At-Tabari · Tafsir · in Arabic
Al-Baqarah 2:244–246
2:244Page 39
وَقَٰتِلُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٞ ٢٤٤
And fight in the cause of Allāh and know that Allāh is Hearing and Knowing.
القول في تأويل قوله : وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (244)
قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بذلك: " وقاتلوا "، أيها المؤمنون=" في سبيل الله "، يعني: في دينه الذي هداكم له, (214) لا في طاعة الشيطان= أعداء دينكم, (215) الصادين عن سبيل ربكم, ولا تحتموا عن قتالهم عند لقائهم, ولا تجبنوا عن حربهم، (216) فإن بيدي حياتكم وموتكم. ولا يمنعن أحدكم من لقائهم وقتالهم حذر الموت وخوف المنية على نفسه بقتالهم, فيدعوه ذلك إلى التعريد عنهم والفرار منهم, (217) فتذلوا, ويأتيكم الموت الذي خفتموه في مأمنكم الذي وألتم إليه, (218) كما أتى الذين خرجوا من ديارهم فرارا من الموت, الذين قصصت عليكم قصتهم, فلم ينجهم فرارهم منه من نـزوله بهم حين جاءهم أمري، وحل بهم قضائي, ولا ضر المتخلفين وراءهم ما كانوا لم يحذروه، إذ دافعت عنهم مناياهم , وصرفتها عن حوبائهم, (219) فقاتلوا في سبيل الله من أمرتكم بقتاله من أعدائي وأعداء ديني, فإن من حيي منكم فأنا أحييه, (220) ومن قتل منكم فبقضائي كان قتله.
&; 5-281 &;
ثم قال تعالى ذكره لهم: واعلموا، أيها المؤمنون، أن ربكم " سميع " لقول من يقول من منافقيكم لمن قتل منكم في سبيلي: لو أطاعونا فجلسوا في منازلهم ما قتلوا=" عليم " بما تجنه صدورهم من النفاق والكفر وقلة الشكر لنعمتي عليهم، (221) وآلائي لديهم في أنفسهم وأهليهم، ولغير ذلك من أمورهم وأمور عبادي.
يقول تعالى ذكره لعباده المؤمنين: فاشكروني أنتم بطاعتي فيما أمرتكم من جهاد عدوكم في سبيلي, وغير ذلك من أمري ونهيي, إذ كفر هؤلاء نعمي. واعلموا أن الله سميع لقولهم، وعليم بهم وبغيرهم وبما هم عليه مقيمون من الإيمان والكفر، والطاعة والمعصية، محيط بذلك كله, حتى أجازي كلا بعمله, إن خيرا فخيرا، وإن شرا فشرا.
* * *
قال أبو جعفر: ولا وجه لقول من زعم أن قوله: " وقاتلوا في سبيل الله "، أمر من الله الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف بالقتال، بعد ما أحياهم. لأن قوله: " وقاتلوا في سبيل الله "، لا يخلو- إن كان الأمر على ما تأولوه- من أحد أمور ثلاثة:
= إما أن يكون عطفا على قوله: فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ، وذلك من المحال أن يميتهم، ويأمرهم وهم موتى بالقتال في سبيله.
= أو يكون عطفا على قوله: ثُمَّ أَحْيَاهُمْ ، وذلك أيضا مما لا معنى له. لأن قوله: " وقاتلوا في سبيل الله "، أمر من الله بالقتال, وقوله: ثُمَّ أَحْيَاهُمْ ، خبر عن فعل قد مضى. وغير فصيح العطف بخبر مستقبل على خبر ماض، لو كانا جميعا خبرين، لاختلاف معنييهما. فكيف عطف الأمر على خبر ماض؟
= أو يكون معناه: ثم أحياهم وقال لهم: قاتلوا في سبيل الله, ثم أسقط" القول ", &; 5-282 &; كما قال تعالى ذكره: إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا [سورة السجدة: 12]، بمعنى يقولون: ربنا أبصرنا وسمعنا. وذلك أيضا إنما يجوز في الموضع الذي يدل ظاهر الكلام على حاجته إليه، ويفهم السامع أنه مراد به الكلام وإن لم يذكر. فأما في الأماكن التي لا دلالة على حاجة الكلام إليه, فلا وجه لدعوى مدع أنه مراد فيها.
-----------------
الهوامش :
(214) انظر ما سلف في تفسير : "سبيل الله" 3 : 583 ، 592 ، والمراجع هناك .
(215) "أعداء . . . " مفعول"قاتلوا" ، والسياق : "قاتلوا أيها المؤمنون . . . أعداء دينكم" .
(216) في المخطوطة"ولا تحموا عن قتاله عند لقائهم ، ولا تحبوا عن حربهم" غير منقوطة ، بإفراد ضمير"قتاله" ، فغيرها مصححوا المطبوعة ، إذ لم يحسنوا قراءتها فجعلوها : "ولا تجبنوا عن لقائهم ، ولا تقعدوا عن حربهم" غيروا وبدلوا واسقطوا وفعلوا ما شاءوا!! . وقوله : "ولا تحتموا عن قتالهم" من قولهم : احتميت من كذا وتحاميته : إذا اتقيته وامتنعت منه . و"من" و"عن" في هذا الموضع سواء .
(217) في المطبوعة : "فيدعوه ذلك إلى التفريد" ، وهو خطأ ، وزاده خطأ بعض من علق على التفسير ، بشرح هذا اللفظ المنكر . والتعريد : الفرار وسرعة الذهاب في الهزيمة . يقال : "عرد الرجل عن قوله" ، إذا أحجم عنه ونكل وفر .
(218) وأل إلى المكان يئل ، وؤولا ووئيلا ووألا : لجأ إليه طلب النجاة . والموئل : الملجأ .
(219) الحوباء : النفس ، أو ورع القلب .
(220) في المطبوعة : "فأنا أحيحه" ، وأثبت ما في المخطوطة .
(221) في المطبوعة : "بما تخفيه صدورهم" ، وأثبت ما في المخطوطة . وأجن الشيء : ستره وكتمه وأخفاه .
2:245Page 39
مَّن ذَا ٱلَّذِي يُقۡرِضُ ٱللَّهَ قَرۡضًا حَسَنٗا فَيُضَٰعِفَهُۥ لَهُۥٓ أَضۡعَافٗا كَثِيرَةٗۚ وَٱللَّهُ يَقۡبِضُ وَيَبۡصُۜطُ وَإِلَيۡهِ تُرۡجَعُونَ ٢٤٥
Who is it that would loan Allāh a goodly loan so He may multiply it for him many times over? And it is Allāh who withholds and grants abundance, and to Him you will be returned.
القول في تأويل قوله : مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً
قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بذلك: من هذا الذي ينفق في سبيل الله, فيعين مضعفا، (222) أو يقوي ذا فاقة أراد الجهاد في سبيل الله, ويعطي منهم مقترا؟ وذلك هو القرض الحسن الذي يقرض العبد ربه.
وإنما سماه الله تعالى ذكره " قرضا ", لأن معنى " القرض " إعطاء الرجل غيره ماله مملكا له، ليقضيه مثله إذا اقتضاه. فلما كان إعطاء من أعطى أهل الحاجة والفاقة في سبيل الله، إنما يعطيهم ما يعطيهم من ذلك ابتغاء ما وعده الله عليه من جزيل الثواب عنده يوم القيامة, سماه " قرضا ", إذ كان معنى " القرض " في لغة العرب ما وصفنا.
وإنما جعله تعالى ذكره " حسنا ", لأن المعطي يعطي ذلك عن ندب الله إياه وحثه له عليه، احتسابا منه. فهو لله طاعة، وللشياطين معصية. (223) وليس &; 5-283 &; ذلك لحاجة بالله إلى أحد من خلقه, ولكن ذلك كقول العرب: " عندي لك قرض صدق، وقرض سوء "، للأمر يأتي فيه للرجل مسرته أو مساءته, (224) كما قال الشاعر: (225)
كـل امرئ سوف يجزى قرضه حسنا
أو ســيئا, ومدينــا بــالذي دانـا (226)
* * *
فقرض المرء: ما سلف من صالح عمله أو سيئه. وهذه الآية نظيرة الآية التي قال الله فيها تعالى ذكره: (227) مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ [سورة البقرة: 261].
* * *
وبنحو الذي قلنا في ذلك كان ابن زيد يقول:
5617- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: " من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا "، قال : هذا في سبيل الله=" فيضاعفه له أضعافا كثيرة "، قال: بالواحد سبعمئة ضعف.
5618- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر , عن زيد بن أسلم قال: لما نـزلت: " من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له أضعافا كثيرة "، جاء ابن الدحداح إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا نبي الله, ألا أرى ربنا يستقرضنا؟ مما أعطانا لأنفسنا! وإن لي أرضين: إحداهما بالعالية, والأخرى بالسافلة, وإني قد جعلت خيرهما صدقة! قال: فكان النبي صلى الله &; 5-284 &; عليه وسلم يقول: " كم من عذق مذلل لابن الدحداح في الجنة " ! (228) .
5619- حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة: أن رجلا على عهد النبي صلى الله عليه وسلم لما سمع بهذه الآية قال: " أنا أقرض الله "، فعمد إلى خير حائط له فتصدق به. قال، وقال قتادة: يستقرضكم ربكم كما تسمعون، وهو الولي الحميد ويستقرض عباده. (229)
5620- حدثنا محمد بن معاوية الأنماطي النيسابوري قال، حدثنا خلف بن خليفة, عن حميد الأعرج, عن عبد الله بن الحارث, عن عبد الله بن مسعود قال: لما نـزلت: " من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا "، قال أبو الدحداح: &; 5-285 &; يا رسول الله, أو إن الله يريد منا القرض؟! قال: نعم يا أبا الدحداح! قال: يدك! قال: (230) .
فناوله يده، قال: فإني قد أقرضت ربي حائطي، حائطا فيه ستمئة نخلة. ثم جاء يمشي حتى أتى الحائط وأم الدحداح فيه في عيالها, فناداها: يا أم الدحداح! قالت: لبيك ! قال: اخرجي! قد أقرضت ربي حائطا فيه ستمئة نخلة. (231)
* * *
&; 5-286 &;
وأما قوله: " فيضاعفه له أضعافا كثيرة "، فإنه عدة من الله تعالى ذكره مقرضه ومنفق ماله في سبيل الله من إضعاف الجزاء له على قرضه ونفقته، ما لا حد له ولا نهاية، كما: -
5621- حدثني موسى بن هارون قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط, عن السدي: " من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له أضعافا كثيرة "، قال: هذا التضعيف لا يعلم أحد ما هو.
وقد: -
5622- وقد حدثني المثنى قال، حدثنا سويد بن نصر قال، أخبرنا ابن المبارك, عن ابن عيينة, عن صاحب له يذكر عن بعض العلماء قال: إن الله أعطاكم &; 5-287 &; الدنيا قرضا، وسألكموها قرضا, فإن أعطيتموها طيبة بها أنفسكم، ضاعف لكم ما بين الحسنة إلى العشر إلى السبعمئة، إلى أكثر من ذلك. وإن أخذها منكم وأنتم كارهون، فصبرتم وأحسنتم، كانت لكم الصلاة والرحمة، وأوجب لكم الهدى. (232)
* * *
قال أبو جعفر: وقد اختلفت القرأة في قراءة قوله: (فيضاعفه) بالألف ورفعه، بمعنى: الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له= نسق " يضاعف " على قوله: " يقرض ".
* * *
وقرأه آخرون بذلك المعنى: (فيضعفه), غير أنهم قرءوا بتشديد " العين " وإسقاط" الألف ".
* * *
وقرأه آخرون: (فيضاعفه له) بإثبات " الألف " في" يضاعف " ونصبه، بمعنى الاستفهام. فكأنهم تأولوا الكلام: من المقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له؟ فجعلوا قوله: " فيضاعفه " جوابا للاستفهام, وجعلوا: " من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا " اسما. لأن " الذي" وصلته، بمنـزلة " عمرو " و " زيد ". فكأنهم وجهوا تأويل الكلام إلى قول القائل: " من أخوك فتكرمه "، لأن الأفصح في جواب الاستفهام بالفاء= إذا لم يكن قبله ما يعطف به عليه من فعل مستقبل= نصبه.
* * *
قال أبو جعفر: وأولى هذه القراءات عندنا بالصواب، قراءة من قرأ: (فيضاعفه له) بإثبات " الألف ". ورفع " يضاعف ". لأن في قوله: " من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا " معنى الجزاء . والجزاء إذا دخل في جوابه " الفاء "، لم يكن جوابه &; 5-288 &; ب " الفاء " لا رفعا. فلذلك كان الرفع في" يضاعفه " أولى بالصواب عندنا من النصب. وإنما اخترنا " الألف " في" يضاعف " من حذفها وتشديد " العين ", لأن ذلك أفصح اللغتين وأكثرهما على ألسنة العرب.
* * *
القول في تأويل قوله : وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ
قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بذلك: أنه الذي بيده قبض أرزاق العباد وبسطها، دون غيره ممن ادعى أهل الشرك به أنهم آلهة، واتخذوه ربا دونه يعبدونه. وذلك نظير الخبر الذي روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، الذي: -
5623- حدثنا به محمد بن المثنى ومحمد بن بشار قالا حدثنا حجاج= وحدثني عبد الملك بن محمد الرقاشي قال، حدثنا حجاج وأبو ربيعة قالا= حدثنا حماد بن سلمة, عن ثابت وحميد وقتادة, عن أنس قال: غلا السعر على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال فقالوا: يا رسول الله، غلا السعر فأسعر لنا! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن الله الباسط القابض الرازق, وإني لأرجو أن ألقى الله ليس أحد يطلبني بمظلمة في نفس ومال ". (233) .
* * *
&; 5-289 &;
قال أبو جعفر: يعني بذلك صلى الله عليه وسلم: أن الغلاء والرخص والسعة والضيق بيد الله دون غيره. فكذلك قوله تعالى ذكره:،" والله يقبض ويبسط"، يعني بقوله: " يقبض "، يقتر بقبضه الرزق عمن يشاء من خلقه= ويعني بقوله: و " يبسط" يوسع ببسطة الرزق على من يشاء منهم.
وإنما أراد تعالى ذكره بقيله ذلك، حث عباده المؤمنين- الذين قد بسط عليهم من فضله, فوسع عليهم من رزقه- على تقوية ذوي الإقتار منهم بماله, ومعونته بالإنفاق عليه وحمولته على النهوض لقتال عدوه من المشركين في سبيله, (234) فقال تعالى ذكره: من يقدم لنفسه ذخرا عندي بإعطائه ضعفاء المؤمنين وأهل الحاجة منهم ما يستعين به على القتال في سبيلي, فأضاعف له من ثوابي أضعافا كثيرة مما أعطاه وقواه به؟ فإني -أيها الموسع- (235) الذي قبضت الرزق عمن ندبتك إلى معونته وإعطائه, لأبتليه بالصبر على ما ابتليته به= والذي بسطت عليك لأمتحنك بعملك فيما بسطت عليك, فأنظر كيف طاعتك إياي فيه, فأجازي كل واحد منكما على قدر طاعتكما لي فيما ابتليتكما فيه وامتحنتكما به، من غنى وفاقة، وسعة وضيق, عند رجوعكما إلي في آخرتكما، ومصيركما إلي في معادكما.
* * *
&; 5-290 &;
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال من بلغنا قوله من أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك:
5624- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا الآية، قال: علم أن فيمن يقاتل في سبيله من لا يجد قوة , وفيمن لا يقاتل في سبيله من يجد غنى, فندب هؤلاء فقال: " من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له أضعافا كثيرة والله يقبض ويبسط"؟ قال: بسط عليك وأنت ثقيل عن الخروج لا تريده, (236) وقبض عن هذا وهو يطيب نفسا بالخروج ويخف له, فقوه مما في يدك، يكن لك في ذلك حظ.
* * *
القول في تأويل قوله : وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (245)
قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بذلك: وإلى الله معادكم، أيها الناس, فاتقوا الله في أنفسكم أن تضيعوا فرائضه وتتعدوا حدوده, وأن يعمل من بسط عليه منكم من رزقه بغير ما أذن له بالعمل فيه ربه, وأن يحمل المقتر منكم- إذ قبض عن رزقه- إقتاره على معصيته, والتقدم على ما نهاه، (237) فيستوجب بذلك عند مصيره إلى خالقه، ما لا قبل له به من أليم عقابه. (238)
* * *
وكان قتادة يتأول قوله: " وإليه ترجعون "، وإلى التراب ترجعون. (239)
5625- حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة: " وإليه ترجعون "، من التراب خلقهم, وإلى التراب يعودون. (240)
* * *
---------------------------
الهوامش :
(222) أضعف الرجل فهو مضعف : ضعفت دابته ، يعينه بإبداله دابة غيرها .
(223) في المطبوعة : "وللشياطين معصية" ، وفي المخطوطة : "وللسلطان" ، وهو سهو من الناسخ .
(224) في المطبوعة"يأتي فيه الرجل . . . " ، وفي المخطوطة : "يأتي فيه الرجل" غير منقوطة ، ونقل أبو حيان في تفسيره 2 : 248 هذا القول عن الأخفش ، ونصه : "لأمر تأتي مسرته أو مساءته" ، ولكني استظهرت قراءتها كما أثبت ، فجميع ما مضى تحريف .
(225) هو أمية بن أبي الصلت .
(226) ديوانه : 63 ، واللسان (قرض) ، وروايته"أو مدينا مثل ما دنا" ، وفي الديوان : "كالذي دانا" .
(227) في المطبوعة : "قال الله فيها تعالى ذكره" ، وأثبت ما في المخطوطة .
(228) الحديث : 5618 - هذا حديث مرسل ، فهو ضعيف الإسناد ، لأن زيد بن أسلم تابعي ، ولم يذكر من حدثه به من الصحابة .
والحديث ثابت في تفسير عبد الرزاق ، ص : 31 (مخطوط مصور) ، عن معمر ، به .
وهو عند السيوطي 1 : 312 ، ولم ينسبه لغير عبد الرزاق والطبري .
وقد ذكر ابن كثير 1 : 594 أن ابن مردويه روى نحو الحديث الآتي : 5620"من حديث عبد الرحمن بن زيد بن أسلم ، عن أبيه ، عن عمر ، مرفوعا بنحوه" .
وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم : ضعيف جدا ، كما بينا في : 185 فلا قيمة لهذا الرواية .
وسيأتي عقب هذا حديث آخر مرسل بمعناه ، ثم : 5620 ، من حديث ابن مسعود . ونرجئ بيان أصل القصة حتى نتحدث عنها هناك .
قوله"ابن الدحداح" و"لابن الدحاح" : هذا هو الثابت في تفسير عبد الرزاق ، وهو الذي أثبتناه هنا . وفي المخطوطة -فيهما-"الدحداحة" . وفي المطبعة"أبو الدحداح" ، و"لأبي الدحداح" . وما في تفسير عبد الرزاق أرجح ، لأنه الأصل الذي روى عنه الطبري .
قوله : "إنما أعطانا لأنفسنا" : هو الثابت عند عبد الرزاق ، وهو أجود . وكان في المطبوعة"مما" بدل"إنما" .
"العذق" (بفتح فسكون) : النخلة . أما"العذق" -بكسر العين : فهو عرجون النخلة . و"المذلل"- بفتح اللام الأولى مشددة : الذي قد دليت عناقيده ، حتى يسهل اجتناء ثمرته ، لدنوها من قاطفها .
(229) الحديث : 5619- وهذا مرسل أيضًا ، فهو ضعيف الإسناد ، وآخره موقوف من كلام قتادة . وذكره السيوطي 1 : 312 ، ونسبه لعبد بن حميد ، وابن جرير ، فقط . ولم يذكر كلام قتادة في آخره .
في المخطوطة : "ويسعر عباده" ، هكذا غير معجمة ولا مبينة ، وتركت ما في المطبوعة على حاله ، فهو في سياقة المعنى . والأثر في الدر المنثور 1 : 321 ، ولكنه أسقط هذه الجملة الأخيرة عن قتادة .
(230) في المطبوعة : "قال : يدك قبل ، فناوله" ، وفي المخطوطة : "يدك قيل" ثم وضع ألفا على رأس الياء بعد القاف ، كأن أراد أن يجعلها"قال" كما أثبتها ورجحتها ، لنص مجمع الزوائد 9 : 324 : "قال : أرنا يدك . قال : فناوله يده" .
(231) الحديث : 5620 - وهذا إسناد ضعيف جدا .
محمد بن معاوية بن يزيد الأنماطي - شيخ الطبري : ثقة مترجم في التهذيب ، وتاريخ بغداد 3 : 274- 275 .
خلف بن خليفة بن صاعد الأشجعي : ثقة ، تغير في آخر عمره ، مات نحو سنة 181 ، وهو ابن 101 سنة ، وقد فصلنا القول في ترجمته في المسند : 5885 .
حميد الأعرج الكوفي القاص : هو حميد بن علي ، على ما جزم به البخاري في +الكثير 1/ 2 / 351 ، والضعفاء ، ص : 9 . ويقال : "حميد بن عطاء" وهو الذي جزم به ابن أبي حاتم 1 / 2 / 226 - 227 ، وابن حبان في كتاب المجروحين ، رقم : 265 . وهو ضعيف جدا . قال البخاري : "منكر الحديث" . وقال أبو حاتم : "ضعيف الحديث ، منكر الحديث ، قد لزم عبد الله بن الحارث عن ابن مسعود ، ولا يعرف لعبد الله بن الحارث عن ابن مسعود شيء!" . وقال ابن حبان : "يروى عن عبد الله بن الحرث عن ابن مسعود- نسخة كأنها موضوعة . لا يحتج بخبره إذا انفرد" .
عبد الله بن الحارث الزبيدي النجراني المكتب : ثقة . سبق في ترجمة الراوي عنه قول أبي حاتم أنه لا يعرف له شيء عن ابن مسعود . فالبلاء في هذه الرواية من حميد الأعرج .
وهذا الحديث رواه أيضًا ابن أبي حاتم ، عن الحسن بن عرفة ، عن خلف بن خليفة ، بهذا الإسناد . على ما نقله عنه ابن كثير 1 : 593- 594 .
وذكره السيوطي 1 : 312 ، وزاد نسبته لسعيد بن منصور ، وابن سعد ، والبزار ، وابن المنذر ، والحكيم الترمذي في نوادر الأصول ، والطبراني ، والبيهقي في شعب الإيمان .
وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد 6 : 320 ، بنحوه . وقال : "رواه البزار ، ورجاله ثقات" . ثم ذكره مرة أخرى 9 : 324 بلفظ آخر نحوه . وقال : " رواه أبو يعلى ، والطبراني ، ورجالهما ثقات . ورجال أبي يعلى رجال الصحيح" .
هكذا قال الهيثمي في الموضعين . وليس عندي إسناد من الأسانيد التي نسبه إليها ، ولا الكتب التي ذكرها السيوطي ، إلا ابن سعد . ولم أجده فيه ، لأن النسخة المطبوعة من طبقات ابن سعد تنقص كثيرا من الكتاب ، كما هو معروف .
ولقصة أبي الدحداح أصل آخر صحيح . من حديث أنس ، رواه أحمد في المسند : 12509 (3 : 146 حلبي) ، بإسناد صحيح : "عن أنس : أن رجلا قال : يا رسول الله ، إن لفلان نخلة ، وأنا أقيم حائطي بها ، فأمره أن يعطيني حتى أقيم حائطي بها ، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : أعطها إياه بنخلة في الجنة ، فأبى ، فأتاه أبو الدحداح ، فقال : بعني نخلتك بحائطي! ففعل ، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم ، . فقال : يا رسول الله ، إني قد ابتعت النخلة بحائطي ، قال : فاجعلها له ، فقد أعطيتكها . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : كم من عذق راح ، لأبي الدحداح ، في الجنة . قالها مرارا ، قال : فأتى امرأته فقال : يا أم الدحداح ، اخرجي من الحائط ، فإني قد بعته بنخلة في الجنة . فقالت : ربح البيع ، أو كلمة تشبهها" .
وحديث أنس هذا في مجمع الزوائد 9 : 323-324 . وقال : "رواه أحمد ، والطبراني ، ورجالهما رجال الصحيح" . ووقع في مطبوعة مجمع الزوائد سقط نحو سطر أثناء الحديث ، يصحح من هذا الموضع .
وله أصل ثان صحيح . فروى مسلم في صحيحه 1 : 264 ، عن جابر بن سمرة ، قال : "صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم على ابن الدحداح ، ثم أتى بفرس عري ، فعقله رجل فركبه ، فجعل يتوقص به ، ونحن نتبعه نسعى خلفه ، قال : فقال رجل من القوم : إن لنبي صلى الله عليه وسلم قال : كم من عذق معلق أو مدلى في الجنة لابن الدحداح" . "أو قال شعبة : لأبي الدحداح" .
و"أبو الدحداح" : هو ثابت بن الدحداح ، أو ابن الدحداحة . ويكنى"أبا الدحداح" أو"أبا الدحداحة" ، مترجم في الإصابة 1 : 199 . ثم ترجمه في الكنى 7 : 57 - 58 ، وذكر الخلاف في أنه واحد أو اثنان . ثم زعم أن الحق أن الثاني غير الأول! واستدل بحديث نقله من رواية أبي نعيم ضعيف ، وأن في إسناده رجلا"واهى الحديث" !! فسقط الاستدلال به دون ريب .
الحائط : بستان النخيل إذا كان عليه جدار يحيط به ، فإن لم يكن عليه الحائط فهو"ضاحية" .
(232) يريد قول الله تعالى في [سورة البقرة : 156 ، 157] { الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ }
(233) الحديث : 5623 -عبد الملك بن محمد الرقاشي أبو قلابة- شيخ الطبري : مضت ترجمته في : 4331 .
الحجاج؛ هو ابن المنهال الأنماطي .
أبو ربيعة : هو زيد بن عوف القطعي ، ولقبه"فهد" . تكلموا فيه كثيرا لأحاديث رواها عن حماد بن سلمة . وأما البخاري فقال في الكبير 2/1/ 369 : "سكتوا عته" . وهو مترجم أيضًا في ابن أبي حاتم 1/2/ 570 - 571 ، ولسان الميزان .
ومهما يكن من شأنه ، فإنه لم ينفرد بهذا الحديث ، فلا يؤثر فيه ضعفه إن كان ضعيفا .
والحديث صحيح بهذا الإسناد ، من جهة الحجاج بن المنهال ، ومن الروايات الأخر التي سنذكر .
فرواه أحمد في المسند : 12618 (3 : 156 حلبي) ، عن سريج ويونس بن محمد ، عن حماد ابن سلمة ، عن قتادة وثابت البناني ، عن أنس .
ورواه أيضًا : 14102 ( 3 : 286 حلي) ، عن عفان ، عن حماد بن سلمة ، عن قتادة وثابت وحميد ، عن أنس .
ورواه الترمذي 2 : 271- 272 ، وابن ماجه : 2200- كلاهما من طريق الحجاج بن النهال بهذا الإسناد . قال الترمذي : "هذا حديث حسن صحيح" .
ورواه أبو دواد : 3451 ، من طريق عفان ، عن حماد ، به .
وذكره السيوطي 1 : 313 ، وزاد نسبته للبيهقي في السنن .
(234) الحمولة (بفتح الحاء) : كل ما يحمل عليه الناس من إبل وحمير وغيرها . والحمولة (بضم الحاء) الأحمال والأثقال . هذا وأخشى أن يكون صواب العبارة في الأصل"بالأنفاق عليه وعلىحملته" وقوله : "علي النهوض" متعلق بقوله : "ومعونته" .
(235) في المطبوعة : "فإني أنا الموسع الذى قبضت" ، وهو كلام لا يستقيم أبدا ، و الصواب ما في المخطوطة . و"الموسع" : الغني الذى كثر ماله . من قولهم : "أوسع الرجل" ، صار ذا سعة وغنى وكثر ماله . وقال الله تعالى : "علي الموسع قدره وعلي المقتر قدره" . وانظر ما سلف في تفسير"الوسع" في هذا الجزء : 45 . وسياق العبارة"فانى .... الذي قبضت" .
(236) في المطبوعة والمخطوطة : "يبسط عليك" مضارعا ، وهو لا يطابق قوله بعد : "وقبض" . فجعلتها"بسط" ، وإن شئت جعلت الأخرى : "ويقبض" ، كما في الدر المنثور 1 : 313 ، وأنا أرجع الأولى .
(237) في المطبوعة : "وأن يحل بالمقتر منكم فقبض عنه رزقه ، إقتاره ...." ، وهو كلام فاسد وفي المخطوطة : "وأن يحمل المقتر منكم فقبض عنه رزقه . . . " وهو لا يستقيم أيضًا ، ورجحت أن تكون الأولى" المقتر" كما في المخطوطة ، وأن تكون الأخرى"إذ قبض" ، أو"بقبضه عنه ..." وسياق الجملة : "وأن يحمل المقتر منكم ... إقتاره علي معصيته) .
(238) في المطبوعة : "فيستوجب بذلك منه بمصيره . . . وهو كلام شديد الخلل . وفي المخطوطة : "عنه مصيره" ، وظاهر أن الهاء المرسلة من"عنه" ، دال"عند" .
(239) في المخطوطة : "و إلى الثواب" ، و"من الثواب ..." وهو ظاهر الفساد ، ولكنه دليل علي شدة سهو الناسخ في هذا الموضع من الكتاب ، كما رأيت من تصحيفه وتحريفه في المواضع السابقة من التعليق .
(240) في المخطوطة : "و إلى الثواب" ، و"من الثواب..." وهو ظاهر الفساد ، ولكنه دليل علي شدة سهو الناسخ في هذا الموضع من الكتاب ، كما رأيت من تصحيفه وتحريفه في المواضع السابقة من التعليق .
2:246Page 40
أَلَمۡ تَرَ إِلَى ٱلۡمَلَإِ مِنۢ بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ مِنۢ بَعۡدِ مُوسَىٰٓ إِذۡ قَالُواْ لِنَبِيّٖ لَّهُمُ ٱبۡعَثۡ لَنَا مَلِكٗا نُّقَٰتِلۡ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِۖ قَالَ هَلۡ عَسَيۡتُمۡ إِن كُتِبَ عَلَيۡكُمُ ٱلۡقِتَالُ أَلَّا تُقَٰتِلُواْۖ قَالُواْ وَمَا لَنَآ أَلَّا نُقَٰتِلَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَقَدۡ أُخۡرِجۡنَا مِن دِيَٰرِنَا وَأَبۡنَآئِنَاۖ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيۡهِمُ ٱلۡقِتَالُ تَوَلَّوۡاْ إِلَّا قَلِيلٗا مِّنۡهُمۡۚ وَٱللَّهُ عَلِيمُۢ بِٱلظَّٰلِمِينَ ٢٤٦
Have you not considered the assembly of the Children of Israel after [the time of] Moses when they said to a prophet of theirs, "Send to us a king, and we will fight in the way of Allāh"? He said, "Would you perhaps refrain from fighting if battle was prescribed for you?" They said, "And why should we not fight in the cause of Allāh when we have been driven out from our homes and from our children?" But when battle was prescribed for them, they turned away, except for a few of them. And Allāh is Knowing of the wrongdoers.
القول في تأويل قوله : أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلإِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ
قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بقوله: " ألم تر "، ألم تر، يا محمد، بقلبك, (1) فتعلم بخبري إياك، يا محمد=" إلى الملأ "، يعني: إلى وجوه بني إسرائيل وأشرافهم ورؤسائهم=" من بعد موسى "، يقول: من بعد ما قبض موسى فمات=" إذ قالوا لنبي لهم ابعث لنا ملكا نقاتل في سبيل الله ". فذكر لي أن النبي الذي قال لهم ذلك شمويل (2) بن بالى (3) بن علقمة (4) بن يرحام (5) بن إليهو (6) بن تهو بن &; 5-292 &; صوف (7) بن علقمة بن ماحث (8) بن عموصا (9) بن عزريا بن صفنية (10) بن علقمة بن أبي ياسف (11) بن قارون (12) بن يصهر (13) بن قاهث (14) بن لاوي بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم.
5626- حدثنا بذلك ابن حميد قال، حدثنا سلمة, عن ابن إسحاق, (15) عن وهب بن منبه.
5627- وحدثني أيضا المثنى بن إبراهيم قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا إسماعيل بن عبد الكريم قال، حدثني عبد الصمد بن معقل: أنه سمع وهب بن منبه يقول: هو شمويل، هو شمويل- ولم ينسبه كما نسبه ابن إسحاق. (16)
* * *
وقال السدي: بل اسمه شمعون. وقال: إنما سمي" شمعون "، لأن أمه دعت الله أن يرزقها غلاما, فاستجاب الله لها دعاءها، فرزقها, فولدت غلاما فسمته &; 5-293 &; " شمعون "، تقول: الله تعالى سمع دعائي.
5628- حدثني [بذلك] موسى قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط, عن السدي. (17)
* * *
فكأن " شمعون "" فعلون " عند السدي, من قولها: إنَّه سمع الله دعاءها. (18)
* * *
5629- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج, عن ابن جريج, عن مجاهد قوله: " ألم تر إلى الملإ من بني إسرائيل من بعد موسى إذ قالوا لنبي لهم "، قال: شمؤل. (19)
* * *
وقال آخرون : بل الذي سأله قومه من بني إسرائيل أن يبعث لهم ملكا يقاتلون في سبيل الله، يوشع (20) بن نون بن أفراثيم (21) بن يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم.
5630- حدثني بذلك الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر, عن قتادة في قوله: وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ ، قال: كان نبيهم الذي بعد موسى يوشع بن نون، قال: وهو أحد الرجلين اللذين أنعم الله عليهما. (22)
* * *
وأما قوله: " ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ" ، فاختلف أهل التأويل في &; 5-294 &; السبب الذي من أجله سأل الملأ من بني إسرائيل نبيهم ذلك.
فقال بعضهم: كان سبب مسألتهم إياه، ما: -
5631- حدثنا به محمد بن حميد قال، حدثنا سلمة بن الفضل قال، حدثني محمد بن إسحاق, عن وهب بن منبه قال: خلف بعد موسى في بني إسرائيل يوشع بن نون، يقيم فيهم التوراة وأمر الله حتى قبضه الله. ثم خلف فيهم كالب بن يوفنا (23) يقيم فيهم التوراة وأمر الله حتى قبضه الله تعالى. ثم خلف فيهم حزقيل (24) بن بوزي، وهو ابن العجوز. ثم إن الله قبض حزقيل, وعظمت في بني إسرائيل الأحداث, ونسوا ما كان من عهد الله إليهم, حتى نصبوا الأوثان وعبدوها من دون الله. فبعث الله إليهم إلياس (25) بن نسى (26) بن فنحاص (27) بن العيزار (28) بن هارون بن عمران نبيا. وإنما كانت الأنبياء من بني إسرائيل بعد موسى، يبعثون إليهم بتجديد ما نسوا من التوراة. وكان إلياس مع ملك من ملوك بني إسرائيل يقال له أحاب, (29) وكان يسمع منه ويصدقه. فكان إلياس يقيم له أمره. وكان سائر بني إسرائيل قد اتخذوا صنما يعبدونه من دون الله, فجعل إلياس يدعوهم إلى الله, وجعلوا لا يسمعون منه شيئا, إلا ما كان من ذلك الملك. والملوك متفرقة بالشام, كل ملك &; 5-295 &; له ناحية منها يأكلها. (30) فقال ذلك الملك= الذي كان إلياس معه يقوم له أمره، ويراه على هدى من بين أصحابه = يوما: يا إلياس، والله ما أرى ما تدعو إليه الناس إلا باطلا! والله ما أرى فلانا وفلانا- وعدد ملوكا من ملوك بني إسرائيل (31) - قد عبدوا الأوثان من دون الله، إلا على مثل ما نحن عليه, يأكلون ويشربون ويتنعمون مملكين، (32) ما ينقص من دنياهم [أمرهم الذي تزعم أنه باطل]؟ (33) وما نرى لنا عليهم من فضل. ويزعمون - (34) والله أعلم - أن إلياس استرجع وقام شعر رأسه وجلده، ثم رفضه وخرج عنه. ففعل ذلك الملك فعل أصحابه, عبد الأوثان, وصنع ما يصنعون. (35) ثم خلف من بعده فيهم اليسع, (36) فكان فيهم ما شاء الله أن يكون, ثم قبضه الله إليه. وخلفت فيهم الخلوف, وعظمت فيهم الخطايا, وعندهم التابوت يتوارثونه كابرا عن كابر, فيه السكينة وبقية مما ترك آل موسى وآل هارون. فكانوا لا يلقاهم عدو فيقدمون التابوت ويزحفون به معهم, (37) إلا هزم الله ذلك العدو. (38) ثم خلف فيهم ملك يقال له إيلاء , (39) وكان الله قد بارك لهم في جبلهم &; 5-296 &; من إيليا، لا يدخله عليهم عدو، ولا يحتاجون معه إلى غيره. وكان أحدهم -فيما يذكرون- يجمع التراب على الصخرة, ثم ينبذ فيه الحب , فيخرج الله له ما يأكل سنته هو وعياله. ويكون لأحدهم الزيتونة، فيعتصر منها ما يأكل هو وعياله سنته. فلما عظمت أحداثهم، وتركوا عهد الله إليهم, نـزل بهم عدو فخرجوا إليه, وأخرجوا معهم التابوت كما كانوا يخرجونه, ثم زحفوا به, فقوتلوا حتى استلب من بين أيديهم. فأتى ملكهم إيلاء فأخبر أن التابوت قد أخذ واستلب, فمالت عنقه, فمات كمدا عليه. فمرج أمرهم عليهم، (40) ووطئهم عدوهم, حتى أصيب من أبنائهم ونسائهم. (41) وفيهم نبي لهم قد كان الله بعثه إليهم، فكانوا لا يقبلون منه شيئا، يقال له " شمويل ", (42) وهو الذي ذكر الله لنبيه محمد: " ألم تر إلى الملأ من بني إسرائيل من بعد موسى إذ قالوا لنبي لهم ابعث لنا ملكا نقاتل في سبيل الله " إلى قوله: وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا ، يقول الله: فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا إِلا قَلِيلا مِنْهُمْ ، إلى قوله: إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ .
= قال ابن إسحاق: فكان من حديثهم فيما حدثني به بعض أهل العلم، عن وهب بن منبه: أنه لما نـزل بهم البلاء ووطئت بلادهم, كلموا نبيهم شمويل بن بالي فقالوا: " ابعث لنا ملكا نقاتل في سبيل الله ". وإنما كان قوام بني إسرائيل الاجتماع على الملوك, وطاعة الملوك أنبياءهم. وكان الملك هو يسير بالجموع، والنبي يقوم له أمره ويأتيه بالخبر من ربه. فإذا فعلوا ذلك صلح أمرهم, فإذا عتت ملوكهم وتركوا أمر أنبيائهم فسد أمرهم. فكانت الملوك إذا تابعتها الجماعة على الضلالة تركوا أمر &; 5-297 &; الرسل, ففريقا يكذبون فلا يقبلون منه شيئا, وفريقا يقتلون. فلم يزل ذلك البلاء بهم حتى قالوا له: " ابعث لنا ملكا نقاتل في سبيل الله ". فقال لهم: إنه ليس عندكم وفاء ولا صدق ولا رغبة في الجهاد. فقالوا: إنما كنا نهاب الجهاد ونـزهد فيه، أنا كنا ممنوعين في بلادنا لا يطؤها أحد، فلا يظهر علينا فيها عدو, فأما إذ بلغ ذلك، فإنه لا بد من الجهاد, فنطيع ربنا في جهاد عدونا، ونمنع أبناءها ونساءنا وذرارينا.
5632- حدثت عن عمار بن الحسن قال، حدثنا ابن أبي جعفر, عن أبيه, عن الربيع في قوله: " ألم تر إلى الملإ من بني إسرائيل " إلى: وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ ، قال الربيع: ذكر لنا -والله أعلم- أن موسى لما حضرته الوفاة، استخلف فتاه يوشع بن نون على بني إسرائيل, وأن يوشع بن نون سار فيهم بكتاب الله التوراة وسنة نبيه موسى. ثم إن وشع بن نون توفي، واستخلف فيهم آخر, فسار فيهم بكتاب الله وسنة نبيه موسى صلى الله عليه وسلم. ثم استخلف آخر فسار فيهم بسيرة صاحبيه. ثم استخلف آخر فعرفوا وأنكروا. ثم استخلف آخر، فأنكروا عامة أمره. ثم استخلف آخر فأنكروا أمره كله. ثم إن بني إسرائيل أتوا نبيا من أنبيائهم حين أوذوا في أنفسهم وأموالهم, (43) فقالوا له: سل ربك أن يكتب علينا القتال! فقال لهم ذلك النبي: هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلا تُقَاتِلُوا ، إلى قوله: وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ .
5633- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج, عن ابن جريج في قوله: " ألم تر إلى الملإ من بني إسرائيل من بعد موسى إذ قالوا لنبي لهم ابعث لنا ملكا "، قال قال ابن عباس: هذا حين رفعت التوراة واستخرج أهل الإيمان, وكانت الجبابرة قد أخرجتهم من ديارهم وأبنائهم. (44)
&; 5-298 &;
5634- حدثت عن الحسين بن الفرج قال، سمعت أبا معاذ قال، أخبرنا عبيد بن سليمان قال، سمعت الضحاك يقول في قوله : " إذ قالوا لنبي لهم ابعث لنا ملكا "، قال: هذا حين رفعت التوراة واستخرج أهل الإيمان.
* * *
وقال آخرون: كان سبب مسألتهم نبيهم ذلك, ما: -
5635- حدثني به موسى بن هارون قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط, عن السدي: " ألم تر إلى الملإ من بني إسرائيل من بعد موسى إذ قالوا لنبي لهم ابعث لنا ملكا نقاتل في سبيل الله "، قال: كانت بنو إسرائيل يقاتلون العمالقة, وكان ملك العمالقة جالوت، (45) وأنهم ظهروا على بني إسرائيل فضربوا عليهم الجزية وأخذوا توراتهم. وكانت بنو إسرائيل يسألون الله أن يبعث لهم نبيا يقاتلون معه. وكان سبط النبوة قد هلكوا, فلم يبق منهم إلا امرأة حبلى, فأخذوها فحبسوها في بيت، رهبة أن تلد جارية فتبدلها بغلام, لما ترى من رغبة بني إسرائيل في ولدها. فجعلت المرأة تدعو الله أن يرزقها غلاما, فولدت غلاما فسمته شمعون. (46) فكبر الغلام، فأرسلته يتعلم التوراة في بيت المقدس, (47) وكفله شيخ من علمائهم وتبناه. فلما بلغ الغلام أن يبعثه الله نبيا، أتاه جبريل والغلام نائم إلى جنب الشيخ= وكان لا يتمن عليه أحدا غيره= (48) فدعاه بلحن الشيخ: " يا شماول!"، (49) فقام &; 5-299 &; الغلام فزعا إلى الشيخ, فقال: يا أبتاه، دعوتني؟ فكره الشيخ أن يقول: " لا " فيفزع الغلام, فقال: يا بني ارجع فنم! فرجع فنام. ثم دعاه الثانية, فأتاه الغلام أيضا فقال: دعوتني؟ فقال: ارجع فنم, فإن دعوتك الثالثة فلا تجبني! فلما كانت الثالثة، ظهر له جبريل فقال: اذهب إلى قومك فبلغهم رسالة ربك, فإن الله قد بعثك فيهم نبيا. فلما أتاهم كذبوه وقالوا: استعجلت بالنبوة ولم تئن لك! (50) وقالوا: إن كنت صادقا فابعث لنا ملكا نقاتل في سبيل الله، آية من نبوتك! فقال لهم شمعون: عسى إن كتب عليكم القتال أن لا تقاتلوا. (51)
* * *
قال أبو جعفر: وغير جائز في قول الله تعالى ذكره: " نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ" إذا قرئ " بالنون " غير الجزم، على معنى المجازاة وشرط الأمر. فإن ظن ظان أن الرفع فيه جائز وقد قرئ بالنون، بمعنى: الذي نقاتل به في سبيل الله, (52) فإن ذلك غير جائز. لأن العرب لا تضمر حرفين. (53) ولكن لو كان قرئ ذلك " بالياء " لجاز رفعه, لأنه يكون لو قرئ كذلك صلة ل " الملك ", فيصير تأويل الكلام حينئذ: ابعث لنا الذي يقاتل في سبيل الله, كما قال تعالى ذكره: وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ [سورة البقرة: 129]، لأن قوله يَتْلُو من صلة الرسول. (54)
&; 5-300 &;
القول في تأويل قوله : قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلا تُقَاتِلُوا قَالُوا وَمَا لَنَا أَلا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا إِلا قَلِيلا مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (246)
قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بذلك: قال النبي الذي سألوه أن يبعث لهم ملكا يقاتلوا في سبيل الله: " هل عسيتم "، هل، تعدون (55) " إن كتب ", يعني: إن فرض عليكم القتال (56) =" ألا تقاتلوا "، يعني: أن لا تفوا بما تعدون الله من أنفسكم، من الجهاد في سبيله، فإنكم أهل نكث وغدر وقلة وفاء بما تعدون؟=" قالوا وما لنا ألا نقاتل في سبيل الله "، يعني: قال الملأ من بني إسرائيل لنبيهم ذلك: وأي شيء يمنعنا أن نقاتل في سبيل الله عدونا وعدو الله=" وقد أخرجنا من ديارنا وأبنائنا "، بالقهر والغلبة؟
* * *
فإن قال لنا قائل: وما وجه دخول " أن " في قوله: " وما لنا ألا نقاتل في سبيل الله "، وحذفه من قوله: وَمَا لَكُمْ لا تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ ؟ [سورة الحديد: 8]
قيل: هما لغتان فصيحتان للعرب: تحذف " أن " مرة مع قولها: (57) " ما لك ", فتقول: " ما لك لا تفعل كذا "، بمعنى: ما لك غير فاعله, كما قال الشاعر: (58)
* ما لك ترغين ولا ترغو الخلف *
&; 5-301 &;
وذلك هو الكلام الذي لا حاجة بالمتكلم به إلى الاستشهاد على صحته، لفشو ذلك على ألسن العرب.
= وتثبت " أن " فيه أخرى, توجيها لقولها: " ما لك " إلى معناه, إذ كان معناه: ما منعك؟ كما قال تعالى ذكره: مَا مَنَعَكَ أَلا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ [سورة الأعراف: 12]، ثم قال في سورة أخرى في نظيره : مَا لَكَ أَلا تَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ [سورة الحجر: 32]، فوضع " مَا مَنَعَكَ " موضع " ما لك "، و " ما لك " موضع " ما منعك "، لاتفاق معنييهما، وإن اختلفت ألفاظهما, كما تفعل العرب ذلك في نظائره مما تتفق معانيه وتختلف ألفاظه, كما قال الشاعر: (59)
يقـول إذا اقلـولى عليهـا وأقـردت:
ألا هــل أخــو عيش لذيـذ بـدائم? (60)
&; 5-302 &; فأدخل في" دائم "" الباء " مع " هل "، وهي استفهام. وإنما تدخل في خبر " ما " التي في معنى الجحد، لتقارب معنى الاستفهام والجحد. (61)
* * *
وكان بعض أهل العربية يقول: (62) أدخلت " أن " في: " ألا تقاتلوا "، لأنه بمعنى قول القائل: ما لك في ألا تقاتل. ولو كان ذلك جائزا، لجاز أن يقال: " ما لك أن قمت= وما لك أنك قائم "، وذلك غير جائز. لأن المنع إنما يكون للمستقبل من الأفعال, كما يقال: " منعتك أن تقوم "، ولا يقال: " منعتك أن قمت "، فلذلك قيل في" مالك ": " مالك ألا تقوم " ولم يقل: " ما لك أن قمت ".
* * *
وقال آخرون منهم: (63) " أن " ها هنا زائدة بعد " ما لنا "، كما تزاد بعد " لما " و " لو "، (64) وهي تزاد في هذا المعنى كثيرا. قال: ومعناه: وما لنا لا نقاتل في سبيل الله؟ فأعمل " أن " وهي زائدة، وقال الفرزدق:
لـو لـم تكـن غطفـان لا ذنوب لها
إذن لــلام ذوو أحســابها عمــرا (65)
&; 5-303 &;
والمعنى: لو لم تكن غطفان لها ذنوب=" ولا " زائدة فأعملها. (66)
= وأنكر ما قال هذا القائل من قوله الذي حكينا عنه، آخرون. وقالوا: غير جائز أن تجعل " أن " زائدة في الكلام وهو صحيح في المعنى وبالكلام إليه الحاجة قالوا: والمعنى: ما يمنعنا ألا نقاتل- فلا وجه لدعوى مدع أن " أن " زائدة, معنى مفهوم صحيح. قالوا: وأما قوله:
* لو لم تكن غطفان لا ذنوب لها *
&; 5-304 &;
= فإن " لا " غير زائدة في هذا الموضع, لأنه جحد, والجحد إذا جحد صار إثباتا. قالوا: فقوله: " لو لم تكن غطفان لا ذنوب لها "، إثبات الذنوب لها, كما يقال: " ما أخوك ليس يقوم "، بمعنى: هو يقوم.
* * *
وقال آخرون: معنى قوله: " ما لنا ألا نقاتل ": ما لنا ولأن لا نقاتل, ثم حذفت " الواو " فتركت, كما يقال في الكلام: " ما لك ولأن تذهب إلى فلان "، فألقي منها " الواو ", لأن " أن " حرف غير متمكن في الأسماء. وقالوا: نجيز أن يقال: " ما لك أن تقوم "، ولا نجيز: " ما لك القيام "، لأن القيام اسم صحيح و " أن " اسم غير صحيح. وقالوا: قد تقول العرب: " إياك أن تتكلم "، بمعنى: إياك وأن تتكلم.
* * *
وأنكر ذلك من قولهم آخرون وقالوا: لو جاز أن يقال ذلك على التأويل الذي تأوله قائل من حكينا قوله, لوجب أن يكون جائزا: " ضربتك بالجارية وأنت كفيل ", بمعنى: وأنت كفيل بالجارية= وأن تقول: " رأيتك إيانا وتريد ", بمعنى : " رأيتك وإيانا تريد ". (67) لأن العرب تقول: " إياك بالباطل تنطق "، قالوا: فلو كانت " الواو " مضمرة في" أن "، لجاز جميع ما ذكرنا، ولكن ذلك غير جائز, لأن ما بعد " الواو " من الأفاعيل غير جائز له أن يقع على ما قبلها، (68) واستشهدوا على فساد قول من زعم أن " الواو " مضمرة مع " أن " بقول الشاعر:
فبـــح بالســرائر فــي أهلهــا
إيــاك فــي غــيرهم أن تبوحـا (69)
&; 5-305 &;
= وأنَّ " أن تبوحا "، لو كان فيها " واو " مضمرة، لم يجز تقديم " في غيرهم " عليها. (70)
* * *
وأما تأويل قوله تعالى: " وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا " ، فإنه يعني: وقد أخرج من غلب عليه من رجالنا ونسائنا من ديارهم وأولادهم، ومن سبي. وهذا الكلام ظاهره العموم وباطنه الخصوص، لأن الذين قالوا لنبيهم: " ابعث لنا ملكا نقاتل في سبيل الله "، كانوا في ديارهم وأوطانهم, وإنما كان أخرج من داره وولده من أسر وقهر منهم.
* * *
وأما قوله: " فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا إِلا قَلِيلا مِنْهُمْ" ، يقول: فلما فرض عليهم قتال عدوهم والجهاد في سبيله=" تولوا إلا قليلا منهم "، يقول: أدبروا مولين عن القتال, وضيعوا ما سألوه نبيهم من فرض الجهاد.
والقليل الذي استثناهم الله منهم, هم الذين عبروا النهر مع طالوت. وسنذكر سبب تولي من تولى منهم، وعبور من عبر منهم النهر بعد إن شاء الله، إذا أتينا عليه.
* * *
يقول الله تعالى ذكره: " وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ" ، يعني: والله ذو علم بمن ظلم منهم نفسه, فأخلف الله ما وعده من نفسه، وخالف أمر ربه فيما سأله ابتداء أن يوجبه عليه.
* * *
وهذا من الله تعالى ذكره تقريع لليهود الذين كانوا بين ظهراني مهاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم، في تكذيبهم نبينا محمدا صلى الله عليه وسلم، ومخالفتهم أمر ربهم. يقول الله تعالى ذكره لهم: إنكم، يا معشر اليهود، عصيتم الله وخالفتم أمره فيما سألتموه أن يفرضه عليكم ابتداء، من غير أن يبتدئكم ربكم بفرض ما عصيتموه &; 5-306 &; فيه, فأنتم بمعصيته - فيما ابتدأكم به من إلزام فرضه- أحرى.
* * *
وفي هذا الكلام متروك قد استغني بذكر ما ذكر عما ترك منه. وذلك أن معنى الكلام: " قالوا: وما لنا ألا نقاتل في سبيل الله وقد أخرجنا من ديارنا وأبنائنا "= فسأل نبيهم ربهم أن يبعث لهم ملكا يقاتلون معه في سبيل الله، فبعث لهم ملكا, وكتب عليهم القتال=" فلما كتب عليهم القتال تولوا إلا قليلا منهم والله عليم بالظالمين ".
----------------
الهوامش :
(1) انظر معنى"ألم تر" ، و" الرؤية" فيما سلف : ص : 266 ، والمراجع في التعليق .
(2) ساذكر في التعليقات الآتية ما جاء في هذا النسب من الأسماء ، على رسمها في كتاب القوم الذي بين أيدينا ، من أخبار الأيام الأول . في الإصحاح السادس . و"شمويل" هناك هو"صموئيل" .
(3) "بالي" ، لم يرد له ذكر في نسب"شمويل" من كتاب القوم ، بل هو عندهم"صموئيل بن"القانة" .
(4) (ألقانة)
(5) ( يروحام) . وفي المطبوعة : "برحام" خطأ ، وهو في المخطوطة غير منقوط وأما في تاريخ الطبري 1 : 242 فهو بالحاء المعجمة .
(6) ( إيليئيل) . الظاهر أنه هو"إليهو" .
(7) (توح) ، وفي المطبوعة : "يهو صوق" ، وهو خطأ ، وفي المخطوطة"بهو صوف" غير منقوط ، وكلاهما أسقط"بن" بين الكلمتين . و الصواب من تاريخ الطبري . و" توح" مذكور في كتاب القوم ، في كتاب صموئيل الأول ، الإصحاح الأول برسم : "توحو" .
(8) ( محث) .
(9) (عما ساى) والنسب في كتاب القوم بعد ذلك : "عما ساى بن ألقانة بن يوثيل بن عز ريا بن صفنيا بن تحث بن أسير بن أبياساف" ، وبعضه لم يذكر في النسب الذي رواه الطبري ، وفيما رواه بعد ذلك تقديم و تاخير كما ترى .
(10) (صفنيا) ، وفي المطبوعة و المخطوطة : " صفية" .
(11) ( أبياساف) وفي المطبوعة : "أبى ياسق" ، وفي المخطوطة" أبي ياسف" .
(12) (قورح) .
(13) ( يصهار) .
(14) ( قهات) .
(15) في المطبوعة و المخطوطة : "عن أبي إسحق" ، وهو خطأ ، وهو إسناد دائر في الطبري عن"محمد بن إسحق" صاحب السيرة .
(16) في المخطوطة و المطبوعة : "كما نسبه إسحاق" ، وهو خطأ ظاهر ، وانظر التعليق السالف .
(17) ما بين القوسين زيادة يقتضيها السياق ، كما في إسناد الأثر السالف ،
(18) في المطبوعة : "من قولها سمع" أسقط" أنه" وأثبت ما في المخطوطة .
(19) في المطبوعة : " شمعون" ، وهو خطأ لا شك فيه ، و الصواب ما في المخطوطة والدر المنثور 1 : 315 .
(20) (يشوع) .
(21) (أفرايم) ، وفي المطبوعة( أفراثيم) ، و الصواب ما أثبت من التاريخ 1 : 225 ، وفي المخطوطة غير منقوطة .
(22) يعني المذكورين في قوله تعالى في [ سورة المائدة : 23] { قَالَ رَجُلَانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا } ، الآية .
(23) ( يفنة) وفي المطبوعة : " يوقنا" ، و الصواب من المخطوطة و التاريخ 1 : 238 .
(24) ( حزقيال) في كتاب القوم .
(25) (إيليا) ، وهو"إيليا التشبى" مذكور في"الملوك الأول" إصحاح : 17 .
(26) لم أجد نسب"إيليا" ، وقوله : "نسى"لم أجده . وهو في المخطوطة"سى" غير منقوطة ولا واضحة ، وفي تاريخ الطبري 1 : 239"إلياس بن ياسين" .
(27) ( فينحاس) .
(28) (العازار) .
(29) (أخاب)"في الملوك الأول" الإصحاح : 16 ، 17 . وهو في المطبوعة والتاريخ والمخطوطة : "أحاب" ، مهمل الحاء .
(30) (يأكلها) أي يغلب عليها ، ويصير له ما لها وخراجها . وفي حديث عمرو بن عنبسة : ( ومأكول حمير من آكلها ، الماكول : الرعية -والآكلون : الملوك . وهم يسمون سادة الأحياء الذين يأخذون المرباع وغيره" الآكال" ، وفي الحديث : "أمرت بقرية تأكل القرى" ، هي المدنية ، أي يغلب أهلها بالإسلام على غيرها من القرى .
(31) في المطبوعة : "يعدد ملوكا . . " وأثبت ما في المخطوطة ، وفي تاريخ الطبري : "يعد" .
(32) في المطبوعة : "مالكين" ، وفي المخطوطة : "ملكين" ، وأثبت ما في تاريخ الطبري .
(33) الزيادة التي بين القوسين من تاريخ الطبري ، ولا يستقيم الكلام إلا بها .
(34) في المطبوعة : "ويزعمون" وأثبت ما في المخطوطة والتاريخ .
(35) إلى هذا الموضع رواه الطبري بإسناده هذا في تاريخه1 : 239 / ثم الذي يليه في 1 / 240 فصلت بينهما روايات أخرى .
(36) (أليشع) في كتاب القوم .
(37) في المطبوعة والمخطوطة : "وكانوا . . . " ، وأثبت ما في التاريخ ، فهو أجود .
(38) بعد هذا في التاريخ ما نصه : "والسكنية - فيما ذكر ابن إسحق ، عن وهب بن منبه ، من بعض أهل إسرائيل -رأس هرة ميتة ، فإذا صرخت في التابوت بصراخ هرة ، أيقنوا بالنصر وجاءهم الفتح .
(39) ( عالي) في كتاب القوم وفي تاريخ الطبري"إيلاف" . والمرجح أن الذي في المطبوعة والمخطوطة هو الصواب ، لقربه من لفظ"عالي" وإن كان الطبري قد ذكر في تاريخه 1 : 243"عيلى" ، . وعالي ، من عظماء كهنة بني إسرائيل وقضى لهم أربعين سنة . وخبر موت عالي عند استلاب التابوت ، مذكور في كتاب القوم"صموئيل الأول" الإصحاح الرابع .
(40) في تاريخ الطبري : "فمرج أمرهم بينهم" . ومرج الأمر : اختلط والتبس واضطرب في الفتنة .
(41) إلى هذا الموضع ، انتهى ما رواه الطبري في التاريخ 1 : 240-241 .
(42) (صموئيل) في كتاب القوم .
(43) في المطبوعة : "في نفوسهم" ، وأثبت ما في المخطوطة .
(44) استخرج (بالبناء للمجهول) : حمل على الخروج من بلاده . وهذا لفظ لم يذكره أصحاب المعاجم ، وهو عربية معرقة .
(45) ( جليات) في كتاب القوم .
(46) في تاريخ الطبري بعد قوله شمعون : "تقول" : الله سمع دعائي" . وانظر الأثر السالف رقم : 5628 وما قبله وما بعده .
(47) في المطبوعة : "فأرسلته يتعلم" ، وأثبت ما في المخطوطة والتاريخ .
(48) في المطبوعة : "لا يأتمن" ، وفي تاريخ الطبري مطبوعة مصر : "لايئتمن" في الأوربية والمخطوطة : "لا يتمن" . وأمنه وأمنه وائتمنه واتمنه (بتشديد التاء) سواء ، وانظر تعليق صاحب اللسان على قول من قال إن الأخيرة نادرة .
(49) اللحن : اللغة و اللهجة . وفي التاريخ : "شمويل" ، وظاهر هذا الخبر يدل على أن"شمعون" هو"شمويل" وأنهما لغتان بمعنى واحد . وانظر الآثار السالفة 5626 -5629 ، والتعليقات عليها .
(50) في المطبوعة"ولم تنل لك" وهو تصحيف . وفي تاريخ الطبري : "ولم تبالك" ، من المبالاة ، وهي ليست بشيء . وفي الدر المنثور : "ولم يأن لك" ، وفي المخطوطة : "ولم تنل لك" وظاهر أنها"تئن" . من"آن يئين أينا" : أي حان . مثل"أني لك يأني" ، بمعناه ، أي لم تبلغ بعد أوان أن تكون نبيا .
(51) الأثر : 5635- في تاريخ الطبري 1: 242 ، والدر المنثور 1: 315 ، وفي المطبوعة ختم الأثر بقوله : "والله أعلم" ، وهي زيادة من ناسخ لا معنى لها هنا ، وليست في المخطوطة .
(52) في المخطوطة والمطبوعة : " الذي نقاتل" بحذف"به" ، وهو خطأ يدل عليه السياق ، وما جاء في معاني القرآن للفراء 1 : 157 .
(53) يعني"الذي" و"به" .
(54) انظر معاني القرآن للفراء 1 : 157- 162 ، فهو قد استوعب القول في هذه القراءة ، وفي هذا الباب من العربية . و"الصلة" : التابع ، كالنعت والحال ، ويعني به نعت النكرة ، هنا .
(55) انظر هذا التفسير في مجاز القرآن لأبي عبيدة 1 : 77 .
(56) انظر معنى" كتب" فيما سلف 3 : 357 ، 364- 365 ، 409/ 4 : 297 .
(57) في المطبوعة والمخطوطة : "مع قولنا" ، والسياق الآتي يقتضي ما أثبت .
(58) لم أعرف قائله ، وإن كنت أذكر أنى قرأته مع أبيات أخر من الرجز . وهو في معاني القرآن للفراء 1 : 163 ، واللسان (خلف) . والخلفة (بفتح الخاء وكسر اللام) الناقة الحامل ، وجمعها خلف ، وهو نادر ، وهذا البيت شاهده ، وإنما الجمع السائر أن يقال للنوق الحوامل"مخاض" ، كقولهم : "امرأة ، ونسوه" ، وهذا الراجز يقول لناقته : ما زغاؤك ، والحوامل لا ترغو؟ يعني أنها إنما ترغو حنينا إلى بلاده وبلادها . حيث فارق من كان يحب ، كما قال الشماطيط الغطفاني لناقته :
أرار اللــه مخــك فـي السـلامى
إلــى مــن بــالحنين تشـوقينا!!
فــإني مثـل مـا تجـدين وجـدي,
ولكــــني أســـر وتعلنينـــا!
وبـي مثـل الـذي بـك, غـير أنـي
أجــل عــن العقــال, وتعقلينـا!
هذا ، وقد كان في المطبوعة"ملك ترعين ولا ترعوا الخلف" ، وهو في المخطوطة على الصواب ، ولكنه غير منقوط كعادة ناسخها في كثير من المواضع .
(59) هو الفرزدق .
(60) ديوانه : 863 ، والنقائض : 753 ، ومعاني القرآن للفراء 1 : 164 ، واللسان (قرد) (قلا) (هلل) يهجمو جريرا ، ويعرض بالبعث ، وقبله ، يعرض بأن قوم جرير ، وهم كليب بن يربوع ، كان يغشون الأتن :
وليس كـــليبي, إذا جــن ليلــه
إذا لــم يجـد ريـح الأتـان, بنـائم
يقــــــول- إذا اقلـــــولي
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وفي المطبوعة : "تقول" . وقد شرحه ابن بري على هذه الرواية شرحا فاسدا جدا في"قرد" ، وشرحه ابن الأعرابي أيضًا في (قلا) على هذه الرواية ، فكان أيضًا شرحا شديد الفساد . ورغم أنه أراد امرأة يزنى بها . والصواب أنه أراد ما ذكرت من غشيان إناث الحمير ، لا إناث البشر!! وقوله : "اقلولي" أي علا على ظهرها مستوفزا قلقا لا يستقر ، واختيار الفرزدق لهذا الحرف عجب من العجب في تصوير ما أراد . وأقرد الرجل وغيره : سكن وتماوت . يريد أن الأتان قد رضيت فأسمحت فسكت له . فلما بلغ ذلك منه ومنها قال : "ألا هل أخو عيش لذيذ بدائم" ، يكشف عن شدة حبه وشغفه بذلك ، وأنه يأسف ويتحسر علي أنه أمر ينقضي ولا يدوم . وقد زعموا أن"هل" هنا بمعنى الجحد أي ليس أخو عيش لذيذ بدائم . (اللسان : هلل) .
(61) انظر معاني القرآن للفراء 1 : 163- 164 ، وقد استوفى الكلام فيما فتحه الطبري .
(62) هو الكسائي ، كما صرح به الفراء في معاني القرآن 1 : 165 .
(63) هو أبو الحسن الأخفش ، كما يتبين من تفسير أبي حيان والقرطبي والمغني .
(64) في المطبوعة : " زائدة بعد فلما ولما ولو" ، وهو تخليط . وفي المخطوطة "بعد مليما . . . " مضطربة الكتبة ، فالصواب عندي أن تكون : "مالنا" ، ولما أخطأ الناسخ الكتابة والقراءة ، حذف "كما تزاد" ، وهذا هو صواب المعنى والحمد لله
(65) ديوانه : 283 ، وسيأتي في التفسير 9 : 165 ، والخزانة 2 : 87 ، والعيى (الخزانة) 2 : 322 يهجو عمر بن هبيرة الفزاري وهو أحد الأمراء وعمال سليمان بن عبد الملك . وقومه . فزارة ابن ذبيان ، من ولد غطفان بن سعد بن قيس عيلان بن مضر . وهو شعر جيد في بابه ، وقبل البيت أبيات منها :
يـا قيس عيـلان, إنـي كنت قلت لكم
يا قيس عيلان : أن لا تسرعوا الضجرا
إنـي متـى أهـج قومـا لا أدع لهـم
سـمعا, إذ استمعوا صوتي, ولا بصرا
ثم قال بعد ذلك أبيات :
لـو لـم تكـن غطفان . . . . . . .
هذا مجمع من رأيت يذهب إلى إن"الذنوب"جمع"ذنب" ، وهو عندي ليس بشيء ، وإنما انحطوا في آثار الأخفش ، حين استشهد بالبيت على إعمال"لا" الزائدة . وصواب البيت عندي (لا ذنوب لها) وليس في البيت شاهد عندئذ . والظاهر أن الأخفش أخطأ في الاستشهاد به . والذنوب( بفتح الذال) : الخط والنصب ، وأصله الدلو الملأى . وهو بهذا المعنى في قوله تعالى : { فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذَنُوبًا مِثْلَ ذَنُوبِ أَصْحَابِهِمْ } ، أي حظا من العذاب . قال الفراء : " الذنوب الدلو العظيمة ، ولكن العرب تذهب به إلى الحظ والنصيب" . وقال الزمخشري : "ولهم ذنوب من كذا" أي نصيب ، قال عمرو ابن شأس :
وفـي كـل حـي قـد خـبطت بنعمة
فحــق لشـأس مـن نـداك ذنـوب
أقول : يقول الفرزدق : لو لم تكن غطفان خسيسة لاحظ لها من الشرف والحسب والمروءة -"إذن للام ذوو أحسابها عمرا" . وبذلك يبرأ البيت من السخف ومن تكلف النحاة . هذا وانظر هجاء الفرزدق لعمر بن هبيرة في طبقات فحول الشعراء : 287- 288وقوله :
فســد الزمــان وبــدلت أعلامـه
حــتى أميــة عـن فـزارة تـنزع
يقول : تبدلت الدنيا ، حتى صارت أمية تحتمي بفزارة وتصدر عن رأيها . يتعجب من ذلك لخسة فزارة عنده .
(66) استشهد بهذا على إعمال الزائدة وهو"لا" ، كما أعملت"أن" في الآية .
(67) في المطبوعة : "رأيتك أبانا ويزيد ، بمعنى : رأيتك وأبانا يزيد" ، وهو كلام ساقط هالك . والصواب من المخطوطة ، وإن كان غير منقوط الحروف ، ومن معاني القرآن للفراء 1 : 165 .
(68) "الأفاعيل" الأفعال . ووقوعها على ما قبلها ، إما بالعمل فيه أو بالتعليق به .
(69) لم أعرف قائله ، وهو في معاني القرآن للفراء 1 : 165 ، والسرائر جمع سريرة ، والسريرة : السر هنا .
(70) في المخطوطة والمطبوعة : " تقديم غيرهم" بإسقاط"في" ، والصواب من معاني القرآن للفراء 1 : 166 ، وقد استوفى الكلام في ذلك ، وكأن ما هنا منقول عنه بنصه .
Text: through the Quran Foundation. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences