنْ هَذا الأمْرِ ونَحْنُ نُرْضِيكَ بِالمالِ والتَّزْوِيجِ.
﴿واذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وأصِيلًا﴾ أيْ دُمْ عَلى ذِكْرِهِ في جَمِيعِ الأوْقاتِ.
وقِيلَ المَعْنى: صَلِّ لِرَبِّكَ أوَّلَ النَّهارِ وآخِرَهُ، فَأوَّلُ النَّهارِ صَلاةُ الصُّبْحِ، وآخِرُهُ صَلاةُ العَصْرِ.
﴿ومِنَ اللَّيْلِ فاسْجُدْ لَهُ﴾ أيْ صَلِّ المَغْرِبَ والعَشاءَ.
وقِيلَ المُرادُ الصَّلاةُ في بَعْضِهِ مِن غَيْرِ تَعْيِينٍ، ومِن لِلتَّبْعِيضِ عَلى كُلِّ تَقْدِيرٍ ﴿وسَبِّحْهُ لَيْلًا طَوِيلًا﴾ أيْ نَزِّهْهُ عَمّا لا يَلِيقُ بِهِ، فَيَكُونُ المُرادُ الذِّكْرُ بِالتَّسْبِيحِ سَواءٌ كانَ في الصَّلاةِ أوْ في غَيْرِها.
وقِيلَ المُرادُ التَّطَوُّعُ في اللَّيْلِ.
قالَ ابْنُ زَيْدٍ وغَيْرُهُ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَنسُوخَةٌ بِالصَّلَواتِ الخَمْسِ.
وقِيلَ الأمْرُ لِلنَّدْبِ.
وقِيلَ هو مَخْصُوصٌ بِالنَّبِيِّ ﷺ .
﴿إنَّ هَؤُلاءِ يُحِبُّونَ العاجِلَةَ﴾ يَعْنِي كُفّارَ مَكَّةَ ومَن هو مُوافِقٌ لَهم.
والمَعْنى: أنَّهم يُحِبُّونَ الدّارَ العاجِلَةَ، وهي دارُ الدُّنْيا ﴿ويَذَرُونَ وراءَهم يَوْمًا ثَقِيلًا﴾ أيْ يَتْرُكُونَ ويَدَعُونَ وراءَهم: أيْ خَلْفَهم أوْ بَيْنَ أيْدِيهِمْ وأمامَهم يَوْمًا شَدِيدًا عَسِيرًا، وهو يَوْمُ القِيامَةِ، وسُمِّيَ ثَقِيلًا لِما فِيهِ مِنَ الشَّدائِدِ والأهْوالِ.
ومَعْنى كَوْنِهِمْ يَذَرُونَهُ وراءَهم: أنَّهم لا يَسْتَعِدُّونَ لَهُ ولا يَعْبَئُونَ بِهِ، فَهم كَمَنَ يَنْبِذُ الشَّيْءَ وراءَ ظَهْرِهِ تَهاوُنًا بِهِ واسْتِخْفافًا بِشَأْنِهِ، وإنْ كانُوا في الحَقِيقَةِ مُسْتَقْبِلِينَ لَهُ وهو أمامَهم.
﴿نَحْنُ خَلَقْناهُمْ﴾ أيِ ابْتَدَأْنا خَلْقَهم مِن تُرابٍ، ثُمَّ مِن نُطْفَةٍ ثُمَّ مِن عَلَقَةٍ، ثُمَّ مِن مُضْغَةٍ إلى أنْ كَمُلَ خَلْقَهم، ولَمْ يَكُنْ لِغَيْرِنا في ذَلِكَ عَمَلٌ ولا سَعْيٌ لا اشْتِراكًا ولا اسْتِقْلالًا ﴿وشَدَدْنا أسْرَهُمْ﴾ الأسْرُ: شِدَّةُ الخَلْقِ، يُقالُ شَدَّ اللَّهُ أسْرَ فُلانٍ: أيْ قَوّى خَلْقَهُ.
قالَ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، ومُقاتِلٌ وغَيْرُهم: شَدَدْنا خَلْقَهم.
قالَ الحَسَنُ: شَدَدْنا أوْصالَهم بَعْضًا إلى بَعْضٍ بِالعُرُوقِ والعَصَبِ.
قالَ أبُو عُبَيْدٍ: يُقالُ فَرَسٌ شَدِيدُ الأسْرِ: أيِ الخَلْقِ.
قالَ لَبِيدٌ:
؎ساهِمُ الوَجْهِ شَدِيدٌ أسْرُهُ مُشْرِفُ الحارِكِ مَحْبُوكُ القَتَدِ
وقالَ الأخْطَلُ:
؎مِن كُلِّ مُجْتَنِبٍ شَدِيدٍ أسْرُهُ ∗∗∗ سَلِسِ القِيادِ تَخالُهُ مُخْتالا
وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: الأُسَرُ القُوَّةُ، واشْتِقاقُهُ مِنَ الإسارِ، وهو القَدُّ الَّذِي تُشَدُّ بِهِ الأقْتابُ.
ومِنهُ قَوْلُ ابْنُ أحْمَرَ يَصِفُ فَرَسًا:
؎يَمْشِي بَأوْطَفَةٍ شِدادٍ أسْرُها ∗∗∗ شَمُّ السَّبائِكِ لا تَفِي بِالجُدْجُدِ
﴿وإذا شِئْنا بَدَّلْنا أمْثالَهم تَبْدِيلًا﴾ أيْ لَوْ شِئْنا لَأهْلَكْناهم وجِئْنا بِأطْوَعَ لِلَّهِ مِنهم.
وقِيلَ: المَعْنى: مَسَخْناهم إلى أسْمَجِ صُورَةٍ وأقْبَحِ خِلْقَةٍ.
﴿إنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ﴾ يَعْنِي إنَّ هَذِهِ السُّورَةَ تَذْكِيرٌ ومَوْعِظَةٌ ﴿فَمَن شاءَ اتَّخَذَ إلى رَبِّهِ سَبِيلًا﴾ أيْ طَرِيقًا يَتَوَسَّلُ بِهِ إلَيْهِ، وذَلِكَ بِالإيمانِ والطّاعَةِ.
والمُرادُ إلى ثَوابِهِ أوْ إلى جَنَّتِهِ.
﴿وما تَشاءُونَ إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ﴾ أيْ وما تَشاءُونَ أنْ تَتَّخِذُوا إلى اللَّهِ سَبِيلًا إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ، فالأمْرُ إلَيْهِ سُبْحانَهُ لَيْسَ إلَيْهِمْ، والخَيْرُ والشَّرُّ بِيَدِهِ، لا مانِعَ لِما أعْطى، ولا مُعْطِيَ لِما مَنَعَ؛ فَمَشِيئَةُ العَبْدِ مُجَرَّدَةٌ لا (p-١٥٦٩)تَأْتِي بِخَيْرٍ ولا تَدْفَعُ شَرًّا، وإنْ كانَ يُثابُ عَلى المَشِيئَةِ الصّالِحَةِ، ويُؤْجَرُ عَلى قَصْدِ الخَيْرِ كَما في حَدِيثِ «إنَّما الأعْمالُ بِالنِّيّاتِ، وإنَّما لِكُلِّ امْرِئٍ ما نَوى» .
قالَ الزَّجّاجُ أيْ لَسْتُمْ تَشاءُونَ إلّا بِمَشِيئَةِ اللَّهِ ﴿إنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ في أمْرِهِ ونَهْيِهِ: أيْ بَلِيغُ العَلَمِ والحِكْمَةِ.
﴿يُدْخِلُ مَن يَشاءُ في رَحْمَتِهِ﴾ أيْ يُدْخِلُ في رَحْمَتِهِ مَن يَشاءُ أنْ يُدْخِلَهُ فِيها، أوْ يُدْخِلُ في جَنَّتِهِ مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ.
قالَ عَطاءٌ: مَن صَدَقَتْ نِيَّتُهُ أدْخَلَهُ جَنَّتَهُ ﴿والظّالِمِينَ أعَدَّ لَهم عَذابًا ألِيمًا﴾ انْتِصابُ ( الظّالِمِينَ ) بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ ما قَبْلَهُ: أيْ يُعَذِّبُ الظّالِمِينَ، نُصِبَ ( الظّالِمِينَ ) لِأنَّ ما قَبْلَهُ مَنصُوبٌ أيْ يُدْخِلُ مَن يَشاءُ في رَحْمَتِهِ ويُعَذِّبُ الظّالِمِينَ: أيِ المُشْرِكِينَ، ويَكُونُ ﴿أعَدَّ لَهُمْ﴾ تَفْسِيرًا لِهَذا المُضْمَرِ، والِاخْتِيارُ النَّصْبُ وإنَّ جازَ الرَّفْعُ، وبِالنَّصْبِ قَرَأ الجُمْهُورُ.
وقَرَأ أبانُ بْنُ عُثْمانَ بِالرَّفْعِ عَلى الِابْتِداءِ، ووَجْهُهُ أنَّهُ لَمْ يَكُنْ بَعْدَهُ فِعْلٌ يَقَعُ عَلَيْهِ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنَ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿وشَدَدْنا أسْرَهم﴾ قالَ: خَلَقَهم.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ ﴿وشَدَدْنا أسْرَهم﴾ قالَ هي المَفاصِلُ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences