At-Tabari · Tafsir · in Arabic
Al-Baqarah 2:124–126
2:124Page 19
۞ وَإِذِ ٱبۡتَلَىٰٓ إِبۡرَٰهِـۧمَ رَبُّهُۥ بِكَلِمَٰتٖ فَأَتَمَّهُنَّۖ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامٗاۖ قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِيۖ قَالَ لَا يَنَالُ عَهۡدِي ٱلظَّٰلِمِينَ ١٢٤
And [mention, O Muḥammad], when Abraham was tried by his Lord with words [i.e., commands] and he fulfilled them. [Allāh] said, "Indeed, I will make you a leader for the people." [Abraham] said, "And of my descendants?" [Allāh] said, "My covenant does not include the wrongdoers."
القول في تأويل قوله تعالى : وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ
قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بقوله: (وإذ ابتلى)، وإذا اختبر.
* * *
يقال منه: " ابتليت فلانا أبتليه ابتلاء "، ومنه قول الله عز وجل: وَابْتَلُوا الْيَتَامَى [سورة النساء: 6]، يعني به: اختبروهم. (18) .
* * *
وكان اختبار الله تعالى ذكره إبراهيم، اختبارا بفرائض فرضها عليه, وأمر أمره به. وذلك هو " الكلمات " التي أوحاهن إليه، وكلفه العمل بهن، امتحانا منه له واختبارا.
* * *
ثم اختلف أهل التأويل في صفة " الكلمات " التي ابتلى الله بها إبراهيم نبيه وخليله صلوات الله عليه.
* * *
فقال بعضهم: هي شرائع الإسلام, وهي ثلاثون سهما. (19)
* ذكر من قال ذلك:
1907- حدثنا محمد بن المثنى قال، حدثنا عبد الأعلى قال، حدثنا داود, عن عكرمة, عن ابن عباس في قوله: " وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات " قال، قال ابن عباس: لم يبتل أحد بهذا الدين فأقامه إلا إبراهيم, ابتلاه الله بكلمات، فأتمهن. قال: فكتب الله له البراءة فقال: وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى [سورة النجم: 37]. قال: عشر منها في" الأحزاب ", وعشر منها في" براءة ", وعشر منها في" المؤمنون " و " سأل سائل "، وقال: إن هذا الإسلام ثلاثون سهما. (20)
1908- حدثنا إسحاق بن شاهين قال، حدثنا خالد الطحان, عن داود, عن عكرمة, عن ابن عباس قال: ما ابتلي أحد بهذا الدين فقام به كله غير إبراهيم، ابتلي بالإسلام فأتمه, فكتب الله له البراءة فقال: " وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى "، فذكر عشرا في" براءة " [112] فقال: التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ إلى آخر الآية، (21) وعشرا في" الأحزاب " [35]، إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ , وعشرا في" سورة المؤمنون " [1-9] إلى قوله: وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ , وعشرا في" سأل سائل " [22-34] وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلاتِهِمْ يُحَافِظُونَ .
1909- حدثنا عبد الله بن أحمد بن شبويه قال، حدثنا علي بن الحسن قال، حدثنا خارجة بن مصعب, عن داود بن أبي هند, عن عكرمة, عن ابن عباس قال: الإسلام ثلاثون سهما, وما ابتلي بهذا الدين أحد فأقامه إلا إبراهيم, قال الله: وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى ، فكتب الله له براءة من النار. (22)
* * *
وقال آخرون: هي خصال عشر من سنن الإسلام.
* ذكر من قال ذلك:
1910- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن ابن طاوس, عن أبيه, عن ابن عباس: " وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات " قال، ابتلاه الله بالطهارة: خمس في الرأس, وخمس في الجسد. في الرأس: قص الشارب, والمضمضة, والاستنشاق, والسواك, وفرق الرأس. وفي الجسد: تقليم الأظفار, وحلق العانة, والختان, ونتف الإبط, وغسل أثر الغائط والبول بالماء. (23)
1911- حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الرزاق, عن معمر, عن الحكم بن أبان, عن القاسم بن أبي بزة, عن ابن عباس، بمثله- ولم يذكر أثر البول.
1912- حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا سليمان قال، حدثنا أبو هلال قال، حدثنا قتادة في قوله: " وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات " قال، ابتلاه بالختان, وحلق العانة, وغسل القبل والدبر, والسواك, وقص الشارب, وتقليم الأظافر, ونتف الإبط. قال أبو هلال: ونسيت خصلة.
1913- حدثت عن عمار, قال: حدثنا ابن أبي جعفر, عن أبيه, عن مطر, عن أبي الخلد قال: ابتلي إبراهيم بعشرة أشياء، هن في الإنسان: سنة: الاستنشاق, وقص الشارب, والسواك, ونتف الإبط, وقلم الأظفار, وغسل البراجم, والختان, وحلق العانة, وغسل الدبر والفرج (24) .
* * *
وقال بعضهم: بل " الكلمات " التي ابتلي بهن عشر خلال; بعضهن في تطهير الجسد, وبعضهن في مناسك الحج.
*ذكر من قال ذلك :
1914- حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال: حدثنا محمد بن حرب قال، حدثنا ابن لهيعة, عن ابن هبيرة, عن حنش, عن ابن عباس في قوله: " وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن " قال، ستة في الإنسان, وأربعة في المشاعر. فالتي في الإنسان: حلق العانة, والختان, ونتف الإبط, وتقليم الأظفار, وقص الشارب, والغسل يوم الجمعة. وأربعة في المشاعر: الطواف, والسعي بين الصفا والمروة, ورمي الجمار, والإفاضة. (25)
* * *
وقال آخرون: بل ذلك: إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا ، في مناسك الحج.
* ذكر من قال ذلك:
1915- حدثنا أبو كريب قال، حدثنا ابن إدريس قال، سمعت إسماعيل بن أبي خالد, عن أبي صالح في قوله: " وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن "، فمنهن: إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا ، وآيات النسك. (26)
1916- حدثنا أبو السائب قال، حدثنا ابن إدريس قال، سمعت إسماعيل بن أبي خالد, عن أبي صالح مولى أم هانئ في قوله: " وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات " قال، منهن إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا ومنهن آيات النسك: وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ [سورة البقرة: 127].
1917- حدثنا محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد في قوله: " وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن " قال الله لإبراهيم: إني مبتليك بأمر فما هو؟ قال: تجعلني للناس إماما! قال: نعم. قال: ومن ذريتي. قال: لا ينال عهدي الظالمين. قال: تجعل البيت مثابة للناس. قال: نعم. [قال]: وأمنا. قال: نعم. [قال]: وتجعلنا مسلمين لك, ومن ذريتنا أمة مسلمة لك. قال: نعم. [قال]: وترينا مناسكنا وتتوب علينا. قال: نعم. قال: وتجعل هذا البلد آمنا. قال: نعم. قال: وترزق أهله من الثمرات من آمن منهم. قال: نعم.
1918- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد، مثله.
1919- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل, عن ابن أبي نجيح، أخبره به عن عكرمة، فعرضته على مجاهد فلم ينكره.
1920- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج, عن ابن جريج, عن مجاهد بنحوه. قال ابن جريج: فاجتمع على هذا القول مجاهد وعكرمة جميعا.
1921- حدثنا سفيان قال، حدثني أبي, عن سفيان, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: " وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن " قال، ابتلي بالآيات التي بعدها: إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ .
1922- حدثت عن عمار قال، حدثنا ابن أبي جعفر, عن أبيه, عن الربيع في قوله: " وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن "، فالكلمات: إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا ، وقوله: وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ ، وقوله: وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى وقوله: وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ الآية, وقوله: وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ الآية. قال: فذلك كله من الكلمات التي ابتلي بهن إبراهيم. (27)
1923- حدثني محمد بن سعد (28) قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس قوله: " وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن "، فمنهن: إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا ، ومنهن: وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ ، ومنهن الآيات في شأن النسك, والمقام الذي جعل لإبراهيم, والرزق الذي رزق ساكنو البيت، ومحمد صلى الله عليه وسلم في ذريتهما عليهما السلام.
* * *
وقال آخرون: بل ذلك مناسك الحج خاصة.
* ذكر من قال ذلك:
1924- حدثنا ابن بشار قال، حدثنا سلم بن قتيبة قال، حدثنا عمر بن نبهان, عن قتادة, عن ابن عباس في قوله: " وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات " قال، مناسك الحج. (29)
1925- حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد بن زريع قال، حدثنا سعيد, عن قتادة قال، كان ابن عباس يقول في قوله: " وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات " قال، المناسك.
1926- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر, عن قتادة قال، قال ابن عباس: ابتلاه بالمناسك.
1927- حدثت عن عمار بن الحسن قال، حدثنا ابن أبي جعفر, عن أبيه, قال: بلغنا عن ابن عباس أنه قال: إن الكلمات التي ابتلي بها إبراهيم، المناسك.
1928- حدثنا أحمد بن إسحاق قال، حدثنا أبو أحمد الزبيري قال، حدثنا شريك, عن أبي إسحاق, عن التميمي, عن ابن عباس قوله: " وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات " قال، مناسك الحج.
1929- حدثني المثنى قال، حدثنا الحماني قال، حدثنا شريك, عن أبي إسحاق, عن التميمي, عن ابن عباس في قوله: " وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات " قال، منهن مناسك الحج. (30)
* * *
وقال آخرون: هي أمور، منهن الختان.
* ذكر من قال ذلك:
1930- حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا سلم بن قتيبة، عن يونس بن أبي إسحاق, عن الشعبي: " وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات " قال، منهن الختان.
1931- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا يحيى بن واضح قال، حدثنا يونس بن أبي إسحاق, قال: سمعت الشعبي يقول، فذكر مثله.
1932- حدثنا أحمد بن إسحاق قال، حدثنا أبو أحمد قال، حدثنا يونس بن أبي إسحاق قال، سمعت الشعبي - وسأله أبو إسحاق عن قول الله: " وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات " - قال، منهن الختان، يا أبا إسحاق.
* * *
وقال آخرون: بل ذلك الخلال الست: الكوكب, والقمر, والشمس, والنار, والهجرة, والختان, التي ابتلي بهن فصبر عليهن.
* ذكر من قال ذلك:
1933- حدثني يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا ابن علية, عن أبي رجاء, قال: قلت للحسن: " وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن ". قال: ابتلاه بالكوكب، فرضي عنه؛ وابتلاه بالقمر، فرضي عنه؛ وابتلاه بالشمس، فرضي عنه؛ وابتلاه بالنار، فرضي عنه؛ وابتلاه بالهجرة, وابتلاه بالختان.
1934- حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد بن زريع قال: حدثنا سعيد, عن قتادة قال: كان الحسن يقول: إي والله، ابتلاه بأمر فصبر عليه: ابتلاه بالكوكب والشمس والقمر, فأحسن في ذلك, وعرف أن ربه دائم لا يزول, فوجه وجهه للذي فطر السموات والأرض حنيفا وما كان من المشركين؛ ثم ابتلاه بالهجرة فخرج من بلاده وقومه حتى لحق بالشام مهاجرا إلى الله؛ ثم ابتلاه بالنار قبل الهجرة، فصبر على ذلك؛ فابتلاه الله بذبح ابنه وبالختان، فصبر على ذلك.
1935- حدثنا الحسن بن يحيى, قال: أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر, عمن سمع الحسن يقول في قوله: " وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات " قال، ابتلاه الله بذبح ولده, وبالنار, وبالكوكب, والشمس, والقمر.
1936- حدثنا ابن بشار قال، حدثنا سلم بن قتيبة قال، حدثنا أبو هلال, عن الحسن: " وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات " قال، ابتلاه بالكوكب, وبالشمس والقمر, فوجده صابرا.
* * *
وقال آخرون بما:
1937- حدثنا به موسى بن هارون قال، حدثنا عمرو بن حماد قال، حدثنا أسباط, عن السدي: الكلمات التي ابتلى بهن إبراهيم ربه: رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ * رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ * رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولا مِنْهُمْ [سورة البقرة: 127-129]
* * *
قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك عندنا أن يقال: إن الله عز وجل أخبر عباده أنه اختبر إبراهيم خليله بكلمات أوحاهن إليه, وأمره أن يعمل بهن فأتمهن, كما أخبر الله جل ثناؤه عنه أنه فعل. (31) وجائز أن تكون تلك الكلمات جميع ما ذكره من ذكرنا قوله في تأويل " الكلمات ", وجائز أن تكون بعضه. لأن إبراهيم صلوات الله عليه قد كان امتحن فيما بلغنا بكل ذلك, فعمل به، وقام فيه بطاعة الله وأمره الواجب عليه فيه. وإذ كان ذلك كذلك, فغير جائز لأحد أن يقول: عنى الله بالكلمات التي ابتلي بهن إبراهيم شيئا من ذلك بعينه دون شيء, ولا عنى به كل ذلك، إلا بحجة يجب التسليم لها: من خبر عن الرسول صلى الله عليه وسلم, أو إجماع من الحجة. ولم يصح في شيء من ذلك خبر عن الرسول بنقل الواحد, ولا بنقل الجماعة التي يجب التسليم لما نقلته. غير أنه روي عن النبي صلى الله عليه وسلم في نظير معنى ذلك خبران، لو ثبتا, أو أحدهما, كان القول به في تأويل ذلك هو الصواب. أحدهما، ما:-
1938- حدثنا به أبو كريب قال، حدثنا رشدين بن سعد قال، حدثني زبّان بن فائد, عن سهل بن معاذ بن أنس, عن أبيه, قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ألا أخبركم لم سمى الله إبراهيم خليله: الَّذِي وَفَّى ؟ [سورة النجم:37] لأنه كان يقول كلما أصبح وكلما أمسى: فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ [سورة الروم: 17] حتى يختم الآية. (32)
والآخر منهما ما:-
1939- حدثنا به أبو كريب قال، حدثنا الحسن بن عطية قال، حدثنا إسرائيل, عن جعفر بن الزبير, عن القاسم, عن أبي أمامة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى قال، أتدرون ما وَفَّى ؟ قالوا: الله ورسوله أعلم, قال: وفي عمل يومه، أربع ركعات في النهار. (33)
* * *
قال أبو جعفر: فلو كان خبر سهل بن معاذ عن أبيه صحيحا سنده، كان بينا أن الكلمات التي ابتلي بهن إبراهيم فقام بهن، هو قوله كلما أصبح وأمسى: فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ * وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ - أو كان خبر أبي أمامة عدولا نقلته, كان معلوما أن الكلمات التي أوحين إلى إبراهيم فابتلي بالعمل بهن: أن يصلي كل يوم أربع ركعات. غير أنهما خبران في أسانيدهما نظر.
* * *
قال أبو جعفر: والصواب من القول في معنى " الكلمات " التي أخبر الله أنه ابتلي بهن إبراهيم، ما بينا آنفا.
ولو قال قائل في ذلك: إن الذي قاله مجاهد وأبو صالح والربيع بن أنس، أولى بالصواب من القول الذي قاله غيرهم، كان مذهبا. لأن قوله: إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا ، وقوله: وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وسائر الآيات التي هي نظير ذلك، كالبيان عن الكلمات التي ذكر الله أنه ابتلي بهن إبراهيم. (34)
* * *
القول في تأويل قوله تعالى : فَأَتَمَّهُنَّ
قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بقوله: " فأتمهن "، فأتم إبراهيم الكلمات. و " إتمامه إياهن "، إكماله إياهن، بالقيام لله بما أوجب عليه فيهن، وهو الوفاء الذي قال الله جل ثناؤه: وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى [سورة النجم: 37]، يعني وفى بما عهد إليه،" بالكلمات ", بما أمره به من فرائضه ومحنته فيها، (35) كما:-
1940- حدثني محمد بن المثنى قال، حدثنا عبد الأعلى قال، حدثنا داود, عن عكرمة, عن ابن عباس: " فأتمهن "، أي فأداهن.
1941- حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد بن زريع قال، حدثنا سعيد, عن قتادة: " فأتمهن "، أي عمل بهن فأتمهن.
1942- حدثت عن عمار قال، حدثنا ابن أبي جعفر, عن أبيه, عن الربيع: " فأتمهن "، أي عمل بهن فأتمهن.
* * *
القول في تأويل قوله تعالى : قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا
قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بقوله: " إني جاعلك للناس إماما "، فقال الله: يا إبراهيم، إني مصيرك للناس إماما، يؤتم به ويقتدى به، كما:-
1943- حدثت عن عمار قال، حدثنا ابن أبي جعفر, عن أبيه, عن الربيع: " إني جاعلك للناس إماما "، ليؤتم به ويقتدى به.
* * *
يقال منه: " أممت القوم فأنا أؤمهم أما وإمامة "، إذا كنت إمامهم.
* * *
وإنما أراد جل ثناؤه بقوله لإبراهيم: " إني جاعلك للناس إماما "، إني مصيرك تؤم من بعدك من أهل الإيمان بي وبرسلي, تتقدمهم أنت، (36) ويتبعون هديك, ويستنون بسنتك التي تعمل بها، بأمري إياك ووحيي إليك.
* * *
القول في تأويل قوله تعالى : قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي
قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بذلك: قال إبراهيم- لمّا رفع الله منـزلته وكرمه, فأعلمه ما هو صانع به، من تصييره إماما في الخيرات لمن في عصره، ولمن جاء بعده من ذريته وسائر الناس غيرهم، يهتدى بهديه ويقتدى بأفعاله وأخلاقه - : يا رب، ومن ذريتي فاجعل أئمة يقتدي بهم، كالذي جعلتني إماما يؤتم بي ويقتدى بي. مسألة من إبراهيم ربه سأله إياها، كما:-
1944- حدثت عن عمار قال، حدثنا ابن أبي جعفر, عن أبيه, عن الربيع, قال: قال إبراهيم: " ومن ذريتي"، يقول: فاجعل من ذريتي من يؤتم به ويقتدى به.
* * *
وقد زعم بعض الناس أن قول إبراهيم: " ومن ذريتي"، مسألة منه ربه لعقبه أن يكونوا على عهده ودينه, كما قال: وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الأَصْنَامَ [سورة إبراهيم:35]، فأخبر الله جل ثناؤه أن في عقبه الظالم المخالف له في دينه، بقوله: لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ .
* * *
والظاهر من التنـزيل يدل على غير الذي قاله صاحب هذه المقالة. لأن قول إبراهيم صلوات الله عليه: " ومن ذريتي"، في إثر قول الله جل ثناؤه: إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا . فمعلوم أن الذي سأله إبراهيم لذريته، لو كان غير الذي أخبر ربه أنه أعطاه إياه، لكان مبينا. (37) ولكن المسألة لما كانت مما جرى ذكره, اكتفى بالذكر الذي قد مضى، من تكريره وإعادته, فقال: " ومن ذريتي"، بمعنى: ومن ذريتي فاجعل مثل الذي جعلتني به، من الإمامة للناس.
* * *
القول في تأويل قوله تعالى : قَالَ لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ (124)
قال أبو جعفر: هذا خبر من الله جل ثناؤه عن أن الظالم لا يكون إماما يقتدي به أهل الخير. وهو من الله جل ثناؤه جواب لما يتوهم في مسألته إياه (38) أن يجعل من ذريته أئمة مثله. فأخبر أنه فاعل ذلك، إلا بمن كان من أهل الظلم منهم, فإنه غير مُصَيِّره كذلك, ولا جاعله في محل أوليائه عنده، بالتكرمة بالإمامة. لأن الإمامة إنما هي لأوليائه وأهل طاعته، دون أعدائه والكافرين به.
* * *
واختلف أهل التأويل في العهد الذي حرم الله جل ثناؤه الظالمين أن ينالوه.
فقال بعضهم: ذلك " العهد "، هو النبوة.
* ذكر من قال ذلك:
1945- حدثني موسى قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط, عن السدي: " قال لا ينال عهدي الظالمين "، يقول: عهدي, نبوتي.
فمعنى قائل هذا القول في تأويل الآية: لا ينال النبوة أهل الظلم والشرك.
* * *
وقال آخرون: معنى " العهد ": عهد الإمامة.
فتأويل الآية على قولهم: لا أجعل من كان من ذريتك بأسرهم ظالما، إماما لعبادي يقتدى به.
* ذكر من قال ذلك:
1946- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: " قال لا ينال عهدي الظالمين " قال، لا يكون إمام ظالما.
1947- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: قال الله: " لا ينال عهدي الظالمين " قال، لا يكون إمام ظالما.
1948- حدثنا المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل, عن ابن أبي نجيح, عن عكرمة بمثله.
1949- حدثنا ابن بشار قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا سفيان, عن منصور, عن مجاهد في قوله: " قال لا ينال عهدي الظالمين " قال، لا يكون إمام ظالم يقتدى به.
1950- حدثنا أحمد بن إسحاق الأهوازي قال، حدثنا أبو أحمد الزبيري قال، حدثنا سفيان, عن منصور, عن مجاهد, مثله.
1951- حدثنا مشرَّف بن أبان الحطاب قال، حدثنا وكيع, عن سفيان, عن خصيف, عن مجاهد في قوله: " لا ينال عهدي الظالمين " قال، لا أجعل إماما ظالما يقتدى به. (39) .
1952- حدثنا محمد بن عبيد المحاربي قال، حدثنا مسلم بن خالد الزنجي, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد في قوله: " لا ينال عهدي الظالمين " قال، لا أجعل إماما ظالما يقتدى به.
1953- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين, قال: حدثني حجاج, عن ابن جريج, عن مجاهد: " لا ينال عهدي الظالمين ": قال: لا يكون إماما ظالم.
قال ابن جريج: وأما عطاء فإنه قال: " إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي "، فأبى أن يجعل من ذريته ظالما إماما. قلت لعطاء: ما عهده؟ قال: أمره.
* * *
وقال آخرون: معنى ذلك: أنه لا عهد عليك لظالم أن تطيعه في ظلمه.
* ذكر من قال ذلك:
1954- حدثنا محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس قوله: " لا ينال عهدي الظالمين "، يعني: لا عهد لظالم عليك في ظلمه، أن تطيعه فيه.
1955- حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الرحمن بن عبد الله, عن إسرائيل, عن مسلم الأعور, عن مجاهد, عن ابن عباس: " قال لا ينال عهدي الظالمين " قال، ليس للظالمين عهد, وإن عاهدته فانقضه.
1956- حدثني القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج, عن سفيان, عن هارون بن عنترة, عن أبيه, عن ابن عباس قال، ليس لظالم عهد.
* * *
وقال آخرون: معنى " العهد " في هذا الموضع: الأمان.
فتأويل الكلام على معنى قولهم: قال الله لا ينال أماني أعدائي, وأهل الظلم لعبادي. أي: لا أؤمنهم من عذابي في الآخرة.
* ذكر من قال ذلك:
1957- حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد بن زريع قال، حدثنا سعيد, عن قتادة: " قال لا ينال عهدي الظالمين "، ذلكم عند الله يوم القيامة، لا ينال عهده ظالم, فأما في الدنيا، فقد نالوا عهد الله, فوارثوا به المسلمين وغازوهم وناكحوهم به. (40) فلما كان يوم القيامة قصر الله عهده وكرامته على أوليائه.
1958- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر, عن قتادة في قوله: " لا ينال عهدي الظالمين " قال، لا ينال عهد الله في الآخرة الظالمون, فأما في الدنيا فقد ناله الظالم، وأكل به وعاش.
1959- حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الرحمن, عن إسرائيل, عن منصور, عن إبراهيم: " قال لا ينال عهدي الظالمين " قال، لا ينال عهد الله في الآخرة الظالمون. فأما في الدنيا فقد ناله الظالم فأمن به، وأكل وأبصر وعاش.
* * *
وقال آخرون: بل " العهد " الذي ذكره الله في هذا الموضع: دين الله.
* ذكر من قال ذلك:
1960- حدثت عن عمار قال، حدثنا ابن أبي جعفر, عن أبيه, عن الربيع قال: قال الله لإبراهيم: " لا ينال عهدي الظالمين " فقال: فعهد الله الذي عهد إلى عباده، دينه. يقول: لا ينال دينه الظالمين. ألا ترى أنه قال: وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَى إِسْحَاقَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ [سورة الصافات:113]، يقول: ليس كل ذريتك يا إبراهيم على الحق.
1961- حدثني يحيى بن جعفر قال، أخبرنا يزيد قال، أخبرنا جويبر, عن الضحاك في قوله: " لا ينال عهدي الظالمين " قال، لا ينال عهدي عدو لي يعصيني, ولا أنحلها إلا وليا لي يطيعني. (41)
* * *
قال أبو جعفر: وهذا الكلام، وإن كان ظاهره ظاهر خبر = عن أنه لا ينال من ولد إبراهيم صلوات الله عليه عهد الله - الذي هو النبوة والإمامة لأهل الخير, بمعنى الاقتداء به في الدنيا, والعهد الذي بالوفاء به ينجو في الآخرة, من وفى لله به في الدنيا (42) - من كان منهم ظالما متعديا جائرا عن قصد سبيل الحق (43) . فهو إعلام من الله تعالى ذكره لإبراهيم: أن من ولده من يشرك به, ويجور عن قصد السبيل, ويظلم نفسه وعباده، كالذي:-
1962- حدثني إسحاق بن إبراهيم بن حبيب بن الشهيد قال، حدثنا عتاب بن بشير, عن خصيف, عن مجاهد في قوله: " لا ينال عهدي الظالمين " قال: إنه سيكون في ذريتك ظالمون (44)
* * *
وأما نصب " الظالمين ", فلأن العهد هو الذي لا ينال الظالمين.
وذكر أنه في قراءة ابن مسعود: " لا ينال عهدي الظالمون "، بمعنى: أن الظالمين هم الذين لا ينالون عهد الله.
* * *
وإنما جاز الرفع في" الظالمين " والنصب, وكذلك في" العهد "، لأن كل ما نال المرء فقد ناله المرء, كما يقال: " نالني خير فلان، ونلت خيره ", فيوجه الفعل مرة إلى الخير ومرة إلى نفسه.
* * *
وقد بينا معنى " الظلم " فيما مضى، فكرهنا إعادته. (45)
------------
الهوامش :
(18) انظر ما سلف في الجزء 2 : 48 ، 49 .
(19) السهم في الأصل واحد السهام التي يضرب بها في الميسر ، وهي القداح . ثم سمى ما يفوز به الفالج سهما ، ثم كثر حتى سمى كل نصيب سهما . وقوله هنا يدل على أنهم استعملوه في كل جزء من شيء يتجزأ وهو جملة واحدة . فقوله : "سهما" هنا ، أي خصلة وشعبة . وسيأتي شاهدها في الأخبار الآتية .
(20) سيأتي بيانها في الأثر التالي .
(21) في المطبوعة : "الآيات" ، والصواب ما أثبت .
(22) الخبر 1909- عبد الله بن أحمد بن شبويه : هو عبد الله بن أحمد بن محمد بن ثابت بن مسعود بن يزيد ، أبو عبد الرحمن ، عرف بابن شبويه ، وهو من أئمة الحديث ، كما قال الخطيب . مترجم في تاريخ بغداد 9 : 371 ، وله ترجمة موجزة في ابن أبي حاتم . ووقع في المطبوعة هنا"عبيد الله بن أحمد بن شبرمة" . وهو تحريف وخطأ . صححناه من التاريخ ، ومما سيأتي في التفسير .
علي بن الحسن بن شقيق بن دينار : ثقة ، من شيوح أحمد ، والبخاري ، وغيرهما . مترجم في التهذيب ، وفي شرح المسند : 7437 .
وهذا الخبر سيأتي بهذا الإسناد ، في التفسير : 27 : 43 (بولاق) . وكذلك رواه أبو جعفر بهذا الإسناد ، في التاريخ 1 : 144 .
وذكره ابن كثير 1 : 302 ، ونسبه أيضًا لابن أبي حاتم ، والحاكم . وذكره السيوطي 1 : 111-112 ، وزاد نسبته لابن أبي شيبة ، وابن مردويه ، وابن عساكر . وهذا الإسناد صحيح .
(23) الخبر : 1910- وهذا الإسناد صحيح أيضًا .
وهو في تفسير عبد الرزاق (مخطوطة دار الكتب المصورة) ، بهذا الإسناد .
وكذلك رواه أبو جعفر في التاريخ 1 : 144 ، من تفسير عبد الرزاق . بهذا الإسناد .
وكذلك رواه الحاكم 2 : 266 ، من طريق ابن طاوس عن أبيه ، به . وقال : "هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ، ولم يخرجاه" ، ووافقه الذهبي .
وذكره ابن كثير 1 : 301 . وكذلك ذكره السيوطي 1 : 111 وزاد نسبته إلى عبد بن حميد ، وابن المنذر ، وابن أبي حاتم ، والبيهقي في سننه .
(24) الخبر : 1913- مطر : هو ابن طهمان الوراق . وأبو الجلد : بفتح الجيم وسكون اللام ، سبق بيانه : 434 . وفي المطبوعة"أبو الخلد" بالخاء المعجمة بدل الجيم ، وهو تصحيف تكرر فيها كثيرا .
البراجم جمع برجمة (بضم الباء وسكون الراء وضم الجيم) : وهي ظهور القصب من مفاصل الأصابع .
(25) الخبر : 1914- ابن هبيرة : هو عبد الله بن هبيرة السبائي المصري ، وهو ثقة ، وثقه أحمد وغيره ، وخرج له مسلم في الصحيح . حنش ، بفتحتين وبالشين المعجمة : هو ابن عبد الله السبائي الصنعاني ، من صنعاء دمشق -وهي قرية بالغوطة من دمشق- وهو تابعي ثقة .
وهذا الخبر رواه أيضًا ابن أبي حاتم ، عن يونس بن عبد الأعلى . عن ابن وهب ، عن ابن لهيعة ، بهذا الإسناد - كما في ابن كثير 1 : 302 . وهو إسناد صحيح .
(26) يأتي بيان آيات النسك في الخبرين التاليين .
(27) في المطبوعة : "فذلك كلمة من الكلمات" ، والصواب من ابن كثير 1 : 303 .
(28) في المطبوعة : "محمد بن سعيد" ، وهو خطأ ، وهو إسناد دائر في الطبري ، وانظر رقم : 305 .
(29) الخبر : 1924- هذا الإسناد ضعيف من ناحيتين . أما سلم -بفتح السين وسكون اللام- ابن قتيبة أبو قتيبة : فإنه ثقة ، خرج له البخاري في صحيحه . وأما الضعف ، فلأن"عمر بن نبهان الغبري" بضم الغين المعجمة وفتح الباء الموحدة : ضعيف جدا ، ذمه الإمام أحمد ، وقال ابن معين : ليس بشيء . وهو مترجم في التهذيب ، وابن أبي حاتم 3/1/138 . والوجه الآخر من الضعف : أنه منقطع ، لأن قتادة لم يدرك ابن عباس .
(30) الخبران : 1928 ، 1929- أبو إسحق : هو السبيعي ، عمرو بن عبد الله الهمداني ، الإمام التابعي الثقة ، التميمي : هو"أربدة" بسكون الراء وكسر الباء الموحدة . ويقال"أربد" بدون هاء . وهو تابعي ثقة ، مترجم في التهذيب ، والكبير للبخاري 1/2/64 ، وابن أبي حاتم 1/1/345 ، وقد عرف بأني راوي التفسير عن ابن عباس . وفي المسند : 2405- في حديث آخر"عن أبي إسحاق ، عن التميمي الذي يحدث التفسير" . لم يرو عنه غير أبي إسحاق السبيعي .
(31) في المطبوعة : "وأتمهن" بالواو ، والأجود ما أثبت .
(32) الحديث : 1938- إسناده منهار لا تقوم له قائمة . وقد ضعفه الطبري نفسه ، هو والحديث الذي بعده . وقال ابن كثير 1 : 304- بعد إشارته إلى ذلك : "وهو كما قال ، فإنه لا يجوز روايتهما إلا ببيان ضعفهما ، وضعفهما من وجود عديدة ، فإن كلا من السندين مشتمل على غير واحد من الضعفاء ، مع ما في متن الحديث مما يدل على ضعفه" .
رشدين بن سعد : ضعيف جدا ، وقد فصلنا القول فيه في شرح المسند : 5748 ، و"رشدين" : بكسر الراء وسكون الشين المعجمة وكسر الدال وبعد الياء نون ، ووقع في المطبوعة وفي ابن كثير"راشد" . وهو تصحيف .
زبان بن فائد المصري الحمراوي : ضعيف أيضًا . قال أحمد : "أحاديثه مناكير" ، وضعفه ابن معين . مترجم في التهذيب ، والكبير 2/1/405 ، وابن أبي حاتم 1/2/616 . وقال ابن حبان في كتاب المجروحين (ص : 210 مخطوطة مصور عندي) : "منكر الحديث جدا ، يتفرد عن سهل بن معاذ بنسخة كأنها موضوعة" . و"زبان" : بالزاي المعجمة وتشديد الباء الموحدة . ووقع في المطبوعة"ريان" بالراء والتحتية ، وهو تصحيف .
سهل بن معاذ بن أنس الجهني : ضعيف أيضًا ، ضعفه ابن معين . وقال ابن حبان في كتاب المجروحين (ص : 232) : "روى عنه زبان بن فائد ، منكر الحديث جدا . فلست أدري أوقع التخليط في حديثه منه أو من زبان بن فائد؟ فإن كان من أحدهما فالأخبار التي رواها أحدهما ساقطة" .
وهذا الحديث -على ما فيه من ضعف شديد- رواه أحمد في المسند : 15688 (ج 3 ص 439 حلبي) . بل إنه روى هذه النسخة ، التي كاد ابن حبان أن يجزم بأنها موضوعة .
(33) الحديث : 1939- ضعفه أيضًا الطبري ووافقه ابن كثير ، كما قلنا في الذي قبله . الحسن بن عطية بن نجيح الكوفي : ثقة ، روى عنه البخاري في الكبير 2/1/299 ، ولم يذكر فيه جرحا ، وروى عنه أبو حاتم وأبو زرعة ، وقال أبو حاتم : "صدوق" . وهو مترجم في التهذيب ، وابن أبي حاتم 1/2/27 . وهو غير"الحسن بن عطية بن سعد العوفي ، السابق ترجمته في : 305 .
إسرائيل : هو ابن يونس بن إسحاق السبيعي ، وهو ثقة ، مضى في : 1291 .
جعفر بن الزبير الحنفي ، أو الباهلي ، الدمشقي ثم البصري : ضعيف جدا . مترجم في التهذيب ، وفي الكبير للبخاري 1/2/191 ، وفي الضعفاء له ، ص : 7 ، وقال : "متروك الحديث ، تركوه" ، وفي ابن أبي حاتم 1/1/479 . وقال ابن حبان في كتاب المجروحين (ص : 142) : "روى عن القاسم مولى معاوية وغيره ، أشياء كأنها موضوعة" . وقال أبو حاتم : "روى جعفر بن الزبير ، عن القاسم ، عن أبي أمامة ، نسخة موضوعة ، أكثر من مئة حديث" .
وأما القاسم : فهو ابن عبد الرحمن الشامي ، وكنيته أبو عبد الرحمن ، وقد اختلف فيه ، والراجح أنه ثقة ، وأن ما أنكر عليه إنما جاء من الرواة عنه الضعفاء . وقد بينا ذلك في شرح المسند : 598 ، وما علقنا به على تهذيب السنن للمنذري : 2376 .
والحديث ذكره السيوطي في الدر المنثور 6 : 129 ، ونسبه أيضًا لسعيد بن منصور ، وعبد بن حميد ، وابن أبي حاتم ، وابن مردويه ، وغيرهم ، وقال : "بسند ضعيف" .
(34) وقد نقل ابن كثير في تفسيره 1 : 304 هذه الفقرة من أول قوله"ولو قال قائل" ثم عقب عليه بقوله : "قلت : والذي قاله أولا : من أن الكلمات تشمل جميع ما ذكر ، أقوى من هذا الذي جوزه من قول مجاهد ومن قال مثله . لأن السياق يعطى غير ما قالوه ، والله أعلم" . لم يأت ابن كثير بشيء ، فإن قول الطبري بين ، وهو قاض بأن الصواب هو القول الأول ، وأن هذا الثاني لو قيل كان مذهبا . وهذه كلمة تضعيف لا كلمة تقوية .
(35) في المطبوعة : "يعني : وفى بما عهد إليه بالكتاب فأمره به من فرائضه ومحنه فيها" ، وهي عبارة مضطربة لا تستقيم ، وكأن الصواب ما أثبته .
(36) في المطبوعة : "فتقدمهم أنت" ، ليست بشيء .
(37) قوله : "لكان مبينا" ، أي لجاء ما سأل إبراهيم ربه مبينا في الآية .
(38) في المطبوعة : "لما توهم" ، وهي خطأ ، والصواب ما أثبته ، بالبناء للمجهول .
(39) الخبر : 1951- مشرف بن أبان أبو ثابت الحطاب ، شيخ الطبري : ترجم له الخطيب في تاريخ بغداد 13 : 224 ، وذكر أنه يروي عن ابن عيينة ، وغيره . مات ببغداد سنة 243 . ولم أجد له ترجمة ولا ذكرا غير ذلك ، و"مشرف" : بوزن"محمد" ، كما نص على أنه الجادة في المشتبه للذهبي ، ص : 484 ، والتبصير للحافظ ابن حجر (مخطوط مصور) .
ووقع في المطبوعة"مسروق" ، وهو خطأ بين ، وقد مضى في : 1383 باسم"بشر بن أبان الحطاب" . وهو خطأ أيضًا . ثم هو سيأتي على الصواب : "مشرف" - في : 2382 .
وأما"الحطاب" ، فهكذا هو الثابت هنا بالحاء المهملة ، وفي تاريخ بغداد"الخطاب" بالمعجمة . ولم أستطع الترجيح بينهما .
(40) في المطبوعة : "وعادوهم" ، والصواب من الدر المنثور 1 : 118 ، وقوله : "غازوهم" أي كانوا معهم في الغزو وشاركوهم في الغنائم .
(41) الأثر : 1961- يحيى بن جعفر ، هو يحيى بن أبي طالب ، وانظر الأثر رقم : 284 .
(42) سياق هذه الجملة المعترضة : " . . لا ينال من ولد إبراهيم عهد الله . . . من كان منهم ظالما . . . " .
(43) وسياق هذه الجملة التي اعترضتها الجملة الطويلة السالفة : "وإن كان ظاهره ظاهر خبر . . فهو إعلام من الله . . . " ، وهكذا دأب أبي جعفر رضي الله عنه .
(44) الأثر : 1962- في المطبوعة"عتاب بن بشر" ، وهو خطأ . هو عتاب بن بشير الجزري أبو الحسن ويقال أبو سهل الحراني (تهذيب التهذيب) والتاريخ الكبير للبخاري 4/1/56 .
(45) انظر ما سلف 1 : 523-524 .
2:125Page 19
وَإِذۡ جَعَلۡنَا ٱلۡبَيۡتَ مَثَابَةٗ لِّلنَّاسِ وَأَمۡنٗا وَٱتَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبۡرَٰهِـۧمَ مُصَلّٗىۖ وَعَهِدۡنَآ إِلَىٰٓ إِبۡرَٰهِـۧمَ وَإِسۡمَٰعِيلَ أَن طَهِّرَا بَيۡتِيَ لِلطَّآئِفِينَ وَٱلۡعَٰكِفِينَ وَٱلرُّكَّعِ ٱلسُّجُودِ ١٢٥
And [mention] when We made the House [i.e., the Kaʿbah] a place of return for the people and [a place of] security. And take, [O believers], from the standing place of Abraham a place of prayer. And We charged Abraham and Ishmael, [saying], "Purify My House for those who perform ṭawāf1 and those who are staying [there] for worship and those who bow and prostrate [in prayer]."
القول في تأويل قوله تعالى : وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ
قال أبو جعفر: أما قوله: " وإذ جعلنا البيت مثابة "، فإنه عطف ب " إذ " على قوله: وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ . وقوله: وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ معطوف على قوله: يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ ، واذكروا " إذ ابتلى إبراهيم ربه "," وإذ جعلنا البيت مثابة ".
* * *
و " البيت " الذي جعله الله مثابة للناس، هو البيت الحرام.
* * *
وأما " المثابة "، فإن أهل العربية مختلفون في معناها, والسبب الذي من أجله أنثت.
فقال بعض نحويي البصرة: ألحقت الهاء في" المثابة "، لما كثر من يثوب إليه, كما يقال: " سيارة " لمن يكثر ذلك،" ونسابة ".
وقال بعض نحويي الكوفة: بل " المثاب " و " المثابة " بمعنى واحد, نظيرة " المقام " و " المقامة " (46) . و " المقام "، ذكر -على قوله- لأنه يريد به الموضع الذي يقام فيه, وأنثت " المقامة "، لأنه أريد بها البقعة. وأنكر هؤلاء أن تكون " المثابة " ك " السيارة، والنسابة "., وقالوا: إنما أدخلت الهاء في" السيارة والنسابة " تشبيها لها ب " الداعية ".
* * *
و " المثابة "" مفعلة " من " ثاب القوم إلى الموضع "، إذا رجعوا إليه، فهم يثوبون إليه مثابا ومثابة وثوابا. (47)
فمعنى قوله: " وإذ جعلنا البيت مثابة للناس ": وإذ جعلنا البيت مرجعا للناس ومعاذا، يأتونه كل عام ويرجعون إليه, فلا يقضون منه وطرا. ومن " المثاب "، قول ورقة بن نوفل في صفة الحرم:
مثــاب لأفنــاء القبــائل كلهــا
تخــب إليــه اليعمـلات الطلائـح (48)
ومنه قيل: " ثاب إليه عقله ", إذا رجع إليه بعد عزوبه عنه.
* * *
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك:
1963- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا [أبو عاصم قال، حدثنا] عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد في قول الله: " وإذ جعلنا البيت مثابة للناس " قال: لا يقضون منه وطرا. (49)
1964- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد مثله.
1965- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: " وإذ جعلنا البيت مثابة للناس " قال، يثوبون إليه, لا يقضون منه وطرا.
1966- حدثني موسى قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط, عن السدي: " وإذ جعلنا البيت مثابة للناس " قال، أما المثابة، فهو الذي يثوبون إليه كل سنة، لا يدعه الإنسان إذا أتاه مرة أن يعود إليه.
1967- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي, قال حدثني أبي، عن أبيه, عن ابن عباس قوله: " وإذ جعلنا البيت مثابة للناس " قال، لا يقضون منه وطرا, يأتونه، ثم يرجعون إلى أهليهم، ثم يعودون إليه.
1968- حدثني عبد الكريم بن أبي عمير قال، حدثني الوليد بن مسلم قال، قال أبو عمرو: حدثني عبدة بن أبي لبابة في قوله: " وإذ جعلنا البيت مثابة للناس " قال، لا ينصرف عنه منصرف وهو يرى أنه قد قضى منه وطرا.
1969- حدثني يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا هشيم, قال، أخبرنا عبد الملك، عن عطاء في قوله: " وإذ جعلنا البيت مثابة للناس " قال، يثوبون إليه من كل مكان, ولا يقضون منه وطرا.
1970- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير, عن عبد الملك, عن عطاء مثله.
1971- حدثني محمد بن عمارة الأسدي قال، حدثنا سهل بن عامر قال، حدثنا مالك بن مغول, عن عطية في قوله: " وإذ جعلنا البيت مثابة للناس " قال، لا يقضون منه وطرا (50) .
1972- حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن: قال، حدثنا سفيان, عن أبي الهذيل قال، سمعت سعيد بن جبير يقول: " وإذ جعلنا البيت مثابة للناس " قال، يحجون ويثوبون.
1973- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق, قال أخبرنا الثوري, عن أبي الهذيل, عن سعيد بن جبير في قوله: " مثابة للناس " قال، يحجون, ثم يحجون, ولا يقضون منه وطرا. (51)
1974- حدثني المثنى قال، حدثنا ابن بكير قال، حدثنا مسعر, عن غالب, عن سعيد بن جبير: " مثابة للناس " قال، يثوبون إليه. (52)
1975-- حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد بن زريع قال، حدثنا سعيد, عن قتادة قوله: " وإذ جعلنا البيت مثابة للناس وأمنا " قال، مجمعا.
1976- حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية بن صالح, عن علي بن أبي طلحة, عن ابن عباس: " مثابة للناس " قال، يثوبون إليه.
1977- حدثت عن عمار قال، حدثنا ابن أبي جعفر, عن أبيه, عن الربيع: " مثابة للناس " قال، يثوبون إليه.
1978- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: " وإذ جعلنا البيت مثابة للناس " قال، يثوبون إليه من البلدان كلها ويأتونه.
* * *
القول في تأويل قوله تعالى : وَأَمْنًا
قال أبو جعفر: و " الأمن " مصدر من قول القائل: " أمن يأمن أمنا ".
* * *
وإنما سماه الله " أمنا "، لأنه كان في الجاهلية معاذا لمن استعاذ به, وكان الرجل منهم لو لقي به قاتل أبيه أو أخيه، لم يهجه ولم يعرض له حتى يخرج منه, وكان كما قال الله جل ثناؤه: أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ . [سورة العنكبوت: 67]
1979- حدثني يونس بن عبد الأعلى قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: " وأمنا " قال، من أم إليه فهو آمن، كان الرجل يلقى قاتل أبيه أو أخيه فلا يعرض له.
1980- حدثني موسى قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط, عن السدي: أما " أمنا "، فمن دخله كان آمنا.
1981- حدثني محمد بن عمرو قال حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد في قوله الله: " وأمنا " قال، تحريمه، لا يخاف فيه من دخله.
1982- حدثت عن عمار قال، حدثنا ابن أبي جعفر, عن أبيه, عن الربيع قوله: " وأمنا "، يقول: أمنا من العدو أن يحمل فيه السلاح, وقد كان في الجاهلية يتخطف الناس من حولهم وهم آمنون لا يُسبَوْن.
1983- حدثت عن المنجاب قال، أخبرنا بشر, عن أبي روق, عن الضحاك, عن ابن عباس في قوله: " وأمنا " قال، أمنا للناس.
1984- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج, عن ابن جريج, عن مجاهد في قوله: " وأمنا " قال، تحريمه، لا يخاف فيه من دخله.
* * *
القول في تأويل قوله تعالى : وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى
قال أبو جعفر: اختلفت القرأة في قراءة ذلك:
فقرأه بعضهم: " واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى " بكسر " الخاء "، على وجه الأمر باتخاذه مصلى. وهي قراءة عامة المصرين الكوفة والبصرة, وقراءة عامة قرأة أهل مكة وبعض قرأة أهل المدينة. (53) وذهب إليه الذين قرأوه كذلك، من الخبر الذي:-
1985- حدثنا أبو كريب ويعقوب بن إبراهيم قالا حدثنا هشيم قال، أخبرنا حميد, عن أنس بن مالك قال، قال عمر بن الخطاب: قلت: يا رسول الله, لو اتخذت المقام مصلى! فأنـزل الله: " واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى ".
1986- حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا ابن أبي عدي -وحدثني يعقوب قال، حدثنا ابن علية- جميعا, عن حميد, عن أنس, عن عمر, عن النبي صلى الله عليه وسلم، مثله.
1987- حدثنا عمرو بن علي قال، حدثنا يزيد بن زريع قال، حدثنا حميد, عن أنس قال: قال عمر بن الخطاب: قلت: يا رسول الله, فذكر مثله. (54)
* * *
قالوا: فإنما أنـزل الله تعالى ذكره هذه الآية أمرا منه نبيه صلى الله عليه وسلم باتخاذ مقام إبراهيم مصلى. فغير جائز قراءتها -وهي أمر- على وجه الخبر.
* * *
وقد زعم بعض نحويي البصرة أن قوله: " واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى " معطوف على قوله: يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ و " واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى ". فكان الأمر بهذه الآية، وباتخاذ المصلى من مقام إبراهيم -على قول هذا القائل- لليهود من بني إسرائيل الذين كانوا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم،..... كما حدثنا [عن] الربيع بن أنس. (55) بما:-
1988- حدثت [به] عن عمار بن الحسن قال، حدثنا ابن أبي جعفر, عن أبيه قال: من الكلمات التي ابتلي بهن إبراهيم قوله: " واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى "، فأمرهم أن يتخذوا من مقام إبراهيم مصلى, فهم يصلون خلف المقام. (56)
* * *
فتأويل قائل هذا القول: وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قال، إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا ، وقال: اتخذوا من مقام إبراهيم مصلى.
* * *
قال أبو جعفر: والخبر الذي ذكرناه عن عمر بن الخطاب, عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل, يدل على خلاف الذي قاله هؤلاء, وأنه أمر من الله تعالى ذكره بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، والمؤمنين به وجميع الخلق المكلفين.
* * *
وقرأه بعض قرأة أهل المدينة والشام: (واتخذوا) بفتح " الخاء " على وجه الخبر.
* * *
ثم اختلف في الذي عطف عليه بقوله: " واتخذوا " إذ قرئ كذلك، على وجه الخبر,
فقال بعض نحويي البصرة: تأويله، إذا قرئ كذلك: وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا ، [وإذ] اتخذوا من مقام إبراهيم مصلى. (57)
وقال بعض نحويي الكوفة: بل ذلك معطوف على قوله: جَعَلْنَا ، فكان معنى الكلام على قوله: وإذ جعلنا البيت مثابة للناس، واتخذوه مصلى (58) .
* * *
قال أبو جعفر: والصواب من القول والقراءة في ذلك عندنا: " واتخذوا " بكسر " الخاء ", على تأويل الأمر باتخاذ مقام إبراهيم مصلى، للخبر الثابت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي ذكرناه آنفا, وأن:
1989- عمرو بن علي حدثنا قال، حدثنا يحيى بن سعيد قال، حدثنا جعفر بن محمد قال، حدثني أبي, عن جابر بن عبد الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ: " واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى ". (59)
* * *
ثم اختلف أهل التأويل في تأويل قوله: " واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى "، وفي" مقام إبراهيم ". فقال بعضهم: " مقام إبراهيم "، هو الحج كله.
* ذكر من قال ذلك:
1990- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا ابن جريج, عن عطاء, عن ابن عباس في قوله: " مقام إبراهيم "، قال الحج كله مقام إبراهيم.
1991- حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا سفيان بن عيينة, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: " واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى " قال، الحج كله.
1992- حدثنا أبو كريب قال، حدثنا وكيع, عن سفيان، عن ابن جريج, عن عطاء, قال: الحج كله " مقام إبراهيم ".
* * *
وقال آخرون: " مقام إبراهيم " عرفة والمزدلفة والجمار.
* ذكر من قال ذلك:
1993- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن عطاء بن أبي رياح: " واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى " قال: لأني قد جعلته إماما، فمقامه عرفة والمزدلفة والجمار.
1994- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر, عن قتادة, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد في قوله: " واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى " قال، مقامه: جمع وعرفة ومنى - لا أعلمه إلا وقد ذكر مكة.
1995- حدثنا عمرو بن علي قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن عطاء, عن ابن عباس في قوله: " واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى " قال، مقامه، عرفة.
1996- حدثنا عمرو بن علي قال، حدثنا يزيد بن زريع قال، حدثنا داود, عن الشعبي قال: نـزلت عليه وهو واقف بعرفة، مقام إبراهيم: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ [سورة المائدة: 3]، الآية.
1997- حدثنا عمرو قال، حدثنا بشر بن المفضل قال، حدثنا داود, عن الشعبي مثله
* * *
وقال آخرون: " مقام إبراهيم "، الحرم.
* ذكر من قال ذلك:
1998- حدثت عن حماد بن زيد, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد في قوله: " واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى " قال، الحرم كله " مقام إبراهيم ".
* * *
وقال آخرون: " مقام إبراهيم " الحجر الذي قام عليه إبراهيم حين ارتفع بناؤه, وضعف عن رفع الحجارة.
* ذكر من قال ذلك:
1999- حدثنا سنان القزاز قال، حدثنا عبيد الله بن عبد المجيد الحنفي قال، حدثنا إبراهيم بن نافع قال، سمعت كثير بن كثير يحدّث، عن سعيد بن جبير, عن ابن عباس قال: جعل إبراهيم يبنيه, وإسماعيل يناوله الحجارة, ويقولان: " رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ". فلما ارتفع البنيان، وضعف الشيخ عن رفع الحجارة، قام على حجر, فهو " مقام إبراهيم " (60)
* * *
وقال آخرون: بل " مقام إبراهيم ", هو مقامه الذي هو في المسجد الحرام.
* ذكر من قال ذلك:
2000- حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد بن زريع قال، حدثنا سعيد, عن قتادة: " واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى "، إنما أمروا أن يصلوا عنده، ولم يؤمروا بمسحه. ولقد تكلفت هذه الأمة شيئا ما تكلفته الأمم قبلها. (61) ولقد ذكر لنا بعض من رأى أثر عقبه وأصابعه, فما زالت هذه الأمم يمسحونه حتى اخلولق وانمحى. (62)
2001- حدثت عن عمار قال، حدثنا ابن أبي جعفر, عن أبيه, عن الربيع: " واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى "، فهم يصلون خلف المقام. (63)
2002- حدثني موسى (64) قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط, عن السدي: " واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى "، وهو الصلاة عند مقامه في الحج.
و " المقام " هو الحجر الذي كانت زوجة إسماعيل وضعته تحت قدم إبراهيم حين غسلت رأسه, فوضع إبراهيم رجله عليه وهو راكب, فغسلت شقه، ثم رفعته من تحته وقد غابت رجله في الحجر, فوضعته تحت الشق الآخر، فغسلته, فغابت رجله أيضا فيه, فجعلها الله من شعائره, فقال: " واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى ".
* * *
قال أبو جعفر: وأولى هذه الأقوال بالصواب عندنا، ما قاله القائلون: إن " مقام إبراهيم "، هو المقام المعروف بهذا الاسم, الذي هو في المسجد الحرام، لما روينا آنفا عن عمر بن الخطاب، (65) ولما:-
2003- حدثنا يوسف بن سلمان قال، حدثنا حاتم بن إسماعيل قال، حدثنا جعفر بن محمد, عن أبيه, عن جابر قال: استلم رسول الله صلى الله عليه وسلم الركن, فرمل ثلاثا، ومشى أربعا, ثم تقدم إلى مقام إبراهيم فقرأ: " واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى ". فجعل المقام بينه وبين البيت، فصلى ركعتين. (66)
* * *
فهذان الخبران ينبئان أن الله تعالى ذكره إنما عنى ب " مقام إبراهيم " الذي أمرنا الله باتخاذه مصلى - هو الذي وصفنا.
ولو لم يكن على صحة ما اخترنا في تأويل ذلك خبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم, لكان الواجب فيه من القول ما قلنا. وذلك أن الكلام محمول معناه على ظاهره المعروف، دون باطنه المجهول، (67) حتى يأتي ما يدل على خلاف ذلك، مما يجب التسليم له. ولا شك أن المعروف في الناس ب " مقام إبراهيم " هو المصلى الذي قال الله تعالى ذكره: " واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى "
* * *
[قال أبو جعفر: وأما قوله تعالى: " مصلى "]، فإن أهل التأويل مختلفون في معناه. (68) فقال بعضهم: هو المدعى.
* ذكر من قال ذلك:
2004- حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا سفيان بن عيينة, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: " واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى " قال، مصلى إبراهيم مُدَّعًى.
* * *
وقال آخرون: معنى ذلك: اتخذوا مصلى تصلون عنده.
* ذكر من قال ذلك:
2005- حدثني بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد بن زريع قال، حدثنا سعيد, عن قتادة قال، أمروا أن يصلوا عنده.
2006- حدثني موسى بن هارون قال، حدثنا عمرو بن حماد قال، حدثنا أسباط, عن السدي قال: هو الصلاة عنده.
* * *
قال أبو جعفر: فكأن الذين قالوا: تأويل: " المصلى " ههنا، المُدَّعَى, وَجَّهوا " المصَلَّى " إلى أنه " مُفَعَّل "، من قول القائل: " صليت " بمعنى دعوت. (69) .
وقائلو هذه المقالة، هم الذين قالوا: إن مقام إبراهيم هو الحج كله.
* * *
فكان معناه في تأويل هذه الآية: واتخذوا عرفة والمزدلفة والمشعر والجمار، وسائر أماكن الحج التي كان إبراهيم يقوم بها مَدَاعِيَ تدعوني عندها, وتأتمون بإبراهيم خليلي عليه السلام فيها, فإني قد جعلته لمن بعده -من أوليائي وأهل طاعتي- إماما يقتدون به وبآثاره, فاقتدوا به.
* * *
وأما تأويل القائلين القول الآخر, فإنه: اتخذوا أيها الناس من مقام إبراهيم مصلى تصلون عنده, عبادةً منكم, وتكرمةً مني لإبراهيم.
* * *
وهذا القول هو أولى بالصواب، لما ذكرنا من الخبر عن عمر بن الخطاب وجابر بن عبد الله, عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
* * *
القول في تأويل قوله تعالى : وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ
قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بقوله: " وَعهدنا "؛ وأمرنا، كما:-
2007- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج, عن ابن جريج قال: قلت لعطاء: ما عهده؟ قال: أمره.
2008- حدثني يونس قال، أخبرني ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: " وعهدنا إلى إبراهيم " قال، أمرناه.
* * *
فمعنى الآية: وأمرنا إبراهيم وإسماعيل بتطهير بيتي للطائفين." والتطهير " الذي أمرهما الله به في البيت, هو تطهيره من الأصنام، وعبادة الأوثان فيه، ومن الشرك بالله.
* * *
فإن قال قائل: وما معنى قوله: " وعهدنا إلى إبراهيم وإسماعيل أن طهرا بيتي للطائفين "؟ وهل كان أيام إبراهيم -قبل بنائه البيت- بيت يطهر من الشرك وعبادة الأوثان في الحرم, فيجوز أن يكونا أمرا بتطهيره؟
قيل: لذلك وجهان من التأويل, قد قال بكل واحد من الوجهين جماعة من أهل التأويل. (70)
أحدهما: أن يكون معناه: وعهدنا إلى إبراهيم وإسماعيل أن ابنيا بيتي مطهرا من الشرك والرَّيْب (71) كما قال تعالى ذكره: أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ , [سورة التوبة: 109]، فكذلك قوله: " وعهدنا إلى إبراهيم وإسماعيل أن طهرا بيتي"، أي ابنيا بيتي على طهر من الشرك بي والريب، كما:-
2009- حدثني موسى بن هارون قال، حدثنا عمرو بن حماد قال، حدثنا أسباط، عن السدي: " وعهدنا إلى إبراهيم وإسماعيل أن طهرا بيتي"، يقول: ابنيا بيتي [للطائفين]. (72)
فهذا أحد وجهيه.
والوجه الآخر منهما: أن يكونا أمرا بأن يطهرا مكان البيت قبل بنيانه، والبيت بعد بنيانه، مما كان أهل الشرك بالله يجعلونه فيه -على عهد نوح ومن قبله- من الأوثان, ليكون ذلك سنة لمن بعدهما, إذ كان الله تعالى ذكره قد جعل إبراهيم إماما يقتدي به من بعده، كما:-
2010- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: " أن طهرا " قال، من الأصنام التي يعبدون، التي كان المشركون يعظمونها. (73)
2011- حدثنا أحمد بن إسحاق قال، حدثنا أبو أحمد الزبيري قال، حدثنا سفيان, عن ابن أبي نجيح, عن عطاء, عن عبيد بن عمير: " أن طهرا بيتي للطائفين " قال، من الأوثان والرَّيْب.
2012- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو نعيم قال، حدثنا سفيان, عن ابن جريج, عن عطاء, عن عبيد بن عمير, مثله.
2013- حدثني أحمد بن إسحاق قال، حدثنا أبو أحمد قال، حدثنا سفيان, عن ليث, عن مجاهد, قال: من الشرك.
2014- حدثنا أحمد بن إسحاق قال، حدثنا أبو أحمد قال، حدثنا أبو إسرائيل, عن أبي حصين, عن مجاهد: " طهرا بيتي للطائفين " قال، من الأوثان.
2015- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر, عن قتادة في قوله: " طهرا بيتي للطائفين " قال: من الشرك وعبادة الأوثان.
2016- حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة، بمثله - وزاد فيه: وقول الزور.
* * *
القول في تأويل قوله تعالى : لِلطَّائِفِينَ
قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل في معنى " الطائفين " في هذا الموضع. فقال بعضهم: هم الغرباء الذين يأتون البيت الحرام من غَرْبةٍ. (74)
* ذكر من قال ذلك:
2017- حدثنا أبو كريب قال، حدثنا أبو بكر بن عياش قال، حدثنا أبو حصين, عن سعيد بن جبير في قوله: " للطائفين " قال، من أتاه من غربة.
* * *
وقال آخرون: بل " الطائفون " هم الذين يطوفون به، غرباء كانوا أو من أهله.
* ذكر من قال ذلك:
2018- حدثنا محمد بن العلاء قال، حدثنا وكيع, عن أبي بكر الهذلي, عن عطاء: " للطائفين " قال، إذا كان طائفا بالبيت فهو من " الطائفين ".
* * *
وأولى التأويلين بالآية ما قاله عطاء. لأن " الطائف " هو الذي يطوف بالشيء دون غيره. والطارئ من غَرْبةٍ لا يستحق اسم " طائف بالبيت "، إن لم يطف به.
* * *
القول في تأويل قوله تعالى : وَالْعَاكِفِينَ
قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بقوله: " والعاكفين "، والمقيمين به." والعاكف على الشيء "، هو المقيم عليه, كما قال نابغة بني ذبيان:
عكوفــا لــدى أبيـاتهم يثمـدونهم
رمـى اللـه فـي تلـك الأكف الكوانع (75)
وإنما قيل للمعتكف " معتكف "، من أجل مقامه في الموضع الذي حبس فيه نفسه لله تعالى.
* * *
ثم اختلف أهل التأويل فيمن عنى الله بقوله: " والعاكفين ".
فقال بعضهم: عنى به الجالس في البيت الحرام بغير طواف ولا صلاة.
* ذكر من قال ذلك:
2019- حدثنا أبو كريب قال، حدثنا وكيع, عن أبي بكر الهذلي, عن عطاء قال: إذا كان طائفا بالبيت فهو من الطائفين, وإذا كان جالسا فهو من العاكفين.
* * *
وقال بعضهم: " العاكفون "، هم المعتكفون المجاورون.
* ذكر من قال ذلك:
2020- حدثنا أحمد بن إسحاق قال، حدثنا أبو أحمد الزبيري قال، حدثنا شريك, عن جابر, عن مجاهد وعكرمة: " طهرا بيتي للطائفين والعاكفين " قال، المجاورون.
* * *
وقال بعضهم: " العاكفون "، هم أهل البلد الحرام.
* ذكر من قال ذلك:
2021- حدثنا أبو كريب قال، حدثنا أبو بكر بن عياش قال، حدثنا أبو حصين, عن سعيد بن جبير في قوله: " والعاكفين " قال: أهل البلد.
2022- حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد بن زريع قال، حدثنا سعيد, عن قتادة: " والعاكفين " قال: العاكفون: أهله.
* * *
وقال آخرون: " العاكفون "، هم المصلون.
* ذكر من قال ذلك:
2023- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين, قال: حدثني حجاج, عن ابن جريج, قال: قال ابن عباس في قوله: " طهرا بيتي للطائفين والعاكفين " قال، العاكفون، المصلون.
* * *
قال أبو جعفر: وأولى هذه التأويلات بالصواب ما قاله عطاء, وهو أن " العاكف " في هذا الموضع، المقيم في البيت مجاورا فيه بغير طواف ولا صلاة. لأن صفة " العكوف " ما وصفنا: من الإقامة بالمكان. والمقيم بالمكان قد يكون مقيما به وهو جالس ومصل وطائف وقائم, وعلى غير ذلك من الأحوال. فلما كان تعالى ذكره قد ذكر - في قوله: " أن طهرا بيتي للطائفين والعاكفين والركع السجود " - المصلين والطائفين, علم بذلك أن الحال التي عنى الله تعالى ذكره من " العاكف "، غير حال المصلي والطائف, وأن التي عنى من أحواله، هو العكوف بالبيت، على سبيل الجوار فيه, وإن لم يكن مصليا فيه ولا راكعا ولا ساجدا.
* * *
القول في تأويل قوله تعالى : وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (125)
قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بقوله: " والركع "، جماعة القوم الراكعين فيه له, واحدهم " راكع ". وكذلك " السجود " هم جماعة القوم الساجدين فيه له، واحدهم " ساجد " - كما يقال: " رجل قاعد ورجال قعود " و " رجل جالس ورجال جلوس "، فكذلك " رجل ساجد ورجال سجود ". (76)
* * *
وقيل: بل عنى " بالركع السجود "، المصلين.
* ذكر من قال ذلك:
2024- حدثنا أبو كريب قال، حدثنا وكيع, عن أبي بكر الهذلي, عن عطاء: " والركع السجود " قال، إذا كان يصلي فهو من " الركع السجود ".
2025- حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة: " والركع السجود "، أهل الصلاة.
* * *
وقد بينا فيما مضى بيان معنى " الركوع " و " السجود ", فأغنى ذلك عن إعادته هاهنا. (77)
------------
الهوامش :
(46) في المطبوعة : "نظيره" والأرجح ما أثبت .
(47) لم تذكر هذه المصادر في كتب اللغة ، "المثاب ، والمثابة" مصدران ميميان قياسيان ، فإغفالهما في كتب اللغة غير غريب ، وأما قوله"وثوابا" ، فهذا إن صح عن الطبري ، فهو جائز في العربية أيضًا ، ولكنهم نصوا على أن مصدر"ثاب" هو"ثوبانا ، وثوبا ، وثؤوبا" فأخشى أن تكون محرفة عن إحداها . وأما"الثواب" في المعروف من كتب العربية الاسم من"أثابه يثيبه إثابة ، وهو الثواب" ، وهو المجازاة على الصنيع .
(48) من أبيات طويلة لورقة بن نوفل في البداية والنهاية لابن كثير 2 : 297 ، والبيت في تفسير أبي حيان 1 : 380 ، بهذه الرواية ، وقبل البيت في ذكر أبينا إبراهيم عليه السلام :
فمتبــع ديــن الـذي أسـس البنـا
وكـان لـه فضـل على الناس راجح
وأســـس بنيانــا بمكــة ثابتــا
تــلألأ فيــه بــالظلام المصـابح
مثابـــا لأفنــاء . . . . . . . . .
. . . . . . . . . . . . . . . . . . .
بنصب"مثابا" بيد أن الشافعي روى هذا البيت في الأم 2 : 120 لورقة بن نوفل ، وعجزه .
تخــب إليــه اليعمـلات الـذوامل
وكذلك جاء في القرطبي 2 : 100 ، وعدها أبو حيان رواية في البيت ، وبهذه الرواية ذكره صاحب اللسان في (ثوب) منسوبا لأبي طالب ، وفي (ذمل) غير منسوب . والظاهر أن الشافعي رحمه الله أخطأ في رواية البيت . وأخطأ صاحب اللسان في نسبته ، اشتبه عليه بشعر أبي طالب في قصيدته المشهورة .
وأفناء القبائل : أخلاطهم ونزاعهم من هاهنا وهاهنا . وخبت الدابة تخب خببا : وهو ضرب سريع من العدو . واليعملات جمع يعملة وهي الناقة السريعة المطبوعة على العمل ، اشتق اسمها من العمل ، والعمل الإسراع والعجلة . والطلائع جمع طليح . ناقة طليح أسفار : جهدها السير وهزلها ، فهي ضامرة هزلا . يعني الإبل أنضاها أصحابها في إسراعهم إلى حج البيت . وأما"الذوامل" في الرواية الأخرى ، فهو جمع ذاملة . ناقة ذمول وذاملة : وهي التي تسير سيرا لينا سريعا .
(49) الأثر : 1963- ما بين القوسين ساقط من الأصول . وهذا إسناد دائر ، أقربه إلينا رقم : 1946 ، فأتممته على الصواب .
(50) الخبر : 1971- شيخ الطبري"محمد بن عمارة الأسدي" ، كما مضى في : 645 ، 1511 ، وكما ذكرنا أنه يروى عنه في التاريخ كثيرا . وفي المطبوعة"محمد بن عمار" .
سهل بن عامر : هو البجلي ، وهو ضعيف جدا ، ترجمه للبخاري في الصغير ، ص : 234 ، وقال : "منكر الحديث ، لا يكتب حديثه" . وترجمه ابن أبي حاتم 2/1/202 وروى عن أبيه قال : "هو ضعيف الحديث ، روى أحاديث بواطيل! أدركته بالكوفة ، وكان يفتعل الحديث" . وترجم في لسان الميزان 3 : 119-120 ، ووقع اسم أبيه في التاريخ الصغير"عمار" ، وهو خطأ ناسخ أو طابع .
(51) الخبران : 1972-1973- أبو الهذيل : هو غالب بن الهذيل الأودي ، يروي عن أنس ، وسعيد بن جبير ، وغيرهما ، وهو ثقة ، وثقه ابن معين . مترجم في التهذيب ، والكبير للبخاري 4/1/99 ، وابن أبي حاتم 3/2/47 . وسيأتي باسمه في الخبر بعدهما .
(52) الخبر : 1974- غالب : هو أبو الهذيل في الخبرين قبله . مسعر ، بكسر الميم وسكون السين وفتح العين : هو ابن كدام -بكسر الكاف وتخفيف الدال- وهو أحد الأعلام . الثقات .
(53) كان في المطبوعة : "قراء" في هذه المواضع ، فرددتها إلى ما جرى عليه الطبري في الأجزاء السالفة .
(54) الأحاديث : 1985-1987 ، هي حديث واحد بأربعة أسانيد صحاح . وهو مختصر من حديث مطول ، رواه أحمد في المسند : 157 ، 160 ، 250 ، عن هشيم ، وعن ابن أبي عدي ، وعن يحيى - ثلاثتهم ، عن حميد ، عن أنس . ورواه البخاري أيضًا ، عن مسدد ، عن يحيى . كما ذكره ابن كثير 1 : 309-310 ، من رواية البخاري وأحمد ، ثم ذكر أنه رواه أيضًا الترمذي ، والنسائي ، وابن ماجه ، وقال الترمذي : "حسن صحيح" .
(55) كان في المطبوعة : "كما حدثنا الربيع بن أنس" ، وهو خطأ ، فزدت"عن" بين القوسين ، فبين أبي جعفر الطبري والربيع بن أنس دهر طويل . وانظر التعليق التالي .
(56) الأثر : 1988- هو جزء من الأثر السالف رقم : 1922 وهو"عن ابن أبي جعفر عن أبيه عن الربيع بن أنس" ، فزدت ما بين الأقواس ، ليستقيم الكلام . وسيأتي أيضًا برقم : 2001 ولكني وضعت هذه النقط في الموضع السالف ، لأني أخشى أن يكون في الكلام سقط . وذلك أنه بدأ فقال : إن الأمر بهذه الآية على قول هذا البصري - لليهود من بني إسرائيل على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم . ثم عقب عليه بقوله : "فأمرهم أن يتخذوا مقام إبراهيم مصلى ، فهم يصلون خلف المقام" . ولست أعلم أن اليهود الذي كانوا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، كانوا يصلون في البيت الحرام خلف المقام ، فلذلك وضعت هذه النقط ، لأني أرجح أنه قد سقط من كلام الطبري في هذا الموضع ما يستقيم به هذا الكلام . ولم أجد في الكتب التي تنقل عن تفسير الطبري ما يهدي إلى صواب هذه العبارة .
والذي استظهره أن يكون سقط من هذا الموضع ، توجيه الأمر في هذه الآية إلى إبراهيم وذريته من ولد إسماعيل ، فيكون الضمير في قوله : "فأمرهم أن يتخذوا من مقام إبراهيم مصلى ، فهم يصلون خلف المقام" إلى ذرية إبراهيم من ولد إسماعيل ، وهم العرب من أهل دين إسماعيل ، وبقاياهم من أهل الجاهلية ، الذين جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ليقيمهم على الحنيفية ملة إبراهيم ، وهي الإسلام .
(57) الزيادة التي بين القوسين ، لا بد منها ، وإلا لم يكن بين هذا القول والذي يليه فرق . ويعني البصري في هذا التأويل أن العطف على جملة"وإذ جعلنا" ، فتكون"إذ" مضمرة في قوله تعالى : "واتخذوا" .
(58) انظر معاني القرآن للفراء 1 : 77 وهو تأويله .
(59) الحديث : 1989- عمرو بن علي : هو الفلاس ، من كبار الحفاظ الثقات ، روى عنه أصحاب الكتب الستة وغيرهم . وشيخه يحيى بن سعيد : هو القطان الإمام .
والحديث جزء من حديث جابر -الطويل- في الحج كما سنذكر في : 2003 ، إن شاء الله .
(60) الحديث : 1999- هو قطعة من الحديث الآتي : 2056 . وسنخرجه هناك ، إن شاء الله . وشيخ الطبري هنا"ابن سنان القزاز" : هو"محمد بن سنان" ، مضت ترجمته في : 157 . وفي المطبوعة"سنان" بحذف"ابن" ، وهو خطأ .
(61) في المطبوعة : "مما تكلفته" ، والصواب من تفسير ابن كثير 1 : 311 .
(62) في المطبوعة : "أصابعه فيها" ، والصواب من تفسير ابن كثير . خلق الشيء وأخلق واخلولق : بلى .
(63) الأثر : 2001- هو الأثر السالف : 1988 ، وانظر التعليق عليه .
(64) كان في المطبوعة"حدثني يونس" ، وهو خطأ محض بل هو إسناده الدائر في التفسير - إلى السدي ، وأقربه رقم : 1980 .
(65) انظر ما سلف رقم : 1985- 1987 .
(66) الحديث : 2003- يوسف بن سلمان ، شيخ الطبري : هو أبو عمر الباهلي البصري ، ثقة ، مترجم في التهذيب ، وابن أبي حاتم 4/2/223-224 . وفي المطبوعة"سليمان" بدل"سلمان" ، وهو خطأ .
حاتم بن إسماعيل المدني : ثقة مأمون كثير الحديث ، أخرج له الجماعة . مترجم في التهذيب ، والكبير للبخاري 2/1/72 ، وابن أبي حاتم 1/2/258-259 ، وابن سعد 5 : 314 .
جعفر بن محمد : هو جعفر الصادق ، بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب . وهو ثقة صادق مأمون ، من سادات أهل البيت فقها وعلما وفضلا . وإنما يكذب عليه الشيعة الروافض . أما رواية الثقات عنه فصحيحة .
وهذا الحديث قطعة من حديث جابر -الطويل- في صفة حجة الوداع . وقد مضت قطعة منه : 1989 ، من رواية يحيى بن سعيد القطان ، عن جعفر الصادق .
وستأتي قطعة منه ، بهذا الإسناد : 2365 .
والحديث بطوله -رواه الإمام أحمد في المسند : 14492 (ج 3 ص 320-321 حلبي) عن يحيى القطان ، عن جعفر .
ورواه مسلم في صحيحه 1 : 346-347 ، عن أبي بكر بن أبي شيبة وإسحاق بن راهويه -كلاهما عن حاتم بن إسماعيل ، عن جعفر الصادق ، به .
(67) انظر تفسير"الظاهر والباطن" فيما سلف 2 : 15 ، واطلبه في الفهارس .
(68) الزيادة بين القوسين لا بد منها .
(69) انظر ما سلف 1 : 242-243 .
(70) في المطبوعة : "قد كان لكل واحد من الوجهين" ، وهو كلام هالك .
(71) الريب هنا : الشر والخوف من قولهم : رابني أمره ، أي أدخل علي شرا وخوفا ، وكأن ذلك مردود إلى قوله تعالى : "مثابة للناس وأمنا" .
(72) هذه الزيادة ، من تفسير ابن كثير 1 : 315 .
(73) قال ابن كثير في تفسيره 1 : 314-315 ، بعد أن ساق هذا الوجه ، وهذا الأثر : "قلت : وهذا الجواب مفرع على أنه كان يعبد عنده أصنام قبل إبراهيم عليه السلام ، ويحتاج إثبات هذا إلى دليل عن المعصوم محمد صلى الله عليه وسلم" .
(74) الغربة والغرب (بفتح فسكون) : النوى والبعد . يعني من أتاه من مكان بعيد .
(75) ديوانه : 63 من أبيات قالها لزرعة بن عامر العامري . حين بعثت بنو عامر إلى حصن بن حذيفة وابنه عيينة بن حصن : أن اقطعوا حلف ما بينكم وبين بني أسد ، وألحقوهم ببني كنانة ، ونحالفكم ونحن بنو أبيكم . وكان عيينة هم بذلك ، فقالت بنو ذبيان : أخرجوا من فيكم من الحلفاء ، ونخرج من فينا! فأبوا ، فقال النابغة :
ليهــن بنــي ذبيــان أن بلادهـم
خـلت لهـم مـن كـل مـولى وتابع
سـوى أسـد, يحمونهـا كـل شـارق
بــألفي كــمي, ذي سـلاح, ودارع
ثم مدح بني أسد ، وذم بني عبس ، وتنقص بني سهم ومالك من غطفان وعبد بن سعد بن ذبيان ، وهجاهم بهذا البيت الذي استشهد به الطبري ، ورواية الديوان"قعودا" ، و"يثمدونها" ، والضمير للأبيات .
وقوله : "يثمدونهم" أصله من قولهم : "ثمد الماء يثمده ثمدا" ، نبث عنه التراب ليخرج . وماء مثمود : كثر عليه الناس حتى فني ونفد إلا أقله . وأخذوا منه : "رجل مثمود" ، إذا ألح الناس عليه في السؤال ، فأعطى حتى نفد ما عنده . يقول : يظل بنو سعد ومالك لدى أبيات عبد بن سعد يستنزفون أموالهم . يصفهم بالخسة وسقوط الهمة . ومن روى : "يثمدونها" وأعاد الضمير إلى"أبياتهم" ، فهو مثله ، في أنهم يلازمون بيوتهم ويسترزقونها ، يهزأ بهم .
والكوانع جمع كانع : وهو الخاضع الذي تدانى وتصاغر وتقارب بعضه من بعض ، كأنه يتقبض من ذلته . يصفهم بالخسة والطمع والسؤال الذليل . وقوله : "رمى الله" يعني أصابها بما يستأصلها ، ورواية الديوان : "في تلك الأنوف" ، فمعناه : رمى فيها بالجدع ، وهو دعاء عليهم ، واشمئزاز من حقارتهم .
(76) مما استظهرته من أمر هذا الجمع ، جمع فاعل على فعول : أن كل فعل ثلاثي جاء مصدره على"فعول" بضم الفاء ، فجمع"فاعل" منه على"فعول" ، كهذه الأمثلة التي ذكرت هنا ، وكل ما سواها مما قيدته كتب اللغة ، ومما هو منثور في الشعر .
(77) انظر ما سلف 1 : 574-575 ، ثم 2 : 103-105 ، 519 .
2:126Page 19
وَإِذۡ قَالَ إِبۡرَٰهِـۧمُ رَبِّ ٱجۡعَلۡ هَٰذَا بَلَدًا ءَامِنٗا وَٱرۡزُقۡ أَهۡلَهُۥ مِنَ ٱلثَّمَرَٰتِ مَنۡ ءَامَنَ مِنۡهُم بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِۚ قَالَ وَمَن كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُۥ قَلِيلٗا ثُمَّ أَضۡطَرُّهُۥٓ إِلَىٰ عَذَابِ ٱلنَّارِۖ وَبِئۡسَ ٱلۡمَصِيرُ ١٢٦
And [mention] when Abraham said, "My Lord, make this a secure city and provide its people with fruits - whoever of them believes in Allāh and the Last Day." [Allāh] said, "And whoever disbelieves - I will grant him enjoyment for a little; then I will force him to the punishment of the Fire, and wretched is the destination."
القول في تأويل قوله تعالى : وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا
قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بقوله: " وإذ قال إبراهيم رب اجعل هذا بلدا آمنا "، واذكروا إذ قال إبراهيم: رب اجعل هذا البلد بلدا آمنا.
* * *
قال أبو جعفر: يعني بقوله: "آمنا ": آمنا من الجبابرة وغيرهم، أن يسلطوا عليه, ومن عقوبة الله أن تناله, كما تنال سائر البلدان, من خسف, وائتفاك, وغرق، (78) وغير ذلك من سخط الله ومثلاته التي تصيب سائر البلاد غيره، كما:
2026- حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة قال: ذكر لنا أن الحرم حُرِّم بحياله إلى العرش. وذكر لنا أن البيت هبط مع آدم حين هبط. قال الله له: أهبط معك بيتي يطاف حوله كما يطاف حول عرشي. فطاف حوله آدم ومن كان بعده من المؤمنين, حتى إذا كان زمان الطوفان -حين أغرق الله قوم نوح- رفعه وطهره، ولم تصبه عقوبة أهل الأرض. فتتبع منه إبراهيم أثرا، فبناه على أساس قديم كان قبله.
* * *
فإن قال لنا قائل: أوما كان الحرم آمنا إلا بعد أن سأل إبراهيم ربه له الأمان؟
قيل له: لقد اختلف في ذلك. فقال بعضهم: لم يزل الحرم آمنا من عقوبة الله وعقوبة جبابرة خلقه, منذ خلقت السموات والأرض. واعتلوا في ذلك بما:-
2027- حدثنا أبو كريب قال، حدثنا يونس بن بكير, عن محمد بن إسحاق قال، حدثني سعيد بن أبي سعيد المقبري, قال سمعت أبا شريح الخزاعي يقول: لما افتتحت مكة قتلت خزاعة رجلا من هذيل, فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم خطيبا فقال: " يا أيها الناس، إن الله حرم مكة يوم خلق السموات والأض, فهي حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة، لا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسفك بها دما, أو يعضد بها شجرا. ألا وإنها لا تحل لأحد بعدي، ولم تحل لي إلا هذه الساعة، غضبا علي أهلها. ألا فهي قد رجعت على حالها بالأمس. ألا ليبلغ الشاهد الغائب, فمن قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد قتل بها! فقولوا: إن الله قد أحلها لرسوله ولم يُحِلَّها لك ". (79)
2028- حدثنا أبو كريب قال، حدثنا عبد الرحيم بن سليمان - وحدثنا ابن حميد وابن وكيع قالا حدثنا جرير - جميعا, عن يزيد بن أبي زياد, عن مجاهد, عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، لمكة حين افتتحها: هذه حرم حرمه الله يوم خلق السموات والأرض، وخلق الشمس والقمر، ووضع هذين الأخشبين, لم تحل لأحد قبلي, ولا تحل لأحد بعدي, أُحِلَّت لي ساعة من نهار. (80)
* * *
قالوا: فمكة منذ خلقت حرم آمن من عقوبة الله وعقوبة الجبابرة. قالوا: وقد أخبرت عن صحة ما قلنا من ذلك الرواية الثانية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم التي ذكرناها. قالوا: ولم يسأل إبراهيم ربه أن يؤمنه من عقوبته وعقوبة الجبابرة, ولكنه سأله أن يؤمن أهله من الجدوب والقحوط, وأن يرزق ساكنه من الثمرات, كما أخبر ربه عنه أنه سأله بقوله " وإذ قال إبراهيم رب اجعل هذا بلدا آمنا وارزق أهله من الثمرات من آمن منهم بالله واليوم الآخر ". قالوا: وإنما سأل ربه ذلك لأنه أسكن فيه ذريته, وهو غير ذي زرع ولا ضرع, فاستعاذ ربه من أن يهلكهم بها جوعا وعطشا, فسأله أن يؤمنهم مما حذر عليهم منه.
قالوا: وكيف يجوز أن يكون إبراهيم سأل ربه تحريم الحرم, وأن يؤمنه من عقوبته وعقوبة جبابرة خلقه, وهو القائل - حين حله, ونـزله بأهله وولده: رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ [سورة إبراهيم: 37]؟ قالوا: فلو كان إبراهيم هو الذي حرم الحرم أو سأل ربه تحريمه لما قال: " عند بيتك المحرم " عند نـزوله به, ولكنه حُرِّم قبله, وحُرِّم بعده.
* * *
وقال آخرون: كان الحرم حلالا قبل دعوة إبراهيم كسائر البلاد غيره, وإنما صار حراما بتحريم إبراهيم إياه, كما كانت مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم حلالا قبل تحريم رسول الله صلى الله عليه وسلم إياها. قالوا: والدليل على ما قلنا من ذلك، ما:-
2029- حدثنا به ابن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن بن مهدي قال، حدثنا سفيان, عن أبي الزبير, عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " إن إبراهيم حرم بيت الله وأمنه, وإني حرمت المدينة ما بين لابتيها، عضاهها وصيدها، ولا تقطع عضاهها. (81)
2030- حدثنا أبو كريب وأبو السائب قالا [حدثنا ابن إدريس - وأخبرنا أبو كريب قال]، حدثنا عبد الرحيم الرازي, [قالا جميعا]: سمعنا أشعث, عن نافع, عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن إبراهيم كان عبد الله وخليله, وإني عبد الله ورسوله, وإن إبراهيم حرم مكة، وإني حرمت المدينة ما بين لابتيها، عضاهها وصيدها, ولا يحمل فيها سلاح لقتال, ولا يقطع منها شجر إلا لعلف بعير. (82)
2031- حدثنا أبو كريب قال، حدثنا قتيبة بن سعيد قال، حدثنا بكر بن مضر, عن ابن الهاد, عن أبي بكر بن محمد, عن عبد الله بن عمرو بن عثمان, عن رافع بن خديج, قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن إبراهيم حرم مكة, وإني أحرم المدينة ما بين لابيتها. (83)
وما أشبه ذلك من الأخبار التي يطول باستيعابها الكتاب.
* * *
قالوا: وقد أخبر الله تعالى ذكره في كتابه أن إبراهيم قال: " رب اجعل هذا بلدا آمنا "، ولم يخبر عنه أنه سأل أن يجعله آمنا من بعض الأشياء دون بعض, فليس لأحد أن يدعي أن الذي سأله من ذلك، الأمان له من بعض الأشياء دون بعض، إلا بحجة يجب التسليم لها. قالوا: وأما خبر أبي شريح وابن عباس، فخبران لا تثبت بهما حجة، لما في أسانيدهما من الأسباب التي لا يجب التسليم فيها من أجلها.
* * *
قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك عندنا: أن الله تعالى ذكره جعل مكة حرما حين خلقها وأنشأها, كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم،" أنه حرمها يوم خلق السموات والأرض "، بغير تحريم منه لها على لسان أحد من أنبيائه ورسله, ولكن بمنعه من أرادها بسوء, وبدفعه عنها من الآفات والعقوبات, وعن ساكنيها، ما أحل بغيرها وغير ساكنيها من النقمات. فلم يزل ذلك أمرها حتى بوأها الله إبراهيم خليله, وأسكن بها أهله هاجر وولده إسماعيل. فسأل حينئذ إبراهيم ربه إيجاب فرض تحريمها على عباده على لسانه, ليكون ذلك سنة لمن بعده من خلقه, يستنون به فيها, إذ كان تعالى ذكره قد اتخذه خليلا وأخبره أنه جاعله, للناس إماما يقتدى به, فأجابه ربه إلى ما سأله, وألزم عباده حينئذ فرض تحريمه على لسانه,
فصارت مكة - بعد أن كانت ممنوعة بمنع الله إياها، بغير إيجاب الله فرض الامتناع منها على عباده, ومحرمة بدفع الله عنها، بغير تحريمه إياها على لسان أحد من رسله - (84) فرض تحريمها على خلقه على لسان خليله إبراهيم عليه السلام, وواجب على عباده الامتناع من استحلالها, واستحلال صيدها وعضاهها لها بإيجابه الامتناع من ذلك ببلاغ إبراهيم رسالة الله إليه بذلك إليهم.
فلذلك أضيف تحريمها إلى إبراهيم, فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن الله حرم مكة ". لأن فرض تحريمها الذي ألزم الله عباده على وجه العبادة له به - دون التحريم الذي لم يزل متعبدا لها به على وجه الكلاءة والحفظ لها قبل ذلك - (85) كان عن مسألة إبراهيم ربه إيجاب فرض ذلك على لسانه, [وهو الذي] لزم العباد فرضه دون غيره. (86)
فقد تبين إذا بما قلنا صحة معنى الخبرين - أعني خبر أبي شريح وابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " وإن الله حرم مكة يوم خلق الشمس والقمر " - وخبر جابر وأبى هريرة ورافع بن خديج وغيرهم: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " اللهم إن إبراهيم حرم مكة "؛ وأن ليس أحدهما دافعا صحة معنى الآخر، كما ظنه بعض الجهال.
وغير جائز في أخبار رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يكون بعضها دافعا بعضا، إذا ثبت صحتها. وقد جاء الخبران اللذان رويا في ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، مجيئا ظاهرا مستفيضا يقطع عذر من بلغه.
وأما قول إبراهيم عليه السلام (87) رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ [سورة إبراهيم: 37] فإنه، إن يكن قاله قبل إيجاب الله فرض تحريمه على لسانه على خلقه، (88) فإنما عنى بذلك تحريم الله إياه الذي حرمه بحياطته إياه وكلاءته، (89) من غير تحريمه إياه على خلقه على وجه التعبد، لهم بذلك - وإن يكن قال ذلك بعد تحريم الله إياه على خلقه على وجه التعبد فلا مسألة لأحد علينا في ذلك.
* * *
القول في تأويل قوله تعالى : وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ
قال أبو جعفر: وهذه مسألة من إبراهيم ربه: أن يرزق مؤمني أهل مكة من الثمرات، دون كافريهم. وخص, بمسألة ذلك للمؤمنين دون الكافرين، لما أعلمه الله -عند مسألته إياه أن يجعل من ذريته أئمة يقتدى بهم- أن منهم الكافر الذي لا ينال عهده, والظالم الذي لا يدرك ولايته. فلما أن علم أن من ذريته الظالم والكافر, خص بمسألته ربه أن يرزق من الثمرات من سكان مكة، المؤمن منهم دون الكافر. وقال الله له: إني قد أجبت دعاءك, وسأرزق مع مؤمني أهل هذا البلد كافرهم, فأمتعه به قليلا.
* * *
وأما " من " من قوله: " من آمن منهم بالله واليوم الآخر "، فإنه نصبٌ على الترجمة والبيان عن " الأهل "، (90) كما قال تعالى: يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ [سورة البقرة: 217]، بمعنى: يسألونك عن قتال في الشهر الحرام, وكما قال تعالى ذكره: وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلا [سورة آل عمران: 97]: بمعنى: ولله حج البيت على من استطاع إليه سبيلا.
* * *
وإنما سأل إبراهيم ربه ما سأل من ذلك، لأنه حل بواد غير ذي زرع ولا ماء ولا أهل, فسأل أن يرزق أهله ثمرا, وأن يجعل أفئدة الناس تهوي إليهم. فذكر أن إبراهيم لما سأل ذلك ربه، نقل الله الطائف من فلسطين.
2032- حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق بن الحجاج قال، حدثنا هشام قال، قرأت على محمد بن مسلم أن إبراهيم لما دعا للحرم: " وارزق أهله من الثمرات "، نقل الله الطائف من فلسطين.
* * *
القول في تأويل قوله تعالى : قَالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلا
قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل في قائل هذا القول، وفي وجه قراءته. فقال بعضهم: قائل هذا القول ربنا تعالى ذكره, وتأويله على قولهم: قال: ومن كفر فأمتعه قليلا برزقي من الثمرات في الدنيا، إلى أن يأتيه أجله. وقرأ قائل هذه المقالة ذلك: " فأمتعه قليلا "، بتشديد " التاء " ورفع " العين ".
* ذكر من قال ذلك:
2033- حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي جعفر, عن أبيه عن الربيع, قال، حدثني أبو العالية, عن أبي بن كعب في قوله: " ومن كفر فأمتعه قليلا ثم أضطره إلى عذاب النار "، قال هو قول الرب تعالى ذكره.
2034- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة قال، قال ابن إسحاق: لما قال إبراهيم: رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ، وعدل الدعوة عمن أبى الله أن يجعل له الولاية, = انقطاعا إلى الله، (91) ومحبة وفراقا لمن خالف أمره, وإن كانوا من ذريته، حين عرف أنه كائن منهم ظالم لا ينال عهده, بخبره عن ذلك حين أخبره (92) = فقال الله: ومن كفر - فإني أرزق البر والفاجر - فأمتعه قليلا. (93)
* * *
وقال آخرون: بل قال ذلك إبراهيم خليل الرحمن، على وجه المسألة منه ربه أن يرزق الكافر أيضا من الثمرات بالبلد الحرام, مثل الذي يرزق به المؤمن ويمتعه بذلك قليلا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ - بتخفيف " التاء " وجزم " العين "، وفتح " الراء " من اضطره, وفصل " ثم أضطره " بغير قطع ألفها (94) - على وجه الدعاء من إبراهيم ربه لهم والمسألة.
* ذكر من قال ذلك:
2035- حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي جعفر, عن أبيه عن الربيع قال، قال أبو العالية: كان ابن عباس يقول: ذلك قول إبراهيم، يسأل ربه أن من كفر فأمتعه قليلا.
* * *
2036- حدثنا المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي جعفر, عن ليث, عن مجاهد: " ومن كفر فأمتعه قليلا "، يقول: ومن كفر فأرزقه أيضا، ثم أضطره إلى عذاب النار. (95)
* * *
قال أبو جعفر: والصواب من القراءة في ذلك عندنا والتأويل, ما قاله أبي بن كعب وقراءته, لقيام الحجة بالنقل المستفيض دراية بتصويب ذلك, وشذوذ ما خالفه من القراءة. وغير جائز الاعتراض بمن كان جائزا عليه في نقله الخطأ والسهو, على من كان ذلك غير جائز عليه في نقله. وإذ كان ذلك كذلك, فتأويل الآية: قال الله: يا إبراهيم، قد أجبت دعوتك, ورزقت مؤمني أهل هذا البلد من الثمرات وكفارهم، متاعا لهم إلى بلوغ آجالهم, ثم أضطر كفارهم بعد ذلك إلى النار.
* * *
وأما قوله: " فأمتعه قليلا " يعني: فأجعل ما أرزقه من ذلك في حياته متاعا يتمتع به إلى وقت مماته. (96)
وإنما قلنا إن ذلك كذلك، لأن الله تعالى ذكره إنما قال ذلك لإبراهيم، جوابا لمسألته ما سأل من رزق الثمرات لمؤمني أهل مكة. فكان معلوما بذلك أن الجواب إنما هو فيما سأله إبراهيم لا في غيره. وبالذي قلنا في ذلك قال مجاهد, وقد ذكرنا الرواية بذلك عنه. (97)
وقال بعضهم: تأويله: فأمتعه بالبقاء في الدنيا.
وقال غيره: فأمتعه قليلا في كفره ما أقام بمكة, حتى أبعث محمدا صلى الله عليه وسلم فيقتله، إن أقام على كفره، أو يجليه عنها. وذلك وإن كان وجها يحتمله الكلام، فإن دليل ظاهر الكلام على خلافه، لما وصفنا. (98)
* * *
القول في تأويل قوله تعالى : ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ
قال أبو جعفر: يعنى تعالى ذكره بقوله: " ثم أضطره إلى عذاب النار "، ثم أدفعه إلى عذاب النار وأسوقه إليها, كما قال تعالى ذكره: يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا [سورة الطور: 13]. (99)
* * *
ومعنى " الاضطرار "، الإكراه. يقال: " اضطررت فلانا إلى هذا الأمر "، إذا ألجأته إليه وحملته عليه.
فذلك معنى قوله: " ثم أضطره إلى عذاب النار "، أدفعه إليها وأسوقه، سحبا وجرا على وجهه.
* * *
القول في تأويل قوله تعالى : وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (126)
قال أبو جعفر: قد دللنا على أن " بئس " أصله " بِئس " من " البؤس " سُكِّن ثانيه، ونقلت حركة ثانيه إلى أوله, كما قيل للكَبد كِبْد, وما أشبه ذلك. (100)
* * *
ومعنى الكلام: وساء المصيرُ عذابُ النار, بعد الذي كانوا فيه من متاع الدنيا الذي متعتهم فيها.
* * *
وأما " المصير "، فإنه " مَفعِل " من قول القائل: " صرت مصيرا صالحا "،, وهو الموضع الذي يصير إليه الكافر بالله من عذاب النار. (101)
* * *
---------------------------
الهوامش :
(78) في المطبوعة : "وانتقال" مكان"وائتفاك" ، وذاك لفظ بلا معنى هنا وبلا دلالة . والائتفاك الانقلاب ، وهو عذاب الله الشديد الذي أنزله بقوم لوط ، فقال سبحانه في سورة هود : "فلما جاء أمرنا جعلنا عاليها سافلها" ، وهذا هو الائتفاك ، ائتفكت بهم الأرض : أي انقلبت فصار عاليها سافلها ، فسمى الله هذه القرى ، قرى لوط"المؤتفكات" في سورة التوبة : 70 ، وفي سورة الحاقة : 9 ، وقال في سورة النجم : 52-53"والمؤتفكة أهوى فغشاها ما غشى"
(79) الحديث : 2027- هذا مختصر من حديث صحيح مطول :
فرواه أحمد في المسند : 16448 (ج 4 ص 32 حلبي) ، عن يعقوب بن إبراهيم بن سعد ، عن أبيه ، عن محمد بن إسحاق ، بهذا الإسناد .
ورواية ابن إسحاق ثابتة أيضًا -مطولة- في سيرة ابن هشام 4 : 57-58 (حلبي) ، و 823- 824 أوربة ، 2 : 277-278 (من الروض الأنف) .
ورواه أيضًا ، بنحوه ، أحمد : 16444 (ج 4 ص 31) ، والبخاري 1 : 176-177 ، و 4 : 35-39 (فتح ) ، ومسلم 1 : 383-384 كلهم من طريق الليث بن سعد ، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري ، عن أبي شريح .
وقوله في الحديث : "أو يعضد بها شجرا" ، أي يقطعه ، يقال"عضد الشجر" ، من باب"ضرب" قطعه .
وقوله : "غضبا على أهلها" : هذا هو الصحيح الثابت في رواية ابن إسحاق ، في المسند ، وسيرة ابن هشام ، وفي المطبوعة : "عصى على أهلها" . وهو تصحيف .
(80) الحديث : 2028- هذا الحديث رواه الطبري بإسنادين ، عن ثلاثة شيوخ : فرواه عن أبي كريب محمد بن العلاء ، عن عبد الرحيم بن سليمان الرازي . ثم رواه عن ابن حميد - وهو محمد بن حميد الرازي ، وعن ابن وكيع - وهو سفيان بن وكيع ، كلاهما : أعني ابن حميد وابن وكيع ، عن جرير بن عبد الحميد الضبي . ثم يجتمع الإسنادان : فيرويه عبد الرحيم بن سليمان وجرير بن عبد الحميد"جميعا عن يزيد بن أبي زياد" .
وهذه الأسانيد ظاهرها الصحة ، وإن كان سفيان بن وكيع ضعيفا ، كما بينا في : 1692- فإن الطبري لم يفرده بالرواية عنه ، بل قرن به محمد الرازي ، وهو ثقة - إلا أن في الحديث انقطاعا ، بين مجاهد وابن عباس . وقد سمع مجاهد من ابن عباس حديثا كثيرا ، ولكن هذا الحديث بعينه رواه"عن طاوس عن ابن عباس" .
و"يزيد بن أبي زياد الكوفي مولى بني هاشم" : صدوق ، في حفظه شيء بعد ما كبر ، قال ابن سعد 6 : 237"كان ثقة في نفسه ، إلا أنه اختلط في آخر عمره ، فجاء بالعجائب" . وقال يعقوب بن سفيان : "ويزيد -وإن كانوا يتكلمون فيه لتغييره- فهو على العدالة والثقة ، وإن لم يكن مثل الحكم ومنصور" . وهو مترجم في التهذيب ، والكبير 4/2/334 ، وابن أبي حاتم 4/2/265 . فلعله وهم في حذف"طاوس" بين مجاهد وابن عباس .
والحديث في ذاته صحيح .
فرواه أحمد بنحوه مطولا : 2353 ، 2898 ، من طريق منصور بن المعتمر ، عن مجاهد ، عن طاوس ، عن ابن عباس .
وكذلك رواه البخاري 4 : 40-42 ، ومسلم 1 : 383 ، من طريق منصور .
ومنصور بن المعتمر : سبق توثيقه 177 . وهو أثبت حفظا من مئة مثل يزيد بن أبي زياد . بل قال يحيى القطان : "ما أحد أثبت عن مجاهد وإبراهيم - من منصور" . وقدمه الأئمة -في الحفظ- على الأعمش والحكم .
بل إن هذا الحديث نفسه : ذكر الحافظ في الفتح أنه رواه الأعمش عن مجاهد عن النبي صلى الله عليه وسلم - مرسلا ، يعني بحذف طاوس وابن عباس ، ثم قال : "ومنصور ثقة حافظ ، فالحكم لوصله" . أي أن هذه الزيادة زيادة ثقة ، يجب قبولها والحكم لها بالترجيح .
وقوله في هذه الرواية : "ووضع هذين الأخشبين" . هذه الزيادة لم أجدها في شيء من الروايات الأخر . و"الأخشبان" ، بلفظ التثنية : هما جبلا مكة المطيفان بها . انظر النهاية لابن الأثير ، ومعجم البلدان لياقوت .
(81) الحديث : 2029- إسناده صحيح . عبد الرحمن بن مهدي : هو الإمام الحافظ العلم . سفيان : هو الثوري .
أبو الزبير : هو المكي ، محمد بن مسلم بن تدرس ، تابعي ثقة . أخرج له الجماعة . جابر : هو ابن عبد الله ، الصحابي المشهور .
والحديث رواه مسلم 1 : 385 ، بنحوه ، من طريق محمد بن عبد الله الأسدي ، عن سفيان ، بهذا الإسناد . بلفظ"إن إبراهيم حرم مكة" إلخ .
ونقله ابن كثير 1 : 316 ، وقال : "وهكذا رواه النسائي ، عن محمد بن بشار بندار ، به" . و"بندار" : لقب محمد بن بشار .
اللابتان : هما الحرتان بجانبي المدينة ، وهي الأرض ذات الحجارة السود التي قد ألبستها لكثرتها .
العضاه ، بكسر العين وتخفيف الضاد المعجمة وآخره هاء : كل شجر عظيم له شوك .
(82) الحديث : 2030- أبو السائب : هو مسلم بن جنادة ، مضت ترجمته : 48 . ابن إدريس : هو عبد الله بن إدريس الأودي . سبقت ترجمته في : 438 .
عبد الرحيم الرازي : هو عبد الرحيم بن سليمان الرازي الأشل الكناني - الذي مضت له رواية في الحديث 2028- وهو ثقة كثير الحديث . مترجم في التهذيب ، وابن أبي حاتم 2/2/239 .
أشعث : هو ابن سوار الكندي ، ضعفه بعضهم ، ووثقه آخرون . وقد رجحنا توثيقه في شرح المسند : 661 . مترجم في التهذيب ، والكبير للبخاري 1/2/430 ، وابن أبي حاتم 1/1/271-272 .
نافع : هو مولى ابن عمر ، الثقة الثبت الحجة .
وقد كان هذا الإسناد : مغلوطا في المطبوعة هكذا : "حدثنا أبو كريب وأبو السائب ، قالا حدثنا عبد الرحيم الرازي : سمعت أشعث . . . " نقص منه"ابن إدريس" . فكان ظاهره أن أبا كريب وأبا السائب روياه عن عبد الرحيم الرازي عن أشعث . والصواب ما أثبتناه ، نقلا عن ابن كثير 1 : 316 ، عن هذا الموضع من الطبري .
فصحة الإسناد : أنه يرويه الطبري عن أبي كريب وأبي السائب . كلاهما عن عبد الله بن إدريس ، ثم يرويه الطبري عن أبي كريب وحده ، عن عبد الرحيم الرازي -وأن عبد الله بن إدريس وعبد الرحيم الرازي سمعاه جميعا من أشعث .
وهذا الحديث من هذا الوجه ، قال فيه ابن كثير : "وهذه الطريق غريبة ، ليست في شيء من الكتب الستة" . وأزيد عليه : أني لم أجدها في المسند أيضًا ، ولا في غيره مما استطعت الرجوع إليه من المراجع .
ثم أشار ابن كثير إلى أن أصل معناه ثابت عن أبي هريرة ، من وجه آخر ، في صحيح مسلم . وهو حديث مالك في الموطأ ، ص : 885 ، عن سهيل عن أبيه عن أبي هريرة : "كان الناس إذا رأوا أول الثمر جاءوا به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فإذا أخذه رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ، اللهم بارك لنا في ثمرنا وبارك لنا في مدينتنا ، وبارك لنا في صاعنا ، وبارك لنا في مدنا . اللهم إن إبراهيم عبدك وخليلك ونبيك ، وإني عبدك ونبيك ، وإنه دعاك لمكة ، وإني أدعوك للمدينة بمثل ما دعاك به لمكة ، ومثله معه" . وهو في صحيح مسلم 1 : 387 ، عن قتيبة ، عن مالك .
(83) الحديث : 2031- بكر من مضر بن محمد بن حكيم المصري : ثقة ، أخرج له الشيخان وغيرهما . مترجم في التهذيب ، والكبير للبخاري 1/2/95 ، وابن أبي حاتم 1/1/392-393 ، وتذكرة الحفاظ ، وقال : "الإمام المحدث الصادق العابد" .
ابن الهاد : هو يزيد بن عبد الله بن أسامة بن الهاد الليثي المدني . وهو ثقة كثير الحديث ، أخرج له أصحاب الكتب الستة . مترجم في التهذيب ، والكبير 4/2/344 ، وابن أبي حاتم 4/2/275 . أبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم الأنصاري : تابعي ثقة حجة ، لا يسأل عن مثله .
عبد الله بن عمرو بن عثمان بن عفان : تابعي ثقة ، وكان شريفا جوادا ممدحا . جده لأمه : عبد الله بن عمر بن الخطاب .
والحديث رواه مسلم في صحيحه 1 : 385 ، عن قتيبة بن سعيد ، بهذا الإسناد . ونقله ابن كثير 1 : 316 ، وقال : "انفرد بإخراجه مسلم" . يعني دون البخاري .
(84) سياق هذه الجملة المعترضة : "بعد أن كانت ممنوعة . . . ، ومحرمة . . . " ، وسياق الجملة التي دخلها الاعتراض : "فصارت مكة . . . فرض تحريمها . . . وواجب على عباده . . . "
(85) كلأه الله يكلؤه كلاء (بفتح فسكون) وكلأ (بكسر فسكون) وكلاءة (بكسر الكاف) : حرسه وحفظه . وكان في المطبوعة"الكلاء" بهمزة مفردة مع المد ، وليس صوابا . هذا ، وسياق العبارة : "لأن فرض تحريمها . . . كان عن مسألة إبراهيم ربه" .
(86) ما بين القوسين زيادة لا بد منها حتى يستقيم الكلام .
(87) في الأصول : "وقول إبراهيم" ، والصواب زيادة"أما" كما يدل عليه السياق .
(88) وفيها : "إن يكن قال قبل إيجاب الله" . والصواب ما أثبت .
(89) وفيها : "وكلائه" ، والصواب ما أثبت ، وانظر التعليق السالف رقم : 1 .
(90) الترجمة : هي عطف البيان أو البدل عند الكوفيين ، كما سلف 2 : 340 ، 420 .
(91) يعني أن إبراهيم قال ذلك ، وصرف الدعوة : "انقطاعا إلى الله . . . "
(92) في المطبوعة : "أنه كان منهم ظالم . . . " والصواب ما أثبت من تفسير ابن كثير . قوله : "بخبره عن ذلك . . " سياقه ، أنه : عدل الدعوة عمن أبي . . بخبر الله عن ذلك حين أخبره . وفي المطبوعة : "فقال الله . . " ، والفاء مفسدة للسياق ، فإنه : "لما قال إبراهيم . . وعدل الدعوة . . قال الله . . " .
(93) الأثر : 2034- في تفسير ابن كثير 1 : 319 ، وفيه اختلاف في بعض اللفظ ، ولم أجده في سيرة ابن هشام .
(94) هذا رسم القراءة {فأمتعه قليلا ثم اضطره} ، على أنهما فعلا أمر ، يراد بهما الدعاء والسؤال .
(95) الأثر : 2036- كان ينبغي أن يقدم هذا الأثر على ذكر هذه القراءة التي سوف يردها الطبري . وبين من نقل ابن كثير عن الطبري أن موقعه قبل الأثر رقم : 2034 ، وسيأتي في كلام الطبري بعد قليل ما يقطع بأن هذا الخبر عن مجاهد ، بمعزل عن هذه القراءة . فأخشى أن يكون الناسخ قد أسقط الخبر عند النسخ ، ثم عاد فوضعه هنا حين انتبه إلى أنه قد أسقطه . وكدت أرده إلى مكانه ، ولكني آثرت تركه على حاله مع التنبيه على الخطأ ، وفصلته عن الذي قبله بالنجوم الفاصلة .
(96) انظر تفسير"المتاع" فيما سلف 1 : 539-541 .
(97) انظر الأثر : رقم : 2036 ، والتعليق عليه .
(98) ما أحسن ما قال أبو جعفر فإن أكثر الكلام ، يحتمل وجوها ، ولكن سياق المعاني وترابطها يوجب معنى واحدا مما يحتمله الكلام . وهذا ما يعنيه بقوله : "دليل ظاهر الكلام" . وانظر تفسير"الظاهر" فيما سلف 2 : 15 والمراجع قبله وبعده .
(99) قال أبو جعفر في تفسير هذه الآية (27 : 13-14 ، بولاق) : "يدفعون بإرهاق وإزعاج . يقال منه . دععت في قفاه : إذا دفعت فيه" .
(100) انظر ما سلف 2 : 338-340 .
(101) يريد الطبري أنه المنزل الذي ينتهى إليه ، من قولهم : "أين مصيركم؟" ، أي منزلكم . والمصير : العاقبة وما يصير إليه الشيء .
Text: through the Quran Foundation. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences