At-Tabari · Tafsir · in Arabic
Hud 11:100–102
11:100Page 233
ذَٰلِكَ مِنۡ أَنۢبَآءِ ٱلۡقُرَىٰ نَقُصُّهُۥ عَلَيۡكَۖ مِنۡهَا قَآئِمٞ وَحَصِيدٞ ١٠٠
That is from the news of the cities, which We relate to you; of them, some are [still] standing and some are [as] a harvest [mowed down].1
القول في تأويل قوله تعالى : ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْقُرَى نَقُصُّهُ عَلَيْكَ مِنْهَا قَائِمٌ وَحَصِيدٌ (100)
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: هذا القصص الذي ذكرناه لكَ في هذه السورة، ، والنبأ الذي أنبأناكه فيها ، من أخبار القرى التي أهلكنا أهلها بكفرهم بالله، (4) وتكذيبهم رسله ، (نقصه عليك ) فنخبرك به (5) ، (منها قائم) ، يقول: منها قائم بنيانه ، بائدٌ أهله هالك ، (6) ومنها قائم بنيانه عامر، ومنها حصيدٌ بنيانه ، خرابٌ متداعٍ، قد تعفى أثرُه دارسٌ.
* * *
من قولهم: " زرع حصيد "، إذا كان قد استؤصل قطعه، وإنما هو محصود، ولكنه صرف إلى " فعيل " ، (7) كما قد بينا في نظائره. (8)
* * *
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
*ذكر من قال ذلك :
18546- حدثنا محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: (ذلك من أنباء القرى نقصه عليك منها قائم وحصيد) ، يعني ب " القائم " قُرًى عامرة. و " الحصيد " قرى خامدة.
18547- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال ، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: (قائم وحصيد) ، قال: " قائم " على عروشها ، و " حصيد " مستأصَلة.
18548- حدثنا بشر قال ، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد، عن قتادة: (منها قائم) ، يرى مكانه، (وحصيد) لا يرى له أثر.
18549- حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج: (منها قائم) ، قال: خاوٍ على عروشه ، (وحصيد) ، ملزقٌ بالأرض.
18550- حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا عبيد الله، عن سفيان، عن الأعمش: (منها قائم وحصيد) ، قال: خرَّ بنيانه.
18551- حدثنا الحارث قال ، حدثنا عبد العزيز قال ، حدثنا سفيان، عن الأعمش: (منها قائم وحصيد) ، قال: " الحصيد "، ما قد خرَّ بنيانه.
18552- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: (منها قائم وحصيد) ، منها قائم يرى أثره، وحصيدٌ بَادَ لا يرى أثره.
-------------------
الهوامش :
(4) انظر تفسير " النبأ " فيما سلف من فهارس اللغة ( نبأ ) .
(5) انظر تفسير " القصص " فيما سلف 9 : 402 / 11 : 399 / 12 : 120 ، 307 ، 406 / 13 : 7 ، 274 .
(6) في المطبوعة " بائد بأهله " ، والصواب من المخطوطة ، وزدت " قائم " قبل قوله : " بنيانه " ، وبذلك تستقيم الجملة وتساوي التي تليها .
(7) انظر تفسير " حصيد " فيما سلف ص : 56 .
(8) انظر ما سلف من فهارس اللغة مباحث العربية والنحو وغيرهما .
11:101Page 233
وَمَا ظَلَمۡنَٰهُمۡ وَلَٰكِن ظَلَمُوٓاْ أَنفُسَهُمۡۖ فَمَآ أَغۡنَتۡ عَنۡهُمۡ ءَالِهَتُهُمُ ٱلَّتِي يَدۡعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مِن شَيۡءٖ لَّمَّا جَآءَ أَمۡرُ رَبِّكَۖ وَمَا زَادُوهُمۡ غَيۡرَ تَتۡبِيبٖ ١٠١
And We did not wrong them, but they wronged themselves. And they were not availed at all by their gods which they invoked other than Allāh when there came the command of your Lord. And they did not increase them in other than ruin.
القول في تأويل قوله تعالى : وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ لَمَّا جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَمَا زَادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ (101)
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: وما عاقبنا أهل هذه القرى التي اقتصَصنا نبأها عليك ، يا محمد ، بغير استحقاق منهم عقوبتنا، فنكون بذلك قد وضعنا عقوبتنا إياهُمْ في غير موضعها ، (ولكن ظلموا أنفسهم) ، يقول: ولكنهم أوجبوا لأنفسهم بمعصيتهم الله وكفرهم به، عقوبتَه وعذابه، فأحلوا بها ما لم يكن لهم أن يحلوه بها، وأوجبوا لها ما لم يكن لهم أن يوجبوه لها ، (فما أغنت عنهم آلهتهم التي يدعون من دون الله من شيء) ، يقول: فما دفعت عنهم آلهتهم التي يدعونها من دون الله ، (9) ويدعونها أربابًا من عقاب الله وعذابه إذا أحله بهم ربُّهم من شيء ، ولا ردَّت عنهم شيئًا منه ، (لما جاء أمر ربك) ، يا محمد، يقول: لما جاء قضاء ربك بعذابهم، فحقّ عليهم عقابه ، ونـزل بهم سَخَطه ، (وما زادوهم غير تتبيب) ، يقول: وما زادتهم آلهتهم عند مجيء أمر ربك هؤلاء المشركين بعقاب الله غير تخسيرٍ وتدميرٍ وإهلاك.
* * *
يقال منه: " تبَّبْتُه أتبِّبُه تَتْبيبًا "، ومنه قولهم للرجل: " تبًّا لك "، قال جرير:
عَــرَادَةُ مِــنْ بَقِيَّــةِ قَـوْمِ لُـوطٍ
أَلا تَبًّـــا لِمَـــا فَعَلُــوا تَبَابًــا (10)
* * *
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
*ذكر من قال ذلك :
18553- حدثني المثني قال ، حدثنا سعيد بن سلام أبو الحسن البصري قال ، حدثنا سفيان، عن نسير بن ذعلوق، عن ابن عمر في قوله: (وما زادوهم غير تتبيب) ، قال: غير تخسير. (11)
18554- حدثني محمد بن عمرو قال ، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: (غير تتبيب) ، قال: تخسير.
18555- حدثنا المثني قال ، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.
18556-حدثنا بشر قال ، حدثنا يزيد قال حدثنا سعيد، عن قتادة: (غير تتبيب) ، يقول: غير تخسير.
18557- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال ، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: (غير تتبيب) ، قال: غير تخسير.
* * *
قال أبو جعفر: وهذا الخبر من الله تعالى ذكره، وإن كان خبرًا عمَّن مَضَى من الأمم قبلنا، فإنه وعيدٌ من الله جلّ ثناؤه لنا أيتها الأمة ، أنا إن سلكنا سبيلَ الأمم قبلَنا في الخلاف عليه وعلى رسوله، سلك بنا سبيلهم في العُقوبة ، وإعلام منه لما أنه لا يظلم أحدًا من خلقه، وأن العباد هم الذين يظلمون أنفسهم، كما:-
18558- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد قال، اعتذر ، يعني ربنا جل ثناؤه ، إلى خلقه فقال: (وما ظلمناهم) ، مما ذكرنا لك من عذاب من عذبنا من الأمم ، (ولكن ظلموا أنفسهم فما أغنت عنهم آلهتهم) ، حتى بلغ: (وما زادوهم غير تتبيب) ، قال: ما زادهم الذين كانوا يعبدونهم غير تتبيب.
----------------------
الهوامش :
(9) انظر تفسير " أغني عنه " فيما سلف ص : 215 ، تعليق : 1 ، والمراجع هناك .
(10) ديوانه : 72 ، من قصيدته المشهورة في هجاء الراعي النميري ، وكان سببها أن " عرادة النميري " ، وهو رواية الراعي كان نديمًا للفرزدق ، فقدم الراعي البصرة ، فدعاه عرادة فأطعمه وسقاه وقال : فضل الفرزدق على جرير ! فأبى . فلما أخذ فيه الشراب ، لم يزل به حتى قال :
يــا صَـاحِبَيَّ دَنـا الـرَّواحُ فَسِـيرَا
غَلَـبَ الفَـرَزْدَقُ فـي الهِجَـاءِ جريرَا
فهاج الهجاء بينهما ، فكان مما ذكر به عرادة قوله :
أتَــانِي عَـنْ عَـرَادَةَ قَـوْلُ سُـوءٍ
فَــلاَ وَأَبِــي عُـرَادَةَ مَـا أَصَابَـا
وَكَـمْ لَـكَ يَـا عُـرَادَةُ مِـنْ أُمِّ سُوءٍ
بَــأَرْضِ الطَّلْــحِ تَحْـتَبِلُ الزَّبابَـا
لَبِئْــسَ الْكَسْـبُ تَكْسِــبُهُ نُمَــيْرٌ
إِذَا اسْــتَأْنَوْكَ وانْتَظَــروا الإِيابَـا
وكان في المخطوطة والمطبوعة : " عرابة " ، وهو خطأ صرف .
(11) الأثر : 18553 - " سعيد بن سلام ، أبو الحسن البصري العطار الثوري الأعور " ، منكر الحديث ، كذاب يحدث عن الثوري ، لا يكتب حديثه ، مترجم في الكبير 2 / 1 / 441 ، وابن أبي حاتم 2 / 1 / 31 ، ولسان الميزان 3 : 31 ، وميزان الاعتدال 1 : 382 . " ونسير بن ذعلوق الثوري " ، ثقة ، مضى برقم : 5491 ، 13488 .
11:102Page 233
وَكَذَٰلِكَ أَخۡذُ رَبِّكَ إِذَآ أَخَذَ ٱلۡقُرَىٰ وَهِيَ ظَٰلِمَةٌۚ إِنَّ أَخۡذَهُۥٓ أَلِيمٞ شَدِيدٌ ١٠٢
And thus is the seizure of your Lord when He seizes the cities while they are committing wrong. Indeed, His seizure is painful and severe.
القول في تأويل قوله تعالى : وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ (102)
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: وكما أخذت، أيها الناس ، أهلَ هذه القرى التي اقتصصت عليك نبأ أهلها بما أخذتُهم به من العذاب، على خلافهم أمري ، وتكذيبهم رسلي ، وجحودهم آياتي، فكذلك أخذي القرَى وأهلها إذا أخذتهم بعقابي ، وهم ظلمة لأنفسهم بكفرهم بالله ، وإشراكهم به غيره ، وتكذيبهم رسله ، (إنَّ أخذه أليم) ، يقول: إن أخذ ربكم بالعقاب من أخذه ، (أليم) ، يقول: موجع ، (شديد) الإيجاع.
* * *
وهذا من الله تحذيرٌ لهذه الأمة ، (12) أن يسلكوا في معصيته طريق من قبلهم من الأمم الفاجرة، فيحل بهم ما حلَّ بهم من المثُلات، كما:-
18559- حدثنا أبو كريب قال ، حدثنا أبو معاوية، عن بريد بن أبي بردة، عن أبيه، عن أبي موسى قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الله يُمْلي ، ورُبَّما ، قال: يمهل ، الظالمَ، حتى إذا أخذه لم يُفْلِتُه. ثم قرأ: (وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة). (13)
18560- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد: إن الله حذّر هذه الأمة سطوتَه بقوله: (وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة إن أخذه أليم شديد).
* * *
وكان عاصم الجحدريّ يقرأ ذلك: (وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ)، (14) وذلك قراءة لا أستجيز القراءة بها لخلافها مصاحف المسلمين ، وما عليه قراء الأمصار.
-----------------------
الهوامش :
(12) في المطبوعة والمخطوطة : " وهذا أمر من الله تحذير . . . " ، والصواب حذف " أمر " ، كذلك فعلت .
(13) الأثر : 18559 - " بريد بن بردة " ، هو " بريد بن عبد الله بن أبي بردة الأشعري " ، يروي جده " أبي بردة " ، ثقة ، روى له الجماعة ، مترجم في التهذيب ، والكبير 2 / 1 / 140 ، وابن أبي حاتم 1 / 1 / 426 .وقوله " : عن أبيه " ، يعني عن " أبي بردة بن أبي موسى الأشعري " ، وهو جده . وهذا الخبر رواه البخاري في صحيحه ( الفتح 8 : 267 ) ، ومسلم في صحيحه 15 : 137 ، وابن ماجة في سننه ص : 1332 ، رقم : 4018 ، والترمذي في كتاب التفسير . وإسناد البخاري ومسلم : " بريدة بن أبي بردة ، عن أبيه " ، وإسناد ابن ماجة " بريد بن عبد الله بن أبي بردة ، عن أبي بردة " وعند الترمذي عن أبي كريب عن أبي معاوية أيضًا ، وهو إسناد الطبري : بريد بن عبد الله ، عن أبي بردة . وقد ذكر الحافظ ابن حجر ذلك فقال : " كذا وقع لأبي ذر ، ووقع لغيره : " عن أبي بردة " بدل : " عن أبيه " ، وهو صواب ، لأن بريدًا ، هو ابن عبد الله بن أبي بردة ، فأبو بردة جده لا أبوه ، ولكن يجوز إطلاق الأب عليه مجازًا " ( الفتح 8 : 267 ) . وقال الترمذي : " هذا حديث حسن صحيح غريب ، وقد روى أبو أسامة عن بريد ، نحوه وقال : يعلى . حدثنا إبراهيم بن سعيد الجوهري ، عن أبي أسامة ، عن بريد بن عبد الله ، عن جده أبي بردة ، عن أبي موسى ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، نحوه ، وقال : يملى ، ولم يشك فيه " .
وكان هنا في المخطوطة والمطبوعة : " إن الله يملي ، وربما أمهل ، قال يمهل " ، زاد " أمهل " ، فحذفتها ، لأنها زيادة لا شك في خطئها .
" أملي له " أخره وأطال مدته . من " الملاوة " ، وهي المدة من الزمن .
(14) كان في المطبوعة : " وكذلك أخذ ربك إذ أخذ القرى " وفي المخطوطة : " وكذلك أخذ ربك إذ أخذ القرى " ، والذي في المخطوطة ، هو نفس التلاوة ، ولذلك جعل الناشر " إذ " مكان " إذا " . ولكني لما رأيت أبا جعفر ذكر خلافه لمصاحف المسلمين وكان في المخطوطة : " إذا " قدرت أنه الذي أثبت ، وهي قراءة شاذة ، رويت عن عاصم الجحدري ، وعن نافع ( انظر القراءات الشاذة ، لابن خالويه : 61 ) . وقرأ عاصم وطلحة بن مصرف : ( وكَذَلِكَ أَخَذَ رَبُّكَ إِذْ أَخَذَ القُرَى ) وقرأ عاصم أيضا : ( وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّك إِذْ أَخَذَ الْقُرَى ) . فهي ثلاث قراءات عن عاصم الجحدري ، أثبت أشدها خلافا لمصاحف المسلمين ، وما عليه قرأة الأمصار .
Text: through the Quran Foundation. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences