At-Tabari · Tafsir · in Arabic
Al-Baqarah 2:136–138
2:136Page 21
قُولُوٓاْ ءَامَنَّا بِٱللَّهِ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيۡنَا وَمَآ أُنزِلَ إِلَىٰٓ إِبۡرَٰهِـۧمَ وَإِسۡمَٰعِيلَ وَإِسۡحَٰقَ وَيَعۡقُوبَ وَٱلۡأَسۡبَاطِ وَمَآ أُوتِيَ مُوسَىٰ وَعِيسَىٰ وَمَآ أُوتِيَ ٱلنَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمۡ لَا نُفَرِّقُ بَيۡنَ أَحَدٖ مِّنۡهُمۡ وَنَحۡنُ لَهُۥ مُسۡلِمُونَ ١٣٦
Say, [O believers], "We have believed in Allāh and what has been revealed to us and what has been revealed to Abraham and Ishmael and Isaac and Jacob and the Descendants [al-Asbāṭ]1 and what was given to Moses and Jesus and what was given to the prophets from their Lord. We make no distinction between any of them, and we are Muslims [in submission] to Him."
القول في تأويل قوله تعالى : قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (136)
قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بذلك: " قولوا " -أيها المؤمنون، لهؤلاء اليهودِ والنصارَى، الذين قالوا لكم: كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا -: "آمنا ", أي صدَّقنا بالله .
وقد دللنا فيما مضى أنّ معنى " الإيمان "، التصديقُ، بما أغنى عن إعادته. (15) .
* * *
" وما أنـزل إلينا "، يقول أيضًا: صدّقنا بالكتاب الذي أنـزل الله إلى نبيّنا محمد صلى الله عليه وسلم. فأضاف الخطاب بالتنـزيل إليهم، إذ كانوا متّبعيه، ومأمورين منهيين به. فكان - وإنْ كان تنـزيلا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم - بمعنى التنـزيل إليهم، للذي لهم فيه من المعاني التي وصفتُ
* * *
ويعني بقوله: " ومَا أنـزل إلى إبراهيم "، صدَّقنا أيضًا وآمنا بما أنـزل إلى إبراهيم وإسماعيلَ وإسحاقَ ويعقوبَ والأسباط , وهم الأنبياء من ولد يَعقوب.
* * *
وقوله: " ومَا أوتي مُوسَى وعيسى "، يعني: وآمنا أيضًا بالتوراة التي آتاها الله موسى, وبالإنجيل الذي آتاه الله عيسى, والكتب التي آتى النبيين كلهم, وأقرَرنا وصدّقنا أن ذلك كله حَق وهُدى ونور من عند الله، وأن جَميع من ذكر الله من أنبيائه كانوا على حق وهدى، يُصدِّق بعضهم بعضًا، على منهاج واحد في الدعاء إلى توحيد الله، والعمل بطاعته," لا نُفرِّق بَينَ أحد منهم "، يقول: لا نؤمن ببعض الأنبياء ونكفر ببعض, ونتبرَّأ من بعضٍ ونتولى بعضًا, كما تبرأت اليهودُ من عيسى ومحمد عليهما السلام وأقرّت بغيرهما من الأنبياء, وكما تبرأت النصارَى من محمد صلى الله عليه وسلم وأقرّت بغيره من الأنبياء، بل نشهد لجميعهم أنّهم كانوا رسلَ الله وأنبياءَه, بعثوا بالحق والهدى.
* * *
وأما قوله: " ونحنُ لَهُ مُسلمون "، فإنه يعني تعالى ذكره: ونحنُ له خاضعون بالطاعة, مذعنون له بالعبودية. (16)
* * *
فذُكر أنّ نبيّ الله صلى الله عليه وسلم قال ذلك لليهود, فكفروا بعيسى وبمن يؤمن به، كما:-
2101- حدثنا أبو كريب قال: حدثنا يونس بن بكير قال: حدثنا محمد بن إسحاق قال: حدثني محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت قال: حدثني سعيد بن جبير، أو عكرمة, عن ابن عباس قال: أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم نَفرٌمن يهود، فيهم أبو ياسر بن أخطب، (17) ورافع بن أبي رافع، وعازر، وخالد، وزيد، وأزار بن أبي أزار، وأشْيَع, فسألوه عمن يؤمن به من الرسل فقال: أومن بالله وَمَا أنـزلَ إلينا وما أنـزلَ إلى إبرَاهيمَ وإسماعيل وإسحاقَ ويعقوب والأسباط, ومَا أوتي مُوسى وعيسى وَمَا أوتي النبيون من رَبهم لا نُفرّق بين أحد منهم ونحن له مُسلمون. فلما ذكر عيسى جحدوا نبوته، وقالوا: لا نؤمن بعيسى, ولا نؤمن بمن آمن به. فأنـزل الله فيهم: قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا إِلا أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْـزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْـزِلَ مِنْ قَبْلُ وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ (18) [سورة المائدة:59]
2102- حدثنا ابن حميد قال: حدثنا سلمة قال: حدثنا محمد بن إسحاق قال: حدثني محمد بن أبي محمد, عن عكرمة، أو عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس. قال: أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم, فذكر نحوه - إلا أنه قال: " ونافع بن أبي نافع " مكانَ" رافع بن أبي رافع " (19) .
* * *
وقال قتادة: أنـزلتْ هذه الآية، أمرًا من الله تعالى ذكره للمؤمنين بتصديق رُسله كلهم.
2103- حدثنا بشر بن معاذ قال: حدثنا يزيد قال: حدثنا سعيد, عن قتادة: " قُولُوا آمنا بالله وما أنـزل إلينا وما أنـزل إلى إبراهيم " إلى قوله: " ونَحنُ له مسلمون "، أمر الله المؤمنين أن يؤمنوا ويصدقوا بأنبيائه ورسله كلهم, ولا يفرِّقوا بين أحد منهم.
* * *
وأما " الأسباط" الذين ذكرهم، فهم اثنا عشر رَجلا من ولد يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم. وَلَد كل رجل منهم أمّة من الناس, فسموا " أسباطًا " (20) . كما:-
2104- حدثنا بشر بن معاذ قال: حدثنا يزيد قال: حدثنا سعيد، عن قتادة قال: الأسباط، يوسفُ وإخوته، بنو يَعقوب. ولد اثني عشر رجلا فولد كل رجل منهم أمَّة من الناس, فسموا: " أسباطا ".
2105- حدثني موسى قال: حدثنا عمرو قال: حدثنا أسباط, عن السدي: أما الأسباط، فهم بنو يعقوب: يوسُف, وبنيامين, ورُوبيل, ويهوذا, وشَمعون, ولاوِي, ودَان, وقهاث. (21) .
2106- حدثني المثنى قال: حدثنا إسحاق قال: حدثنا ابن أبي جعفر, عن أبيه, عن الربيع, قال: " الأسباط" يوسف وإخوته بنو يعقوب، اثنا عشر رجلا فولد لكل رجل منهم أمّة من الناس, فسموا " الأسباط".
2107- حدثنا ابن حميد قال: حدثنا سلمة قال: حدثني محمد بن إسحاق قال (22) نكح يَعقوب بن إسحاق -وهو إسرائيل- ابنة خاله " ليا " ابنة " ليان بن توبيل بن إلياس "، (23) فولدت له " روبيل بن يعقوب "، (24) وكان أكبر ولده, و " شمعون بن يعقوب ", و " لاوي بن يعقوب " و " يهوذا بن يعقوب " و " ريالون بن يعقوب "، (25) و " يشجر بن يعقوب "، (26) و " دينة بنت يعقوب "، ثم توفيت " ليا بنت ليان ". (27) فخلف يعقوب على أختها " راحيل بنت ليان بن توبيل بن إلياس " (28) فولدت له " يوسف بن يعقوب " و " بنيامين " -وهو بالعربية أسد- وولد له من سُرِّيتين له: اسم إحداهما " زلفة ", واسم الأخرى " بلهية "، (29) أربعة نفر: " دان بن يعقوب ", و " نَفثالي بن يعقوب " و " جَاد بن يعقوب ", و " إشرب بن يعقوب " (30) فكان بنو يعقوب اثني عشرَ رجلا نشر الله منهم اثنَى عشر سبطًا، لا يُحصى عددَهم ولا يعلم أنسابَهم إلا الله, يقول الله تعالى: وَقَطَّعْنَاهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطًا أُمَمًا . [سورة الأعراف: 160]
-----------
الهوامش :
(15) انظر ما سلف 1 : 235-236 ، ثم 2 : 143 ، 348 . . . ومواضع أخرى غيرها .
(16) انظر"الإسلام" فيما سلف : 510 ، 511 / وهذا الجزء 3 ، 74 ، 92 ، 94 .
(17) في سيرة ابن هشام 2 : 216"منهم : أبو ياسر" .
(18) الأثر : 2101- سيأتي في تفسير سورة المائدة : 59 (6 : 188-189 بولاق) بإسناده عن هناد بن السري عن يونس بن بكير ، وهو في سيرة ابن هشام 2 : 216 مع اختلاف يسير في بعض لفظه . وانظر الأثر التالي .
(19) الأثر : 2102 - هكذا جاء في سيرة ابن هشام 2 : 216 ، وانظر سيرة ابن هشام أيضًا 1 : 161 ، 162"رافع بن أبي رافع" ، و"نافع بن أبي نافع" ، والخلط في أسماء يهود ذلك العهد كثير في كتب السير .
(20) انظر تفسير"الأسباط" فيما سلف أيضًا 2 : 121 .
(21) الأثر : 2105- في الدر المنثور 1 : 140 . ولم أجد في ولد يعقوب"قهاث" وفي الدر المنثور"وتهان" ، والظاهر أنهما جميعًا محرفان عن"نفتالى" أخبر"دان" من أمها"بلهية" جارية"راحيل" ، كما سيأتي في الأثر التالي : 2107 ، وكما هو في كتاب بني إسرائيل الذي بين أيدينا . هذا ، وقد اقتصر الطبري هنا على ثمانية نفر من الأسباط . وزاد السيوطي في الدر المنثور تاسعًا -في روايته عن الطبري- قال"وكونوا - بالنون" ، وليس في ولد يعقوب هذا الاسم ، إلا أن يكون تصحيفًا صوابه"زبلون" كما هو في كتب القوم . انظر التعليق على الأثر التالي : 2107 .
(22) الأثر : 2107- لم أصحح هذه الأسماء ، مع الاختلاف فيها ، ولكني سأذكر مواضع الاختلاف على رسمها في كتاب بني إسرائيل الذي بين أيدينا ، في التعليقات الآتية .
(23) "ليئة ابنة لابَان بن بَتُوئِيل""وراحيل بنت لابان . . "
(24) (رأُوبين بن يعقُوبُ)
(25) (زَبُولُون بن يعقوب)
(26) (يسَّاكر بن يعقوب)
(27) "ليئَة ابنة لابَان بن بَتُوئِيل""وراحيل بنت لابان . . "
(28) "ليئَة ابنة لابَان بن بَتُوئِيل""وراحيل بنت لابان . . "
(29) (بِلْهة)
(30) (أشِير بن يَعْقُوب) وراجع في الجميع سفر التكوين إصحاح : 29 ، 30 ، 35 .
2:137Page 21
فَإِنۡ ءَامَنُواْ بِمِثۡلِ مَآ ءَامَنتُم بِهِۦ فَقَدِ ٱهۡتَدَواْۖ وَّإِن تَوَلَّوۡاْ فَإِنَّمَا هُمۡ فِي شِقَاقٖۖ فَسَيَكۡفِيكَهُمُ ٱللَّهُۚ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡعَلِيمُ ١٣٧
So if they believe in the same as you believe in, then they have been [rightly] guided; but if they turn away, they are only in dissension, and Allāh will be sufficient for you against them. And He is the Hearing, the Knowing.
القول في تأويل قوله تعالى : فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا
قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بقوله: " فإن آمنوا بمثل ما آمنتم به "، فإن صدّق اليهودُ والنصارَى بالله، ومَا أنـزل إليكم، وما أنـزل إلى إبراهيمَ وإسماعيل وإسحاقَ ويعقوبَ والأسباطِ, ومَا أوتي مُوسى وعيسى, وما أوتي النبيون من ربهم, وأقروا بذلك، مثلَ ما صدّقتم أنتم به أيّها المؤمنون وأقررتم, فقد وُفِّقوا ورَشِدوا، ولزموا طريق الحق، واهتدوا, وهم حينئذ منكم وأنتم منهم، بدخولهم في ملتكم بإقرارهم بذلك.
فدلّ تعالى ذكره بهذه الآية، على أنه لم يقبل من أحد عَملا إلا بالإيمان بهذه المعاني التي عدَّها قَبلها، كما:-
2108- حدثنا المثنى قال: حدثنا أبو صالح قال: حدثنا معاوية بن صالح, عن علي بن أبي طلحة, عن ابن عباس قوله: " فإن آمنوا بمثل مَا آمنتم به فقد اهتدوا " ونحو هذا, قال: أخبر الله سبحانه أنّ الإيمان هو العروة الوثقى, وَأنه لا يقبل عملا إلا به, ولا تحرُم الجنة إلا على مَن تركه.
* * *
وقد روي عن ابن عباس في ذلك قراءةٌ، جاءت مصاحفُ المسلمين بخلافها, وأجمعت قَرَأة القرآن على تركها. وذلك ما:-
2109- حدثنا به محمد بن المثنى قال: حدثنا محمد بن جعفر قال: حدثنا شعبة, عن أبي حمزة, قال: قال ابن عباس: لا تقولوا: " فإن آمنوا بمثل مَا آمنتم به فقد اهتدوا " -فإنه ليس لله مثل- ولكن قولوا: " فإن آمنوا بالذي آمنتم به فَقد اهتدوا "- أو قال: " فإن آمنوا بما آمنتم به ".
* * *
فكأن ابن عباس -في هذه الرواية إن كانت صحيحة عنه- يوجِّه تأويل قراءة من قرأ: " فإن آمنُوا بمثل مَا آمنتم به "، فإن آمنوا بمثل الله, وبمثل ما أنـزل على إبراهيم وإسماعيل. وذلك إذا صرف إلى هذا الوجه، شِركٌ لا شكَّ بالله العظيم. لأنه لا مثل لله تعالى ذكرُه, فنؤمن أو نكفر به.
* * *
ولكن تأويل ذلك على غير المعنى الذي وَجّه إليه تأويله. وإنما معناه ما وصفنا, وهو: فإن صدّقوا مثل تصديقكم بما صدقتم به -من جميع ما عددنا عليكم من كتُب الله وأنبيائه- فقد اهتدوا. فالتشبيه إنما وقع بين التصديقين والإقرارين اللذين هما إيمان هؤلاء وإيمان هؤلاء. كقول القائل: " مرّ عمرو بأخيك مثلَ ما مررتُ به ", يعني بذلك مرّ عمرو بأخيك مثل مُروري به. والتمثيل إنما دخل تمثيلا بين المرورين, لا بين عمرو وبين المتكلم. فكذلك قوله: " فإن آمنوا بمثل ما آمنتم به "، إنما وقع التمثيل بين الإيمانين، لا بين المؤمَنِ به.
* * *
القول في تأويل قوله تعالى : وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ
قال أبو جعفر: يعنى تعالى ذكره بقوله: " وإن تَوَلَّوْا "، وإن تولى -هؤلاء الذين قالوا لمحمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه: كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى - فأعرضوا، (31) = فلم يؤمنوا بمثل إيمانكم أيّها المؤمنون بالله, وبما جاءت به الأنبياءُ, وابتُعِثت به الرسل, وفرّقوا بين رُسُل الله وبين الله ورسله, فصدّقوا ببعضٍ وكفروا ببعضٍ = فاعلموا، أيها المؤمنون، أنهم إنما هُمْ في عصيان وفِرَاق وحَربٍ لله ولرسوله ولكم، كما:-
2110- حدثنا بشر بن معاذ قال: حدثنا يزيد, عن سعيد، عن قتادة: " وإنما هُم في شقاق "، أي: في فراق (32)
2111- حدثني المثنى قال: حدثنا إسحاق قال: حدثنا ابن أبي جعفر, عن أبيه, عن الربيع: " فإنما هُمْ في شقاق "، يعني فراق.
2112- حدثني يونس قال: أخبرنا ابن وهب قال: قال ابن زيد: " وإن توَلوا فإنما هم في شقاق " قال: الشقاق: الفراقُ والمحاربة. إذا شَاقَّ فقد حارب, وإذا حَارب فقد شاقَّ, وهما واحدٌ في كلام العرب، وقرأ: وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ [سورة النساء: 115].
* * *
قال أبو جعفر: وأصل " الشقاق " عندنا، والله أعلم، مأخوذٌ من قول القائل: " شَقَّ عليه هذا الأمر "، إذا كرَبه وآذاه. ثم قيل: " شاقَّ فلانٌ فلانًا "، بمعنى: نال كل واحد منهما من صاحبه ما كرَبه وآذاه، وأثقلته مَساءَته. ومنه قول الله تعالى ذكره: وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا [سورة النساء: 35] بمعنى: فراقَ بينهما.
* * *
القول في تأويل قوله تعالى : فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (137)
قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بقوله: " فسيكفيكهمُ الله "، فسيكفيكَ الله يا محمد، هؤلاء الذين قالوا لَكَ ولأصحابك: كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا ، من اليهود والنصارى, إنْ هم تولوْا عن أن يؤمنوا بمثل إيمان أصحابك بالله, وبما أنـزل إليك, وما أنـزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق وسائر الأنبياء غيرهم, وفرقوا بين الله ورُسُله - إما بقتل السيف, وإما بجلاء عن جوارك, وغير ذلك من العقوبات؛ فإن الله هو " السميع " لما يقولون لك بألسنتهم، ويبدون لك بأفواههم، من الجهل والدعاء إلى الكفر والملل الضّالة -" العليمُ" بما يُبطنون لك ولأصحابك المؤمنين في أنفسهم من الحَسد والبغضاء.
ففعل الله بهم ذلك عَاجلا وأنجزَ وَعْده, فكفى نبيّه صلى الله عليه وسلم بتسليطه إيّاه عليهم، حتى قتل بعضهم، وأجلَى بعضًا، وأذلّ بعضًا وأخزاه بالجزية والصَّغار.
---------
(31) انظر معنى"تولى" فيما سلف ، 2 : 162 ، 163 / ثم 298 ، 299 .
(32) الأثر : 2110- سقط من المطبوعة في إسناده : "عن سعيد" ، وهو إسناد دائر في التفسير ، أقر به فيما سلف : 2104 .
2:138Page 21
صِبۡغَةَ ٱللَّهِ وَمَنۡ أَحۡسَنُ مِنَ ٱللَّهِ صِبۡغَةٗۖ وَنَحۡنُ لَهُۥ عَٰبِدُونَ ١٣٨
[And say, "Ours is] the religion of Allāh. And who is better than Allāh in [ordaining] religion? And we are worshippers of Him."
القول في تأويل قوله تعالى : صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ (138)
قال أبو جعفر: يعنى تعالى ذكره ب " الصبغة " : صبغةَ الإسلام. وذلك أنّ النصارى إذا أرادت أن تنصِّر أطفالهم، جعلتهم في ماء لهم تزعم أن ذلك لها تقديس، بمنـزلة غُسل الجنابة لأهل الإسلام, وأنه صبغة لهم في النصرانية. (33)
فقال الله تعالى ذكره -إذ قالوا لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه المؤمنين به: كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا -: قل لهم يا محمد: أيها اليهود والنصارى, بل اتبعوا ملة إبراهيمَ، صبغة الله التي هي أحسن الصِّبَغ, فإنها هي الحنيفية المسلمة, ودعوا الشركَ بالله، والضلالَ عن محجَّة هُداه.
* * *
ونصب " الصبغة " من قرأها نصبًا على الردِّ على " الملة ". وكذلك رَفع " الصبغة " من رَفع " الملة "، على ردّها عليها.
وقد يجوز رفعها على غير هذا الوجه. وذلك على الابتداء, بمعنى: هي صبغةُ الله.
وقد يجوز نصبها على غير وجه الرّد على " الملة ", ولكن على قوله: قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ إلى قوله وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ ،" صبغةَ الله ", بمعنى: آمنا هذا الإيمان, فيكون الإيمان حينئذ هو صبغةُ الله. (34)
* * *
وبمثل الذي قلنا في تأويل " الصبغة " قال جماعة من أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
2113- حدثنا بشر قال: حدثنا يزيد قال: حدثنا سعيد, عن قتادة قوله: " صبغةَ الله ومن أحسن من الله صبغة " إنّ اليهود تصبغ أبناءها يهودَ, والنصارى تَصبغ أبناءَها نصارَى, وأن صبغة الله الإسلامُ، فلا صبغة أحسنُ من الإسلام، ولا أطهر, وهو دين الله بعث به نُوحًا والأنبياء بعده.
2114- حدثنا القاسم قال: حدثنا الحسين قال: حدثني حجاج, عن ابن جريج, قال عطاء: " صبغةَ الله " صبغت اليهودُ أبناءَهم خالفوا الفِطْرة.
* * *
واختلف أهل التأويل في تأويل قوله: " صبغة الله ". فقال بعضهم: دينُ الله.
ذكر من قال ذلك:
2115- حدثنا الحسن بن يحيى قال: أخبرنا عبد الرزاق قال: أخبرنا معمر, عن قتادة: " صبغة الله " قال: دينَ الله.
2116- حدثنا أبو كريب قال: حدثنا وكيع, عن أبي جعفر, عن الربيع, عن أبي العالية في قوله: " صبغةَ الله " قال: دينَ الله،" ومن أحسن من الله صِبغةً"، ومن أحسنُ من الله دينًا.
2117- حدثني المثنى قال: حدثنا إسحاق قال: حدثنا ابن أبي جعفر عن أبيه, عن الربيع مثله.
2118- حدثنا أحمد بن إسحاق الأهوازي قال: حدثنا أبو أحمد الزبيري قال: حدثنا سفيان, عن رجل, عن مجاهد مثله.
2119- حدثني المثنى قال: حدثنا أبو نعيم قال: حدثنا سفيان, عن مجاهد مثله.
2120- حدثني المثنى قال: حدثنا أبو حذيفة قال: حدثنا شبل, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد مثله.
2121- حدثنا أحمد بن إسحاق قال: حدثنا أبو أحمد قال: حدثنا فُضَيل بن مرزوق, عن عطية قوله: " صبغةَ الله " قال: دينَ الله.
2122- حدثنا موسى بن هارون قال: حدثنا عمرو بن حماد قال: حدثنا أسباط, عن السدي: " صبغةَ الله ومن أحسنُ من الله صبغة "، يقول: دينَ الله, ومن أحسن من الله دينًا.
2123- حدثني محمد بن سعد قال: حدثني أبي قال: حدثني عمي قال: حدثني أبي، عن أبيه, عن ابن عباس: " صبغةَ الله " قال: دينَ الله.
2124- حدثني يونس قال: أخبرنا ابن وهب قال: قال ابن زيد في قول الله: " صبغةَ الله " قال: دين الله.
2125- حدثني ابن البرقي قال: حدثنا عمرو بن أبي سلمة قال: سألت ابن زيد عن قول الله: " صبغةَ الله "، فذكر مثله.
* * *
وقال أخرون: " صبغة الله " فطرَة الله. (35)
ذكر من قال ذلك:
2126- حدثني محمد بن عمرو قال: حدثنا أبو عاصم قال: حدثنا عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد في قول الله: " صبغة الله " قال: فطرةَ الله التي فطر الناسَ عليها.
2127- حدثني المثنى قال: حدثنا إسحاق قال: حدثنا محمد بن حرب قال: حدثنا ابن لهيعة, عن جعفر بن ربيعة, عن مجاهد: " ومن أحسنُ من الله صبغة " قال: الصبغة، الفطرةُ.
2128- حدثنا القاسم قال: حدثنا الحسين قال: حدثنا حجاج، عن ابن جريج, عن مجاهد قال: " صبغةَ الله "، الإسلام, فطرةَ الله التي فطر الناس عليها. قال ابن جريج: قال لي عبد الله بن كثير: " صبغةَ الله " قال: دين الله، ومن أحسنُ من الله دينًا. قال: هي فطرة الله.
* * *
ومن قال هذا القول, فوجَّه " الصبغة " إلى الفطرة, فمعناه: بل نتبع فطرة الله وملَّته التي خلق عليها خلقه, وذلك الدين القيم. من قول الله تعالى ذكره: فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ [سورة الأنعام: 14]. بمعنى خالق السماوات والأرض (36) .
* * *
القول في تأويل قوله تعالى : وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ (138)
قال أبو جعفر: وقوله تعالى ذكره: " ونَحنُ له عَابدون "، أمرٌ من الله تعالى ذكره نبيَّه صلى الله عليه وسلم أن يقوله لليهود والنصارى، الذين قالوا له ولمن تبعه من أصحابه: كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى . فقال لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: قُلْ بل نتبعُ ملة إبراهيم حنيفًا, صبغةَ الله, ونحنُ له عابدون. يعني: ملة الخاضعين لله المستكينين له، في اتّباعنا ملة إبراهيم، وَديْنُونتنا له بذلك, غير مستكبرين في اتباع أمره، والإقرار برسالته رسلَه, كما استكبرت اليهودُ والنصارَى, فكفروا بمحمد صلى الله عليه وسلم استكبارًا وبغيًا وحسدًا.
-----------
الهوامش :
(33) انظر معاني القرآن 1 : 82-83 .
(34) انظر معاني القرآن 1 : 82-83 .
(35) انظر مجاز القرآن لأبي عبيدة : 59 .
(36) انظر مجاز القرآن لأبي عبيدة : 59 .
Text: through the Quran Foundation. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences