At-TabariAl‑Baqarah · 2:151–153

At-Tabari · Tafsir · in Arabic

Al-Baqarah 2:151–153

2:151Page 23

كَمَآ أَرۡسَلۡنَا فِيكُمۡ رَسُولٗا مِّنكُمۡ يَتۡلُواْ عَلَيۡكُمۡ ءَايَٰتِنَا وَيُزَكِّيكُمۡ وَيُعَلِّمُكُمُ ٱلۡكِتَٰبَ وَٱلۡحِكۡمَةَ وَيُعَلِّمُكُم مَّا لَمۡ تَكُونُواْ تَعۡلَمُونَ ١٥١

Just as We have sent among you a messenger from yourselves reciting to you Our verses and purifying you and teaching you the Book and wisdom1 and teaching you that which you did not know.

القول في تأويل قوله تعالى : كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولا مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ (151)

قال أبو جعفر: يعني بقوله جل ثناؤه: " كما أرسلنا فيكم رسولا "، ولأتمّ نعمتي عليكم ببيان شرائع ملتكم الحنيفية, وأهديَكم لدين خليلي إبراهيم عليه السلام, فأجعل لكم دَعوتَه التي دعاني بها ومسألتَه التي سألنيها فقال: رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ [سورة البقرة: 128]، كما جعلت لكُم دعوته التي دعاني بها، ومسألته التي سألنيها فقال: رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولا مِنْهُمْ يَتْلُو &; 3-209 &; عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [سورة البقرة: 129]، فابتعثت منكم رَسولي الذي سألني إبراهيمُ خليلي وابنُهُ إسماعيل، أنْ أبعثه من ذرّيتهما.

ف " كما " -إذ كان ذلك معنى الكلام- صلةٌ لقول الله عز وجل: وَلأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ . ولا يكون قوله: " كما أرسلنا فيكم رسولا منكم "، متعلقًا بقوله: فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ .

* * *

وقد قال قوم: إنّ معنى ذلك: فاذكرُوني كما أرسلنا فيكم رسولا منكم أذكركم. وزعموا أن ذلك من المقدم الذي معناه التأخير، (53) فأغرقوا النـزع، (54) وبعدوا من الإصابة, وحملوا الكلام على غير معناه المعروف، وسِوَى وجهه المفهوم.

وذلك أنّ الجاريَ من الكلام على ألسن العرب، المفهومَ في خطابهم بينهم - إذا قال بعضهم لبعض: " كما أحسنت إليك يا فلان فأحسن " - أن لا يَشترطوا للآخر, لأن " الكاف " في" كما " شرطٌ معناه: افعل كما فعلت. ففي مجيء جواب: " اذكروني" بعده، وهو قوله: أَذْكُرْكُمْ ، أوضحُ دليل على أن قوله: " كما أرسلنا " من صلة الفعل الذي قبله, وأن قوله: " اذكروني أذكركم " خبرٌ مبتدأ منقطعٌ عن الأول, وأنه =من سبب قوله: " كما أرْسلنا فيكم "= بمعزل.

* * *

وقد زعم بعض النحويين أن قوله: فَاذْكُرُونِي -إذا جُعل قوله: " كما أرسلنا فيكم " جوابًا له، مع قوله: أَذْكُرْكُمْ - نظيرُ الجزاء الذي يجاب بجوابين, كقول القائل: إذا أتاك فلانٌ فأته تَرْضَه ", فيصير قوله: " فأته " و " ترضه " جوابين لقوله: " إذا أتاك ", وكقوله: " إن تأتني أحسِن إليك أكرمك ". (55)

وهذا القولُ وإن كان مذهبًا من المذاهب, فليس بالأسهل الأفصح في كلام العرب. والذي هو أولى بكتاب الله عز وجل أن يوجِّه إليه من اللغات، الأفصح الأعرفُ من كلام العرب، دون الأنكر الأجهل من منطقها. هذا، مع بعد وجهه من المفهوم في التأويل.

* * *

ذكر من قَال: إنّ قوله: " كما أرسلنا "، جوابُ قوله: " فاذكروني".

2309- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى قال، سمعت ابن أبي نجيح يقول في قول الله عز وجل: " كما أرسلنا فيكم رسولا منكم "، كما فعلتُ فاذكروني.

2310- حدثنا المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد مثله.

* * *

قوله: " كما أرسلنا فيكم رَسولا منكم "، فإنه يعني بذلك العرب, قال لهم جل ثناؤه: الزموا أيها العربُ طاعتي, وتوجهوا إلى القبلة التي أمرتكم بالتوجُّه إليها, لتنقطع حُجة اليهود عنكم, فلا تكون لهم عليكم حجَة, ولأتم نعمتي عليكم، وتهتدوا, كما ابتدأتكم بنعمتي، فأرسلت فيكم رسولا منكم. وذلك الرسول الذي أرسلَه إليهم منهم: محمد صلى الله عليه وسلم، كما:-

2311- حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي جعفر, عن أبيه, عن الربيع في قوله: " كما أرْسلنا فيكم رسولا منكم "، يعني محمدًا صلى الله عليه وسلم.

* * *

وأمّا قوله: " يتلو عليكم آياتنا "، فإنه يعني آيات القرآن, وبقوله: " ويزكيكم " ويطهّركم من دَنَس الذنوب, و " يعلمكم الكتاب " وهو الفرقان, يعني: أنه يعلمهم أحكامه. ويعني: ب " الحكمة " السننَ والفقهَ في الدين. وقد بينا جميع ذلك فيما مضى قبل بشواهده. (56)

* * *

وأمّا قوله: " ويعلمكم ما لم تكونوا تعلمون "، فإنه يعني: ويعلمكم من أخبار الأنبياء, وقَصَص الأمم الخالية, والخبر عما هو حادثٌ وكائن من الأمور التي لم تكن العرب تعلمها, فعلِموها من رسول الله صلى الله عليه وسلم. فأخبرهم جل ثناؤه أنّ ذلك كله إنما يدركونه برَسوله صلى الله عليه وسلم.

-----------------------

الهوامش :

(53) هو الفراء ، انظر معاني القرآن 1 : 92 .

(54) أغرق النازع في القوس : إذا شدها ، وجاوز الحد في مد القوس ، وبلغ النصل كبد القوس ، فربما قطع يد الرامي . ونزع الرامي في قوسه نزعًا : جذب السهم بالوتر . وقولهم : "أغرق في النزع" ، مثل في الغلو والإفراظ .

(55) هو من قول الفراء أيضًا ، انظر معاني القرآن 1 : 92 .

(56) انظر ما سلف في هذا الجزء 3 : 86-88 والمراجع .

2:152Page 23

فَٱذۡكُرُونِيٓ أَذۡكُرۡكُمۡ وَٱشۡكُرُواْ لِي وَلَا تَكۡفُرُونِ ١٥٢

So remember Me; I will remember you. And be grateful to Me and do not deny Me.

القول في تأويل قوله تعالى : فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ

قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بذلك: فاذكروني أيها المؤمنون بطاعتكم إياي فيما آمركم به وفيما أنهاكم عنه, أذكرْكم برحمتي إياكم ومغفرَتي لكم، كما:-

2312- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا ابن المبارك, عن ابن لهيعة, عن عطاء بن دينار, عن سعيد بن جبير: " فاذكروني أذكركم " قال، اذكروني بطاعتي, أذكركم بمغفرتي.

* * *

وقد كان بعضهم يتأوّل ذلك أنه من الذكر بالثناء والمدح.

* ذكر من قال ذلك:

1313- حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي جعفر, عن أبيه, عن الربيع في قوله: " فاذكروني أذكركم واشكروا لي ولا تكفرون "، إن الله ذاكرُ من ذكره, وزَائدُ من شكره, ومعذِّبُ من كفَره.

2314- حدثني موسى قال، حدثني عمرو قال، حدثنا أسباط, عن السدي: " اذكروني أذكركم " قال، ليس من عبد يَذكر الله إلا ذكره الله. لا يذكره مؤمن إلا ذكره برَحمةٍ, ولا يذكره كافر إلا ذكره بعذاب.

* * *

القول في تأويل قوله تعالى : وَاشْكُرُوا لِي وَلا تَكْفُرُونِ (152)

قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بذلك: اشكروا لي أيها المؤمنون فيما أنعمت عليكم من الإسلام، والهداية للدين الذي شرعته لأنبيائي وأصفيائي،" ولا تكفرون "، يقول: ولا تجحدوا إحساني إليكم, فأسلبكم نعمتي التي أنعمت عليكم, ولكن اشكروا لي عليها, وأزيدكم فأتمم نعمتي عليكم, وأهديكم لما هديت له من رَضيت عنه من عبادي, فإنّي وعدت خلقي أنّ من شكر لي زدته, ومن كفرني حَرمته وسلبته ما أعطيتُه.

* * *

والعرب تقول: " نَصحتُ لك وشكرتُ لك ", ولا تكاد تقول: " نصحتك ", وربما قالت: " شكرتك ونصحتك ", من ذلك قول الشاعر: (57)

هُـمُ جَـمَعُوا بُؤْسَـى ونُعْمَـى عَلَيْكُـمُ

فَهَــلا شَـكَرْتَ القَـوْمَ إذْ لَــمْ تُقَـاتِلِ (58)

وقال النابغة في" نصحتك ":

نَصَحْـتُ بَنِـي عَـوَفٍ فَلَـمْ يَتَقَبَّلُـوا

رَسُـولِي ولَـمْ تَنْجَـحْ لَـدَيْهِمْ وسَـائِلِي (59)

* * *

وقد دللنا على أن معنى " الشكر "، الثناء على الرجل بأفعاله المحمودة, وأن معنى " الكفر " تغطية الشيء, فيما مضى قبل، فأغنى ذلك عن إعادته هاهنا. (60)

------------------

الهوامش :

(57) نسبه أبو حيان في تفسيره 1 : 447 لعمر بن لجأ ، ولم أجد الشعر في مكان .

(58) معاني القرآن للفراء : 1 : 92 . وكان في المطبوعة : "إن لم تقاتل" ، وأثبت ما في الفراء والبؤسى والبأساء : البؤس . والنعمى والنعماء : النعمة .

(59) ديوانه : 89 ، ومعاني القرآن للفراء 1 : 92 ، وأمالي ابن الشجري 1 : 362 ، وهي في غزو عمرو بن الحارث الأصغر لبني مرة بن عوف بن سعد بن ذبيان . ورواية ديوانه : "فلم يتقبلوا وصاتي" . الوصاة : الوصية . وقوله : "رسولي" . الرسول : الرسالة . والوسائل جمع وسيلة : وهي ما يتقرب به المرء إلى غيره من حرمة أو آصرة .

(60) معنى"الشكر" 1 : 135-138 وتفسير معنى"الكفر" فيما سلف 1 : 255 ، 382 ، 522 ، ومواضع كثيرة . اطلبها في فهرس اللغة .

2:153Page 23

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱسۡتَعِينُواْ بِٱلصَّبۡرِ وَٱلصَّلَوٰةِۚ إِنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلصَّٰبِرِينَ ١٥٣

O you who have believed, seek help through patience and prayer. Indeed, Allāh is with the patient.

القول في تأويل قوله تعالى : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (153)

قال أبو جعفر: وهذه الآية حضٌّ من الله تعالى ذكره على طاعته، واحتمال مكروهها على الأبدان والأموال, فقال: " يا أيها الذينَ آمنوا استعينوا بالصبر والصلاة " على القيام بطاعتي، وأداء فرائضي في ناسخ أحكامي، والانصراف عَما أنسخه منها إلى الذي أحدِثه لكم من فرائضي، وأنقلكم إليه من أحكامي, والتسليم لأمري فيما آمركم به في حين إلزامكم حكمه, والتحول عنه بعد تحويلي إياكم عنه -وإن لحقكم في ذلك مكروهٌ من مقالة أعدائكم من الكفار بقذفهم لكم الباطل, أو مشقةٌ على أبدانكم في قيامكم به، أو نقصٌ في أموالكم- (61) وعلى جهاد أعدائكم وحربهم في سبيلي, بالصبر منكم لي على مكروه ذلك ومَشقته عليكم, واحتمال عنائه وثقله, ثم بالفزع منكم فيما يَنوبكم من مُفظِعات الأمور إلى الصلاة لي, فإنكم بالصبر على المكاره تُدركون مرضاتي, وبالصلاة لي تستنجحون طلباتكم قبَلي، وتدركون حاجاتكم عندي, فإني مع الصابرين على القيام بأداء فرائضي وترك معاصيَّ, أنصرهُم وأرعاهم وأكلَؤُهم، حتى يظفروا بما طلبوا وأمَّلوا قِبَلي.

* * *

وقد بينت معنى " الصبر " و " الصلاة " فيما مضى قبل، فكرهنا إعادته، (62) كما:

2315- حدثني المثنى قال، حدثنا آدم قال، حدثنا أبو جعفر, عن الربيع, عن أبي العالية في قوله: " واستعينوا بالصبر والصلاة "، يقول: استعينوا بالصبر والصلاة على مرضاة الله, واعلموا أنهما من طاعة الله.

2316- حدثت عن عمار قال، حدثنا ابن أبي جعفر, عن أبيه, عن الربيع قوله: " يا أيها الذين آمنوا استعينوا بالصبر والصلاة "، اعلموا أنهما عَونٌ على طاعة الله.

* * *

وأما قوله: " إن الله مع الصابرين "، فإن تأويله: فإن الله نَاصرُه وظَهيرهُ وراضٍ بفعله, كقول القائل: " افعل يَا فلان كذا وأنا معك ", يعني: إني ناصرُك على فعلك ذلك ومُعينك عليه.

* * *

---------------------------

الهوامش :

(61) هذه جمل متداخلة ، والعطف سياقه في هذه الجملة : استعينوا بالصبر والصلاة على القيام بطاعتي ، وأداء فرائضي . . والانصراف عما أنسخه . . والتسليم لأمري . . والتحول عنه . . وعلى جهاد أعدائكم . . بالصبر . . " .

(62) انظر فيما سلف تفسير"الصلاة" 1 : 242-243 / ثم 2 : 11 . وتفسير"الصبر" في 2 : 11 ، 124 ، وانظر فهرس اللغة .

Text: through the Quran Foundation. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском