Ash-Shawkani · Tafsir · in Arabic
At-Tawbah 9:61–70
9:61–66Page 196
وَمِنۡهُمُ ٱلَّذِينَ يُؤۡذُونَ ٱلنَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٞۚ قُلۡ أُذُنُ خَيۡرٖ لَّكُمۡ يُؤۡمِنُ بِٱللَّهِ وَيُؤۡمِنُ لِلۡمُؤۡمِنِينَ وَرَحۡمَةٞ لِّلَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنكُمۡۚ وَٱلَّذِينَ يُؤۡذُونَ رَسُولَ ٱللَّهِ لَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٞ ٦١
And among them are those who abuse the Prophet and say, "He is an ear."1 Say, "[It is] an ear of goodness for you that believes in Allāh and believes the believers and [is] a mercy to those who believe among you." And those who abuse the Messenger of Allāh - for them is a painful punishment.
يَحۡلِفُونَ بِٱللَّهِ لَكُمۡ لِيُرۡضُوكُمۡ وَٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥٓ أَحَقُّ أَن يُرۡضُوهُ إِن كَانُواْ مُؤۡمِنِينَ ٦٢
They swear by Allāh to you [Muslims] to satisfy you. But Allāh and His Messenger are more worthy for them to satisfy,1 if they were to be believers.
أَلَمۡ يَعۡلَمُوٓاْ أَنَّهُۥ مَن يُحَادِدِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ فَأَنَّ لَهُۥ نَارَ جَهَنَّمَ خَٰلِدٗا فِيهَاۚ ذَٰلِكَ ٱلۡخِزۡيُ ٱلۡعَظِيمُ ٦٣
Do they not know that whoever opposes Allāh and His Messenger - that for him is the fire of Hell, wherein he will abide eternally? That is the great disgrace.
يَحۡذَرُ ٱلۡمُنَٰفِقُونَ أَن تُنَزَّلَ عَلَيۡهِمۡ سُورَةٞ تُنَبِّئُهُم بِمَا فِي قُلُوبِهِمۡۚ قُلِ ٱسۡتَهۡزِءُوٓاْ إِنَّ ٱللَّهَ مُخۡرِجٞ مَّا تَحۡذَرُونَ ٦٤
The hypocrites are apprehensive lest a sūrah be revealed about them, informing them of1 what is in their hearts. Say, "Mock [as you wish]; indeed, Allāh will expose that which you fear."
وَلَئِن سَأَلۡتَهُمۡ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلۡعَبُۚ قُلۡ أَبِٱللَّهِ وَءَايَٰتِهِۦ وَرَسُولِهِۦ كُنتُمۡ تَسۡتَهۡزِءُونَ ٦٥
And if you ask them, they will surely say, "We were only conversing and playing." Say, "Is it Allāh and His verses and His Messenger that you were mocking?"
لَا تَعۡتَذِرُواْ قَدۡ كَفَرۡتُم بَعۡدَ إِيمَٰنِكُمۡۚ إِن نَّعۡفُ عَن طَآئِفَةٖ مِّنكُمۡ نُعَذِّبۡ طَآئِفَةَۢ بِأَنَّهُمۡ كَانُواْ مُجۡرِمِينَ ٦٦
Make no excuse; you have disbelieved [i.e., rejected faith] after your belief. If We pardon one faction of you - We will punish another faction because they were criminals.
قَوْلُهُ: ومِنهم هَذا نَوْعٌ آخَرُ بِما حَكاهُ اللَّهُ مِن فَضائِحِ المُنافِقِينَ وقَبائِحِهِمْ، وذَلِكَ أنَّهم كانُوا يَقُولُونَ لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - عَلى وجْهِ الطَّعْنِ والذَّمِّ هو أُذُنٌ.
قالَ الجَوْهَرِيُّ: يُقالُ رَجُلٌ أُذُنٌ: إذا كانَ يَسْمَعُ مَقالَ كُلِّ أحَدٍ، يَسْتَوِي فِيهِ الواحِدُ والجَمْعُ. ومُرادُهم - أقْمَأهُمُ اللَّهُ - أنَّهم إذا آذَوُا النَّبِيَّ وبَسَطُوا فِيهِ ألْسُنَهم، وبَلَغَهُ ذَلِكَ اعْتَذَرُوا لَهُ وقَبِلَ ذَلِكَ مِنهم، لِأنَّهُ يَسْمَعُ كُلَّ ما يُقالُ لَهُ فَيُصَدِّقُهُ، وإنَّما أطْلَقَتِ العَرَبُ عَلى مَن يَسْمَعُ ما يُقالُ لَهُ فَيُصَدِّقُهُ أنَّهُ أُذُنٌ مُبالَغَةً، لِأنَّهم سَمَّوْهُ بِالجارِحَةِ الَّتِي هي آلَةُ السَّماعِ، حَتّى كَأنَّ جُمْلَتَهُ أُذُنٌ سامِعَةٌ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهم لِلرَّبِيئَةِ: عَيْنٌ، وإيذاؤُهم لَهُ هو قَوْلُهم: ﴿هُوَ أُذُنٌ﴾ لِأنَّهم نَسَبُوهُ إلى أنَّهُ يُصَدِّقُ كُلَّ ما يُقالُ لَهُ ولا يُفَرِّقُ بَيْنَ الصَّحِيحِ والباطِلِ اغْتِرارًا مِنهم بِحِلْمِهِ عَنْهم وصَفْحِهِ عَنْ جِناياتِهِمْ كَرَمًا وحِلْمًا وتَغاضِيًا، ثُمَّ أجابَ اللَّهُ عَنْ قَوْلِهِمْ هَذا، فَقالَ: ﴿قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ﴾ بِالإضافَةِ عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ.
وقَرَأ الحَسَنُ بِالتَّنْوِينِ، وكَذا قَرَأ عاصِمٌ في رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ عَنْهُ، كَأنَّهُ قِيلَ: نَعَمْ هو أُذُنٌ، ولَكِنْ نِعْمَ الأُذُنُ هو لِكَوْنِهِ أُذُنُ خَيْرٍ لَكم ولَيْسَ بِأُذُنٍ في غَيْرِ ذَلِكَ، كَقَوْلِهِمْ رَجُلُ صِدْقٍ، يُرِيدُونَ الجَوْدَةَ والصَّلاحَ.
والمَعْنى أنَّهُ يَسْمَعُ الخَيْرَ ولا يَسْمَعُ الشَّرَّ.
وقُرِئَ " أُذْنُ " بِسُكُونِ الذّالِ وضَمِّها، ثُمَّ فَسَّرَ كَوْنَهُ أُذُنَ خَيْرٍ بِقَوْلِهِ: ﴿يُؤْمِنُ بِاللَّهِ ويُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ أيْ يُصَدِّقُ بِاللَّهِ ويُصَدِّقُ المُؤْمِنِينَ لِما عَلِمَ فِيهِمْ مِن خُلُوصِ الإيمانِ فَتَكُونُ اللّامُ في لِلْمُؤْمِنِينَ لِلتَّقْوِيَةِ، كَما قالَ الكُوفِيُّونَ، أوْ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، كَما قالَ المُبَرِّدُ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ ورَحْمَةٌ بِالرَّفْعِ عَطْفٌ عَلى ( أُذُنُ ) .
وقَرَأ حَمْزَةُ بِالخَفْضِ عَطْفًا عَلى ( خَيْرٍ ) .
والمَعْنى عَلى القِراءَةِ الأُولى: هو أنَّهُ أُذُنُ خَيْرٍ وأنَّهُ هو رَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ، وعَلى القِراءَةِ الثّانِيَةِ: أنَّهُ أُذُنُ خَيْرٍ وأُذُنُ رَحْمَةٍ.
قالَ النَّحّاسُ: وهَذا عِنْدَ أهْلِ العَرَبِيَّةِ بِعِيدٌ، يَعْنِي قِراءَةَ الجَرِّ لِأنَّهُ قَدْ تَباعَدَ بَيْنَ الِاسْمَيْنِ، وهَذا يَقْبُحُ في المَخْفُوضِ.
والمَعْنى: أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أُذُنُ خَيْرٍ لِلْمُنافِقِينَ ورَحْمَةٌ لَهم حَيْثُ لَمْ يَكْشِفْ أسْرارَهم ولا فَضَحَهم، فَكَأنَّهُ قالَ: هو أُذُنٌ كَما قُلْتُمْ لَكِنَّهُ أُذُنُ خَيْرٍ لَكم لا أُذُنَ سُوءٍ، فَسَلَّمَ لَهم قَوْلَهم فِيهِ إلّا أنَّهُ فَسَّرَهُ بِما هو مَدْحٌ لَهُ وثَناءٌ عَلَيْهِ، وإنْ كانُوا قَصَدُوا بِهِ المَذَمَّةَ والتَّقْصِيرَ بِفِطْنَتِهِ، ومَعْنى ( لِلَّذِينِ آمَنُوا مِنكم ) أيِ الَّذِينَ أظْهَرُوا الإيمانَ وإنْ لَمْ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ حَقِيقَةً ﴿والَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ﴾ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بِما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِهِمْ: هو أُذُنٌ ونَحْوِ ذَلِكَ مِمّا يَصْدُقُ عَلَيْهِ أنَّهُ أذِيَّةٌ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ﴿لَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ أيْ شَدِيدُ الألَمِ.
وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ " ورَحْمَةً لِلْمُؤْمِنِينَ " بِالنَّصْبِ عَلى أنَّها عِلَّةٌ لِمُعَلَّلٍ مَحْذُوفٍ: أيْ ورَحْمَةً لَكم يَأْذَنُ لَكم.
ثُمَّ ذَكَرَ أنَّ مِن قَبائِحِ المُنافِقِينَ إقْدامَهم عَلى الأيْمانِ الكاذِبَةِ، فَقالَ: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكم لِيُرْضُوكُمْ﴾ والخِطابُ لِلْمُؤْمِنِينَ.
وذَلِكَ أنَّ المُنافِقِينَ كانُوا في خِلْواتِهِمْ يَطْعَنُونَ عَلى المُؤْمِنِينَ وعَلى النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَإذا بَلَغَ ذَلِكَ إلى رَسُولِ اللَّهِ وإلى المُؤْمِنِينَ جاءَ المُنافِقُونَ فَحَلَفُوا عَلى أنَّهم لَمْ يَقُولُوا ما بُلِّغَ عَنْهم قاصِدِينَ بِهَذِهِ الأيْمانِ الكاذِبَةِ أنْ يُرْضُوا رَسُولَ اللَّهِ ومَن مَعَهُ مِنَ المُؤْمِنِينَ فَنَعى اللَّهُ ذَلِكَ عَنْهم، وقالَ: ﴿واللَّهُ ورَسُولُهُ أحَقُّ أنْ يُرْضُوهُ﴾ أيْ هُما أحَقُّ بِذَلِكَ مِن إرْضاءِ المُؤْمِنِينَ بِالأيْمانِ الكاذِبَةِ، فَإنَّهم لَوِ اتَّقَوُا اللَّهَ وآمَنُوا بِهِ وتَرَكُوا النِّفاقَ لَكانَ ذَلِكَ أوْلى لَهم، وإفْرادُ الضَّمِيرِ في يُرْضُوهُ إمّا لِلتَّعْظِيمِ لِلْجَنابِ الإلَهِيِّ بِإفْرادِهِ بِالذِّكْرِ أوْ لِكَوْنِهِ لا فَرْقَ بَيْنَ إرْضاءِ اللَّهِ وإرْضاءِ رَسُولِهِ، فَإرْضاءُ اللَّهِ إرْضاءٌ لِرَسُولِهِ، أوِ المُرادُ: اللَّهُ أحَقُّ أنْ يُرْضُوهُ ورَسُولُهُ كَذَلِكَ كَما قالَ سِيبَوَيْهِ، ورَجَّحَهُ النَّحّاسُ، أوْ لِأنَّ الضَّمِيرَ مَوْضُوعٌ مَوْضِعَ اسْمِ الإشارَةِ فَإنَّهُ يُشارُ بِهِ إلى الواحِدِ والمُتَعَدِّدِ، أوِ الضَّمِيرُ راجِعٌ إلى المَذْكُورِ، وهو يَصْدُقُ عَلَيْهِما.
وقالَ الفَرّاءُ: المَعْنى ورَسُولُهُ أحَقُّ أنْ يُرْضُوهُ، واللَّهُ افْتِتاحُ كَلامٍ كَما تَقُولُ ما شاءَ اللَّهُ وشِئْتَ، (p-٥٨٢)وهَذِهِ الجُمْلَةُ أعْنِي ﴿واللَّهُ ورَسُولُهُ أحَقُّ أنْ يُرْضُوهُ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، وجَوابُ ﴿إنْ كانُوا مُؤْمِنِينَ﴾ مَحْذُوفٌ: أيْ إنْ كانُوا مُؤْمِنِينَ فَلْيُرْضُوا اللَّهَ ورَسُولَهُ.
قَوْلُهُ: ﴿ألَمْ يَعْلَمُوا أنَّهُ مَن يُحادِدِ اللَّهَ ورَسُولَهُ فَأنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ﴾ .
قَرَأ الحَسَنُ وابْنُ هُرْمُزَ " ألَمْ تَعْلَمُوا " بِالفَوْقِيَّةِ، وقَرَأ الباقُونَ بِالتَّحْتِيَّةِ.
والمُحادَدَةُ وُقُوعُ هَذا في حَدٍّ، وذَلِكَ في حَدٍّ كالمُشاقَقَةِ: يُقالُ حادَّ فُلانٌ فُلانًا: أيْ صارَ في حَدِّ غَيْرِهِ حَدُّهُ ﴿فَأنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ﴾ .
قَرَأ الجُمْهُورُ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ: أيْ فَحُقَّ أنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ.
وقالَ الخَلِيلُ وسِيبَوَيْهِ: إنَّ ( أنَّ ) الثّانِيَةَ مُبْدَلَةٌ مِنَ الأُولى، وزَعَمَ المُبَرِّدُ أنَّ هَذا القَوْلَ مَرْدُودٌ، وأنَّ الصَّحِيحَ ما قالَ الجَرْمِيُّ: أنَّ الثّانِيَةَ مُكَرَّرَةٌ لِلتَّوْكِيدِ لَمّا طالَ الكَلامُ.
وقالَ الأخْفَشُ: المَعْنى فَوُجُوبُ النّارِ لَهُ، وأنْكَرَهُ المُبَرِّدُ وقالَ: هَذا خَطَأٌ مِن أجْلِ أنَّ ( أنَّ ) المَفْتُوحَةَ المُشَدَّدَةَ لا يُبْتَدَأُ بِها ويُضْمَرُ الخَبَرُ.
وقُرِئَ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ.
قالَ سِيبَوَيْهِ، وهي قِراءَةٌ جَيِّدَةٌ، وأنْشَدَ:
؎وإنِّي إذا مَلَّتْ رِكابِي مُناخَها فَإنِّي عَلى حَظِّي مِنَ الأمْرِ جامِحُ
وانْتِصابُ ( خالِدًا ) عَلى الحالِ، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ذَلِكَ إلى ما ذُكِرَ مِنَ العَذابِ، وهو مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ ﴿الخِزْيُ العَظِيمُ﴾ أيِ الخِزْيُ البالِغُ إلى الغايَةِ الَّتِي لا يَبْلُغُ إلَيْها غَيْرُهُ، وهو الذُّلُّ والهَوانُ.
قَوْلُهُ: ﴿يَحْذَرُ المُنافِقُونَ أنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ﴾ قِيلَ: هو خَبَرٌ ولَيْسَ بِأمْرٍ.
وقالَ الزَّجّاجُ: مَعْناهُ لِيَحْذَرِ.
فالمَعْنى عَلى القَوْلِ الأوَّلِ: أنَّ المُنافِقِينَ كانُوا يَحْذَرُونَ نُزُولَ القُرْآنِ فِيهِمْ، وعَلى الثّانِي: الأمْرُ لَهم بِأنْ يَحْذَرُوا ذَلِكَ، وأنْ تُنَزَّلَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ: أيْ مِن أنْ تُنَزَّلَ، ويَجُوزُ عَلى قَوْلِ سِيبَوَيْهِ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ خَفْضٍ عَلى تَقْدِيرِ مِن وإعْمالِها، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ النَّصْبُ عَلى المَفْعُولَيْنِ.
وقَدْ أجازَ سِيبَوَيْهِ حَذَرْتُ زَيْدًا، وأنْشَدَ:
؎حَذِرٌ أُمُورًا لا تَضِيرُ وآمِنٌ ∗∗∗ ما لَيْسَ يُنْجِيهِ مِنَ الأقْدارِ
ومَنَعَ مِنَ النَّصْبِ عَلى المَفْعُولِيَّةِ المُبَرِّدُ.
ومَعْنى عَلَيْهِمْ أيْ عَلى المُؤْمِنِينَ في شَأْنِ المُنافِقِينَ، عَلى أنَّ الضَّمِيرَ لِلْمُؤْمِنِينَ، والأوْلى أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ لِلْمُنافِقِينَ: أيْ في شَأْنِهِمْ ( تُنَبِّئُهم ) أيِ المُنافِقِينَ ﴿بِما في قُلُوبِهِمْ﴾ مِمّا يُسِرُّونَهُ فَضُلًا عَمّا يُظْهِرُونَهُ، وهم وإنْ كانُوا عالِمِينَ بِما في قُلُوبِهِمْ، فالمُرادُ مِن إنْباءِ السُّورَةِ لَهم إطْلاعُهم عَلى أنَّ المُؤْمِنِينَ قَدْ عَلِمُوا بِما في قُلُوبِهِمْ، ثُمَّ أمَرَ اللَّهُ رَسُولَهُ بِأنْ يُجِيبَ عَلَيْهِمْ، فَقالَ: ﴿قُلِ اسْتَهْزِئُوا إنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ ما تَحْذَرُونَ﴾ هو أمْرُ تَهْدِيدٍ: أيِ افْعَلُوا الِاسْتِهْزاءَ إنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ ما تَحْذَرُونَ مِن ظُهُورِهِ حَتّى يَطَّلِعَ عَلَيْهِ المُؤْمِنُونَ، إمّا بِإنْزالِ سُورَةٍ، أوْ بِإخْبارِ رَسُولِهِ بِذَلِكَ أوْ نَحْوِ ذَلِكَ.
قَوْلُهُ: ﴿ولَئِنْ سَألْتَهم لَيَقُولُنَّ إنَّما كُنّا نَخُوضُ ونَلْعَبُ﴾ أيْ ولَئِنْ سَألْتَهم عَمّا قالُوهُ مِنَ الطَّعْنِ في الدِّينِ وثَلْبِ المُؤْمِنِينَ بَعْدَ أنْ يَبْلُغَ إلَيْكَ ذَلِكَ ويُطْلِعَكَ اللَّهُ عَلَيْهِ لِيَقُولُنَّ إنَّما كُنّا نَخُوضُ ونَلْعَبُ، ولَمْ نَكُنْ في شَيْءٍ مِن أمْرِكَ ولا أمْرِ المُؤْمِنِينَ.
ثُمَّ أمَرَهُ اللَّهُ أنْ يُجِيبَ عَنْهم فَقالَ: ﴿قُلْ أبِاللَّهِ وآياتِهِ ورَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ﴾ والِاسْتِفْهامُ لِلتَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ، وأثْبَتَ وُقُوعَ ذَلِكَ مِنهم ولَمْ يَعْبَأْ بِإنْكارِهِمْ، لِأنَّهم كانُوا كاذِبِينَ في الإنْكارِ، بَلْ جَعَلَهم كالمُعْتَرِفِينَ بِوُقُوعِ ذَلِكَ مِنهم حَيْثُ جَعَلَ المُسْتَهْزَأ بِهِ، والباءَ لِحَرْفِ النَّفْيِ، فَإنَّ ذَلِكَ إنَّما يَكُونُ بَعْدَ وُقُوعِ الِاسْتِهْزاءِ وثُبُوتِهِ.
ثُمَّ قالَ: ﴿لا تَعْتَذِرُوا﴾ نَهْيًا لَهم عَنِ الِاشْتِغالِ بِالِاعْتِذاراتِ الباطِلَةِ، فَإنَّ ذَلِكَ غَيْرُ مَقْبُولٍ مِنهم.
وقَدْ نَقَلَ الواحِدِيُّ عَنْ أئِمَّةِ اللُّغَةِ أنَّ مَعْنى الِاعْتِذارِ مَحْوُ أثَرِ الذَّنْبِ وقَطْعُهُ، مِن قَوْلِهِمُ اعْتَذَرَ المَنزِلُ إذا دَرَسَ، واعْتَذَرَتِ المِياهُ إذا انْقَطَعَتْ ﴿قَدْ كَفَرْتُمْ﴾ أيْ أظْهَرْتُمُ الكُفْرَ بِما وقَعَ مِنكم مِنَ الِاسْتِهْزاءِ المَذْكُورِ ﴿بَعْدَ إيمانِكُمْ﴾ أيْ بَعْدِ إظْهارِكُمُ الإيمانَ مَعَ كَوْنِكم تُبْطِنُونَ الكُفْرَ ﴿إنْ نَعْفُ عَنْ طائِفَةٍ مِنكُمْ﴾ وهم مَن أخْلَصَ الإيمانَ وتَرَكَ النِّفاقَ وتابَ عَنْهُ.
قالَ الزَّجّاجُ: الطّائِفَةُ في اللُّغَةِ الجَماعَةُ.
قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: ويُطْلَقُ لَفْظُ الجَمْعِ عَلى الواحِدِ عِنْدَ العَرَبِ ﴿نُعَذِّبْ طائِفَةً﴾ بِسَبَبِ ﴿بِأنَّهم كانُوا مُجْرِمِينَ﴾ مُصِرِّينَ عَلى النِّفاقِ لَمْ يَتُوبُوا مِنهُ، قُرِئَ " نُعَذِّبْ " بِالنُّونِ، وبِالتّاءِ الفَوْقِيَّةِ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ وبِالتَّحْتِيَّةِ عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ وهو اللَّهُ سُبْحانَهُ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: كانَ نَبْتَلُ بْنُ الحارِثِ يَأْتِي رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَيَجْلِسُ إلَيْهِ فَيَسْمَعُ مِنهُ، ثُمَّ يَنْقُلُ حَدِيثَهُ إلى المُنافِقِينَ، وهو الَّذِي قالَ لَهم: إنَّما مُحَمَّدٌ أُذُنٌ، مَن حَدَّثَهُ بِشَيْءٍ صَدَّقَهُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ: ﴿ومِنهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ ويَقُولُونَ هو أُذُنٌ﴾ الآيَةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ السُّدِّيِّ، قالَ: اجْتَمَعَ ناسٌ مِنَ المُنافِقِينَ فِيهِمْ خِلاسُ بْنُ سُوَيْدِ بْنِ صامِتٍ ومَخْشِيُّ بْنُ حِمْيَرٍ ووَدِيعَةُ بْنُ ثابِتٍ، فَأرادُوا أنْ يَقَعُوا في النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَنَهى بَعْضُهم بَعْضًا وقالُوا: إنّا نَخافُ أنْ يُبْلُغَ مُحَمَّدًا فَيَقَعَ بِكم، فَقالَ بَعْضُهم: إنَّما مُحَمَّدٌ أُذُنٌ نَحْلِفُ لَهُ فَيُصَدِّقُنا، فَنَزَلَ: ﴿ومِنهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ﴾ الآيَةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿هُوَ أُذُنٌ﴾ يَعْنِي أنَّهُ يَسْمَعُ مِن كُلِّ أحَدٍ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿أُذُنُ خَيْرٍ لَكم يُؤْمِنُ بِاللَّهِ ويُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ يَعْنِي: يُصَدِّقُ بِاللَّهِ ويُصَدِّقُ المُؤْمِنِينَ.
وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ وابْنُ عَساكِرَ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ عُمَيْرِ بْنِ سَعْدٍ قالَ: فِيَّ أُنْزِلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ﴿ويَقُولُونَ هو أُذُنٌ﴾ وذَلِكَ أنَّ عُمَيْرَ بْنَ سَعْدٍ كانَ يَسْمَعُ أحادِيثَ أهْلِ المَدِينَةِ، فَيَأْتِي النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَيُسارُّهُ حَتّى كانُوا يَتَأذَّوْنَ بِعُمَيْرِ بْنِ سَعْدٍ وكَرِهُوا مُجالَسَتَهُ، وقالَ: ﴿هُوَ أُذُنٌ﴾ فَأُنْزِلَ فِيهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ، قالَ: «ذُكِرَ لَنا أنَّ رَجُلًا مِنَ المُنافِقِينَ قالَ: واللَّهِ إنَّ هَؤُلاءِ لَخِيارُنا وأشْرافُنا، ولَئِنْ كانَ ما يَقُولُ مُحَمَّدٌ حَقًّا لَهم شَرٌّ مِنَ الحَمِيرِ، فَسَمِعَها رَجُلٌ مِنَ المُسْلِمِينَ فَقالَ: واللَّهِ إنَّ ما يَقُولُ مُحَمَّدٌ لَحَقٌّ ولَأنْتَ شَرٌّ مِنَ الحِمارِ، فَسَعى بِها الرَّجُلُ إلى نَبِيِّ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَأخْبَرَهُ، فَأرْسَلَ (p-٥٨٣)إلى الرَّجُلِ فَدَعاهُ فَقالَ: ما حَمَلَكَ عَلى الَّذِي قُلْتَ ؟ فَجَعَلَ يَلْتَعِنُ ويَحْلِفُ بِاللَّهِ ما قالَ ذَلِكَ، وجَعَلَ الرَّجُلُ المُسْلِمُ يَقُولُ: اللَّهُمَّ صَدِّقِ الصّادِقَ وكَذِّبِ الكاذِبَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ في ذَلِكَ: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكم لِيُرْضُوكُمْ﴾ الآيَةَ» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ السُّدِّيِّ، مِثْلَهُ، وسَمّى الرَّجُلَ المُسْلِمَ عامِرَ بْنَ قَيْسٍ مِنَ الأنْصارِ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنِ الضَّحّاكِ، ﴿ألَمْ يَعْلَمُوا أنَّهُ مَن يُحادِدِ اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ يَقُولُ: يُعادِي اللَّهَ ورَسُولَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿يَحْذَرُ المُنافِقُونَ﴾ الآيَةَ قالَ: يَقُولُونَ القَوْلَ فِيما بَيْنَهم، ثُمَّ يَقُولُونَ عَسى اللَّهُ أنْ لا يُفْشِيَ عَلَيْنا هَذا.
وأخْرَجَ أبُو نُعَيْمٍ في الحِلْيَةِ عَنْ شُرَيْحِ بْنِ عُبَيْدٍ «أنَّ رَجُلًا قالَ لِأبِي الدَّرْداءِ: يا مَعْشَرَ القُرّاءِ ما بالُكم أجْبَنُ مِنّا وأبْخَلُ إذا سُئِلْتُمْ، وأعْظَمُ لَقْمًا إذا أكَلْتُمْ ؟ فَأعْرَضَ عَنْهُ أبُو الدَّرْداءِ ولَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ بِشَيْءٍ، فَأخْبَرَ بِذَلِكَ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ، فانْطَلَقَ عُمَرُ إلى الرَّجُلِ الَّذِي قالَ ذَلِكَ، فَقالَ بِثَوْبِهِ وخَنَقَهُ وقادَهُ إلى النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، فَقالَ الرَّجُلُ: إنَّما كُنّا نَخُوضُ ونَلْعَبُ، فَأوْحى اللَّهُ إلى نَبِيِّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ﴿ولَئِنْ سَألْتَهم لَيَقُولُنَّ إنَّما كُنّا نَخُوضُ ونَلْعَبُ﴾» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قالَ: «قالَ رَجُلٌ في غَزْوَةِ تَبُوكَ في مَجْلِسٍ يَوْمًا: ما رَأيْنا مِثْلَ قُرّائِنا هَؤُلاءِ، لا أرْغَبَ بُطُونًا، ولا أكْذَبَ ألْسِنَةً، ولا أجْبَنَ عِنْدَ اللِّقاءِ، فَقالَ رَجُلٌ في المَجْلِسِ: كَذَبْتَ ولَكِنَّكَ مُنافِقٌ، لَأُخْبِرَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ونَزَلَ القُرْآنُ، قالَ عَبْدُ اللَّهِ: فَأنا رَأيْتُهُ مُتَعَلِّقًا بِحَقَبِ ناقَةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - والحِجارَةُ تَنْكُبُهُ وهو يَقُولُ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنَّما كُنّا نَخُوضُ ونَلْعَبُ، والنَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَقُولُ: ﴿أبِاللَّهِ وآياتِهِ ورَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ﴾» .
المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والعُقَيْلِيُّ في الضُّعَفاءِ وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والخَطِيبُ في رِوايَةِ مالِكٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، فَقالَ: «رَأيْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ وهو يَشْتَدُّ قُدّامَ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - والأحْجارُ تَنْكُبُهُ وهو يَقُولُ: يا مُحَمَّدُ إنَّما كُنّا نَخُوضُ ونَلْعَبُ، والنَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَقُولُ: ﴿أبِاللَّهِ وآياتِهِ ورَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ﴾» .
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ، في الآيَةِ قالَ: «بَيْنَما رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - في غَزْوِهِ إلى تَبُوكَ وبَيْنَ يَدَيْهِ أُناسٌ مِنَ المُنافِقِينَ، فَقالُوا: أيَرْجُو هَذا الرَّجُلُ أنْ تُفْتَحَ لَهُ قُصُورُ الشّامِ وحُصُونُها ؟ هَيْهاتَ هَيْهاتَ، فَأطْلَعَ اللَّهُ نَبِيَّهُ عَلى ذَلِكَ، فَقالَ نَبِيُّ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: احْبِسُوا عَلَيَّ هَؤُلاءِ الرَّكْبَ، فَأتاهم فَقالَ: قُلْتُمْ كَذا، قالُوا: يا نَبِيَّ اللَّهِ إنَّما كُنّا نَخُوضُ ونَلْعَبُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ فِيهِمْ ما تَسْمَعُونَ» .
وقَدْ رُوِيَ نَحْوُ هَذا مِن طُرُقٍ عَنْ جَماعَةٍ مِنَ الصَّحابَةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿إنْ نَعْفُ عَنْ طائِفَةٍ﴾ قالَ: الطّائِفَةُ الرَّجُلُ والنَّفَرُ.
9:67–70Page 197
ٱلۡمُنَٰفِقُونَ وَٱلۡمُنَٰفِقَٰتُ بَعۡضُهُم مِّنۢ بَعۡضٖۚ يَأۡمُرُونَ بِٱلۡمُنكَرِ وَيَنۡهَوۡنَ عَنِ ٱلۡمَعۡرُوفِ وَيَقۡبِضُونَ أَيۡدِيَهُمۡۚ نَسُواْ ٱللَّهَ فَنَسِيَهُمۡۚ إِنَّ ٱلۡمُنَٰفِقِينَ هُمُ ٱلۡفَٰسِقُونَ ٦٧
The hypocrite men and hypocrite women are of one another. They enjoin what is wrong and forbid what is right and close their hands.1 They have forgotten Allāh, so He has forgotten them [accordingly]. Indeed, the hypocrites - it is they who are the defiantly disobedient.
وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلۡمُنَٰفِقِينَ وَٱلۡمُنَٰفِقَٰتِ وَٱلۡكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَٰلِدِينَ فِيهَاۚ هِيَ حَسۡبُهُمۡۚ وَلَعَنَهُمُ ٱللَّهُۖ وَلَهُمۡ عَذَابٞ مُّقِيمٞ ٦٨
Allāh has promised the hypocrite men and hypocrite women and the disbelievers the fire of Hell, wherein they will abide eternally. It is sufficient for them. And Allāh has cursed them, and for them is an enduring punishment.
كَٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِكُمۡ كَانُوٓاْ أَشَدَّ مِنكُمۡ قُوَّةٗ وَأَكۡثَرَ أَمۡوَٰلٗا وَأَوۡلَٰدٗا فَٱسۡتَمۡتَعُواْ بِخَلَٰقِهِمۡ فَٱسۡتَمۡتَعۡتُم بِخَلَٰقِكُمۡ كَمَا ٱسۡتَمۡتَعَ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِكُم بِخَلَٰقِهِمۡ وَخُضۡتُمۡ كَٱلَّذِي خَاضُوٓاْۚ أُوْلَٰٓئِكَ حَبِطَتۡ أَعۡمَٰلُهُمۡ فِي ٱلدُّنۡيَا وَٱلۡأٓخِرَةِۖ وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡخَٰسِرُونَ ٦٩
[You disbelievers are] like those before you; they were stronger than you in power and more abundant in wealth and children. They enjoyed their portion [of worldly enjoyment], and you have enjoyed your portion as those before you enjoyed their portion, and you have engaged [in vanities] like that in which they engaged. [It is] those whose deeds have become worthless in this world and in the Hereafter, and it is they who are the losers.
أَلَمۡ يَأۡتِهِمۡ نَبَأُ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡ قَوۡمِ نُوحٖ وَعَادٖ وَثَمُودَ وَقَوۡمِ إِبۡرَٰهِيمَ وَأَصۡحَٰبِ مَدۡيَنَ وَٱلۡمُؤۡتَفِكَٰتِۚ أَتَتۡهُمۡ رُسُلُهُم بِٱلۡبَيِّنَٰتِۖ فَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيَظۡلِمَهُمۡ وَلَٰكِن كَانُوٓاْ أَنفُسَهُمۡ يَظۡلِمُونَ ٧٠
Has there not reached them the news of those before them - the people of Noah and [the tribes of] ʿAad and Thamūd and the people of Abraham and the companions [i.e., dwellers] of Madyan and the towns overturned?1 Their messengers came to them with clear proofs. And Allāh would never have wronged them, but they were wronging themselves.
قَوْلُهُ: ﴿المُنافِقُونَ والمُنافِقاتُ بَعْضُهم مِن بَعْضٍ﴾ ذَكَرَ هاهُنا جُمْلَةَ أحْوالِ المُنافِقِينَ، وأنَّ ذُكُورَهم في ذَلِكَ كَإناثِهِمْ، وأنَّهم مُتَناهَوْنَ في النِّفاقِ والبُعْدِ عَنِ الإيمانِ، وفِيهِ إشارَةٌ إلى نَفْيِ أنْ يَكُونُوا مِنَ المُؤْمِنِينَ، ورَدٌّ لِقَوْلِهِمْ: ﴿ويَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إنَّهم لَمِنكُمْ﴾ [التوبة: ٥٦]، ثُمَّ فَصَّلَ ذَلِكَ المُجْمَلَ بِبَيانِ مُضادَّةِ حالِهِمْ لِحالِ المُنافِقِينَ فَقالَ: ﴿يَأْمُرُونَ بِالمُنْكَرِ﴾ وهو كُلُّ قَبِيحٍ عَقْلًا أوْ شَرْعًا ﴿ويَنْهَوْنَ عَنِ المَعْرُوفِ﴾ وهو كُلُّ حَسَنٍ عَقْلًا أوْ شَرْعًا.
قالَ الزَّجّاجُ: هَذا مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ: ﴿ويَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إنَّهم لَمِنكم وما هم مِنكم﴾ [التوبة: ٥٦] أيْ لَيْسُوا مِنَ المُؤْمِنِينَ، ولَكِنْ بَعْضُهم مِن بَعْضٍ: أيْ مُتَشابِهُونَ في الأمْرِ بِالمُنْكَرِ والنَّهْيِ عَنِ المَعْرُوفِ ﴿ويَقْبِضُونَ أيْدِيَهُمْ﴾ أيْ يَشِحُّونَ فِيما يَنْبَغِي إخْراجُهُ مِنَ المالِ في الصَّدَقَةِ والصِّلَةِ والجِهادِ، فالقَبْضُ كِنايَةٌ عَنِ الشُّحِّ، كَما أنَّ البَسْطَ كِنايَةٌ عَنِ الكَرَمِ.
والنِّسْيانُ التَّرْكُ: أيْ تَرَكُوا ما أمَرَهم بِهِ، فَتَرَكَهم مِن رَحْمَتِهِ وفَضْلِهِ، لِأنَّ النِّسْيانَ الحَقِيقِيَّ لا يَصِحُّ إطْلاقُهُ عَلى اللَّهِ سُبْحانَهُ، وإنَّما أُطْلِقَ عَلَيْهِ هُنا مِن بابِ المُشاكَلَةِ المَعْرُوفَةِ في عِلْمِ البَيانِ، ثُمَّ حَكَمَ عَلَيْهِمْ بِالفِسْقِ: أيِ الخُرُوجِ عَنْ طاعَةِ اللَّهِ إلى مَعاصِيهِ، وهَذا التَّرْكِيبُ يُفِيدُ أنَّهم هُمُ الكامِلُونَ في الفِسْقِ.
ثُمَّ بَيَّنَ مَآلَ حالِ أهْلِ النِّفاقِ والكُفْرِ بِأنَّهُ نارُ جَهَنَّمَ، و( خالِدِينَ فِيها ) حالٌ مُقَدَّرَةٌ: أيْ مُقَدِّرِينَ الخُلُودَ، وفي هَذِهِ الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ ( وعَدَ ) يُقالُ في الشَّرِّ كَما يُقالُ في الخَيْرِ: ﴿هِيَ حَسْبُهُمْ﴾ أيْ كافِيَتُهم لا يَحْتاجُونَ إلى زِيادَةٍ عَلى عَذابِها، ومَعَ ذَلِكَ فَقَدْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ أيْ طَرَدَهم وأبْعَدَهم مِن رَحْمَتِهِ ( ولَهم عَذابٌ مُقِيمٌ ) أيْ نَوْعٌ آخَرُ مِنَ العَذابِ دائِمٌ لا يَنْفَكُّ عَنْهم.
قَوْلُهُ: ﴿كالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ شَبَّهَ حالَ المُنافِقِينَ بِالكُفّارِ الَّذِينَ كانُوا مِن قَبْلِهِمْ مُلْتَفِتًا مِنَ الغَيْبَةِ إلى الخِطابِ، والكافُ مَحَلُّها رَفْعٌ عَلى خَبَرِيَّةِ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ: أيْ أنْتُمْ مِثْلُ الَّذِينَ مِن قَبْلِكم، أوْ مَحَلُّها نَصْبٌ: أيْ فَعَلْتُمْ مِثْلَ فِعْلِ الَّذِينَ مِن قَبْلِكم مِنَ الأُمَمِ.
وقالَ الزَّجّاجُ: التَّقْدِيرُ وعَدَ اللَّهُ الكُفّارَ نارَ جَهَنَّمَ وعْدًا كَما وعَدَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكم، وقِيلَ: المَعْنى: فَعَلْتُمْ كَأفْعالِ الَّذِينَ مِن قَبْلِكم في تَرْكِ الأمْرِ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ، فَحُذِفَ المُضافُ.
ثُمَّ وصَفَ حالَ أُولَئِكَ الكُفّارِ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ، وبَيَّنَ وجْهَ تَشْبِيهِهِمْ بِهِمْ وتَمْثِيلِ حالِهِمْ بِحالِهِمْ بِأنَّهم كانُوا أشَدَّ مِن هَؤُلاءِ المُنافِقِينَ والكُفّارِ المُعاصِرِينَ لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ﴿قُوَّةً وأكْثَرَ أمْوالًا وأوْلادًا فاسْتَمْتَعُوا﴾ أيْ تَمَتَّعُوا ﴿بِخَلاقِهِمْ﴾ أيْ نَصِيبِهِمُ الَّذِي قَدَّرَهُ اللَّهُ لَهم مِن مَلاذِّ الدُّنْيا ﴿فاسْتَمْتَعْتُمْ﴾ أنْتُمْ ﴿بِخَلاقِكُمْ﴾ (p-٥٨٤)أيْ نَصِيبِكُمُ الَّذِي قَدَّرَهُ اللَّهُ لَكم ﴿كَما اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكم بِخَلاقِهِمْ﴾ أيِ انْتَفَعْتُمْ بِهِ كَما انْتَفَعُوا بِهِ، والغَرَضُ مِن هَذا التَّمْثِيلِ ذَمُّ هَؤُلاءِ المُنافِقِينَ والكُفّارِ بِسَبَبِ مُشابِهَتِهِمْ لِمَن قَبْلَهم مِنَ الكُفّارِ في الِاسْتِمْتاعِ بِما رَزَقَهُمُ اللَّهُ.
وقَدْ قِيلَ: ما فائِدَةُ ذِكْرِ الِاسْتِمْتاعِ بِالخَلاقِ في حَقِّ الأوَّلِينَ مَرَّةً، ثُمَّ في حَقِّ المُنافِقِينَ ثانِيًا، ثُمَّ تَكْرِيرِهِ في حَقِّ الأوَّلِينَ ثالِثًا ؟ وأُجِيبَ: بِأنَّهُ تَعالى ذَمَّ الأوَّلِينَ بِالِاسْتِمْتاعِ بِما أُوتُوا مِن حُظُوظِ الدُّنْيا، وحِرْمانِهِمْ عَنْ سَعادَةِ الآخِرَةِ بِسَبَبِ اسْتِغْراقِهِمْ في تِلْكَ الحُظُوظِ، فَلَمّا قَرَّرَ تَعالى هَذا عادَ فَشَبَّهَ حالَ المُنافِقِينَ بِحالِهِمْ، فَيَكُونُ ذَلِكَ نِهايَةً في المُبالَغَةِ.
قَوْلُهُ: ﴿وخُضْتُمْ كالَّذِي خاضُوا﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ما قَبْلَهُ: أيْ كالفَوْجِ الَّذِي خاضُوا، أوْ كالخَوْضِ الَّذِي خاضُوا، وقِيلَ: أصْلُهُ كالَّذِينِ فَحُذِفَتِ النُّونُ، والأوْلى أنْ يُقالَ: إنَّ ( الَّذِي ) اسْمٌ مَوْصُولٌ مِثْلَ مَن وما، يُعَبَّرُ بِهِ عَنِ الواحِدِ والجَمْعِ، يُقالُ: خُضْتُ الماءَ أخُوضُهُ خَوْضًا وخِياضًا، والمَوْضِعُ مَخاضَةٌ، وهو ما جازَ النّاسُ فِيهِ مُشاةً ورُكْبانًا، وجَمْعُها المَخاضُ والمَخاوِضُ، ويُقالُ: مِنهُ خاضَ القَوْمُ في الحَدِيثِ، وتَخاوَضُوا فِيهِ أيْ: تَفاوَضُوا فِيهِ، والمَعْنى: خُضْتُمْ في أسْبابِ الدُّنْيا واللَّهْوِ اللَّعِبِ، وقِيلَ: في أمْرِمُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بِالتَّكْذِيبِ: أيْ دَخَلْتُمْ في ذَلِكَ، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: أُولَئِكَ إلى المُتَّصِفِينَ بِهَذِهِ الأوْصافِ مِنَ المُشَبَّهِينَ، والمُشَبَّهِ بِهِمْ حَبِطَتْ أعْمالُهم أيْ بَطَلَتْ، والمُرادُ بِالأعْمالِ ما عَمِلُوهُ مِمّا هو في صُورَةِ طاعَةٍ، لا هَذِهِ الأعْمالُ المَذْكُورَةُ هُنا فَإنَّها مِنَ المَعاصِي، ومَعْنى في الدُّنْيا والآخِرَةِ أنَّها باطِلَةٌ عَلى كُلِّ حالٍ: أمّا بُطْلانُها في الدُّنْيا فَلِأنَّ ما يَتَرَتَّبُ عَلى أعْمالِهِمْ فِيها لا يَحْصُلُ لَهم بَلْ يَصِيرُ ما يَرْجُونَهُ مِنَ الغِنى فَقْرًا، ومِنَ العِزِّ ذُلًّا، ومِنَ القُوَّةِ ضَعْفًا، وأمّا في الآخِرَةِ فَلِأنَّهم يَصِيرُونَ إلى عَذابِ النّارِ ولا يَنْتَفِعُونَ بِشَيْءٍ مِمّا عَمِلُوهُ مِنَ الأعْمالِ الَّتِي يَظُنُّونَها طاعَةً وقُرْبَةً ( ﴿وأُولَئِكَ هُمُ الخاسِرُونَ﴾ ) أيِ المُتَمَكِّنُونَ في الخُسْرانِ الكامِلُونَ فِيهِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ.
( ﴿ألَمْ يَأْتِهِمْ﴾ ) أيِ المُنافِقِينَ ( ﴿نَبَأُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ ) أيْ خَبَرُهُمُ الَّذِي لَهُ شَأْنٌ، وهو ما فَعَلُوهُ وما فُعِلَ بِهِمْ، ولَمّا شَبَّهَ حالَهم بِحالِهِمْ فِيما سَلَفَ عَنِ الإجْمالِ في المُشَبَّهِ بِهِمْ ذَكَرَ مِنهم هاهُنا سِتَّ طَوائِفَ قَدْ سَمِعَ العَرَبُ أخْبارَهم، لِأنَّ بِلادَهم وهي الشّامُ قَرِيبَةٌ مِن بِلادِ العَرَبِ، فالِاسْتِفْهامُ لِلتَّقْرِيرِ، وأوَّلُهم: قَوْمُ نُوحٍ وقَدْ أُهْلِكُوا بِالإغْراقِ، وثانِيهِمْ: قَوْمُ عادٍ وقَدْ أُهْلِكُوا بِالرِّيحِ العَقِيمِ، وثالِثُهم: قَوْمُ ثَمُودَ وقَدْ أُخِذُوا بِالصَّيْحَةِ، ورابِعُهم: قَوْمُ إبْراهِيمَ وقَدْ سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ البَعُوضَ، وخامِسُهم: أصْحابُ مَدْيَنَ وهم قَوْمُ شُعَيْبٍ وقَدْ أخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ، وسادِسُهم: أصْحابُ المُؤْتَفِكاتِ وهي قُرى قَوْمِ لُوطٍ وقَدْ أهْلَكَهُمُ اللَّهُ بِما أمْطَرَ عَلَيْهِمْ مِنَ الحِجارَةِ، وسُمِّيَتْ مُؤْتَفِكاتٍ لِأنَّها انْقَلَبَتْ بِهِمْ حَتّى صارَ عالِيها سافِلَها، والِائْتِفاكُ الِانْقِلابُ ﴿أتَتْهم رُسُلُهم بِالبَيِّناتِ﴾ أيْ رُسُلُ هَذِهِ الطَّوائِفِ السِّتِّ، وقِيلَ: رُسُلُ أصْحابِ المُؤْتَفِكاتِ لِأنَّ رَسُولَهم لُوطٌ وقَدْ بَعَثَ إلى كُلِّ قَرْيَةٍ مِن قُراهم رَسُولًا، والفاءُ في ﴿فَما كانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ﴾ لِلْعَطْفِ عَلى مُقَدَّرٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ الكَلامُ: أيْ فَكَذَّبُوهم فَأهْلَكَهُمُ اللَّهُ فَما ظَلَمَهم بِذَلِكَ، لِأنَّهُ قَدْ بَعَثَ إلَيْهِمْ رُسُلَهُ فَأنْذَرُوهم وحَذَّرُوهم ﴿ولَكِنْ كانُوا أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ﴾ بِسَبَبِ ما فَعَلُوهُ مِنَ الكُفْرِ بِاللَّهِ وعَدَمِ الِانْقِيادِ لِأنْبِيائِهِ، وهَذا التَّرْكِيبُ يَدُلُّ عَلى أنَّ ظُلْمَهم لِأنْفُسِهِمْ كانَ مُسْتَمِرًّا.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿يَأْمُرُونَ بِالمُنْكَرِ﴾ قالَ: هو التَّكْذِيبُ، قالَ: وهو أنْكَرُ المُنْكَرِ ﴿ويَنْهَوْنَ عَنِ المَعْرُوفِ﴾ شَهادَةِ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ والإقْرارِ بِما أنْزَلَ اللَّهُ، وهو أعْظَمُ المَعْرُوفِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿ويَقْبِضُونَ أيْدِيَهم﴾ قالَ: لا يَبْسُطُونَها بِنَفَقَةٍ في حَقٍّ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهم﴾ قالَ: تَرَكُوا اللَّهَ فَتَرَكَهم مِن كَرامَتِهِ وثَوابِهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ، في قَوْلِهِ: ﴿كالَّذِينَ مِن قَبْلِكم﴾ قالَ: صَنِيعُ الكُفّارِ كالكُفّارِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: ما أشْبَهَ اللَّيْلَةَ بِالبارِحَةِ ﴿كالَّذِينَ مِن قَبْلِكم كانُوا أشَدَّ مِنكم قُوَّةً﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿وخُضْتُمْ كالَّذِي خاضُوا﴾ هَؤُلاءِ بَنُو إسْرائِيلَ أشْبَهْناهم، والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَنَتَّبِعَنَّهم حَتّى لَوْ دَخَلَ رَجُلٌ جُحْرَ ضَبٍّ لَدَخَلْتُمُوهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿بِخَلاقِهِمْ﴾ قالَ: بِدِينِهِمْ.
وأخْرَجا أيْضًا عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ الخَلاقُ: الدِّينُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ السُّدِّيِّ، في قَوْلِهِ: ﴿فاسْتَمْتَعُوا بِخَلاقِهِمْ﴾ قالَ: بِنَصِيبِهِمْ في الدُّنْيا.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ قَتادَةَ، في قَوْلِهِ: ﴿وخُضْتُمْ كالَّذِي خاضُوا﴾ قالَ: لَعِبْتُمْ كالَّذِي لَعِبُوا.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ، في قَوْلِهِ: ﴿والمُؤْتَفِكاتِ﴾ قالَ: قَوْمُ لُوطٍ ائْتَفَكَتْ بِهِمْ أرْضُهم، فَجُعِلَ عالِيها سافِلَها.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences