At-Tabari · Tafsir · in Arabic
Al-Baqarah 2:274–276
2:274Page 46
ٱلَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمۡوَٰلَهُم بِٱلَّيۡلِ وَٱلنَّهَارِ سِرّٗا وَعَلَانِيَةٗ فَلَهُمۡ أَجۡرُهُمۡ عِندَ رَبِّهِمۡ وَلَا خَوۡفٌ عَلَيۡهِمۡ وَلَا هُمۡ يَحۡزَنُونَ ٢٧٤
Those who spend their wealth [in Allāh's way] by night and by day, secretly and publicly - they will have their reward with their Lord. And no fear will there be concerning them, nor will they grieve.
القول في تأويل قوله تعالى : الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (274)
[قال أبو جعفر]:
.............................................................................
.............................................................................
* * *
6232 - حدثنا يعقوب بن إبراهيم، قال: حدثنا معتمر، عن أيمن بن نابل، قال: حدثني شيخ من غافق: أن أبا الدرداء كان ينظر إلى الخيل مربوطةً بين البرَاذين والهُجْن. فيقول: أهل هذه - يعني الخيل- من الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار سرًّا وعلانية، فلهم أجرهم عند ربهم، ولا خوفٌ عليهم ولا هُمْ يحزَنون. (45) .
* * *
وقال آخرون: عنى بذلك قومًا أنفقوا في سبيل الله في غير إسراف ولا تقتير.
* ذكر من قال ذلك:
6233 - حدثنا بشر، قال: حدثنا يزيد، قال: حدثنا سعيد، عن قتادة &; 5-602 &; قوله: " الذين ينفقون أموالهم " إلى قوله: " ولا هم يحزنون "، هؤلاء أهلُ الجنة.
ذكر لنا أن نبيّ الله صلى الله عليه وسلم كان يقول: المكثِرون هم الأسفلون. قالوا: يا نبيّ الله إلا مَنْ؟ قال: المكثرون هم الأسفلون، قالوا: يا نبيّ الله إلا مَنْ؟ قال: المكثرون هم الأسفلون. قالوا: يا نبيّ الله، إلا مَنْ؟ حتى خشوا أن تكون قد مَضَت فليس لها رَدّ، حتى قال: " إلا من قال بالمال هكذا وهكذا، عن يمينه وعن شماله، وهكذا بين يديه، وهكذا خلفه، وقليلٌ ما هُمْ [قال]: (46) هؤلاء قوم أنفقوا في سبيل الله التي افترض وارتضى، في غير سَرَف ولا إملاق ولا تَبذير ولا فَساد " (47) .
* * *
وقد قيل إنّ هذه الآيات من قوله: " إن تُبدوا الصدقات فنعمَّا هي" إلى قوله: " ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون "، كان مما يُعملَ به قبل نـزول ما في" سورة براءة " من تفصيل الزَّكوات، فلما نـزلت " براءة "، قُصِروا عليها.
* ذكر من قال ذلك:
6234 - حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: " إن تبدوا الصدقات فنعمَّا هي" إلى قوله: " ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون "، فكان هذا يُعمل به قبل أن تنـزل " براءة "، فلما نـزلت " براءة " بفرائض الصَّدقات وتفصيلها انتهت الصّدَقاتُ إليها.
* * *
---------------------------
(45) الأثر : 6232 -"أيمن بن نابل الحبشي" أبو عمران المكي ، نزيل عسقلان ، مولي آل أبي بكر . روي عن قدامة بن عبدالله العامرى ، وعن أبيه نابل ، والقاسم بن محمد ، وطاوس . وروى عنه موسى بن عقبة ، وهو من أقرانه ، ومعتمر بن سليمان ، ووكيع وابن مهدي ، وعبدالرزاق ، وغيرهم . وهو ثقة ، وكان لا يفصح ، فيه لكنه . وعاش إلى خلافة المهدي . مترجم في التهذيب .
والبراذين جمع برذون (بكسر الباء وسكون الراء وفتح الذال وسكون الواو) : وهو ما كان من الخيل من نتاج غير العراب ، وهو دون الفرس وأضعف منه . والهجن جمع هجين : وهو من الخيل الذي ولدته برذونة من حصان غير عربي ، وهي دون العرب أيضًا ، ليس من عتاق الخيل ، وكلاهما معيب عندهم .
(46) ما بين القوسين ، زيادة لا بد منها ، فإن هذا الكلام الآتي ولا شك من كلام قتادة ، وكذلك خرجه السيوطي في الدر المنثور 1 : 363 قال : "وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة . . . " ، وساق هذا الشطر الآتي من هذا الأثر . وأما صدره ، فهو خبر مرسل كسائر الأخبار السالفة .
(47) قوله : "إملاق" هو من قولهم : "ملق الرجل ما معه ملقًا ، وأملقه إملاقًا" ، إذا أنفقه وأخرجه من يده ولم يحبسه وبذره تبذيرًا . والفقر تابع للإنفاق والتبذير ، فاستعملوا لفظ السبب في موضع المسبب ، فقالوا : "أملق الرجل إملاقًا" ، إذا افتقر فهو"مملق" أي فقير لا شيء معه .
2:275Page 47
ٱلَّذِينَ يَأۡكُلُونَ ٱلرِّبَوٰاْ لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ ٱلَّذِي يَتَخَبَّطُهُ ٱلشَّيۡطَٰنُ مِنَ ٱلۡمَسِّۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمۡ قَالُوٓاْ إِنَّمَا ٱلۡبَيۡعُ مِثۡلُ ٱلرِّبَوٰاْۗ وَأَحَلَّ ٱللَّهُ ٱلۡبَيۡعَ وَحَرَّمَ ٱلرِّبَوٰاْۚ فَمَن جَآءَهُۥ مَوۡعِظَةٞ مِّن رَّبِّهِۦ فَٱنتَهَىٰ فَلَهُۥ مَا سَلَفَ وَأَمۡرُهُۥٓ إِلَى ٱللَّهِۖ وَمَنۡ عَادَ فَأُوْلَٰٓئِكَ أَصۡحَٰبُ ٱلنَّارِۖ هُمۡ فِيهَا خَٰلِدُونَ ٢٧٥
Those who consume interest1 cannot stand [on the Day of Resurrection] except as one stands who is being beaten by Satan into insanity. That is because they say, "Trade is [just] like interest." But Allāh has permitted trade and has forbidden interest. So whoever has received an admonition from his Lord and desists may have what is past, and his affair rests with Allāh. But whoever returns [to dealing in interest or usury] - those are the companions of the Fire; they will abide eternally therein.
القول في تأويل قوله تعالى : الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لا يَقُومُونَ إِلا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ
قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: الذين يُرْبون.
* * *
و " الإرباء " الزيادة على الشيء، يقال منه: " أرْبى فلان على فلان "، إذا زاد عليه،" يربي إرباءً"، والزيادة هي" الربا "،" وربا الشيء "، إذا زاد على ما كان عليه فعظم،" فهو يَرْبو رَبْوًا ". وإنما قيل للرابية [رابية]، (1) لزيادتها في العظم والإشراف على ما استوى من الأرض مما حولها، من قولهم: " ربا يربو ". ومن ذلك قيل: " فلان في رَباوَة قومه "، (2) يراد أنه في رفعة وشرف منهم، فأصل " الربا "، الإنافة والزيادة، ثم يقال: " أربى فلان " أي أناف [ماله، حين] صيَّره زائدًا. (3) وإنما قيل للمربي: " مُرْبٍ"، لتضعيفه المال، الذي كان له على غريمه حالا أو لزيادته عليه فيه لسبب الأجل الذي يؤخره إليه فيزيده إلى أجله الذي كان له قبلَ حَلّ دينه عليه. ولذلك قال جل ثناؤه: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً . [آل عمران: 130].
* * *
&; 6-8 &;
وبمثل الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل:
ذكر من قال ذلك:
6235 - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد قال، في الربا الذي نهى الله عنه: كانوا في الجاهلية يكون للرجل على الرجل الدّينُ فيقول: لك كذا وكذا وتؤخِّر عني! فيؤخَّر عنه.
* - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.
6237 - حدثني بشر، قال: حدثنا يزيد، قال: حدثنا سعيد، عن قتادة: أن ربا أهل الجاهلية: يبيعُ الرجل البيع إلى أجل مسمًّى، فإذا حل الأجل ولم يكن عند صاحبه قضاء، زاده وأخَّر عنه.
* * *
قال أبو جعفر: فقال جل ثناؤه: الذين يُرْبون الربا الذي وصفنا صفته في الدنيا=" لا يقومون " في الآخرة من قبورهم =" إلا كما يقوم الذي يتخبَّطه الشيطانُ من المس "، يعني بذلك: يتخبَّله الشيطان في الدنيا، (4) وهو الذي يخنقه فيصرعه (5) =" من المس "، يعني: من الجنون.
وبمثل ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
6238 - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، &; 6-9 &; عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله عز وجل: " الذين يأكلون الرّبا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المسّ"، يوم القيامة، في أكل الرِّبا في الدنيا.
6239 - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة، قال: حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد مثله.
6240 - حدثني المثنى قال، حدثنا الحجاج بن المنهال قال، حدثنا ربيعة بن كلثوم قال، حدثني أبي، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: " الذين يأكلون الرّبا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس "، قال: ذلك حين يُبعث من قبره. (6)
6241 - حدثني المثنى قال، حدثنا مسلم بن إبراهيم قال، حدثنا ربيعة بن كلثوم قال، حدثني أبي، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: يُقال يوم القيامة لآكل الرّبا: " خذْ سلاحك للحرب "، وقرأ: " لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المسّ"، قال: ذلك حين يبعث من قبره.
6242 - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير، عن أشعث، عن جعفر، عن سعيد بن جبير: " الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المسّ". الآية، قال: يبعث آكل الربا يوم القيامة مَجْنونًا يُخنق. (7)
6243 - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: &; 6-10 &; " الذين يأكلون الربا لا يقومون "، الآية، وتلك علامةُ أهل الرّبا يوم القيامة، بُعثوا وبهم خَبَلٌ من الشيطان.
6244 - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله: " لا يقومون إلا كما يقومُ الذي يتخبطه الشيطان من المس " قال: هو التخبُّل الذي يتخبَّله الشيطان من الجنون.
6245 - حدثت عن عمار قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع في قوله: " الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المسّ"، قال: يبعثون يوم القيامة وبهم خَبَل من الشيطان. وهي في بعض القراءة: ( لا يَقُومُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ) .
6246 - حدثنا المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا أبو زهير، عن جويبر، عن الضحاك في قوله: " الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس "، قال: من مات وهو يأكل الربا، بعث يوم القيامة متخبِّطًا، كالذي يتخبطه الشيطان من المسّ.
6247 - حدثني موسى قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط، عن السدي: " الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المسّ"، يعني: من الجنون.
6248 - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: " الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المسّ". قال: هذا مثلهم يومَ القيامة، لا يقومون يوم القيامة مع الناس، إلا كما يقوم الذي يُخنق من الناس، كأنه خُنق، كأنه مجنون (8) .
* * *
&; 6-11 &;
قال أبو جعفر: ومعنى قوله: " يتخبطه الشيطانُ من المسّ"، يتخبله من مَسِّه إياه. يقال منه: " قد مُسّ الرجل وأُلقِ، فهو مَمسوس ومَألوق "، كل ذلك إذا ألمّ به اللَّمَمُ فجُنّ. ومنه قول الله عز وجلّ: إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا [الأعراف: 201]، ومنه قول الأعشى:
وَتُصْبـحُ عَـنْ غِـبِّ السُّـرَى, وكأَنَّمَا
أَلَـمَّ بِهَـا مِـنْ طَـائِفِ الجِـنِّ أَوْلَـقُ (9)
* * *
فإن قال لنا قائل: أفرأيت من عمل ما نهى الله عنه من الرِّبا في تجارته ولم يأكله، أيستحقّ هذا الوعيدَ من الله؟
قيل: نعم، وليس المقصود من الربا في هذه الآية الأكلُ، إلا أنّ الذين نـزلت فيهم هذه الآيات يوم نـزلت، كانت طُعمتهم ومأكلُهم من الربا، فذكرهم بصفتهم، معظّمًا بذلك عليهم أمرَ الرّبا، ومقبِّحًا إليهم الحال التي هم عليها في مطاعمهم، وفي قوله جل ثناؤه: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا &; 6-12 &; اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ * فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ [سورة البقرة: 278-279] الآية، ما ينبئ عن صحة ما قلنا في ذلك، وأنّ التحريم من الله في ذلك كان لكل معاني الرّبا، وأنّ سواءً العملُ به وأكلُه وأخذُه وإعطاؤُه، (10) كالذي تظاهرت به الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من قوله:
6249-" لعن الله آكلَ الرّبا، وُمؤْكِلَه، وكاتبَه، وشاهدَيْه إذا علموا به ". (11)
* * *
القول في تأويل قوله : ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا
قال أبو جعفر: يعني بـ" ذلك " جل ثناؤه: ذلك الذي وصفهم به من قيامهم يوم القيامة من قبورهم، كقيام الذي يتخبطه الشيطان من المسّ من الجنون، فقال تعالى ذكره: هذا الذي ذكرنا أنه يصيبهم يوم القيامة من قُبْح حالهم، ووَحشة قيامهم من قبورهم، وسوء ما حلّ بهم، من أجل أنهم كانوا في الدنيا يكذبون ويفترون ويقولون: " إنما البيع " الذي أحله الله لعباده =" مثلُ الرّبا ". وذلك أن الذين كانوا يأكلون من الرّبا من أهل الجاهلية، كان إذا حلّ مالُ أحدهم &; 6-13 &; على غريمه، يقول الغَريم لغريم الحق: " زدني في الأجل وأزيدك في مالك ". فكان يقال لهما إذا فعلا ذلك: " هذا ربًا لا يحل ". فإذا قيل لهما ذلك قالا " سواء علينا زدنا في أول البيع، أو عند مَحِلّ المال "! فكذَّبهم الله في قيلهم فقال: وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ .
* * *
القول في تأويل قوله تعالى : وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (275)
قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه: وأحلّ الله الأرباح في التجارة والشراء والبيع (12) =" وحرّم الربا "، يعني الزيادةَ التي يزاد رب المال بسبب زيادته غريمه في الأجل، وتأخيره دَيْنه عليه. يقول عز وجل: فليست الزيادتان اللتان إحداهما من وَجه البيع، (13) والأخرى من وجه تأخير المال والزيادة في الأجل، سواء. وذلك أنِّي حرّمت إحدى الزيادتين = وهي التي من وجه تأخير المال والزيادة في الأجل = وأحللتُ الأخرى منهما، وهي التي من وجه الزيادة على رأس المال الذي ابتاع به البائع سلعته التي يبيعها، فيستفضلُ فَضْلها. فقال الله عز وجل: ليست الزيادة من وجه البيع نظيرَ الزيادة من وجه الربا، لأنّي أحللت البيع، وحرَّمت الرّبا، والأمر أمري والخلق خلقي، أقضي فيهم ما أشاء، وأستعبدهم بما أريد، ليس لأحد منهم أن يعترض في حكمي، ولا أن يخالف أمري، وإنما عليهم طاعتي والتسليمُ لحكمي.
* * *
&; 6-14 &;
ثم قال جل ثناؤه: " فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى "، يعني بـ" الموعظة ": التذكير، والتخويفَ الذي ذكَّرهم وخوّفهم به في آي القرآن، (14) وأوعدهم على أكلهم الربا من العقاب، يقول جل ثناؤه: فمن جاءه ذلك،" فانتهى " عن أكل الربا وارتدع عن العمل به وانـزجر عنه (15) =" فله ما سلف "، يعني: ما أكل، وأخذ فمَضَى، قبل مجيء الموعظة والتحريم من ربه في ذلك =" وأمرُه إلى الله "، يعني: وأمر آكله بعد مجيئه الموعظة من ربه والتحريم، وبعد انتهاء آكله عن أكله، إلى الله في عصمته وتوفيقه، إن شاء عصمه عن أكله وثبَّته في انتهائه عنه، وإن شاء خَذَله عن ذلك =" ومن عاد "، يقول: ومن عاد لأكل الربا بعد التحريم، وقال ما كان يقوله قبل مجيء الموعظة من الله بالتحريم، من قوله: إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا =" فأولئك أصْحاب النار هم فيها خالدون "، يعني: ففاعلو ذلك وقائلوه هم أهل النار، يعني نار جهنم، فيها خالدون. (16)
* * *
وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
6250 - حدثني موسى قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط، عن السديّ: " فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف وأمره إلى الله "، أما " الموعظة " فالقرآن، وأما " ما سلف "، فله ما أكل من الربا.
--------------
الهوامش :
(1) هذه الزيادة بين القوسين لا بد منها لسياق الكلام .
(2) في المطبوعة : "في ربا قومه" وفي المخطوطة : "في رباء قومه" ، ولا أظنهما صوابًا ، والصواب ما ذكر الزمخشري في الأساس : "وفلان في رباوة قومه : في أشرافهم . وهو : في الروابي من قريش" ، فأثبت ما في الأساس .
(3) في المخطوطة والمطبوعة : "أي أناف صيره زائدًا" ، وهو كلام غير مستقيم ولا تام . والمخطوطة كما أسلفت مرارًا ، قد عجل عليها ناسخها حتى أسقط منها كثيرًا كما رأيت آنفًا . فزدت ما بين القوسين استظهارًا من معنى كلام أبي جعفر ، حتى يستقيم الكلام على وجه يرتضى .
(4) تخبله : أفسد عقله وأعضاءه .
(5) في المطبوعة : "وهو الذي يتخبطه فيصرعه" ، وهو لا شيء ، إنما استبهمت عليه حروف المخطوطة ، فبدل اللفظ إلى لفظ الآية نفسها ، وهو لا يعد تفسيرًا عندئذ!! وفي المخطوطة : "+يحفه" غير منقوطة إلا نقطة على"الفاء" ، وآثرت قراءتها"يخنقه" ، لما سيأتي في الأثر رقم : 6242 عن ابن عباس : "يبعث آكل الربا يوم القيامة مجنونًا يخنق" ، وما جاء في الأثر : 6247 . وهذا هو الصواب إن شاء الله ، لذلك ، ولأن من صفة الجنون وأعراضه أنه خناق يأخذ من يصيبه ، أعاذنا الله وإياك .
(6) الأثر : 6240-"ربيعة بن كلثوم بن جبر البصري" ، روى عن أبيه ، وبكر ابن عبد الله المزني ، والحسن البصري . وروى عنه القطان ، وعبد الصمد بن عبد الوارث ، ومسلم ابن إبراهيم ، وحجاج بن منهال . قال النسائي : "ليس به بأس" ، وقال في الضعفاء : "ليس بالقوي" ، وقال أحمد وابن معين : "ثقة" . وأبوه : "كلثوم بن جبر" ، قال أحمد : "ثقة" ، وقال النسائي : "ليس بالقوي" . مات سنة : 130 .
(7) انظر ما سلف في ص : 8 ، تعليق : 2 .
(8) في المطبوعة : "إلا كما يقوم الذي يخنق مع الناس يوم القيامة" ، وهو كلام فاسد . وكذلك هو في المخطوطة أيضًا مع ضرب الناسخ على كلام كتبه ، فدل على خلطه وسهوه . فحذفت من هذه الجملة"يوم القيامة" وجعلت"مع الناس" ، "من الناس" ، فصارت أقرب إلى المعنى والسياق ، وكأنه الصواب إن شاء الله .
(9) ديوانه : 147 ، وروايته"من غب السرى" ، ورواية اللسان (ألق) ، "ولق" ، وهو من قصيدته البارعة في المحرق . ويصف ناقته فيقول قبل البيت ، وفيها معنى جيد في صحبة الناقة :
وَخَــرْقٍ مَخُــوفٍ قَـدْ قَطَعْتُ بِجَسْرَةٍ
إذَا خَــــبَّ آلٌ فَوْقَــهُ يَــتَرَقْرقُ
هِـيَ الصَّـاحِبُ الأدْنَـى, وَبَيْنى وَبَيْنَها
مَجُــوفٌ عِلاَفِــيُّ وقِطْـعٌ ونُمْـرُقُ
وَتُصْبِـحُ عَـنْ غـبّ السُّرَى . . . . .
. . . . . . . . . . . . . . . . . . .
"الخرق" : المفازة الواسعة تتخرق فيها الرياح . "وناقة جسرة" : طويلة شديدة جريئة على السير . و"خب" : جرى . و"الآل" : سراب أول النهار . "يترقرق" : يذهب ويجيء . وقوله : "هي الصاحب الأدنى" ، أي هي صاحبه الذي يألفه ولا يكاد يفارقه ، وينصره في الملمات . و"المجوف" : الضخم الجوف . و"العلافى" : هو أعظم الرجال أخرة ووسطًا ، منسوبة إلى رجل من الأزد يقال له"علاف" . و"القطع" : طنفسة تكون تحت الرحل على كتفي البعير . و"النمرق والنمرقة" : وسادة تكون فوق الرحل ، يفترشها الراكب ، مؤخرها أعظم من مقدمها ، ولها أربعة سيور تشد بآخرة الرحل وواسطته . و"غب السرى" : أي بعد سير الليل الطويل . و"الأولق" : الجنون . ووصفها بالجنون عند ذلك ، من نشاطها واجتماع قوتها ، لم يضعفها طول السرى .
(10) ولكن أهل الفتنة في زماننا ، يحاولون أن يهونوا على الناس أمر الربا ، وقد عظمه الله وقبحه ، وآذن العامل به بحرب من الله ورسوله ، في الدنيا والآخرة ، ومن أضل ممن يهون على الناس حرب ربه يوم يقوم الناس لرب العالمين . فاللهم اهدنا ولا تفتنا كما فتنت رجالا قبلنا ، وثبتنا على دينك الحق ، وأعذنا من شر أنفسنا في هذه الأيام التي بقيت لنا ، وهي الفانية وإن طالت ، وصدق رسول الله بأبي هو وأمي إذ قال : "يأتي على الناس زمان يأكلون فيه الربا . قيل له : الناس كلهم؟! قال : من لم يأكله ناله من غباره" . (سنن البيهقي 5 : 275) ، فاللهم انفض عنا وعن قومنا غبار هذا العذاب الموبق .
(11) الأثر : 6249- رواه الطبري بغير إسناد مختصرًا ، وقد استوفى تخريجه ابن كثير في تفسيره 1 : 550-551 وساق طرقه مطولا . والسيوطي في الدر المنثور 1 : 367 ، من حديث عبد الله بن مسعود ونسبه لأحمد ، وأبي يعلى ، وابن خزيمة ، وابن حبان . وانظر سنن البيهقي 5 : 275 .
(12) انظر معنى : "البيع" فيما سلف 2 : 342 ، 343 .
(13) في المطبوعة : "وليست الزيادتان" ، والصواب ما في المخطوطة .
(14) انظر تفسير : "موعظة" فيما سلف 2 : 180 ، 181 .
(15) انظر تفسير : "انتهى" فيما سلف 3 : 569 .
(16) انظر تفسير : "أصحاب النار" و"خالدون" فيما سلف 2 : 286 ، 287/4 : 316 ، 317/5 : 429 .
2:276Page 47
يَمۡحَقُ ٱللَّهُ ٱلرِّبَوٰاْ وَيُرۡبِي ٱلصَّدَقَٰتِۗ وَٱللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ ٢٧٦
Allāh destroys interest and gives increase for charities. And Allāh does not like every sinning disbeliever.
القول في تأويل قوله تعالى : يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ (276)
قال أبو جعفر: يعني عز وجل بقوله: " يمحق الله الربا "، ينقُصُ الله الرّبا فيذْهبه، كما:-
6251 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج قال، قال ابن عباس: " يمحق الله الربا "، قال: يَنقص.
* * *
وهذا نظير الخبر الذي روي عن عبد الله بن مسعود، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:
6252-" الرّبا وَإن كثُر فإلى قُلّ". (17) .
* * *
وأما قوله: " ويُرْبي الصّدَقات "، فإنه جل ثناؤه يعني أنه يُضاعف أجرَها، يَرُبُّها وينمِّيها له. (18)
* * *
وقد بينا معنى " الرّبا " قبلُ" والإرباء "، وما أصله، بما فيه الكفاية من إعادته. (19)
* * *
&; 6-16 &;
فإن قال لنا قائل: وكيف إرباء الله الصدقات؟
قيل: إضعافه الأجرَ لربِّها، كما قال جل ثناؤه: مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ [سورة البقرة: 261]، وكما قال: مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً [سورة البقرة: 245]، وكما:-
6253 - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا وكيع قال، حدثنا عباد بن منصور، عن القاسم: أنه سمع أبا هريرة يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إنّ الله عز وجل يقبلُ الصّدقة ويأخذها بيمينه فيربِّيها لأحدكم كما يربِّي أحدُكم مُهْرَه، حتى إن اللقمة لتصير مثل أُحُد، وتصديقُ ذلك في كتاب الله عز وجل: أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ [سورة التوبة: 104]، و " يمحق الله الرّبا ويُرْبي الصّدَقات " . (20) .
&; 6-17 &;
6254 - حدثني سليمان بن عمر بن خالد الأقطع قال، حدثنا ابن المبارك، عن سفيان، عن عباد بن منصور، عن القاسم بن محمد، عن أبي هريرة = ولا أراه إلا قد رفعه = قال: " إن الله عز وجل يقبَلُ الصدقة، ولا يقبلُ إلا الطيب." (21) .
&; 6-18 &;
6255- حدثني محمد بن عُمر بن علي المقدّمي، قال: حدثنا ريحان بن سعيد، قال: حدثنا عباد، عن القاسم، عن عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن الله تبارك وتعالى يقبل الصدقة ولا يقبل منها إلا الطيب ، ويربّيها لصاحبها كما يربِّي أحدُكم مُهره أو فَصيله، حتى إنّ اللقمة لتصيرُ مثل أحُد، وتصديق ذلك في كتاب الله عز وجل: (يمحق الله الرّبا ويُرْبي الصدقات )" . (22) .
&; 6-19 &;
6256 - حدثني محمد بن عبد الملك، قال: حدثنا عبد الرزاق قال، حدثنا معمر، عن أيوب، عن القاسم بن محمد، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنّ العبد إذا تصدق من طيّب تقبلها الله منه، ويأخذها بيمينه ويربِّيها كما يربِّي أحدكم مهرَه أو فصيله. وإنّ الرجل ليتصدّق باللقمة فتربو في يد الله = أو قال: في كفِّ الله عز وجلّ = حتى تكون مثلَ أحُد، فتصدّقوا (23) .
6257- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا المعتمر بن سليمان قال، سمعت &; 6-20 &; يونس، عن صاحب له، عن القاسم بن محمد قال، قال أبو هريرة: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن الله عز وجل يقبل الصدقة بيمينه، ولا يقبل منها إلا ما كان طيِّبًا، والله يربِّي لأحدكم لقمته كما يربِّي أحدكم مُهره وفصيله، حتى يوافَي بها يوم القيامة وهي أعظم من أحُد ". (24) .
* * *
&; 6-21 &;
قال أبو جعفر: وأما قوله: " والله لا يحب كل كفار أثيم "، فإنه يعني به: والله لا يحب كل مُصرٍّ على كفر بربه، مقيم عليه، مستحِلّ أكل الربا وإطعامه،" أثيم "، متماد في الإثم، فيما نهاه عنه من أكل الربا والحرام وغير ذلك من معاصيه، لا ينـزجر عن ذلك ولا يرعوي عنه، ولا يتعظ بموعظة ربه التي وعظه بها في تنـزيله وآي كتابه.
-----------------------
الهوامش:
(17) 6252- أخرجه الحاكم في المستدرك 2 : 37 من طريق إسرائيل ، عن الركين بن الربيع ، عن أبيه الربيع بن عميلة ، عن عبد الله بن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : "الربا إن كثر ، فإن عاقبته تصير إلى قل" ، وكذلك ذكره ابن كثير من المسند من طريق شريك عن الركين بن الربيع ، بلفظه . ثم ساق ما رواه ابن ماجه . غير أن ابن كثير (2 : 61) نقل لفظ الطبري ، وساق الخبر كنصه في الحديث ، لا كما جاء في المطبوعة والمخطوطة . وانظر الدر المنثور 1 : 365 .
(18) في المخطوطة والمطبوعة : "يضاعف أجرها لربها" ، كأنه يريد لصاحبها ، وكأن صواب قراءتها ما أثبت ، رب المعروف والصنيعة والنعمة وغيرها - يريها ربًا +ورببها (كلها بالتشديد) : نماها وزادها وأتمها ، وجملة"يربها وينميها له" تفسير لقوله : "يضاعف أجرها" . وانظر الأثر الآتي رقم : 6253 .
(19) انظر ما سلف قريبا ص : 7 .
(20) الحديث : 6253- عباد بن منصور الناجي البصري القاضي : ثقة ، من تكلم فيه تكلم بغير حجة . وقد حققنا توثيقه في شرح المسند : 2131 ، 3316 ، وبينا خطأ من جرحه بغير حق .
القاسم : هو ابن محمد بن أبي بكر الصديق ، التابعي الثقة الفقيه الإمام .
والحديث سيأتي في تفسير سورة التوبة (ج 11 ص 15 بولاق) ، عن أبي كريب ، بهذا الإسناد ولكن سقط منه هناك"حدثنا وكيع" . وهو خطأ ظاهر .
ورواه أحمد في المسند : 10090 (2 : 371 حلبي) ، عن وكيع ، وعن إسماعيل - وهو ابن علية - كلاهما عن عباد بن منصور . بهذا الإسناد . وساقه على لفظ وكيع ، كرواية الطبري هنا .
ولكن وقع في المسند خطأ غريب في تلاوة الآية الأولى ، ففيه : "وهو الذي يقبل التوبة عن عباده ويأخذ الصدقات" . والآية المتلوة في الحديث هي التي في رواية الطبري هنا : (ألم يعلموا أن الله هو يقبل التوبة عن عباده ويأخذ الصدقات) ، وهي الآية : 104 من سورة التوبة . وأما الأخرى فالآية : 25 من سورة الشورى ، وتلاوتها : (وهو الذي يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات) وليست تكون موضع الاستشهاد في هذا الحديث .
وهذا الخطأ قديم في نسخ المسند ، من الناسخين القدماء ، بدلالة أنه ثبت هذا الخطأ أيضًا في نقل الحافظ ابن كثير هذا الحديث عن المسند ، في جامع المسانيد والسنن 7 : 320 (مخطوط مصور) .
بل ظهر لي بعد ذلك أن الخطأ أقدم من هذا . لعله من وكيع ، أو من عباد بن منصور . لأن الترمذي روى الحديث 2 : 23 ، عن أبي كريب -شيخ الطبري هنا - عن وكيع ، به . وثبتت فيه تلاوة الآية على الخطأ ، كرواية أحمد عن وكيع . ونقل شارحه المباركفوري عن الحافظ العراقي أنه قال : "في هذا تخليط من بعض الرواة . والصواب : (ألم يعلموا أن الله هو يقبل التوبة) - الآية . وقد رويناه في كتاب الزكاة ليوسف القاضي ، على الصواب" .
بل إن الحافظ المنذري غفل عن هذا الخطأ أيضًا . فذكر الحديث في الترغيب والترهيب 2 : 19 ، عن رواية الترمذي ، وذكر الآية كرواية المسند والترمذي - مخالفة للتلاوة .
فإذا كان ذلك كذلك ، فأنا أرجح أن أبا جعفر الطبري رحمه الله سمعه من أبي كريب عن وكيع ، كرواية الترمذي عن أبي كريب ، وكرواية أحمد عن وكيع ، فلم يستجز أن يذكر الآية على الخطأ في التلاوة ، فذكرها على الصواب . وقد أصاب في ذلك وأجاد وأحسن .
وقال الترمذي - بعد روايته : "هذا حديث حسن صحيح . وقد روي عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم - نحو هذا" .
ورواية عائشة ستأتي : 6255 .
وذكره ابن كثير في التفسير 2 : 62 ، من رواية ابن أبي حاتم في تفسيره ، عن عمرو بن عبد الله الأودي ، عن وكيع ، بهذا الإسناد ، لكنه لم يذكر الآية الأولى التي وقع فيها الخطأ .
وذكره السيوطي 1 : 365 ، وزاد نسبته للشافعي ، وابن أبي شيبة ، وعبد بن حميد ، وابن خزيمة ، وابن المنذر ، والدارقطني في الصفات .
ورواه أحمد أيضًا : 9234 ، عن خلف بن الوليد ، عن المبارك ، وهو ابن فضالة ، عن عبد الواحد ابن صبرة ، وعباد بن منصور ، عن القاسم ، عن أبي هريرة - فذكره بنحوه ، مختصرًا ، ولم يذكر فيه الآيتين .
وأشار ابن كثير 2 : 62 ، إلى رواية المسند هذه ، ولكن وقع فيه تخليط من الناسخين .
والحديث سيأتي نحو معناه ، مطولا ومختصرًا ، عن أبي هريرة : 6254 ، 6256 ، 6257 . وعن عائشة : 6255 .
وسنشير إلى بقية تخريجه في آخرها : 6257 .
(21) الحديث : 6254- سليمان بن عمر بن خالد الأقطع ، القرشي العامري الرقي : ترجمه ابن أبي حاتم 2/1/131 ، وذكر أن أباه كتب عنه . ولم يذكر فيه جرحًا .
ابن المبارك : هو عبد الله . وسفيان : هو الثوري .
والحديث مختصر ما قبله . والشك في رفعه - هنا - لا يضر ، فقد صح الحديث مرفوعًا بالإسناد السابق والأسانيد الأخر .
وسيأتي الحديث أيضًا ، بهذا الإسناد (ج 11 ص 15 بولاق) ، ولم يذكر لفظه ، بل ذكر أوله ، ثم قال : "ثم ذكر نحوه" . إحالة على الحديث السابق . فكأنه رواه هناك مطولا ، ولكن دون ذكر سياقه كاملا .
وأشار ابن كثير ، في تفسير سورة التوبة 4 : 235- إلى هذه الرواية والتي قبلها ، جعلهما حديثًا واحدًا ، عن الثوري ووكيع ، عن عباد بن منصور ، به . ولكنه لم يذكر تخريجه .
(22) الحديث : 6255- محمد بن عمر بن علي بن عطاء بن مقدم ، المقدمي البصري ، ثقة ، مترجم في التهذيب ، والكبير 1/1/179 ، وابن أبي حاتم 4/1/21 . ووقع في المطبوعة هنا غلط في اسم أبيه : "عمرو" بدل"عمر" . وسيأتي بتخليط أشد في المطبوعة : 6809 ، هكذا : "محمد ابن عمرو وابن علي عن عطاء المقدمي"!!
و"المقدمي" : بتشديد الدال المهملة المفتوحة ، نسبة إلى جده الأعلى"مقدم" .
ريحان بن سعيد الناجي البصري : من شيوخ أحمد وإسحاق . وقال يحيى بن معين : "ما أرى به بأسا" . وتكلم فيه بعضهم ، ولكن البخاري ترجمه في الكبير 2/1/301 ، فلم يذكر فيه جرحًا . وكان إمام مسجد عباد بن منصور ، كما في الكبير ، وابن أبي حاتم 1/2/517 . وتكلم فيه ابن حبان والعجلي باستنكار بعض ما روى عن عباد . ولعله كان أعرف به إذ كان إمام مسجده .
وأيا ما كان ، فإنه لم ينفرد عن عباد بهذه الرواية ، كما سيظهر من التخريج .
فرواه أحمد في المسند 6 : 251 (حلبي) ، عن عبد الصمد ، عن حماد ، عن ثابت ، عن القاسم ابن محمد ، عن عائشة : "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : إن الله ليربي لأحدكم التمرة واللقمة ، كما يربي أحدكم فلوه أو فصيله ، حتى يكون مثل أحد" .
وهذا إسناد صحيح . ولكن الحديث مختصر .
وكذلك رواه ابن حبان في صحيحه 5 : 234-235 (من مخطوطة الإحسان) . من طريق عبد الصمد ، عن حماد بن سلمة ، عن ثابت البناني ، عن القاسم .
ورواه البزار مطولا ، من طريق يحيى بن سعيد ، عن عمرة ، عن عائشة - ومن طريق الضحاك بن عثمان ، عن أبي هريرة ، بنحو رواية الطبري هنا ، إلا أنه لم يذكر الآية في آخره . نقله ابن كثير 2 : 62-63 .
ولكن رواه الضحاك بن عثمان عن أبي هريرة منقطعة ، لأنه إنما يروى عن التابعين .
وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد 3 : 111 مختصرًا كرواية المسند ، وقال : "رواه الطبراني في الأوسط ، ورجاله رجال الصحيح" . ثم ذكره مطولا 3 : 112 ، وقال : "رواه البزار ، ورجاله ثقات" . ولكنه ذكره من حديث عائشة وحدها .
وذكر السيوطي 1 : 365 لفظ الطبري هنا . ثم تساهل في نسبته ، فنسبه للبزار ، وابن جرير ، وابن حبان ، والطبراني .
(23) الحديث : 6256-"محمد بن عبد الملك" : الراجح عندي أنه"محمد بن عبد الملك بن زنجويه البغدادي" ، فإنه يروي عن عبد الرزاق ، وهو من طبقة شيوخ الطبري ، وإن لم أجد نصا يدل على روايته عنه . ولكنه بغدادي مثله . فمن المحتمل جدا أن يروى عنه ، بل هو هو الأغلب الأكثر في مثل هذه الحال . وهو ثقة ، وثقه النسائي وغيره . مترجم في التهذيب ، وابن أبي حاتم 4/1/5 . وتاريخ بغداد 2 : 345-346 .
ومن شيوخ الطبري الذين روى عنهم في التاريخ : "محمد بن عبد الملك بن أبي الشوارب" ، وهو ثقة أيضًا ، ولكن لم يذكر عنه أنه روى عن عبد الرزاق ، والغالب أن ينص على مثل هذا . وهو مترجم في التهذيب ، وابن أبي حاتم 4/1/5 ، وتاريخ بغداد 2 : 344-345 .
وقد انفرد ابن كثير بشيء لا أدري ما هو؟ فحين ذكر هذا الحديث 2 : 62 ، ذكر أنه"رواه ابن جرير ، عن محمد بن عبد الملك بن إسحاق"!! ولم أجد في الرواة من يسمى بهذا . فلا أدري أهو سهو منه ، أم تخليط من الناسخين؟
والحديث رواه أحمد في المسند : 7622 ، عن عبد الرزاق ، بهذا الإسناد .
ورواه إمام الأئمة ابن خزيمة ، في كتاب التوحيد ، ص : 44 ، عن محمد بن رافع ، وعبد الرحمن ابن بشر بن الحكم - كلاهما عن عبد الرزاق ، به .
وذكر المنذري في الترغيب والترهيب 2 : 19 ، أنه رواه ابن خزيمة في صحيحه أيضًا .
ونقله ابن كثير عن هذا الموضع من الطبري - كما أشرنا ، ثم قال : "وهكذا رواه أحمد عن عبد الرزاق . وهذا طريق غريب صحيح الإسناد ، ولكن لفظه عجيب . والمحفوظ ما تقدم"! يعني رواية عباد بن منصور .
ولسنا نرى في هذا اللفظ عجبا ، ولا في الإسناد غرابةّ! وهو صحيح على شرط الشيخين .
ثم إن عبد الرزاق لم ينفرد به عن معمر ، فقد تابعه عليه محمد بن ثور . فرواه الطبري - فيما سيأتي (ج 11 ص 15-16 بولاق) ، عن محمد بن عبد الأعلى ، عن محمد بن ثور ، عن معمر ، به . نحوه . وهذا إسناد صحيح أيضًا . فإن محمد بن ثور الصنعاني العابد : ثقة ، وثقه ابن معين ، وأبو حاتم ، بل فضله أبو زرعة على عبد الرزاق .
(24) الحديث : 6257- وهذا إسناد فيه راو مبهم ، هو الذي روى عنه يونس ، ومن المحتمل جدا أن يكون هو أيوب . ولكن لا يزال الإسناد ضعيفا حتى نجد الدلالة على هذا المبهم .
وأما الحديث في ذاته فصحيح بالأسانيد السابقة وغيرها .
وأصل المعنى ثابت من حديث أبي هريرة ، من أوجه كثيرة :
فرواه البخاري 3 : 220-223 ، و 13 : 352 ومسلم ، 1 : 277-278 ، والترمذي 2 : 22-23 ، والنسائي 1 : 349 ، وابن ماجه : 1842 ، وابن حبان في صحيحه 5 : 234-237 (من مخطوطة الإحسان) ، وابن خزيمة في كتاب التوحيد . ص : 41-44 .
ورواه أحمد في المسند -غير ما أشرنا إليه سابقا- : 8363 (2 : 331 حلبي) ، 8948 ، 8949 (ص : 381-382) ، 9234 (ص404) ، 9413 (ص : 418) ، 9423 (ص : 419) ، 9561 (ص : 431) ، 10958 (ص : 538) ، 10992 (ص : 541) .
ورواه البخاري في الكبير ، بالإشارة الموجزة كعادته 2/1/476 .
وقد جاء في ألفاظ هذا الحديث : "في يد الله" ، و"في كف الله" ، و"كف الرحمن" ، ونحو هذه الألفاظ . فقال الترمذي 2 : 23-24 .
"وقال غير واحد من أهل العلم ، في هذا الحديث ، وما يشبه هذا من الروايات من الصفات ، وتزول الرب تبارك وتعالى كل ليلة إلى السماء الدنيا - قال : قد ثبتت الروايات في هذا ، ونؤمن بها . ولا يتوهم ، ولا يقال : كيف؟ هكذا رُوي عن مالك ابن أنس ، وسفيان بن عيينة ، وعبد الله بن المبارك ، انهم قالوا في هذه الأحاديث : أَمِرُّوها بلا كيفَ . وهكذا قول أهل العلم من أهل السنة والجماعة ، وأما الجهمية ، فأنكرت هذه الروايات ، وقالوا : هذا تشبيه! وقد ذكر الله تبارك وتعالى في غير موضع من كتابه - : اليد ، والسمع والبصر . فتأولت الجهمية هذه الآيات ، وفَّسروها على غير ما فَّسر أهلُ العلمّ! وقالوا : إن الله لم يَخْلق آدم بيده! وقالوا : إنما معنى اليد القوة!! وقال إسحاق بن إبراهيم : إنما يكون التشبيه إذا قال يد كَيدٍ ، أو مِثْل يَدٍ ، أو سمع كسَمْعٍ ، أو مثلَ سمعٍ . فإذا قال سمع كسمعٍ أو مثل سمع- فهذا تشبيه . وأما إذا قال كما قال الله : يد ، وسمع ، وبصر . ولا يقول : كيف ، ولا يقول : مثل سمع ولا كسمعٍ - فهذا لا يكون تشبيهاً . وهو كما قال الله تبارك وتعال : (ليس كَمِثْلهِ شيءٌ وهو السَّميعُ البَصير)" .
Text: through the Quran Foundation. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences