At-Tabari · Tafsir · in Arabic
Hud 11:25–27
11:25Page 224
وَلَقَدۡ أَرۡسَلۡنَا نُوحًا إِلَىٰ قَوۡمِهِۦٓ إِنِّي لَكُمۡ نَذِيرٞ مُّبِينٌ ٢٥
And We had certainly sent Noah to his people, [saying], "Indeed, I am to you a clear warner
القول في تأويل قوله تعالى : وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ (25)
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: ولقد أرسلنا نوحًا إلى قومه : إني لكم ، أيها القوم ، نذير من الله، أنذركم بأسَه على كفركم به، فآمنوا به وأطيعوا أمره.
ويعني بقوله: (مبين) ، يبين لكم عما أرسل به إليكم من أمر الله ونهيه. (12)
* * *
واختلفت القرأة في قراءة قوله: (إني) .
فقرأ ذلك عامة قرأة الكوفة وبعض المدنيين بكسر " إنّ" على وجه الابتداء إذ كان في " الإرسال " معنى " القول ".
* * *
وقرأ ذلك بعض قرأة أهل المدينة والكوفة والبصرة بفتح " أن " على إعمال الإرسال فيها، كأن معنى الكلام عندهم: لقد أرسلنا نوحًا إلى قومه بأني لكم نذير مبين.
* * *
قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك عندي، أن يقال إنهما قراءتان متفقتا المعنى، قد قرأ بكل واحدة منهما جماعة من القرّاء، فبأيتهما قرأ القارئ كان مصيبًا للصواب في ذلك.
---------------------
الهوامش :
(12) انظر تفسير " نذير " و " مبين " فيما سلف من فهارس اللغة ( نذر ) ، ( بين ) .
11:26Page 224
أَن لَّا تَعۡبُدُوٓاْ إِلَّا ٱللَّهَۖ إِنِّيٓ أَخَافُ عَلَيۡكُمۡ عَذَابَ يَوۡمٍ أَلِيمٖ ٢٦
That you not worship except Allāh. Indeed, I fear for you the punishment of a painful day."
وقوله: (أن لا تعبدوا إلا الله) فمن كسر الألف في قوله: (إني) جعل قوله: (أرسلنا) عاملا في " أنْ" التي في قوله: (أن لا تعبدوا إلا الله) ، ويصير المعنى حينئذ: ولقد أرسلنا نوحًا إلى قومه، أن لا تعبدوا إلا الله، وقل لهم : إني لكم نذير مبين ، ومن فتحها ردّ " أنْ" في قوله: (أن لا تعبدوا) عليها. فيكون المعنى حينئذ: لقد أرسلنا نوحًا إلى قومه بأني لكم نذير مبين، بأن لا تعبدوا إلا الله.
* * *
ويعني بقوله: [بأن لا تعبدوا إلا الله أيها الناس]، عبادة الآلهة والأوثان ، (13)
وإشراكها في عبادته، وأفردوا الله بالتوحيد ، وأخلصوا له العبادة، فإنه لا شريك له في خلقه.
* * *
وقوله: (إني أخاف عليكم عذاب يوم أليم)، يقول: إني أيها القوم ، إن لم تخصُّوا الله بالعبادة، وتفردوه بالتوحيد ، وتخلعوا ما دونه من الأنداد والأوثان ، أخاف عليكم من الله عذابَ يوم مؤلم عقابُه وعذابُه لمن عُذِّب فيه.
* * *
وجعل " الأليم " من صفة " اليوم " وهو من صفة " العذاب "، إذ كان العذاب فيه ، كما قيل: وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا ، [سورة الأنعام: 96] ، وإنما " السكن " من صفة ما سكن فيه دون الليل.
---------------------------
الهوامش :
(13) هكذا جاءت الجملة في المخطوطة والمطبوعة ، والسقط فيها ظاهر بين ، وكأن الصواب إن شاء الله :
" ويعني بقوله :( أَنْ لَا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ ) ، أي : اتركوا عبادة الآلهة . . . "
11:27Page 224
فَقَالَ ٱلۡمَلَأُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَوۡمِهِۦ مَا نَرَىٰكَ إِلَّا بَشَرٗا مِّثۡلَنَا وَمَا نَرَىٰكَ ٱتَّبَعَكَ إِلَّا ٱلَّذِينَ هُمۡ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ ٱلرَّأۡيِ وَمَا نَرَىٰ لَكُمۡ عَلَيۡنَا مِن فَضۡلِۭ بَلۡ نَظُنُّكُمۡ كَٰذِبِينَ ٢٧
So the eminent among those who disbelieved from his people said, "We do not see you but as a man like ourselves, and we do not see you followed except by those who are the lowest of us [and] at first suggestion.1 And we do not see in you over us any merit; rather, we think you are liars."
القول في تأويل قوله تعالى : فَقَالَ الْمَلأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا نَرَاكَ إِلا بَشَرًا مِثْلَنَا وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ (27)
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: فقال الكبراء من قوم نوح وأشرافهم ، وهم (الملأ )، ، (14) الذين كفروا بالله وجحدوا نبوة نبيهم نوح عليه السلام ، (ما نراك)، يا نوح، (إلا بشرًا مثلنا) ، يعنون بذلك أنه آدمي مثلهم في الخلق والصُّورة والجنس، كأنهم كانوا منكرين أن يكون الله يرسل من البشر رسولا إلى خلقه. (15)
* * *
وقوله: (وما نراك اتَّبعك إلا الذين هم أراذلنا بادي الرأي) ، يقول: وما نراك اتبعك إلا الذين هم سفلتنا من الناس ، دون الكبراء والأشراف ، فيما نرَى ويظهر لنا.
* * *
وقوله: (بادي الرأي) ، اختلفت القرأة في قراءته.
فقرأته عامة قرأة المدينة والعراق: ( بَادِيَ الرَّأْيِ )، بغير همز " البادي" وبهمز " الرأي"، بمعنى: ظاهر الرأي، من قولهم: " بدا الشيء يبدو " ، إذا ظهر، كما قال الراجز: (16)
أَضْحَـى لِخَـالِي شَـبَهِيَ بَـادِي بَدِي
وَصَــارَ لِلْفَحْــلِ لِسَــانِي وَيَـدِي (17)
" بادي بدي" بغير همز، وقال آخر:
وقَدْ عَلَتْنِي ذُرْأَةٌ بادِي بَدِي (18)
* * *
وقرأ ذلك بعض أهل البصرة: (بَادِئَ الرَّأْيِ)، مهموزًا أيضًا، بمعنى: مبتدأ الرأي، من قولهم: " بدأت بهذا الأمر "، إذا ابتدأت به قبل غيره.
* * *
قال أبو جعفر: وأولى القراءتين بالصواب في ذلك عندنا قراءة من قرأ: ( بَادِيَ الرَّأْيِ ) بغير همز " البادي"، وبهمز " الرأي"، لأن معنى ذلك الكلام: إلا الذين هم أراذلنا ، في ظاهر الرأي ، وفيما يظهر لنا.
* * *
وقوله: (وما نرى لكم علينا من فضل)، يقول: وما نتبين لكم علينا من فضل نلتموه بمخالفتكم إيانا في عبادة الأوثان إلى عبادة الله وإخلاص العبودة له، فنتبعكم طلبَ ذلك الفضل ، وابتغاءَ ما أصبتموه بخلافكم إيانا ، (بل نظنكم كاذبين).
* * *
وهذا خطاب منهم لنوحٍ عليه السلام، وذلك أنهم إنما كذبوا نوحًا دون أتباعه، لأن أتباعه لم يكونوا رُسلا. وأخرج الخطابَ وهو واحد مخرج خطاب الجميع، كما قيل: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ ، [ سورة الطلاق: 1] .
* * *
قال أبو جعفر: وتأويل الكلام: بل نظنك ، يا نوح ، في دعواك أن الله ابتعثك إلينا رسولا كاذبًا.
* * *
وبنحو ما قلنا في تأويل قوله (بادي الرأي) قال أهل التأويل.
*ذكر من قال ذلك:
18105- حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن عطاء الخراساني، عن ابن عباس قوله: ( وما نراك اتبعك إلا الذين هم أراذلنا بادي الرأي ) ، قال: فيما ظهر لنا
------------------------
الهوامش :
(14) انظر تفسير " الملأ " فيما سلف ص : 177 ، تعليق : 1 ، والمراجع هناك .
(15) انظر تفسير " البشر " فيما سلف 11 : 521 ، تعليق : 1 ، والمراجع هناك .
(16) أبو نخيلة السعدي .
(17) هذا الرجز والذي يليه ، من رجز أبي نخيلة السعدي ، لا شك في البيت الثاني منهما ، أما الأول فإني أرتاب في صحة إنشاده ، على الوجه الذي أنشده الفراء في معاني القرآن . وقد خرج هذا الرجز ، صديقنا وشيخنا عبد العزيز الميمني الراجكرتي في سمط اللآلئ : 293 ، 480 ، وفي اللسان ( ذرأ ) ، وتهذيب إصلاح المنطق 2 : 32 ، وسيبويه 2 : 54 ، ونوادر اليزيدي : 128 ، والأغاني ( ساسي) 18 : 151 ، وتاريخ ابن عساكر 2: 321 ، وأزيد ، تاريخ الطبري 9 : 273 ، والمعاني الكبير : 1223 ، والفراء في معاني القرآن ، ومجاز القرآن 1 : 288 ، واللسان ( بدا ) ، والأبيات هي :
كَـيْفَ التَّصَـابِي فِعْـلَ مَـنْ لَـمْ يَهْتَدِ
وَقَــد عَلَتْنِــي ذُرْأَةٌ بَــادِي بَـدى
وَرَثْيَــةٌ تَنْهَـــضُ فــي تَشَـدُّدِي
بَعْـدَ انْتِهَـاضِي فـي الشَّـبَابِ الأمْلَدِ
وَبَعْــدَ مَــا أَذْكُــرُ مِـنْ تَـأَوُّدِي
وَبَعْــدَ تَمْشَــائِي وتَطْوِيحِـي يَـدِي
وَمِشْــيَتِي تَحْـتَ الغُـدَافِ الأسْـوَدِ
وذكرها صاحب اللسان في ( بدا ) ، والتبريزي في تهذيب إصلاح المنطق ، وزاد بعد قوله " ورثيــة تنهــض فــي تشـددي
وصــار للفحــل لســاني ويـدي
أما البيت الأول ، فلم أجده في مكان ، وأخشى أن تكون " بادي بدى " فيه ، موضوعة مكان كلمة أخرى ، ولا شك أن موضع هذين البيتين ، ليس في الموضع الذي وضع أحدهما فيه صاحب اللسان والتبريزي .
(18) انظر التعليق السالف . و " الذرأة " ( بضم فسكون ) ، الشيب في مقدم الرأس .
Text: through the Quran Foundation. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences