At-Tabari · Tafsir · in Arabic
Al-Isra 17:37–39
17:37Page 285
وَلَا تَمۡشِ فِي ٱلۡأَرۡضِ مَرَحًاۖ إِنَّكَ لَن تَخۡرِقَ ٱلۡأَرۡضَ وَلَن تَبۡلُغَ ٱلۡجِبَالَ طُولٗا ٣٧
And do not walk upon the earth exultantly. Indeed, you will never tear the earth [apart], and you will never reach the mountains in height.1
يقول تعالى ذكره: ولا تمش في الأرض مختالا مستكبرا( إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الأَرْضَ ) يقول: إنك لن تقطع الأرض باختيالك، كما قال رُؤْبة:
وقاتِمِ الأعماقِ خاوِي المُخْتَرَق (6)
يعني بالمخترق: المقطع ( وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولا ) بفخرك وكبرك، وإنما هذا نهي من الله عباده عن الكبر والفخر والخُيَلاء، وتقدم منه إليهم فيه معرِّفهم بذلك أنهم لا ينالون بكبرهم وفخارهم شيئا يقصر عنه غيرهم.
وبنحو الذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك:
حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله ( وَلا تَمْشِ فِي الأرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الأرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولا ) يعني بكبرك ومرحك.
حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة ( وَلا تَمْشِ فِي الأرْضِ مَرَحًا ) قال: لا تمش في الأرض فخرا وكبرا، فإن ذلك لا يبلغ بك الجبال، ولا تخرق الأرض بكبرك وفخرك.
حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج ( وَلا تَمْشِ فِي الأرْضِ ) قال: لا تفخر.
وقيل: لا تمش مرَحا، ولم يقل مرِحا، لأنه لم يرد بالكلام: لا تكن مرِحا، فيجعله من نعت الماشي، وإنما أريد لا تمرح في الأرض مرَحا، ففسر المعنى المراد من قوله: ولا تمش، كما قال الراجز:
يُعْجَبُـــهُ السَّـــخُونُ والعَصِيــدُ
والتَّمْــرُ حبًّــا مَــا لَــهُ مَزِيـدُ (7)
فقال: حبا، لأن في قوله: يعجبه، معنى يحبّ، فأخرج قوله: حبا، من معناه دون لفظه.
----------------------
الهوامش :
(6) البيت مطلع أرجوزة مطولة (171 بيتا في ديوان رؤبة طبع ليبج سنة 1903م ، ص 104) وهو شاهد على أن قوله المخترق بمعنى القطع كما في قوله تعالى: "إنك لن تخرق الأرض" أي لن تقطع الأرض. ويريد بقائم الأعماق : واديا مظلم النواحي لما كثر فيه من الغبار الثائر . والخاوي : الخالي . والمخترق : الممر والمقطع . وقال أبو عبيدة في مجاز القرآن ( 1 : 380 ) " إنك لن تخرق الأرض " : مجاز " لن تقطع الأرض . وقال رؤبة: ... البيت أي المقطع . وقال آخرون : إنك لن تنقب الأرض وليس بشيء.
(7) البيتان في الملحق بشعر رؤبة بن العجاج ، بآخر ديوانه ( طبع ليبسج سنة 1903 ص 172 ) وروايتهما فيه:
يُعْجِبُـــهُ السِّـــخُونُ والــبَرُودُ
والقَـــزُّ حُبًّـــا مالَــهُ مَزِيــدُ
ورواية البيت في ( اللسان : سخن ) كرواية المؤلف . قال : ويروى: " حتى ماله مزيد " . وقال : السخون من المرق : ما يسخن . وقال في ( برد ) : كل ما برد به شيء : برود . أ هـ . ولعله يريد الماء البارد ، تنقع به الغلة ، وقال في (عصد) : العصيدة : دقيق يلت بالسمن ويطبخ . والشاهد في البيت : أن قوله حبا مفعول مطلق ، لأنه بمعنى إعجابا ، لأن في قوله يعجبه ، معنى يحبه ، فكأنه مرادف له . وهو نظير قوله تعالى: "ولا تمش في الأرض مرحا ، أي المرح . وقد سبق الاستشهاد بالبيت في بعض أجزاء التفسير.
17:38Page 285
كُلُّ ذَٰلِكَ كَانَ سَيِّئُهُۥ عِندَ رَبِّكَ مَكۡرُوهٗا ٣٨
All that [i.e., the aforementioned] - its evil is ever, in the sight of your Lord, detested.
وقوله ( كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا ) فإن القرّاء اختلفت فيه، فقرأه بعض قرّاء المدينة وعامة قرّاء الكوفة ( كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا ) على الإضافة بمعنى: كل هذا الذي ذكرنا من هذه الأمور التي عددنا من مبتدأ قولنا وَقَضَى رَبُّكَ أَلا تَعْبُدُوا إِلا إِيَّاهُ .... إلى قولنا( وَلا تَمْشِ فِي الأرْضِ مَرَحًا )(كانَ سَيِّئُهُ) يقول:
سيء ما عددنا عليك عند ربك مكروها.
وقال قارئو هذه القراءة: إنما قيل ( كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ ) بالإضافة، لأن فيما عددنا من قوله وَقَضَى رَبُّكَ أَلا تَعْبُدُوا إِلا إِيَّاهُ أمورا، هي أمر بالجميل، كقوله وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وقوله وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وما أشبه ذلك، قالوا: فليس كلّ ما فيه نهيا عن سيئة، بل فيه نهى عن سيئة، وأمر بحسنات، فلذلك قرأنا(سَيِّئُهُ)، وقرأ عامة قرّاء أهل المدينة والبصرة وبعض قرّاء الكوفة (كُلُّ ذلكَ كانَ سَيِّئَةً) وقالوا: إنما عنى بذلك: كلّ ما عددنا من قولنا وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ ولم يدخل فيه ما قبل ذلك. قالوا: وكل ما عددنا من ذلك الموضع إلى هذا الموضع سيئة لا حسنة فيه، فالصواب قراءته بالتنوين. ومن قرأ هذه القراءة، فإنه ينبغي أن يكون من نيته أن يكون المكروه مقدما على السيئة، وأن يكون معنى الكلام عنده: كلّ ذلك كان مكروها سيئه؛ لأنه إن جعل قوله: مكروها نعدّ السيئة من نعت السيئة، لزمه أن تكون القراءة: كلّ ذلك كان سيئة عند ربك مكروهة، وذلك خلاف ما في مصاحف المسلمين.
وأولى القراءتين عندي في ذلك بالصواب قراءة من قرأ ( كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ ) على إضافة السيئ إلى الهاء، بمعنى: كلّ ذلك الذي عددنا من وَقَضَى رَبُّكَ أَلا تَعْبُدُوا إِلا إِيَّاهُ .... كَانَ سَيِّئُهُ لأن في ذلك أمورا منهيا عنها، وأمورا مأمورا بها، وابتداء الوصية والعهد من ذلك الموضع دون قوله وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ إنما هو عطف على ما تقدّم من قوله وَقَضَى رَبُّكَ أَلا تَعْبُدُوا إِلا إِيَّاهُ فإذا كان ذلك كذلك، فقراءته بإضافة السيء إلى الهاء أولى وأحقّ من قراءته سيئةً بالتنوين، بمعنى السيئة الواحدة.
فتأويل الكلام إذن: كلّ هذا الذي ذكرنا لك من الأمور التي عددناها عليك كان سيئة مكروها عند ربك يا محمد، يكرهه وينهى عنه ولا يرضاه، فاتق مواقعته والعمل به.
17:39Page 286
ذَٰلِكَ مِمَّآ أَوۡحَىٰٓ إِلَيۡكَ رَبُّكَ مِنَ ٱلۡحِكۡمَةِۗ وَلَا تَجۡعَلۡ مَعَ ٱللَّهِ إِلَٰهًا ءَاخَرَ فَتُلۡقَىٰ فِي جَهَنَّمَ مَلُومٗا مَّدۡحُورًا ٣٩
That is from what your Lord has revealed to you, [O Muḥammad], of wisdom. And, [O mankind], do not make [as equal] with Allāh another deity, lest you be thrown into Hell, blamed and banished.
يقول تعالى ذكره: هذا الذي بيَّنا لك يا محمد من الأخلاق الجميلة التي أمرناك بجميلها، ونهيناك عن قبيحها( مِمَّا أَوْحَى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ ) يقول: من الحكمة التي أوحيناها إليك في كتابنا هذا.
كما حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله ( ذَلِكَ مِمَّا أَوْحَى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ ) قال: القرآن.
وقد بيَّنا معنى الحكمة فيما مضى من كتابنا هذا، بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع.
( وَلا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتُلْقَى فِي جَهَنَّمَ مَلُومًا مَدْحُورًا ) يقول: ولا تجعل مع الله شريكا في عبادتك، فتُلقى في جهنم ملوما تلومك نفسك وعارفوك من الناس ( مَدْحُورًا) يقول:
مُبْعَدا مقصيا في النار، ولكن أخلص العبادة لله الواحد القهَّار، فتنجو من عذابه.
وبنحو الذي قلنا في قوله (مَلُومًا مًدْحُورًا) قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك:
حدثني علي بن داود، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، في قوله (مَلُومًا مَدْحُورًا) يقول: مطرودا.
حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة (مَلُومًا مَدْحُورًا) قال: ملوما في عبادة الله، مدحورا في النار.
Text: through the Quran Foundation. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences