Ash-ShawkaniAt‑Tawbah · 9:80–90

Ash-Shawkani · Tafsir · in Arabic

At-Tawbah 9:80–90

9:80–83Page 200

ٱسۡتَغۡفِرۡ لَهُمۡ أَوۡ لَا تَسۡتَغۡفِرۡ لَهُمۡ إِن تَسۡتَغۡفِرۡ لَهُمۡ سَبۡعِينَ مَرَّةٗ فَلَن يَغۡفِرَ ٱللَّهُ لَهُمۡۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمۡ كَفَرُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦۗ وَٱللَّهُ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلۡفَٰسِقِينَ ٨٠

Ask forgiveness for them, [O Muḥammad], or do not ask forgiveness for them. If you should ask forgiveness for them seventy times - never will Allāh forgive them. That is because they disbelieved in Allāh and His Messenger, and Allāh does not guide the defiantly disobedient people.

فَرِحَ ٱلۡمُخَلَّفُونَ بِمَقۡعَدِهِمۡ خِلَٰفَ رَسُولِ ٱللَّهِ وَكَرِهُوٓاْ أَن يُجَٰهِدُواْ بِأَمۡوَٰلِهِمۡ وَأَنفُسِهِمۡ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَقَالُواْ لَا تَنفِرُواْ فِي ٱلۡحَرِّۗ قُلۡ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرّٗاۚ لَّوۡ كَانُواْ يَفۡقَهُونَ ٨١

Those who remained behind1 rejoiced in their staying [at home] after [the departure of] the Messenger of Allāh and disliked to strive with their wealth and their lives in the cause of Allāh and said, "Do not go forth in the heat." Say, "The fire of Hell is more intense in heat" - if they would but understand.

فَلۡيَضۡحَكُواْ قَلِيلٗا وَلۡيَبۡكُواْ كَثِيرٗا جَزَآءَۢ بِمَا كَانُواْ يَكۡسِبُونَ ٨٢

So let them laugh a little and [then] weep much as recompense for what they used to earn.

فَإِن رَّجَعَكَ ٱللَّهُ إِلَىٰ طَآئِفَةٖ مِّنۡهُمۡ فَٱسۡتَـٔۡذَنُوكَ لِلۡخُرُوجِ فَقُل لَّن تَخۡرُجُواْ مَعِيَ أَبَدٗا وَلَن تُقَٰتِلُواْ مَعِيَ عَدُوًّاۖ إِنَّكُمۡ رَضِيتُم بِٱلۡقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٖ فَٱقۡعُدُواْ مَعَ ٱلۡخَٰلِفِينَ ٨٣

If Allāh should return you to a faction of them [after the expedition] and then they ask your permission to go out [to battle], say, "You will not go out with me, ever, and you will never fight with me an enemy. Indeed, you were satisfied with sitting [at home] the first time, so sit [now] with those who stay behind."

أخْبَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ رَسُولَهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بِأنَّ صُدُورَ الِاسْتِغْفارِ مِنهُ لِلْمُنافِقِينَ وعَدَمَهُ سَواءٌ، وذَلِكَ لِأنَّهم لَيْسُوا بِأهْلٍ لِاسْتِغْفارِهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ولا لِلْمَغْفِرَةِ مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ لَهم، فَهو كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ أنْفِقُوا طَوْعًا أوْ كَرْهًا لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنكم﴾، ثُمَّ قالَ: ﴿إنْ تَسْتَغْفِرْ لَهم سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهم﴾ وفِيهِ بَيانٌ لِعَدَمِ المَغْفِرَةِ مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ لِلْمُنافِقِينَ وإنْ أكْثَرَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مِنَ الِاسْتِغْفارِ لَهم، ولَيْسَ المُرادُ مِن هَذا أنَّهُ لَوْ زادَ عَلى السَّبْعِينَ لَكانَ ذَلِكَ مَقْبُولًا كَما في سائِرِ مَفاهِيمِ الأعْدادِ، بَلِ المُرادُ بِهَذا المُبالَغَةُ في عَدَمِ القَبُولِ.

فَقَدْ كانَتِ العَرَبُ تُجْرِي ذَلِكَ مَجْرى المَثَلِ في كَلامِها عِنْدَ إرادَةِ التَّكْثِيرِ، والمَعْنى: أنَّهُ لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهم وإنِ اسْتَغْفَرْتَ لَهُمُ اسْتُغْفارًا بالِغًا في الكَثْرَةِ غايَةَ المُبالِغِ.

وقَدْ ذَهَبَ بَعْضُ الفُقَهاءِ إلى أنَّ التَّقْيِيدَ بِهَذا العَدَدِ المَخْصُوصِ يُفِيدُ قَبُولَ الزِّيادَةِ عَلَيْهِ، ويَدُلُّ لِذَلِكَ ما سَيَأْتِي عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أنَّهُ قالَ: «لَأزِيدَنَّ عَلى السَّبْعِينَ» .

وذَكَرَ بَعْضُهم لِتَخْصِيصِ السَّبْعِينَ وجْهًا فَقالَ: إنَّ السَّبْعَةَ عَدَدٌ شَرِيفٌ، لِأنَّها عَدَدُ السَّماواتِ والأرَضِينَ والبِحارِ والأقالِيمِ والنُّجُومِ السَّيّارَةِ والأعْضاءِ وأيّامِ الأُسْبُوعِ، فَصَيَّرَ كُلَّ واحِدٍ مِنَ السَّبْعَةِ إلى عَشَرَةٍ، لِأنَّ الحَسَنَةَ بِعَشْرِ أمْثالِها.

وقِيلَ: خُصَّتِ السَّبْعُونَ بِالذِّكْرِ لِأنَّهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - كَبَّرَ عَلى عَمِّهِ الحَمْزَةِ سَبْعِينَ تَكْبِيرَةً، فَكَأنَّهُ قالَ: إنْ تَسْتَغْفِرْ لَهم سَبْعِينَ مَرَّةً بِإزاءِ تَكْبِيراتِكَ عَلى حَمْزَةَ.

وانْتِصابُ سَبْعِينَ عَلى المَصْدَرِ كَقَوْلِهِمْ: ضَرَبْتُهُ عِشْرِينَ ضَرْبَةً.

ثُمَّ عَلَّلَ عَدَمَ المَغْفِرَةِ لَهم بِقَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ بِأنَّهم كَفَرُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ﴾ أيْ ذَلِكَ الِامْتِناعُ بِسَبَبِ كُفْرِهِمْ بِاللَّهِ ورَسُولِهِ ﴿واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الفاسِقِينَ﴾ أيِ المُتَمَرِّدِينَ الخارِجِينَ عَنِ الطّاعَةِ المُتَجاوِزِينَ لِحُدُودِها، والمُرادُ هُنا الهِدايَةُ المُوصِلَةُ إلى المَطْلُوبِ، لا الهِدايَةُ الَّتِي بِمَعْنى الدَّلالَةِ وإراءَةِ الطَّرِيقِ.

ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ نَوْعًا آخَرَ مِن قَبائِحِ المُنافِقِينَ فَقالَ: ﴿فَرِحَ المُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلافَ رَسُولِ اللَّهِ﴾ المُخَلَّفُونَ المَتْرُوكُونَ، وهُمُ الَّذِينَ اسْتَأْذَنُوا رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مِنَ المُنافِقِينَ، فَأذِنَ لَهم وخَلَّفَهم بِالمَدِينَةِ في غَزْوَةِ تَبُوكَ، أوِ الَّذِينَ خَلَّفَهُمُ اللَّهُ وثَبَّطَهم، أوِ الشَّيْطانُ، أوْ كَسَّلَهم، أوِ المُؤْمِنُونَ، ومَعْنى ﴿بِمَقْعَدِهِمْ﴾ أيْ بِقُعُودِهِمْ يُقالُ: قَعَدَ قُعُودًا ومَقْعَدًا: أيْ جَلَسَ، وأقْعَدَهُ غَيْرُهُ، ذَكَرَ مَعْناهُ الجَوْهَرِيُّ فَهو مُتَعَلِّقٌ بِـ ( فَرِحَ ): أيْ فَرِحَ المُخَلَّفُونَ بِقُعُودِهِمْ، و( خِلافَ رَسُولِ اللَّهِ ) مُنْتَصِبٌ عَلى أنَّهُ ظَرْفٌ لِ ( مَقْعَدِهِمْ ) .

قالَ الأخْفَشُ ويُونُسُ: الخِلافُ بِمَعْنى الخَلْفِ: أيْ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، وذَلِكَ أنَّ جِهَةَ الأمامِ الَّتِي يَقْصِدُها الإنْسانُ تُخالِفُها جِهَةُ الخَلْفِ.

وقالَ قُطْرُبٌ والزَّجّاجُ: مَعْنى ( خِلافَ رَسُولِ اللَّهِ ) مُخالَفَةَ الرَّسُولِ حِينَ سارَ وأقامُوا، فانْتِصابُهُ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ لَهُ أيْ: قَعَدُوا لِأجْلِ المُخالَفَةِ، أوْ عَلى الحالِ مِثْلِ وأرْسَلَها العِراكَ: أيْ مُخالِفِينَ لَهُ، ويُؤَيِّدُ ما قالَهُ الأخْفَشُ ويُونُسُ قِراءَةُ أبِي حَيْوَةَ " خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ " .

قَوْلُهُ: ﴿وكَرِهُوا أنْ يُجاهِدُوا بِأمْوالِهِمْ وأنْفُسِهِمْ في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ سَبَبُ ذَلِكَ الشُّحُّ بِالأمْوالِ والأنْفُسِ، وعَدَمُ وُجُودِ باعِثِ الإيمانِ وداعِي الإخْلاصِ ووُجُودُ الصّارِفِ عَنْ ذَلِكَ، وهو ما هم فِيهِ مِنَ النِّفاقِ، وفِيهِ تَعْرِيضٌ بِالمُؤْمِنِينَ الباذِلِينَ لِأمْوالِهِمْ وأنْفُسِهِمْ في سَبِيلِ اللَّهِ لِوُجُودِ الدّاعِي مَعَهم وانْتِفاءِ الصّارِفِ عَنْهم ﴿وقالُوا لا تَنْفِرُوا في الحَرِّ﴾ أيْ قالَ المُنافِقُونَ لِإخْوانِهِمْ: هَذِهِ المَقالَةَ تَثْبِيطًا لَهم وكَسْرًا لِنَشاطِهِمْ وتَواصِيًا بَيْنَهم (p-٥٨٩)بِالمُخالَفَةِ لِأمْرِ اللَّهِ ورَسُولِهِ، ثُمَّ أمَرَ اللَّهُ رَسُولَهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أنْ يَقُولَ لَهم: ﴿نارُ جَهَنَّمَ أشَدُّ حَرًّا لَوْ كانُوا يَفْقَهُونَ﴾ والمَعْنى: أنَّكم أيُّها المُنافِقُونَ كَيْفَ تَفِرُّونَ مِن هَذا الحَرِّ اليَسِيرِ، ونارُ جَهَنَّمَ الَّتِي سَتَدْخُلُونَها خالِدِينَ فِيها أبَدًا أشَدُّ حَرًّا مِمّا فَرَرْتُمْ مِنهُ، فَإنَّكم إنَّما فَرَرْتُمْ مِن حَرٍّ يَسِيرٍ في زَمَنٍ قَصِيرٍ، ووَقَعْتُمْ في حَرٍّ كَثِيرٍ في زَمَنٍ كَبِيرٍ، بَلْ غَيْرِ مُتَناهٍ أبَدَ الآبِدِينَ ودَهْرَ الدّاهِرِينِ.

؎فَكُنْتَ كالسّاعِي إلى مَثْعَبٍ مَوائِلَ مِن سُبُلِ الرّاعِدِ

وجَوابُ لَوْ في ﴿لَوْ كانُوا يَفْقَهُونَ﴾ مُقَدَّرٌ: أيْ لَوْ كانُوا يَفْقَهُونَ أنَّها كَذَلِكَ لَما فَعَلُوا ما فَعَلُوا.

قَوْلُهُ: ﴿فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا ولْيَبْكُوا كَثِيرًا﴾ هَذانِ الأمْرانِ مَعْناهُما الخَبَرُ، والمَعْنى: فَسَيَضْحَكُونَ قَلِيلًا ويَبْكُونَ كَثِيرًا، وإنَّما جِيءَ بِهِما عَلى لَفْظِ الأمْرِ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ ذَلِكَ أمْرٌ مَحْتُومٌ لا يَكُونُ غَيْرُهُ، و( قَلِيلًا ) و( كَثِيرًا ) مَنصُوبانِ عَلى المَصْدَرِيَّةِ أوِ الظَّرْفِيَّةِ: أيْ ضَحِكًا قَلِيلًا وبُكاءً كَثِيرًا، أوْ زَمانًا قَلِيلًا وزَمانًا كَثِيرًا ﴿جَزاءً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ أيْ: جَزاءً بِسَبَبِ ما كانُوا يَكْسِبُونَهُ مِنَ المَعاصِي، وانْتِصابُ ( جَزاءً ) عَلى المَصْدَرِيَّةِ: أيْ يُجْزَوْنَ جَزاءً.

﴿فَإنْ رَجَعَكَ اللَّهُ إلى طائِفَةٍ مِنهُمْ﴾ الرَّجْعُ مُتَعَدٍّ كالرَّدِّ، والرُّجُوعُ لازِمٌ، والفاءُ لِتَفْرِيعِ ما بَعْدَها عَلى ما قَبْلَها، وإنَّما قالَ ﴿إلى طائِفَةٍ﴾ لِأنَّ جَمِيعَ مَن أقامَ بِالمَدِينَةِ لَمْ يَكُونُوا مُنافِقِينَ، بَلْ كانَ فِيهِمْ غَيْرُهم مِنَ المُؤْمِنِينَ لَهم أعْذارٌ صَحِيحَةٌ، وفِيهِمْ مِنَ المُؤْمِنِينَ مَن لا عُذْرَ لَهُ، ثُمَّ عَفا عَنْهم رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وتابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ كالثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا، وسَيَأْتِي بَيانُ ذَلِكَ.

وقِيلَ: إنَّما قالَ: إلى طائِفَةٍ، لِأنَّ مِنهم مَن تابَ عَنِ النِّفاقِ ونَدِمَ عَلى التَّخَلُّفِ ﴿فاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ﴾ مَعَكَ في غَزْوَةٍ أُخْرى بَعْدَ غَزْوَتِكَ هَذِهِ فَقُلْ لَهم ﴿لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أبَدًا ولَنْ تُقاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا﴾ أيْ قُلْ لَهم ذَلِكَ عُقُوبَةً لَهم، ولِما في اسْتِصْحابِهِمْ مِنَ المَفاسِدِ كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: ﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكم ما زادُوكم إلّا خَبالًا﴾ .

وقُرِئَ بِفَتْحِ الياءِ مِن " مَعِيَ " في المَوْضِعَيْنِ، وقُرِئَ بِسُكُونِها فِيهِما، وجُمْلَةُ ﴿إنَّكم رَضِيتُمْ بِالقُعُودِ أوَّلَ مَرَّةٍ﴾ لِلتَّعْلِيلِ: أيْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ ولَنْ تُقاتِلُوا لِأنَّكم رَضِيتُمْ بِالقُعُودِ والتَّخَلُّفِ أوَّلَ مَرَّةٍ، وهي غَزْوَةُ تَبُوكَ، والفاءُ في ﴿فاقْعُدُوا مَعَ الخالِفِينَ﴾ لِتَفْرِيعِ ما بَعْدَها عَلى ما قَبْلَها، و( الخالِفِينَ ) جَمْعُ خالِفٍ كَأنَّهم خَلَفُوا الخارِجِينَ، والمُرادُ بِهِمْ مَن تَخَلَّفَ عَنِ الخُرُوجِ.

وقِيلَ: المَعْنى: فاقْعُدُوا مَعَ الفاسِدِينَ، مِن قَوْلِهِمْ: فُلانٌ خالَفَ أهْلَ بَيْتِهِ إذا كانَ فاسِدًا فِيهِمْ، مِن قَوْلِكَ خَلَفَ اللَّبَنُ: أيْ فَسَدَ بِطُولِ المُكْثِ في السِّقاءِ، ذَكَرَ مَعْناهُ الأصْمَعِيُّ.

وقُرِئَ " فاقْعُدُوا مَعَ الخَلِفِينَ " وقالَ الفَرّاءُ: مَعْناهُ المُخالِفِينَ.

وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عُرْوَةَ أنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ قالَ: لَوْلا أنَّكم تُنْفِقُونَ عَلى مُحَمَّدٍ وأصْحابِهِ لانْفَضُّوا مِن حَوْلِهِ، وهو القائِلُ: ﴿لَيُخْرِجَنَّ الأعَزُّ مِنها الأذَلَّ﴾ [المنافقون: ٨] فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهم أوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ فَقالَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: لَأزِيدَنَّ عَلى السَّبْعِينَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿سَواءٌ عَلَيْهِمْ أأسْتَغْفَرْتَ لَهم أمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهم لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهم﴾ [المنافقون: ٦] .

وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ مُجاهِدٍ نَحْوَهُ.

وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، نَحْوَهُ.

وأخْرَجَ أحْمَدُ، والبُخارِيُّ، والتِّرْمِذِيُّ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ ماجَهْ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والنَّحّاسُ، وابْنُ حِبّانَ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وأبُو نُعَيْمٍ في الحِلْيَةِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: سَمِعْتُ عُمَرَ يَقُولُ: لَمّا تُوُفِّيَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ، دُعِيَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - لِلصَّلاةِ عَلَيْهِ فَقامَ عَلَيْهِ، فَلَمّا وقَفَ قُلْتُ: أعَلى عَدُوِّ اللَّهِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ القائِلِ كَذا وكَذا، والقائِلِ كَذا وكَذا ؟ ! أُعَدِّدُ أيّامَهُ، ورَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَتَبَسَّمُ حَتّى إذا أكْثَرْتُ قالَ: يا عُمَرُ أخِّرْ عَنِّي، إنِّي قَدْ خُيِّرْتُ، قَدْ قِيلَ: لِي: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهم أوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهم إنْ تَسْتَغْفِرْ لَهم سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهم﴾ فَلَوْ أعْلَمُ أنِّي إنْ زِدْتُ عَلى السَّبْعِينَ غُفِرَ لَهُ لَزِدْتُ عَلَيْها، ثُمَّ صَلّى عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ومَشى مَعَهُ حَتّى قامَ عَلى قَبْرِهِ حَتّى فُرِغَ مِنهُ، فَعَجِبْتُ لِي ولِجُرْأتِي عَلى رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، واللَّهُ ورَسُولُهُ أعْلَمُ، فَواللَّهِ ما كانَ إلّا يَسِيرًا حَتّى نَزَلَتْ هاتانِ الآيَتانِ: ﴿ولا تُصَلِّ عَلى أحَدٍ مِنهم ماتَ أبَدًا ولا تَقُمْ عَلى قَبْرِهِ﴾ [التوبة: ٨٤] فَما صَلّى رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - عَلى مُنافِقٍ بَعْدُ، حَتّى قَبَضَهُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ.

وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ، في قَوْلِهِ: ﴿فَرِحَ المُخَلَّفُونَ﴾ الآيَةَ قالَ: عَنْ غَزْوَةِ تَبُوكَ.

وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أمَرَ النّاسَ أنْ يَنْبَعِثُوا مَعَهُ، وذَلِكَ في الصَّيْفِ، فَقالَ رِجالٌ: يا رَسُولَ اللَّهِ الحَرُّ شَدِيدٌ ولا نَسْتَطِيعُ الخُرُوجَ فَلا تَنْفِرُوا في الحَرِّ، فَقالَ اللَّهُ: ﴿قُلْ نارُ جَهَنَّمَ أشَدُّ حَرًّا لَوْ كانُوا يَفْقَهُونَ﴾ فَأمَرَهُ بِالخُرُوجِ» .

وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ نَحْوَهُ.

وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا ولْيَبْكُوا كَثِيرًا﴾ قالَ: هُمُ المُنافِقُونَ والكُفّارُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهم هُزُوًا ولَعِبًا، يَقُولُ اللَّهُ: فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا في الدُّنْيا ولْيَبْكُوا كَثِيرًا في الآخِرَةِ.

وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ، في قَوْلِهِ: ﴿فَإنْ رَجَعَكَ اللَّهُ إلى طائِفَةٍ مِنهم﴾ قالَ: ذُكِرَ لَنا أنَّهم كانُوا اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا مِنَ المُنافِقِينَ وفِيهِمْ قِيلَ ما قِيلَ.

وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿فاقْعُدُوا مَعَ الخالِفِينَ﴾ قالَ: هُمُ الرِّجالُ الَّذِينَ تَخَلَّفُوا عَنِ الغَزْوِ.

9:84–87Page 200

وَلَا تُصَلِّ عَلَىٰٓ أَحَدٖ مِّنۡهُم مَّاتَ أَبَدٗا وَلَا تَقُمۡ عَلَىٰ قَبۡرِهِۦٓۖ إِنَّهُمۡ كَفَرُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ وَمَاتُواْ وَهُمۡ فَٰسِقُونَ ٨٤

And do not pray [the funeral prayer, O Muḥammad], over any of them who has died - ever - or stand at his grave. Indeed, they disbelieved in Allāh and His Messenger and died while they were defiantly disobedient.

وَلَا تُعۡجِبۡكَ أَمۡوَٰلُهُمۡ وَأَوۡلَٰدُهُمۡۚ إِنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ أَن يُعَذِّبَهُم بِهَا فِي ٱلدُّنۡيَا وَتَزۡهَقَ أَنفُسُهُمۡ وَهُمۡ كَٰفِرُونَ ٨٥

And let not their wealth and their children impress you. Allāh only intends to punish them through them in this world and that their souls should depart [at death] while they are disbelievers.

وَإِذَآ أُنزِلَتۡ سُورَةٌ أَنۡ ءَامِنُواْ بِٱللَّهِ وَجَٰهِدُواْ مَعَ رَسُولِهِ ٱسۡتَـٔۡذَنَكَ أُوْلُواْ ٱلطَّوۡلِ مِنۡهُمۡ وَقَالُواْ ذَرۡنَا نَكُن مَّعَ ٱلۡقَٰعِدِينَ ٨٦

And when a sūrah was revealed [enjoining them] to believe in Allāh and to fight with His Messenger, those of wealth among them asked your permission [to stay back] and said, "Leave us to be with them who sit [at home]."

رَضُواْ بِأَن يَكُونُواْ مَعَ ٱلۡخَوَالِفِ وَطُبِعَ عَلَىٰ قُلُوبِهِمۡ فَهُمۡ لَا يَفۡقَهُونَ ٨٧

They were satisfied to be with those who stay behind, and their hearts were sealed over, so they do not understand.

قَوْلُهُ: ( ماتَ ) صِفَةٌ لِأحَدٍ، و( أبَدًا ) ظَرْفٌ لِتَأْبِيدِ النَّفْيِ.

قالَ الزَّجّاجُ: مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ولا تَقُمْ عَلى قَبْرِهِ﴾ أنَّ رَسُولَ (p-٥٩٠)اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - كانَ إذا دُفِنَ المَيِّتُ وقَفَ عَلى قَبْرِهِ ودَعا لَهُ فَمُنِعَ هاهُنا مِنهُ، وقِيلَ: مَعْناهُ: لا تَقُمْ بِمُهِمّاتِ إصْلاحِ قَبْرِهِ، وجُمْلَةُ ﴿أنَّهم كَفَرُوا﴾ تَعْلِيلٌ لِلنَّهْيِ، وإنَّما وصَفَهم بِالفِسْقِ بَعْدَ وصْفِهِمْ بِالكُفْرِ، لِأنَّ الكافِرَ قَدْ يَكُونُ عَدْلًا في دِينِهِ، والكَذِبُ والنِّفاقُ والخِداعُ والجُبْنُ والخُبْثُ مُسْتَقْبَحَةٌ في كُلِّ دِينٍ.

﴿ولا تُعْجِبْكَ أمْوالُهم وأوْلادُهم إنَّما يُرِيدُ اللَّهُ أنْ يُعَذِّبَهم بِها في الدُّنْيا وتَزْهَقَ أنْفُسُهم وهم كافِرُونَ﴾ ثُمَّ نَهى رَسُولَهُ عَنْ أنْ تُعْجِبَهُ أمْوالُهم وأوْلادُهم، وهو تَكْرِيرٌ لِما سَبَقَ في هَذِهِ السُّورَةِ وتَقْرِيرٌ لِمَضْمُونِهِ، وقِيلَ: إنَّ الآيَةَ المُتَقَدِّمَةَ في قَوْمٍ، وهَذِهِ في آخَرِينَ، وقِيلَ: هَذِهِ في اليَهُودِ، والأُولى في المُنافِقِينَ، وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ.

وقَدْ تَقَدَّمَ في الآيَةِ الأُولى جَمِيعُ ما يُحْتاجُ إلَيْهِ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ.

ثُمَّ عادَ اللَّهُ سُبْحانَهُ إلى تَوْبِيخِ المُنافِقِينَ، فَقالَ: ﴿وإذا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ﴾ أيْ مِنَ القُرْآنِ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بَعْضُ السُّورَةِ، وأنْ يُرادَ تَمامُها، وقِيلَ: هي هَذِهِ السُّورَةُ: أيْ سُورَةُ بَراءَةٍ، و" أنْ " في ( أنْ آمِنُوا بِاللَّهِ ) مُفَسِّرَةٌ لِما في الإنْزالِ مِن مَعْنى القَوْلِ، أوْ مَصْدَرِيَّةٌ حُذِفَ مِنها الجارُّ: أيْ بِأنْ آمِنُوا، وإنَّما قُدِّمَ الأمْرُ بِالإيمانِ لِأنَّ الِاشْتِغالَ بِالجِهادِ لا يُفِيدُ إلّا بَعْدَ الإيمانِ ﴿اسْتَأْذَنَكَ أُولُو الطَّوْلِ مِنهُمْ﴾ أيْ ذَوُو الفَضْلِ والسِّعَةِ، مِن طالَ عَلَيْهِ طَوْلًا، كَذا قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، وقالَ الأصَمُّ: الرُّؤَساءُ والكُبَراءُ المَنظُورُ إلَيْهِمْ، وخَصَّهم بِالذِّكْرِ لِأنَّ الذَّمَّ لَهم ألْزَمُ، إذْ لا عُذْرَ لَهم في القُعُودِ ﴿وقالُوا ذَرْنا﴾ أيِ اتْرُكْنا ﴿نَكُنْ مَعَ القاعِدِينَ﴾ أيِ المُتَخَلِّفِينَ عَنِ الغَزْوِ مِنَ المَعْذُورِينَ كالضُّعَفاءِ والزَّمْنى.

والخَوالِفُ: النِّساءُ اللّاتِي يَخْلُفْنَ الرِّجالَ في القُعُودِ في البُيُوتِ، جَمْعُ خالِفَةٍ، وجَوَّزَ بَعْضُهم أنْ يَكُونَ جَمْعَ خالَفٍ، وهو مَن لا خَيْرَ فِيهِ ﴿وطُبِعَ عَلى قُلُوبِهِمْ﴾ وهو كَقَوْلِهِ: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ﴾ [البقرة: ٧] وقَدْ مَرَّ تَفْسِيرُهُ ﴿فَهم لا يَفْقَهُونَ﴾ شَيْئًا مِمّا فِيهِ نَفْعُهم وضُرُّهم، بَلْ هم كالأنْعامِ.

وقَدْ أخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ، وغَيْرُهُما، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: «لَمّا تُوُفِّيَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ ابْنُ سَلُولَ أتى ابْنُهُ عَبْدُ اللَّهِ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَسَألَهُ أنْ يُعْطِيَهُ قَمِيصَهُ لِيُكَفِّنَهُ فِيهِ فَأعْطاهُ، ثُمَّ سَألَهُ أنْ يُصَلِّيَ عَلَيْهِ، فَقامَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، فَقامَ عُمَرُ فَأخَذَ ثَوْبَهُ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ أتُصَلِّي عَلَيْهِ وقَدْ نَهاكَ اللَّهُ أنْ تُصَلِّيَ عَلى المُنافِقِينَ ؟ فَقالَ: إنَّ رَبِّي خَيَّرَنِي وقالَ: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهم أوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهم إنْ تَسْتَغْفِرْ لَهم سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهم﴾ [التوبة: ٨٠] وسَأزِيدُ عَلى السَّبْعِينَ، فَقالَ: إنَّهُ مُنافِقٌ، فَصَلّى عَلَيْهِ فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿ولا تُصَلِّ عَلى أحَدٍ مِنهم ماتَ أبَدًا﴾ الآيَةَ، فَتَرَكَ الصَّلاةَ عَلَيْهِمْ» .

وأخْرَجَ ابْنُ ماجَهْ، والبَزّارُ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ جابِرٍ قالَ: «ماتَ رَأْسُ المُنافِقِينَ بِالمَدِينَةِ فَأوْصى أنْ يُصَلِّيَ عَلَيْهِ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وأنْ يُكَفِّنَهُ في قَمِيصِهِ، فَجاءَ ابْنُهُ إلى رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، فَقالَ: إنَّ أبِي أوْصى أنْ يُكَفَّنَ في قَمِيصِكَ، فَصَلّى عَلَيْهِ وألْبَسَهُ قَمِيصَهُ وقامَ عَلى قَبْرِهِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿ولا تُصَلِّ عَلى أحَدٍ مِنهم ماتَ أبَدًا ولا تَقُمْ عَلى قَبْرِهِ﴾» .

وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿أُولُو الطَّوْلِ﴾ قالَ: أهْلُ الغِنى.

وأخْرَجَ هَؤُلاءِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿رَضُوا بِأنْ يَكُونُوا مَعَ الخَوالِفِ﴾ قالَ: مَعَ النِّساءِ.

وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ السُّدِّيِّ، في الآيَةِ قالَ: رَضُوا بِأنْ يَقْعُدُوا كَما قَعَدَتِ النِّساءُ.

وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ، قالَ: الخَوالِفُ النِّساءُ.

9:88–89Page 201

لَٰكِنِ ٱلرَّسُولُ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَهُۥ جَٰهَدُواْ بِأَمۡوَٰلِهِمۡ وَأَنفُسِهِمۡۚ وَأُوْلَٰٓئِكَ لَهُمُ ٱلۡخَيۡرَٰتُۖ وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُفۡلِحُونَ ٨٨

But the Messenger and those who believed with him fought with their wealth and their lives. Those will have [all that is] good and it is those who are the successful.

أَعَدَّ ٱللَّهُ لَهُمۡ جَنَّٰتٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَاۚ ذَٰلِكَ ٱلۡفَوۡزُ ٱلۡعَظِيمُ ٨٩

Allāh has prepared for them gardens beneath which rivers flow, wherein they will abide eternally. That is the great attainment.

المَقْصُودُ مِنَ الِاسْتِدْراكِ بِقَوْلِهِ: ﴿لَكِنِ الرَّسُولُ﴾ إلى آخِرِهِ الإشْعارُ بِأنَّ تَخَلُّفَ هَؤُلاءِ غَيْرُ ضائِرٍ، فَإنَّهُ قَدْ قامَ بِفَرِيضَةِ الجِهادِ مَن هو خَيْرٌ مِنهم وأخْلَصُ نِيَّةً كَما في قَوْلِهِ: ﴿فَإنْ يَكْفُرْ بِها هَؤُلاءِ فَقَدْ وكَّلْنا بِها قَوْمًا لَيْسُوا بِها بِكافِرِينَ﴾ .

وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ الجِهادِ بِالأمْوالِ والأنْفُسِ، ثُمَّ ذَكَرَ مَنافِعَ الجِهادِ فَقالَ: ﴿وأُولَئِكَ لَهُمُ الخَيْراتُ﴾ وهي جَمْعُ خَيْرٍ فَيَشْمَلُ مَنافِعَ الدُّنْيا والدِّينِ، وقِيلَ: المُرادُ بِهِ: النِّساءُ الحِسانُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فِيهِنَّ خَيْراتٌ حِسانٌ﴾ ومُفْرَدُهُ خَيِّرَةٌ بِالتَّشْدِيدِ ثُمَّ خُفِّفَتْ مِثْلُ هَيِّنَةٍ وهَيْنَةٍ.

وقَدْ تَقَدَّمَ مَعْنى الفَلاحِ، والمُرادُ بِهِ هُنا الفائِزُونَ بِالمَطْلُوبِ، وتَكْرِيرُ اسْمِ الإشارَةِ لِتَفْخِيمِ شَأْنِهِمْ وتَعْظِيمِ أمْرِهِمْ.

والجَنّاتُ: البَساتِينُ، وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ جَرْيِ الأنْهارِ مِن تَحْتِها، وبَيانُ الخُلُودِ والفَوْزِ.

والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ذَلِكَ إلى ما تَقَدَّمَ مِنَ الخَيْراتِ والفَلاحِ، وإعْدادُ الجَنّاتِ المَوْصُوفَةِ بِتِلْكَ الصِّفَةِ، ووَصْفُ الفَوْزِ بِكَوْنِهِ عَظِيمًا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ الفَرْدُ الكامِلُ مِن أنْواعِ الفَوْزِ.

وقَدْ أخْرَجَ القُرْطُبِيُّ في تَفْسِيرِهِ، عَنِ الحَسَنِ أنَّهُ قالَ: الخَيْراتُ: هُنَّ النِّساءُ الحِسانُ.

9:90Page 201

وَجَآءَ ٱلۡمُعَذِّرُونَ مِنَ ٱلۡأَعۡرَابِ لِيُؤۡذَنَ لَهُمۡ وَقَعَدَ ٱلَّذِينَ كَذَبُواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥۚ سَيُصِيبُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنۡهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٞ ٩٠

And those with excuses among the bedouins came to be permitted [to remain], and they who had lied1 to Allāh and His Messenger sat [at home]. There will strike those who disbelieved among them a painful punishment.

قَرَأ الأعْرَجُ والضَّحّاكُ، " المُعْذِرُونَ " بِالتَّخْفِيفِ، مِن أعْذَرَ، ورَواها أبُو كُرَيْبٍ عَنْ أبِي بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ، ورَواها أصْحابُ القِراءاتِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

قالَ في الصِّحاحِ: وكانَ ابْنُ عَبّاسٍ يَقْرَأُ: " وجاءَ المُعْذِرُونَ " مُخَفَّفَةً مِن أعْذَرَ، ويَقُولُ: واللَّهِ هَكَذا أُنْزِلَتْ.

قالَ النَّحّاسُ: إلّا أنَّ مَدارَها عَلى الكَلْبِيِّ،، وهي مِن أعْذَرَ: إذا بالَغَ في العُذْرِ، ومِنهُ: مَن أنْذَرَ فَقَدْ أعْذَرَ أيْ بالَغَ في العُذْرِ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿المُعَذِّرُونَ﴾ بِالتَّشْدِيدِ فَفِيهِ وجْهانِ، أحَدُهُما أنْ يَكُونَ أصْلُهُ المُعْتَذِرُونَ فَأُدْغِمَتِ التّاءُ في الذّالِ، وهُمُ الَّذِينَ لَهم عُذْرٌ، ومِنهُ قَوْلُ لَبِيدٍ:

؎إلى الحَوْلِ ثُمَّ اسْمُ السَّلامِ عَلَيْكُما ومَن يَبْكِ حَوْلًا كامِلًا فَقَدِ اعْتَذَرْ

فالمُعَذِّرُونَ عَلى هَذا: هُمُ المُحِقُّونَ في اعْتِذارِهِمْ.

وقَدْ رُوِيَ هَذا عَنِ الفَرّاءِ، والزَّجّاجِ، وابْنِ الأنْبارِيِّ، وقِيلَ: هو مِن عَذَّرَ، وهو الَّذِي يَعْتَذِرُ ولا عُذْرَ لَهُ، يُقالُ عَذَّرَ في الأمْرِ: إذا قَصَّرَ واعْتَذَرَ بِما لَيْسَ بِعُذْرٍ، ذَكَرَهُ الجَوْهَرِيُّ وصاحِبُ الكَشّافِ، فالمُعَذِّرُونَ عَلى هَذا: هُمُ المُبْطِلُونَ، لِأنَّهُمُ اعْتَذَرُوا بِأعْذارٍ باطِلَةٍ لا أصْلَ لَها.

ورُوِيَ عَنِ الأخْفَشِ، والفَرّاءِ، وأبِي حاتِمٍ، وأبِي (p-٥٩١)عُبَيْدَةَ، أنَّهُ يَجُوزُ كَسْرُ العَيْنِ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ وضَمِّها لِلْإتْباعِ.

والمَعْنى: أنَّهُ جاءَ هَؤُلاءِ مِنَ الأعْرابِ بِما جاءُوا بِهِ مِنَ الأعْذارِ بِحَقٍّ أوْ بِباطِلٍ عَلى كِلا التَّفْسِيرَيْنِ لِأجْلِ أنْ يَأْذَنَ لَهم رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بِالتَّخَلُّفِ عَنِ الغَزْوِ، وطائِفَةٌ أُخْرى لَمْ يَعْتَذِرُوا، بَلْ قَعَدُوا عَنِ الغَزْوِ لِغَيْرِ عُذْرٍ، وهم مُنافِقُو الأعْرابِ الَّذِينَ كَذَبُوا اللَّهَ ورَسُولَهُ ولَمْ يُؤْمِنُوا ولا صَدَقُوا، ثُمَّ تَوَعَّدَهُمُ اللَّهُ سُبْحانَهُ، فَقالَ: ﴿سَيُصِيبُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنهُمْ﴾ أيْ مِنَ الأعْرابِ، وهُمُ الَّذِينَ اعْتَذَرُوا بِالأعْذارِ الباطِلَةِ، والَّذِينَ لَمْ يَعْتَذِرُوا، بَلْ كَذَبُوا اللَّهَ ورَسُولَهُ ﴿عَذابٌ ألِيمٌ﴾ أيْ كَثِيرُ الألَمِ، فَيَصْدُقُ عَلى عَذابِ الدُّنْيا وعَذابِ الآخِرَةِ.

وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿وجاءَ المُعَذِّرُونَ مِنَ الأعْرابِ﴾ أيْ أهْلُ العُذْرِ مِنهم.

ورَوى ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ، نَحْوَ ذَلِكَ.

وأخْرَجَ ابْنُ الأنْبارِيِّ في كِتابِ الأضْدادِ عَنْهُ أيْضًا أنَّهُ كانَ يَقُولُ: لَعَنَ اللَّهُ المُعَذِّرِينَ ويَقْرَأُ بِالتَّشْدِيدِ، كَأنَّ الأمْرَ عِنْدَهُ أنَّ المُعَذِّرَ بِالتَّشْدِيدِ: هو المُظْهِرُ لِلْعُذْرِ اعْتِلالًا مِن غَيْرِ حَقِيقَةٍ.

وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ إسْحاقَ، في قَوْلِهِ: ﴿وجاءَ المُعَذِّرُونَ مِنَ الأعْرابِ﴾ قالَ: ذُكِرَ لِي أنَّهم نَفَرٌ مِن بَنِي غِفارٍ جاءُوا فاعْتَذَرُوا، مِنهم خُفافُ بْنُ إيماءَ؛ وقِيلَ لَهم: رَهْطُ عامِرِ بْنِ الطُّفَيْلِ قالُوا: إنْ غَزْوَنا مَعَكَ أغارَتْ أعْرابٌ طَيِّئٍ عَلى أهالِينا ومَواشِينا.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском