At-Tabari · Tafsir · in Arabic
Al-Baqarah 2:283–285
2:283Page 49
۞ وَإِن كُنتُمۡ عَلَىٰ سَفَرٖ وَلَمۡ تَجِدُواْ كَاتِبٗا فَرِهَٰنٞ مَّقۡبُوضَةٞۖ فَإِنۡ أَمِنَ بَعۡضُكُم بَعۡضٗا فَلۡيُؤَدِّ ٱلَّذِي ٱؤۡتُمِنَ أَمَٰنَتَهُۥ وَلۡيَتَّقِ ٱللَّهَ رَبَّهُۥۗ وَلَا تَكۡتُمُواْ ٱلشَّهَٰدَةَۚ وَمَن يَكۡتُمۡهَا فَإِنَّهُۥٓ ءَاثِمٞ قَلۡبُهُۥۗ وَٱللَّهُ بِمَا تَعۡمَلُونَ عَلِيمٞ ٢٨٣
And if you are on a journey and cannot find a scribe, then a security deposit [should be] taken. And if one of you entrusts another, then let him who is entrusted discharge his trust [faithfully] and let him fear Allāh, his Lord. And do not conceal testimony, for whoever conceals it - his heart is indeed sinful, and Allāh is Knowing of what you do.
القول في تأويل قوله تعالى : وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ
قال أبو جعفر: اختلفت القرأة في قراءة ذلك.
فقرأته القرأة في الأمصار جميعًا(كَاتِبًا)، بمعنى: ولم تجدوا من يكتب لكم كتابَ الدَّين الذي تداينتموه إلى أجل مسمًّى،" فرهان مقبوضة ".
* * *
وقرأ جماعةٌ من المتقدمين: ( وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا )، بمعنى: ولم يكن لكم إلى اكتتاب كتاب الدين سبيلٌ، إما بتعذّر الدواة والصحيفة، وإما بتعذر الكاتب وإن وجدتم الدواة والصحيفة.
* * *
والقراءة التي لا يجوز غيرها عندنا هي قراءة الأمصار: " ولم تجدوا كاتبًا "، بمعنى: من يكتب، لأن ذلك كذلك في مصاحف المسلمين.
* * *
[قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه]: (1) وإن كنتم، أيها المتداينون، في سفر بحيث لا تجدون كاتبًا يكتب لكم، ولم يكن لكم إلى اكتتاب كتاب الدين الذي تداينتموه إلى أجل مسمى بينكم الذي أمرتكم باكتتابه والإشهاد عليه سبيلٌ، فارتهنوا بديونكم التي تداينتموها إلى الأجل المسمى رهونًا تقبضونها ممن تداينونه كذلك، ليكون ثقةً لكم بأموالكم.
ذكر من قال ما قلنا في ذلك:
6435 - حدثني المثنى، قال: حدثنا إسحاق، قال: حدثنا أبو زهير، عن جويبر، عن الضحاك قوله: " وإن كنتم على سفر ولم تجدوا كاتبًا فرهان مقبوضة "، فمن كان على سفر فبايع بيعًا إلى أجل فلم يجد كاتبًا، فرخص له &; 6-95 &; في الرهان المقبوضة، وليس له إن وَجد كاتبًا أن يرتهن.
6436 - حدثت عن عمار قال: حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع قوله: " وإن كنتم على سفر ولم تجدوا كاتبًا "، يقول: كاتبًا يكتب لكم =" فرهان مقبوضة ".
6437 - حدثني يحيى بن أبي طالب قال، أخبرنا يزيد قال، أخبرنا جويبر، عن الضحاك قال: ما كان من بيع إلى أجل، فأمر الله عز وجل أنْ يكتب ويُشْهد عليه، وذلك في المُقام. فإن كان قوم على سفر تبايعوا إلى أجل فلم يجدوا [كاتبًا]، فرهان مقبوضة. (2)
* * *
ذكر قول من تأول ذلك على القراءة التي حكيناها:
6438 - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا هشيم قال، أخبرنا يزيد بن أبي زياد، عن مقسم، عن ابن عباس: " فإن لم تجدوا كتابًا "، يعني بالكتاب، الكاتبَ والصحيفة والدواة والقلم.
6439 - حدثني يعقوب قال، حدثنا ابن علية قال، أخبرنا ابن جريج قال، أخبرني أبي، عن ابن عباس أنه قرأ: " فإن لم تجدوا كتابًا "، قال: ربما وجد الرجل الصحيفة ولم يجد كاتبًا.
6440 - حدثني يعقوب قال، حدثنا ابن علية قال، حدثنا ابن أبي نجيح، عن مجاهد، كان يقرأها: " فإن لم تجدوا كتابًا "، ويقول: ربما وجد الكاتبُ ولم تُوجد الصحيفة أو المداد، ونحو هذا من القول.
6441 - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: " وإن كنتم على سفر ولم تجدوا كتابًا "، يقول: مدادًا، - يقرأها كذلك - يقول: فإن لم تجدوا مدادًا، فعند ذلك تكون الرهون المقبوضة =" فرهن مقبوضة "، قال: لا يكون الرهن إلا في السفر.
&; 6-96 &;
6442 - حدثني المثنى قال، حدثنا الحجاج قال، حدثنا حماد بن زيد، عن شعيب بن الحبحاب قال: إن أبا العالية كان يقرؤها،" فإن لم تجدوا كتابًا "، قال أبو العالية: تُوجد الدواةُ ولا توجد الصحيفة.
* * *
قال أبو جعفر: واختلف القرأة في قراءة قوله: " فرهان مقبوضة ".
فقرأ ذلك عامة قرأة الحجاز والعراق: ( فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ )، بمعنى جماع " رَهْن " كما " الكباش " جماع " كبش "، و " البغال " جماع " بَغل "، و " النعال " جماع " نعل ".
* * *
وقرأ ذلك جماعة آخرون: ( فَرُهُنٌ مَقْبُوضَةٌ ) على معنى جمع: " رِهان "،" ورُهن " جمع الجمع، وقد وجهه بعضهم إلى أنها جمع " رَهْن ":، مثل " سَقْف وسُقُف ".
* * *
وقرأه آخرون: ( فَرُهْنٌ ) مخففة الهاء على معنى جماع " رَهْن "، كما تجمع " السَّقْف سُقْفًا ". قالوا: ولا نعلم اسمًا على " فَعْل " يجمع على " فُعُل وفُعْل " إلا " الرُّهُنُ والرُّهْن ". و " السُّقُف والسُّقْف ".
قال أبو جعفر: والذي هو أولى بالصواب في ذلك قراءة من قرأه: " فرهان مقبوضة ". لأن ذلك الجمعُ المعروفُ لما كان من اسم على " فَعْل "، كما يقال: " حَبْلٌ وحبال " و " كَعْب وكعاب "، ونحو ذلك من الأسماء. فأما جمع " الفَعْل " على " الفُعُل أو الفُعْل " فشاذّ قليل، إنما جاء في أحرف يسيرة وقيل: " سَقْف وسُقُفٌ وسُقْف "" وقلْبٌ وقُلُب وقُلْب " من: " قلب النخل ". (3) " وجَدٌّ وجُدٌّ"، للجد الذي هو بمعنى الحظّ. (4) وأما ما جاء من جمع " فَعْل " على " فُعْل " &; 6-97 &; ف " ثَطٌّ، وثُطّ"، و " وَرْدٌ ووُرْد " و " خَوْدٌ وخُود ".
وإنما دعا الذي قرأ ذلك: " فرُهْنٌ مقبوضة " إلى قراءته فيما أظن كذلك، مع شذوذه في جمع " فَعْل "، أنه وجد " الرِّهان " مستعملة في رِهَان الخيل، فأحبّ صرف ذلك عن اللفظ الملتبس برهان الخيل، الذي هو بغير معنى " الرهان " الذي هو جمع " رَهْن "، ووجد " الرُّهُن " مقولا في جمع " رَهْن "، كما قال قَعْنَب:
بَـانَتْ سُـعادُ وأَمْسَـى دُونَهَـا عَـدَنُ
وَغَلِقَـتْ عِنْدَهَـا مِـنْ قَلْبِـكَ الـرُّهُنُ (5)
* * *
القول في تأويل قوله تعالى : فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ
قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: فإن كان المدين أمينًا عند رب المال والدَّين فلم يرتهن منه في سفره رَهْنًا بدينه لأمانته عنده على ماله وثقته، =" فليتق الله "، المدينُ =" رَبّه "، يقول: فليخف الله ربه في الذي عليه من دين صاحبه أن يجحده، أو يَلُطّ دونه، (6) أو يحاول الذهاب به، فيتعرّض من عقوبة الله لما لا قبل له، (7) به وليؤدّ دينه الذي ائتمنه عليه، إليه.
* * *
وقد ذكرنا قول من قال: " هذا الحكم من الله عز وجل ناسخٌ الأحكامَ التي &; 6-98 &; في الآية قبلها: من أمر الله عز وجلّ بالشهود والكتاب ". وقد دللنا على أولى ذلك بالصواب من القول فيه، فأغنى ذلك عن إعادته في هذا الموضع. (8) وقد:-
6443 - حدثني يحيى بن أبي طالب قال، أخبرنا يزيد قال، أخبرنا جويبر، عن الضحاك في قوله: " فإن أمِن بعضكم بعضًا فليؤد الذي اؤتمن أمانته "، إنما يعني بذلك: في السفر، فأما الحضر فلا وهو واجد كاتبًا، فليسَ له أن يرتهن ولا يأمن بعضُهم بعضًا.
* * *
قال أبو جعفر: وهذا الذي قاله الضحاك = من أنه ليس لرب الدين ائتمانُ المدين وهو واجد إلى الكاتب والكتاب والإشهاد عليه سبيلا وإن كانا في سفر=، فكما قال، لما قد دللنا على صحّته فيما مضى قبل.
وأما ما قاله= من أنّ الأمر في الرّهن أيضًا كذلك، مثل الائتمان: في أنه ليس لربّ الحق الارتهان بماله إذا وجد إلى الكاتب والشهيد سبيلا في حضر أو سفر= فإنه قولٌ لا معنى له، لصحة الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم:-
6444- أنه اشترى طعامًا نَسَاءً، ورهن به درعًا لهُ. (9)
* * *
فجائز للرجل أن يرهن بما عليه، ويرتهن بمالَهُ من حقّ، في السفر والحضر- لصحة الخبر بما ذكرنا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنّ معلومًا أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم لم يكن - حين رَهن من ذكرنا - غير واجد كاتبًا ولا شهيدًا، لأنه لم يكن متعذرًا عليه بمدينته في وقت من الأوقات الكاتبُ والشاهدُ، غير أنهما إذا تبايعا برَهْن، فالواجب عليهما= إذا وجدا سبيلا إلى كاتب وشهيد، أو كان البيع &; 6-99 &; أو الدَّين إلى أجل مسمى (10) = أن يكتبا ذلك ويشهدَا على المال والرّهن. وإنما يجوز ترك الكتاب والإشهاد في ذلك، حيث لا يكون لهما إلى ذلك سبيلٌ.
* * *
القول في تأويل قوله تعالى : وَلا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (283)
قال أبو جعفر: وهذا خطابٌ من الله عز وجل للشهود الذين أمر المستدينَ وربَّ المال بإشهادهم، فقال لهم: وَلا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا - ولا تكتموا، أيها الشهود، بعد ما شهدتم شهادَتكم عند الحكام، كما شهدتم على ما شهدتم عليه، ولكن أجيبوا من شهدتم له إذا دعاكم لإقامة شهادتكم على خصمه على حقه عند الحاكم الذي يأخذُ له بحقه.
ثم أخبر الشاهدَ جل ثناؤه ما عليه في كتمان شهادته، وإبائه من أدائها والقيام بها عند حاجة المستشهد إلى قيامه بها عند حاكم أو ذي سلطان، فقال: " ومن يَكتمها ". يعني: ومن يكتم شهادته =" فإنه آثم قَلبه "، يقول: فاجرٌ قلبه، مكتسبٌ بكتمانه إياها معصية الله، (11) كما:-
6445 - حدثني المثنى قال، أخبرنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع في قوله: " ولا تكتموا الشهادة ومن يكتمها فإنه آثمُ قلبه "، فلا يحل لأحد أن يكتم شهادةً هي عنده، وإن كانت على نفسه والوالدين، ومن يكتمها فقد ركب إثمًا عظيمًا.
6446 - حدثني موسى قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط، عن السدي &; 6-100 &; قوله: " ومن يكتمها فإنه آثم قلبه "، يقول: فاجر قلبه.
6447 - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو صالح قال، حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس قال: أكبر الكبائر الإشراك بالله، لأن الله يقول: إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ (12) [سورة المائدة: 72]، وشهادة الزور، وكتمان الشهادة، لأن الله عز وجل يقول: " ومَنْ يكتمها فإنه آثمٌ قلبه ".
* * *
وقد روي عن ابن عباس أنه كان يقول: " على الشاهد أن يشهد حيثما استُشهد، ويخبر بها حيثُ استُخبر ".
6448 - حدثني المثنى قال، حدثنا سويد قال، أخبرنا ابن المبارك، عن محمد بن مسلم قال، أخبرنا عمرو بن دينار، عن ابن عباس قال: إذا كانت عندك شهادة فسألك عنها فأخبره بها، ولا تقل: " أخْبِر بها عند الأمير "، أخبره بها، لعله يراجع أو يَرْعَوي.
* * *
وأما قوله: " والله بما تعملون عليمٌ"، فإنه يعني: " بما تعملون " في شهادتكم من إقامتها والقيام بها، أو كتمانكم إياها عند حاجة من استشهدكم إليها، وبغير ذلك من سرائر أعمالكم وعلانيتها =" عليمٌ"، يحصيه عليكم، ليجزيكم بذلك كله جزاءكم، إما خيرًا وإما شرًّا على قدر استحقاقكم.
-------------------
الهوامش :
(1) هذه الزيادة بين القوسين لا بد منها ، حتى يستقيم الكلام .
(2) الزيادة بين القوسين ، أخشى أن تكون سقطت من الناسخ .
(3) هذا كله غريب لم يرد في كتب اللغة .
(4) وهذا أيضًا غريب لم أجده في كتب اللغة ، وإنما قالوا في جمعه"أجداد وأجد وجدود" . وكان في المطبوعة"حد وحد" بالحاء ، و"الخط" ، وهو خطأ ، وفي المخطوطة غير منقوط .
(5) مختارات ابن الشجرى 1 : 6 ، ولباب الآداب 402-404 ، اللسان (رهن) ، وروايته هناك"من قبلك" ، وهي أجود فيما أرى . غلق الرهن غلقًا (بفتحتين) وغلوقًا : إذا لم تجد ما تخلص به الرهن وتفكه في الوقت المشروط ، فعندئذ يملك المرتهن الرهن الذي عنده . كان هذا على رسم الجاهلية ، فأبطله الإسلام . يقول : فارقتك بعد العهود والمواثيق والمحبات التي أعطيتها ، فذهبت بذلك كله ، كما يذهب بالرهان من كانت تحت يده .
(6) يقال : "لط الغريم بالحق دون الباطل" : دافع ومنع الحق . و"لط حقه ، ولط عليه" جحده ومنعه .
(7) في المطبوعة والمخطوطة : "ما لا قبل" بحذف اللام ، وما أثبت هو أقرب إلى الجودة .
(8) انظر ما سلف آنفًا : ص 53-55 .
(9) الأثر : 6444- ذكره الطبري بغير إسناد . وقد رواه البخاري في صحيحه (الفتح 5 : 100- 102) ومسلم في صحيحه 11 : 39 ، 40 من طرق ، عن عائشة أم المؤمنين . وسنن البيهقي 6 : 36 . يقال نسأت عنه دينه نساء : (بالمد وفتح النون) : أخرته . و"بعته بنسيئة" ، أي : بأخرة .
(10) في المطبوعة : "وكان البيع . . . " وأثبت ما في المخطوطة .
(11) انظر تفسير"الإثم" فيما سلف من فهارس اللغة .
(12) في المخطوطة والمطبوعة : "ومن يشرك بالله" ، وليست هذه قراءتها ، أخطأ الناسخ وسها .
2:284Page 49
لِّلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِۗ وَإِن تُبۡدُواْ مَا فِيٓ أَنفُسِكُمۡ أَوۡ تُخۡفُوهُ يُحَاسِبۡكُم بِهِ ٱللَّهُۖ فَيَغۡفِرُ لِمَن يَشَآءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَآءُۗ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٌ ٢٨٤
To Allāh belongs whatever is in the heavens and whatever is in the earth. Whether you show what is within yourselves or conceal it, Allāh will bring you to account for it. Then He will forgive whom He wills and punish whom He wills, and Allāh is over all things competent.
لله ما في السماوات وما في الأرض وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء
القول في تأويل قوله تعالى : { لله ما في السموات وما في الأرض وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء } يعني جل ثناؤه بقوله : { لله ما في السموات وما في الأرض } لله ملك كل ما في السموات وما في الأرض من صغير وكبير , وإليه تدبير جميعه , وبيده صرفه وتقليبه , لا يخفى عليه منه شيء , لأنه مدبره ومالكه ومصرفه . وإنما عنى بذلك جل ثناؤه : كتمان الشهود الشهادة , يقول : لا تكتموا الشهادة أيها الشهود , ومن يكتمها يفجر قلبه , ولن يخفى علي كتمانه , وذلك لأني بكل شيء عليم , وبيدي صرف كل شيء في السموات والأرض وملكه , أعلمه خفي ذلك وجليه , فاتقوا عقابي إياكم على كتمانكم الشهادة . وعيدا من الله بذلك من كتمها وتخويفا منه له به . ثم أخبرهم عما هو فاعل بهم في آخرتهم , وبمن كان من نظرائهم ممن انطوى كشحا على معصية فأضمرها , أو أظهر موبقة فأبداها من نفسه من المحاسبة عليها , فقال : { وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه } يقول : وإن تظهروا فيما عندكم من الشهادة على حق رب المال الجحود والإنكار , أو تخفوا ذلك فتضمروه في أنفسكم وغير ذلك من سيئ أعمالكم , { يحاسبكم به الله } يعني بذلك : يحتسب به عليكم من أعماله , فيجازي من شاء منكم من المسيئين بسوء عمله , وغافر لمن شاء منكم من المسيئين . ثم اختلف أهل التأويل فيما عنى بقوله : { وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله } فقال بعضهم بما قلنا من أنه عنى به الشهود في كتمانهم الشهادة , وأنه لاحق بهم كل من كان من نظرائهم ممن أضمر معصية أو أبداها . ذكر من قال ذلك : 5062 - حدثني أبو زائدة زكريا بن يحيى بن أبي زائدة , قال : ثنا أبو نفيل , عن يزيد ابن أبي زياد , عن مجاهد , عن ابن عباس في قوله : { وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله } يقول : يعني في الشهادة . * - حدثنا ابن بشار , قال : ثنا أبو أحمد , قال : ثنا سفيان , عن يزيد بن أبي زياد , عن مقسم , عن ابن عباس في قوله : { وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه } قال : في الشهادة . 5063 - حدثنا محمد بن المثنى , قال : ثنا عبد الأعلى , قال : سئل داود عن قوله : { وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله } فحدثنا عن عكرمة , قال : هي الشهادة إذا كتمتها . * - حدثنا ابن المثنى , قال : ثنا محمد بن جعفر , قال : ثنا شعبة , عن عمرو وأبي سعيد أنه سمع عكرمة يقول في هذه الآية : { وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه } قال : في الشهادة . 5064 - حدثنا ابن بشار , قال : ثنا أبو أحمد , قال : ثنا سفيان , عن السدي , عن الشعبي في قوله : { وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه } قال : في الشهادة . * - حدثنا يعقوب , قال : ثنا هشيم , قال : أخبرنا يزيد بن أبي زياد , عن مقسم , عن ابن عباس , أنه قال في هذه الآية : { وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله } قال : نزلت في كتمان الشهادة وإقامتها . * - حدثني يحيى بن أبي طالب قال : أخبرنا يزيد , قال : أخبرنا جويبر , عن عكرمة في قوله : { وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله } يعني كتمان الشهادة وإقامتها على وجهها . وقال آخرون : بل نزلت هذه الآية إعلاما من الله تبارك وتعالى عباده أنه مؤاخذهم بما كسبته أيديهم وحدثتهم به أنفسهم مما لم يعملوه . ثم اختلف متأولو ذلك كذلك , فقال بعضهم : ثم نسخ الله ذلك بقوله : { لا يكلف الله نفسا إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت } 2 286 ذكر من قال ذلك : 5065 - حدثنا أبو كريب , قال : ثنا إسحاق بن سليمان , عن مصعب بن ثابت , عن العلاء بن عبد الرحمن , عن أبيه , عن أبي هريرة , قال : لما نزلت : { لله ما في السموات وما في الأرض وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله } اشتد ذلك على القوم , فقالوا : يا رسول الله إنا لمؤاخذون بما نحدث به أنفسنا ؟ هلكنا ! فأنزل الله عز وجل : { لا يكلف الله نفسا إلا وسعها } 2 186 الآية , إلى قوله : { ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا } 2 286 قال أبي : قال أبو هريرة : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " قال الله : نعم " . { ربنا ولا تحمل علينا إصرا كما حملته على الذين من قبلنا } 2 286 إلى آخر الآية , قال أبي : قال أبو هريرة : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " قال الله عز وجل نعم " . 5066 - حدثنا أبو كريب , قال : ثنا وكيع , وحدثنا سفيان بن وكيع , قال : ثنا سفيان , عن آدم بن سليمان مولى خالد بن خالد , قال : سمعت سعيد بن جبير يحدث عن ابن عباس قال : لما نزلت هذه الآية : { إن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء } دخل قلوبهم منها شيء لم يدخلها من شيء , فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " سمعنا وأطعنا وسلمنا " . قال : فألقى الله عز وجل الإيمان في قلوبهم , قال : فأنزل الله عز وجل : { آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه } 2 285 قال أبو كريب : فقرأ : { ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا } 2 286 قال : فقال : " قد فعلت " . { ربنا ولا تحمل علينا إصرا كما حملته على الذين من قبلنا } 2 286 قال : " قد فعلت " . { ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به } 2 286 قال : " قد فعلت " . { واعف عنا واغفر لنا وارحمنا أنت مولانا فانصرنا على القوم الكافرين } 2 286 قال : " قد فعلت " . 5067 - حدثني أبو الرداد المصري عبد الله بن عبد السلام , قال : ثنا أبو زرعة وهب الله بن راشد , عن حيوة بن شريح , قال : سمعت يزيد بن أبي حبيب , يقول : قال ابن شهاب : حدثني سعيد بن مرجانة , قال : جئت عبد الله بن عمر , فتلا هذه الآية : { وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء } ثم قال ابن عمر : لئن آخذنا بهذه الآية لنهلكن . ثم بكى ابن عمر حتى سالت دموعه . قال : ثم جئت عبد الله بن العباس , فقلت : يا أبا عباس , إني جئت ابن عمر فتلا هذه الآية : { وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه } . .. الآية , ثم قال : لئن واخذنا بهذه الآية لنهلكن ! ثم بكى حتى سالت دموعه . فقال ابن عباس : يغفر الله لعبد الله بن عمر لقد فرق أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم منها كما فرق ابن عمر منها , فأنزل الله : { لا يكلف الله نفسا إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت } 2 286 فنسخ الله الوسوسة , وأثبت القول والفعل . * - حدثني يونس , قال : أخبرنا ابن وهب , قال : أخبرني يونس بن يزيد , عن ابن شهاب , عن سعيد بن مرجانة يحدث : أنه بينا هو جالس سمع عبد الله بن عمر تلا هذه الآية : { لله ما في السموات وما في الأرض وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه } . .. الآية , فقال : والله لئن آخذنا الله بهذا لنهلكن ! ثم بكى ابن عمر حتى سمع نشيجه . فقال ابن مرجانة : فقمت حتى أتيت ابن عباس , فذكرت له ما تلا ابن عمر , وما فعل حين تلاها , فقال عبد الله بن عباس : يغفر الله لأبي عبد الرحمن , لعمري لقد وجد المسلمون منها حين أنزلت مثل ما وجد عبد الله بن عمر , فأنزل الله بعدها : { لا يكلف الله نفسا إلا وسعها } 2 286 إلى آخر السورة . قال ابن عباس : فكانت هذه الوسوسة مما لا طاقة للمسلمين بها , وصار الأمر إلى أن قضى الله عز وجل : أن للنفس ما كسبت وعليها ما اكتسبت في القول والفعل . 5068 - حدثنا الحسن بن يحيى , قال : أخبرنا عبد الرزاق , قال : أخبرنا معمر , قال : سمعت الزهري يقول في قوله : { وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه } قال : قرأها ابن عمر , فبكى وقال : إنا لمؤاخذون بما نحدث به أنفسنا ! فبكى حتى سمع نشيجه , فقام رجل من عنده , فأتى ابن عباس , فذكر ذلك له , فقال : رحم الله ابن عمر لقد وجد المسلمون نحوا مما وجد , حتى نزلت : { لا يكلف الله نفسا إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت } 2 286 5069 - حدثني المثنى , قال : ثنا إسحاق , قال : ثنا عبد الرزاق , عن جعفر بن سليمان , عن حميد الأعرج , عن مجاهد قال : كنت عند ابن عمر فقال : { وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه } . .. الآية . فبكى ! فدخلت على ابن عباس , فذكرت له ذلك , فضحك ابن عباس فقال : يرحم الله ابن عمر , أو ما يدري فيم أنزلت ؟ إن هذه الآية حين أنزلت غمت أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم غما شديدا , وقالوا : يا رسول الله هلكنا ! فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم : " قولوا سمعنا وأطعنا " , فنسختها : { آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله } 2 285 إلى قوله : { وعليها ما اكتسبت } 2 286 فتجوز لهم من حديث النفس , وأخذوا بالأعمال . 5070 - حدثني المثنى , قال : ثنا إسحاق , قال : ثنا يزيد بن هارون , عن سفيان بن حسين , عن الزهري , عن سالم أن أباه قرأ : { وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله } فدمعت عينه . فبلغ صنيعه ابن عباس , فقال : يرحم الله أبا عبد الرحمن ! لقد صنع كما صنع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أنزلت , فنسختها الآية التي بعدها : { لا يكلف الله نفسا إلا وسعها } 2 286 5071 - حدثنا محمد بن بشار , قال أبو أحمد , قال : ثنا سفيان , عن عطاء بن السائب , عن سعيد بن جبير , قال : نسخت هذه الآية : { إن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه } { لا يكلف الله نفسا إلا وسعها } 2 286 5072 - حدثنا ابن بشار , قال : ثنا أبو أحمد , قال : ثنا سفيان , عن آدم بن سليمان , عن سعيد بن جبير , قال : لما نزلت هذه الآية : { إن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه } قالوا : أنؤاخذ بما حدثنا به أنفسنا ولم تعمل به جوارحنا ؟ قال : فنزلت هذه الآية : { لا يكلف الله نفسا إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا } 2 286 قال : ويقول : قد فعلت . قال : فأعطيت هذه الأمة خواتيم سورة البقرة , لم تعطها الأمم قبلها . 5073 - حدثنا أبو كريب , قال : ثنا جرير بن نوح , قال : ثنا إسماعيل , عن عامر : { إن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء } قال : فنسختها الآية بعدها قوله : { لا يكلف الله نفسا إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت } 2 286 5074 - حدثنا ابن حميد , قال : ثنا جرير , عن مغيرة , عن الشعبي : { إن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله } قال : نسختها الآية التي بعدها : { لا يكلف الله نفسا إلا وسعها } 2 286 وقوله : { وإن تبدوا } قال : يحاسب بما أبدى من سر أو أخفى من سر , فنسختها التي بعدها . * - حدثني يعقوب , قال : ثنا هشيم , قال : أخبرنا سيار , عن الشعبي , قال : لما نزلت هذه الآية : { إن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء } قال : فكان فيها شدة حتى نزلت هذه الآية التي بعدها : { لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت } 2 286 قال : فنسخت ما كان قبلها . * - حدثني يعقوب , قال : ثنا ابن علية , عن ابن عون , قال : ذكروا عند الشعبي : { إن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه } حتى بلغ : { لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت } قال : فقال الشعبي : إلى هذا صار , رجعت إلى آخر الآية . 5075 - حدثني يحيى بن أبي طالب , قال : أخبرنا يزيد , قال : أخبرنا جويبر , عن الضحاك في قوله : { وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه } قال : قال ابن مسعود : كانت المحاسبة قبل أن تنزل : { لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت } 2 286 فلما نزلت نسخت الآية التي كانت قبلها . * - حدثت عن الحسين , قال : سمعت أبا معاذ يقول : ثنا عبيد , قال : سمعت الضحاك , يذكر عن ابن مسعود , نحوه . * - حدثنا ابن حميد , قال : ثنا جرير , عن بيان , عن الشعبي , قال : نسخت { إن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه } { لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت } 2 286 5076 - حدثنا ابن وكيع , قال : ثنا أبي , عن موسى بن عبيدة , عن محمد بن كعب وسفيان , عن جابر , عن مجاهد , وعن إبراهيم بن مهاجر , عن مجاهد , قالوا : نسخت هذه الآية : { لا يكلف الله نفسا إلا وسعها } 2 286 { إذ تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه } . .. الآية . 5077 - حدثنا ابن وكيع , قال : ثنا أبي , عن إسرائيل , عن جابر , عن عكرمة وعامر , بمثله . 5078 - حدثنا المثنى , قال : ثنا الحجاج , قال : ثنا حماد بن حميد , عن الحسن في قوله : { إن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه } إلى آخر الآية , قال : محتها : { لا يكلف الله نفسا إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت } 2 286 5079 - حدثنا بشر , قال : ثنا يزيد , قال : ثنا سعيد , عن قتادة , أنه قال : نسخت هذه الآية , يعني قوله : { لا يكلف الله نفسا إلا وسعها } . .. 2 286 الآية التي كانت قبلها : { إن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله } * - حدثنا الحسن بن يحيى , قال : أخبرنا عبد الرزاق , قال : أخبرنا معمر , عن قتادة في قوله : { إن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله } قال : نسختها قوله : { لا يكلف الله نفسا إلا وسعها } 2 286 5080 - حدثني يونس , قال : أخبرنا ابن وهب , قال : ثني ابن زيد , قال : لما نزلت هذه الآية : { إن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله } . .. إلى آخر الآية , اشتدت على المسلمين , وشقت مشقة شديدة , فقالوا : يا رسول الله لو وقع في أنفسنا شيء لم نعمل به واخذنا الله به ؟ قال : " فلعلكم تقولون كما قال بنو إسرائيل سمعنا وعصينا " , قالوا : بل سمعنا وأطعنا يا رسول الله . قال : فنزل القرآن يفرجها عنهم : { آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله } 2 285 إلى قوله : { لا يكلف الله نفسا إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت } 2 286 قال : فصيره إلى الأعمال , وترك ما يقع في القلوب . * - حدثني المثنى , قال : ثنا الحجاج , قال : ثنا هشيم , عن سيار , عن أبي الحكم , عن الشعبي , عن أبي عبيدة , عن عبد الله بن مسعود في قوله : { إن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله } قال : نسخت هذه الآية التي بعدها : { لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت } 2 286 5081 - حدثني موسى , قال : ثنا عمرو , قال : ثنا أسباط , عن السدي قوله : { إن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله } قال : يوم نزلت هذه الآية كانوا يؤاخذون بما وسوست به أنفسهم وما عملوا , فشكوا ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم , فقالوا : إن عمل أحدنا وإن لم يعمل أخذنا به ؟ والله ما نملك الوسوسة ! فنسخها الله بهذه الآية التي بعدها بقوله : { لا يكلف الله نفسا إلا وسعها } 2 286 فكان حديث النفس مما لم تطيقوا . 5082 - حدثت عن عمار , قال : ثنا ابن أبي جعفر , عن أبيه , عن قتادة أن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها قالت : نسختها قوله : { لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت } 2 286 وقال آخرون ممن قال معنى ذلك : " الإعلام من الله عز وجل عباده أنه مؤاخذهم بما كسبته أيديهم وعملته جوارحهم , وبما حدثتهم به أنفسهم مما لم يعلموه " . هذه الآية محكمة غير منسوخة , والله عز وجل محاسب خلقه على ما عملوا من عمل وعلى ما لم يعملوه مما أصروه في أنفسهم ونووه وأرادوه , فيغفره للمؤمنين , ويؤاخذ به أهل الكفر والنفاق . ذكر من قال ذلك : 5083 - حدثني المثنى , قال : ثنا عبد الله بن صالح , قال : ثني معاوية , عن علي , عن ابن عباس قوله : { إن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله } فإنها لم تنسخ , ولكن الله عز وجل إذا جمع الخلائق يوم القيامة , يقول الله عز وجل : إني أخبركم بما أخفيتم في أنفسكم مما لم تطلع عليه ملائكتي , فأما المؤمنون فيخبرهم ويغفر لهم ما حدثوا به أنفسهم , وهو قوله : { يحاسبكم به الله } يقول : يخبركم . وأما أهل الشك والريب , فيخبرهم بما أخفوا من التكذيب , وهو قوله : { فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء } وهو قوله : { ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم } 2 225 من الشك والنفاق . 5084 - حدثني محمد بن سعد , قال : ثني أبي , قال : ثني عمي , قال : ثني أبي , عن أبيه , عن ابن عباس : { وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله } فذلك سر عملكم وعلانيته , يحاسبكم به الله , فليس من عبد مؤمن يسر في نفسه خيرا ليعمل به , فإن عمل به كتبت له به عشر حسنات , وإن هو لم يقدر له أن يعمل به كتبت له به حسنة من أجل أنه مؤمن , والله يرضى سر المؤمنين وعلانيتهم , وإن كان سوءا حدث به نفسه اطلع الله عليه وأخبره به يوم تبلى السرائر , وإن هو لم يعمل به لم يؤاخذه الله به حتى يعمل به , فإن هو عمل به تجاوز الله عنه , كما قال : { أولئك الذين نتقبل عنهم أحسن ما عملوا ونتجاوز عن سيئاتهم } 46 16 5085 - حدثني يحيى بن أبي طالب , قال : أخبرنا يزيد , قال : أخبرنا جويبر , عن الضحاك في قوله : { إن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم الله } . .. الآية . قال : قال ابن عباس : إن الله يقول يوم القيامة : إن كتابي لم يكتبوا من أعمالكم إلا ما ظهر منها , فأما ما أسررتم في أنفسكم فأنا أحاسبكم به اليوم , فأغفر لمن شئت , وأعذب من شئت . 5086 - حدثني يحيى بن أبي طالب , قال : أخبرنا علي بن عاصم , قال : أخبرنا بيان , عن بشر , عن قيس بن أبي حازم , قال : إذا كان يوم القيامة , قال الله عز وجل يسمع الخلائق : إنما كان كتابي يكتبون عليكم ما ظهر منكم , فأما ما أسررتم فلم يكونوا يكتبونه , ولا يعلمونه , أنا الله أعلم بذلك كله منكم , فأغفر لمن شئت , وأعذب من شئت . 5087 - حدثت عن الحسين , قال : سمعت أبا معاذ , قال : أخبرنا عبيد , قال : سمعت الضحاك يقول في قوله : { وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله } كان ابن عباس يقول : إذا دعي الناس للحساب , أخبرهم الله بما كانوا يسرون في أنفسهم مما لم يعملوه , فيقول : إنه كان لا يعزب عني شيء , وإني مخبركم بما كنتم تسرون من السوء , ولم تكن حفظتكم عليكم مطلعين عليه . فهذه المحاسبة . * - حدثنا القاسم , قال : ثنا الحسين , قال : ثنا أبو تميلة , عن عبيد بن سليمان , عن الضحاك , عن ابن عباس , نحوه . 5088 - حدثني المثنى , قال : ثنا إسحاق , قال : ثنا ابن أبي جعفر , عن أبيه , عن الربيع في قوله : { وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله } قال : هي محكمة لم ينسخها شيء , يقول : يحاسبكم به الله , يقول : يعرفه الله يوم القيامة أنك أخفيت في صدرك كذا وكذا لا يؤاخذه . 5089 - حدثني المثنى , قال : ثنا إسحاق , قال : ثنا ابن أبي جعفر , عن أبيه , عن عمرو بن عبيد , عن الحسن , قال : هي محكمة لم تنسخ . 5090 - حدثني يعقوب , قال : ثنا ابن علية , قال : ثنا ابن أبي نجيح , عن مجاهد في قوله : { وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله } قال : من الشك واليقين . * - حدثني محمد بن عمرو , قال : ثنا أبو عاصم , عن عيسى , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد في قول الله عز وجل : { وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله } يقول : في اليقين والشك . * - حدثني المثنى , قال : ثنا أبو حذيفة , قال : ثنا شبل , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد , مثله . فتأويل هذه الآية على قول ابن عباس الذي رواه علي بن أبي طلحة : { وإن تبدوا ما في أنفسكم } من شيء من الأعمال , فتظهروه بأبدانكم وجوارحكم , أو تخفوه فتسروه في أنفسكم , فلم يطلع عليه أحد من خلقي , أحاسبكم به , فأغفر كل ذلك لأهل الإيمان , وأعذب أهل الشرك والنفاق في ديني . وأما على الرواية التي رواها عنه الضحاك من رواية عبيد بن سليمان عنه , وعلى ما قاله الربيع بن أنس , فإن تأويلها : إن تظهروا ما في أنفسكم فتعملوه من المعاصي , أو تضمروا إرادته في أنفسكم , فتخفوه , يعلمكم به الله يوم القيامة , فيغفر لمن يشاء , ويعذب من يشاء . وأما قول مجاهد فشبيه معناه بمعنى قول ابن عباس الذي رواه علي بن أبي طلحة . وقال آخرون ممن قال : " هذه الآية محكمة وهي غير منسوخة " ووافقوا الذين قالوا : " معنى ذلك أن الله عز وجل أعلم عباده ما هو فاعل بهم فيما أبدوا وأخفوا من أعمالهم " معناها : أن الله محاسب جميع خلقه بجميع ما أبدوا من سيئ أعمالهم , وجميع ما أسروه , ومعاقبهم عليه , غير أن عقوبته إياهم على ما أخفوه مما لم يعملوه ما يحدث لهم في الدنيا من المصائب , والأمور التي يحزنون عليها ويألمون منها . ذكر من قال ذلك : 5091 - حدثني يحيى بن أبي طالب , قال : ثنا يزيد , قال : أخبرنا جويبر , عن الضحاك في قوله : { وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله } . .. الآية , قال : كانت عائشة رضي الله عنها تقول : من هم بسيئة فلم يعملها أرسل الله عليه من الهم والحزن مثل الذي هم به من السيئة فلم يعملها , فكانت كفارته . * - حدثت عن الحسين , قال : سمعت أبا معاذ , قال : أخبرنا عبيد , قال : سمعت الضحاك يقول في قوله : { وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله } قال : كانت عائشة تقول : كل عبد يهم بمعصية , أو يحدث بها نفسه , حاسبه الله بها في الدنيا , يخاف ويحزن ويهتم . * - حدثنا القاسم , قال : ثنا الحسين , قال : ثني أبو تميلة , عن عبيد , عن الضحاك , قال : قالت عائشة في ذلك : كل عبد هم بسوء ومعصية , وحدث نفسه به , حاسبه الله في الدنيا , يخاف ويحزن ويشتد همه , لا يناله من ذلك شيء , كما هم بالسوء ولم يعمل منه شيئا . 5092 - حدثنا الربيع , قال : ثنا أسد بن موسى , قال : ثنا حماد بن سلمة , عن علي بن زيد , عن أمه أنها سألت عائشة عن هذه الآية : { إن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله } { ومن يعمل سوءا يجز به } 4 123 فقالت : ما سألني عنها أحد مذ سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم , فقال : " يا عائشة , هذه متابعة الله العبد بما يصيبه من الحمى والنكبة والشوكة , حتى البضاعة يضعها في كمه فيفقدها فيفزع لها , فيجدها في ضبنه حتى إن المؤمن ليخرج من ذنوبه كما يخرج التبر الأحمر من الكير " . وأولى الأقوال التي ذكرناها بتأويل الآية قول من قال : إنها محكمة وليست بمنسوخة , وذلك أن النسخ لا يكون في حكم إلا ينفيه بآخر له ناف من كل وجوهه , وليس في قوله جل وعز : { لا يكلف الله نفسا إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت } 2 286 نفى الحكم الذي أعلم عباده بقوله : { أو تخفوه يحاسبكم به الله } لأن المحاسبة ليست بموجبة عقوبة , ولا مؤاخذة بما حوسب عليه العبد من ذنوبه , وقد أخبر الله عز وجل عن المجرمين أنهم حين تعرض عليهم كتب أعمالهم يوم القيامة , يقولون : { يا ويلتنا ما لهذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها } 18 49 فأخبر أن كتبهم محصية عليهم صغائر أعمالهم وكبائرها , فلم تكن الكتب وإن أحصت صغائر الذنوب وكبائرها بموجب إحصائها على أهل الإيمان بالله ورسوله وأهل الطاعة له , أن يكونوا بكل ما أحصته الكتب من الذنوب معاقبين , لأن الله عز وجل وعدهم العفو عن الصغائر باجتنابهم الكبائر , فقال في تنزيله : { إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم وندخلكم مدخلا كريما } 4 31 فدل أن محاسبة الله عباده المؤمنين بما هو محاسبهم به من الأمور التي أخفتها أنفسهم غير موجبة لهم منه عقوبة , بل محاسبته إياهم إن شاء الله عليها ليعرفهم تفضله عليهم بعفوه لهم عنها كما بلغنا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الخبر الذي : 5093 - حدثني به أحمد بن المقدام , قال : ثنا المعتمر بن سليمان , قال : سمعت أبي , عن قتادة , عن صفوان بن محرز , عن ابن عمر , عن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال : " يدني الله عبده المؤمن يوم القيامة حتى يضع عليه كنفه فيقرره بسيئاته يقول : هل تعرف ؟ فيقول نعم , فيقول : سترتها في الدنيا وأغفرها اليوم . ثم يظهر له حسناته , فيقول : هاؤم اقرءوا كتابيه " أو كما قال : " وأما الكافر , فإنه ينادى به على رءوس الأشهاد " . 5094 - حدثنا ابن بشار , قال : ثنا ابن أبي عدي وسعيد وهشام , وحدثني يعقوب , قال : ثنا ابن علية , قال : أخبرنا هشام , قالا جميعا في حديثهما , عن قتادة , عن صفوان بن محرز , قال : بينما نحن نطوف بالبيت مع عبد الله بن عمر وهو يطوف , إذ عرض له رجل , فقال : يا ابن عمر أما سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في النجوى ؟ فقال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " يدنو المؤمن من ربه حتى يضع عليه كنفه فيقرره بذنوبه , فيقول : هل تعرف كذا ؟ فيقول : رب اغفر مرتين , حتى إذا بلغ به ما شاء الله أن يبلغ قال : فإني قد سترتها عليك في الدنيا , وأنا أغفرها لك اليوم " , قال : " فيعطى صحيفة حسناته أو كتابه بيمينه . وأما الكفار والمنافقون , فينادى بهم على رءوس الأشهاد : هؤلاء الذين كذبوا على ربهم , ألا لعنة الله على الظالمين " . إن الله يفعل بعبده المؤمن من تعريفه إياه سيئات أعماله حتى يعرفه تفضله عليه بعفوه له عنها , فكذلك فعله تعالى ذكره في محاسبته إياه بما أبداه من نفسه , وبما أخفاه من ذلك , ثم يغفر له كل ذلك بعد تعريفه تفضله وتكرمه عليه , فيستره عليه , وذلك هو المغفرة التي وعد الله عباده المؤمنين , فقال : يغفر لمن يشاء . فإن قال قائل : فإن قوله : { لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت } 2 286 ينبئ عن أن جميع الخلق غير مؤاخذين إلا بما كسبته أنفسهم من ذنب , ولا مثابين إلا بما كسبته من خير . قيل : إن ذلك كذلك , وغير مؤاخذ العبد بشيء من ذلك إلا بفعل ما نهي عن فعله , أو ترك ما أمر بفعله . فإن قال : فإذا كان ذلك كذلك , فما معنى وعيد الله عز وجل إيانا على ما أخفته أنفسنا بقوله : { ويعذب من يشاء } إن كان { لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت } 2 286 وما أضمرته قلوبنا وأخفته أنفسنا , من هم بذنب , أو إرادة لمعصية , لم تكتسبه جوارحنا ؟ قيل له : إن الله جل ثناؤه قد وعد المؤمنين أن يعفوا لهم عما هو أعظم مما هم به أحدهم من المعاصي فلم يفعله , وهو ما ذكرنا من وعده إياهم العفو عن صغائر ذنوبهم إذا هم اجتنبوا كبائرها , وإنما الوعيد من الله عز وجل بقوله : { ويعذب من يشاء } على ما أخفته نفوس الذين كانت أنفسهم تخفي الشك في الله , والمرية في وحدانيته , أو في نبوة نبيه صلى الله عليه وسلم , وما جاء به من عند الله , أو في المعاد والبعث من المنافقين , على نحو ما قال ابن عباس ومجاهد , ومن قال بمثل قولهما أن تأويل قوله : { أو تخفوه يحاسبكم به الله } على الشك واليقين . غير أنا نقول إن المتوعد بقوله : { ويعذب من يشاء } هو من كان إخفاء نفسه ما تخفيه الشك والمرية في الله , وفيما يكون الشك فيه بالله كفرا , والموعود الغفران بقوله : { فيغفر لمن يشاء } هو الذي أخفى , وما يخفيه الهمة بالتقدم على بعض ما نهاه الله عنه من الأمور التي كان جائزا ابتداء تحليله وإباحته , فحرمه على خلقه جل ثناؤه , أو على ترك بعض ما أمر الله بفعله مما كان جائزا ابتداء إباحة تركه , فأوجب فعله على خلقه . فإن الذي يهم بذلك من المؤمنين إذا هو لم يصحح همه بما يهم به , ويحقق ما أخفته نفسه من ذلك بالتقدم عليه لم يكن مأخوذا , كما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : " من هم بحسنة فلم يعملها كتبت له حسنة , ومن هم بسيئة فلم يعملها لم تكتب عليه " , فهذا الذي وصفنا , هو الذي يحاسب الله به مؤمني عباده ثم لا يعاقبهم عليه . فأما من كان ما أخفته نفسه شكا في الله وارتيابا في نبوة أنبيائه , فذلك هو الهالك المخلد في النار , الذي أوعده جل ثناؤه العذاب الأليم بقوله : { ويعذب من يشاء } فتأويل الآية إذا : { وإن تبدوا ما في أنفسكم } أيها الناس , فتظهروه { أو تخفوه } فتنطوي عليه نفوسكم , { يحاسبكم به الله } فيعرف مؤمنكم تفضله بعفوه عنه , ومغفرته له , فيغفره له , ويعذب منافقكم على الشك الذي انطوت عليه نفسه في وحدانية خالقه ونبوة أنبيائه .والله على كل شيء قدير
القول في تأويل قوله تعالى : { والله على كل شيء قدير } يعني بذلك جل ثناؤه : والله عز وجل على العفو عما أخفته نفس هذا المؤمن من الهمة بالخطيئة , وعلى عقاب هذا الكافر على ما أخفته نفسه من الشك في توحيد الله عز وجل , ونبوة أنبيائه , ومجازاة كل واحد منهما على كل ما كان منه , وعلى غير ذلك من الأمور قادر .
2:285Page 49
ءَامَنَ ٱلرَّسُولُ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيۡهِ مِن رَّبِّهِۦ وَٱلۡمُؤۡمِنُونَۚ كُلٌّ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَمَلَٰٓئِكَتِهِۦ وَكُتُبِهِۦ وَرُسُلِهِۦ لَا نُفَرِّقُ بَيۡنَ أَحَدٖ مِّن رُّسُلِهِۦۚ وَقَالُواْ سَمِعۡنَا وَأَطَعۡنَاۖ غُفۡرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيۡكَ ٱلۡمَصِيرُ ٢٨٥
The Messenger has believed in what was revealed to him from his Lord, and [so have] the believers. All of them have believed in Allāh and His angels and His books and His messengers, [saying], "We make no distinction between any of His messengers." And they say, "We hear and we obey. [We seek] Your forgiveness, our Lord, and to You is the [final] destination."
القول في تأويل قوله تعالى : آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْـزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ
قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: صدق الرسول = يعني رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأقر =" بما أنـزل إليه "، يعني: بما أوحي إليه من ربه من الكتاب، وما فيه من حلال وحرام، ووعد وعيد، وأمر ونهي، وغير ذلك من سائر ما فيه من المعاني التي حواها.
* * *
وذكر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما نـزلت هذه الآية عليه قال: يحق له.
6499 - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: "آمن الرسول بما أنـزل إليه من ربه "، ذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم لما نـزلت هذه الآية قال: ويحق له أن يؤمن. (52)
* * *
وقد قيل: إنها نـزلت بعد قوله: وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ، لأن المؤمنين برسول الله من أصحابه شق عليهم ما توعدهم الله به من محاسبتهم على ما أخفته نفوسهم، فشكوا ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: لعلكم تقولون: " سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا " كما قالت بنو إسرائيل! فقالوا: &; 6-125 &; بل نقول: " سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا "! فأنـزل الله لذلك من قول النبي صلى الله عليه وسلم وقول أصحابه: "آمن الرسول بما أنـزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله "، يقول: وصدق المؤمنون أيضا مع نبيهم بالله وملائكته وكتبه ورسله، الآيتين. وقد ذكرنا قائلي ذلك قبل. (53)
* * *
قال أبو جعفر: واختلفت القرأة في قراءة قوله: " وكتبه ".
فقرأ ذلك عامة قرأة المدينة وبعض قرأة أهل العراق (وكتبه) على وجه جمع " الكتاب "، على معنى: والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وجميع كتبه التي أنـزلها على أنبيائه ورسله.
* * *
وقرأ ذلك جماعة من قرأة أهل الكوفة: (وكتابه)، بمعنى: والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وبالقرآن الذي أنـزله على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم.
* * *
وقد روي عن ابن عباس أنه كان يقرأ ذلك: " وكتابه "، ويقول: الكتاب أكثر من الكتب. وكأن ابن عباس يوجه تأويل ذلك إلى نحو قوله: وَالْعَصْرِ * إِنَّ الإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ [سورة العصر: 1-2]، بمعنى جنس " الناس " وجنس " الكتاب "، كما يقال: " ما أكثر درهم فلان وديناره "، ويراد به جنس الدراهم والدنانير. (54) وذلك، وإن كان مذهبا من المذاهب معروفا، فإن الذي هو أعجب إلي من القراءة في ذلك أن يقرأ بلفظ الجمع. لأن الذي قبله جمع، والذي بعده كذلك - أعني بذلك: " وملائكته وكتبه ورسله " - فإلحاق " الكتب " في الجمع لفظا به، أعجب إلي من توحيده وإخراجه في اللفظ به بلفظ الواحد، ليكون لاحقا في اللفظ والمعنى بلفظ ما قبله وما بعده، وبمعناه.
* * *
&; 6-126 &;
القول في تأويل قوله تعالى : لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ
قال أبو جعفر: وأما قوله: " لا نفرق بين أحد من رسله "، فإنه أخبر جل ثناؤه بذلك عن المؤمنين أنهم يقولون ذلك. ففي الكلام في قراءة من قرأ: " لا نفرق بين أحد من رسله " بالنون، متروك، قد استغني بدلالة ما ذكر عنه. وذلك المتروك هو " يقولون ". وتأويل الكلام: والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله، يقولون: لا نفرق بين أحد من رسله. وترك ذكر " يقولون " لدلالة الكلام عليه، كما ترك ذكره في قوله: وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ * سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ [سورة الرعد: 23-24]، بمعنى: يقولون: سلام.
* * *
وقد قرأ ذلك جماعة من المتقدمين: ( لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ ) ب " الياء "، بمعنى: والمؤمنون كلهم آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله، لا يفرق الكل منهم بين أحد من رسله، فيؤمن ببعض ويكفر ببعض، ولكنهم يصدقون بجميعهم، ويقرون أن ما جاءوا به كان من عند الله، وأنهم دعوا إلى الله وإلى طاعته، ويخالفون في فعلهم ذلك اليهود الذين أقروا بموسى وكذبوا عيسى، والنصارى الذين أقروا بموسى وعيسى وكذبوا بمحمد صلى الله عليه وسلم، وجحدوا نبوته، ومن أشبههم من الأمم الذين كذبوا بعض رسل الله، وأقروا ببعضه، كما:-
6500 - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد: " لا نفرق بين أحد من رسله "، كما صنع القوم - يعني بني إسرائيل - قالوا: فلان نبي، وفلان ليس نبيا، وفلان نؤمن به، وفلان لا نؤمن به.
* * *
قال أبو جعفر: والقراءة التي لا نستجيز غيرها في ذلك عندنا بالنون: &; 6-127 &; " لا نفرق بين أحد من رسله "، لأنها القراءة التي قامت حجتها بالنقل المستفيض، (55) الذي يمتنع معه التشاعر والتواطؤ والسهو والغلط= (56) بمعنى ما وصفنا من: يقولون لا نفرق بين أحد من رسله= (57) ولا يعترض بشاذ من القراءة، على ما جاءت به الحجة نقلا ووراثة. (58)
* * *
القول في تأويل قوله تعالى : وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (285)
قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: وقال الكل من المؤمنين: " سمعنا " قول ربنا وأمره إيانا بما أمرنا به، ونهيه عما نهانا عنه =" وأطعنا "، يعني: أطعنا ربنا فيما ألزمنا من فرائضه، واستعبدنا به من طاعته، وسلمنا له = وقوله: " غفرانك ربنا "، يعني: وقالوا: " غفرانك ربنا "، بمعنى: اغفر لنا ربنا غفرانك، كما يقال: " سبحانك "، بمعنى: نسبحك سبحانك.
* * *
وقد بينا فيما مضى أن " الغفران " و " المغفرة "، الستر من الله على ذنوب من &; 6-128 &; غفر له، وصفحة له عن هتك ستره بها في الدنيا والآخرة، وعفوه عن العقوبة - عليه. (59)
* * *
وأما قوله: " وإليك المصير "، فإنه يعني جل ثناؤه أنهم قالوا: وإليك يا ربنا مرجعنا ومعادنا، فاغفر لنا ذنوبنا. (60)
* * *
قال أبو جعفر: فإن قال لنا قائل: فما الذي نصب قوله: " غفرانك "؟
قيل له: وقوعه وهو مصدر موقع الأمر. وكذلك تفعل العرب بالمصادر والأسماء إذا حلت محل الأمر، وأدت عن معنى الأمر نصبتها، فيقولون: " شكرا لله يا فلان "، و " حمدا له "، بمعنى: اشكر الله واحمده." والصلاة، الصلاة ". بمعنى: صلوا. ويقولون في الأسماء: " الله الله يا قوم "، ولو رفع بمعنى: هو الله، أو: هذا الله - ووجه إلى الخبر وفيه تأويل الأمر، كان جائزا، كما قال الشاعر: (61)
إن قومــا منهــم عمــير وأشـبا
ه عمـــير ومنهـــم الســـفاح (62)
لجـــديرون بالوفـــاء إذا قــا
ل أخـو النجـدة: السـلاح السلاح ! !
ولو كان قوله: " غفرانك ربنا " جاء رفعا في القراءة، لم يكن خطأ، بل كان صوابا على ما وصفنا. (63)
* * *
وقد ذكر أن هذه الآية لما نـزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم ثناء من &; 6-129 &; الله عليه وعلى أمته، قال له جبريل صلى الله عليه وسلم: إن الله عز وجل قد أحسن عليك وعلى أمتك الثناء، فسل ربك.
6501 - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير، عن بيان، عن حكيم بن جابر قال: لما أنـزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم: "آمن الرسول بما أنـزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله وقالوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير "، قال جبريل: إن الله عز وجل قد أحسن الثناء عليك، وعلى أمتك، فسل تعطه! فسأل: لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا إلى آخر السورة. (64)
--------------
الهوامش :
(52) الأثر : 6499- أخرج الحاكم في المستدرك 2 : 287 من طريق خلاد بن يحيى ، عن أبي عقيل ، عن يحيى بن أبي كثير ، عن أنس قال : "لما نزلت هذه الآية على النبي صلى الله عليه وسلم : "آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه" قال النبي صلى الله عليه وسلم : وأحق له أن يؤمن" . ثم قال الحاكم : "هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه" واستدرك عليه الذهبي فقال : "منقطع" .
(53) انظر ما سلف رقم : 6477 .
(54) انظر ما سلف 4 : 263 .
(55) في المطبوعة : "التي قامت حجة . . . " ، وفي المخطوطة : "التي قامت حجته" ، وصواب قراءتها ما أثبت .
(56) في المطبوعة : "التشاغر" بغين معجمة ، وهو خطأ غث . والصواب من المخطوطة . و"تشاعروا الأمر ، أو على الأمر" ، أي تعالموه بينهم . من قولهم : "شعر" أي"علم" . وهي كلمة قلما تجدها في كتب اللغة ، ولكنها دائرة في كتب الطبري ومن في طبقته من القدماء . وانظر الرسالة العثمانية للجاحظ : 3 ، وتعلق : 5 ، ثم ص : 263 ، وصواب شرحها ما قلت . وانظر ما سيأتي ص : 155 ، تعليق 1 .
(57) في المطبوعة : "يعني ما وصفنا" ، والصواب من المخطوطة .
(58) في المطبوعة : "نقلا ورواية" ، وفي المخطوطة"نقلا وراثة" ، وهي الصواب ، وآثرت زيادة الواو قبلها ، فإني أرجح أنها كانت كذلك . وقد أكثر الطبري استعمال"وراثة" و"موروثة" فيما سلف ، من ذلك فيما مضى في 4 : 33" . . . بالحجة القاطعة العذر ، نقلا عن نبينا صلى الله عليه وسلم وراثة . . . " / ثم في 5 : 238"لخلافها القراءة المستفيضة الموروثة . . . " . وانظر ما سيأتي ص : 155 ، تعليق : 1 .
(59) انظر ما سلف 2 : 109 ، 110 .
(60) انظر ما سلف في تفسير"المصير" 3 : 56 .
(61) لم أعرف قائله .
(62) معاني القرآن للفراء 1 : 188 ، وشواهد العيني (بهامش الخزانة) 4 : 306 . ولم أستطع تعييني"عمير" و"السفاح" ، فهما كثير .
(63) أكثر هذا من معاني القرآن للفراء 1 : 188 .
(64) الحديث : 6501- بيان : هو ابن بشر الأحمسي ، مضت ترجمته في : 259 . "حكيم بن جابر بن طارق بن عوف الأحمسي" : تابعي كبير ثقة ، أرسل عن النبي صلى الله عليه وسلم . روى عن أبيه ، وعمر ، وابن مسعود ، وطلحة ، وعبادة بن الصامت . وروى عنه إسماعيل ابن أبي خالد ، و"بيان" . ثقة . مات في آخر إمارة الحجاج . وقيل سنة 82 ، وقيل سنة 95 . مترجم في التهذيب ، والكبير 2/1/12 . وصرح بأنه سمع عمر .
فهذا الحديث مرسل .
وذكره السيوطي 1 : 376 ، ونسبه أيضًا لسعيد بن منصور ، وابن أبي حاتم .
ونقله ابن كثير 2 : 89 ، عن هذا الموضع من الطبري . ولكن وقع فيه تحريف في الإسناد ، من ناسخ أو طابع - هكذا : "عن سنان ، عن حكيم ، عن جابر"؛ فصار الإسناد موهما أنه حديث متصل من رواية جابر بن عبد الله الصحابي . فيصحح من هذا الموضع .
Text: through the Quran Foundation. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences