At-TabariAl‑Baqarah · 2:79–81

At-Tabari · Tafsir · in Arabic

Al-Baqarah 2:79–81

2:79Page 12

فَوَيۡلٞ لِّلَّذِينَ يَكۡتُبُونَ ٱلۡكِتَٰبَ بِأَيۡدِيهِمۡ ثُمَّ يَقُولُونَ هَٰذَا مِنۡ عِندِ ٱللَّهِ لِيَشۡتَرُواْ بِهِۦ ثَمَنٗا قَلِيلٗاۖ فَوَيۡلٞ لَّهُم مِّمَّا كَتَبَتۡ أَيۡدِيهِمۡ وَوَيۡلٞ لَّهُم مِّمَّا يَكۡسِبُونَ ٧٩

So woe1 to those who write the "scripture" with their own hands, then say, "This is from Allāh," in order to exchange it for a small price. Woe to them for what their hands have written and woe to them for what they earn.

القول في تأويل قوله تعالى : فَوَيْلٌ

قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل في تأويل قوله: (فويل). فقال بعضهم بما:-

1381 - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا عثمان بن سعيد, عن بشر بن عمارة, عن أبي روق عن الضحاك, عن ابن عباس (فويل)، يقول: فالعذاب عليهم. (20)

* * *

وقال آخرون بما:-

1382 - حدثنا به ابن بشار قال، حدثنا ابن مهدي قال، حدثنا سفيان, عن زياد بن فياض قال: سمعت أبا عياض يقول: الويل: ما يسيل من صديد في أصل جهنم. (21)

1383 - حدثنا بشر بن أبان الحطاب قال، حدثنا وكيع, عن سفيان, عن زياد بن فياض, عن أبي عياض في قوله: (فويل)، قال: صهريج في أصل جهنم، يسيل فيه صديدهم. (22)

&; 2-268 &;

1384 - حدثنا علي بن سهل الرملي قال، حدثنا زيد بن أبي الزرقاء قال، حدثنا سفيان عن زياد بن فياض, عن أبي عياض قال: الويل، واد من صديد في جهنم. (23)

1385 - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا مهران، عن شقيق قال: (ويل)، ما يسيل من صديد في أصل جهنم.

* * *

وقال آخرون بما:-

1386 - حدثنا به المثنى قال، حدثنا إبراهيم بن عبد السلام بن صالح التستري. قال، حدثنا علي بن جرير, عن حماد بن سلمة بن عبد الحميد بن جعفر, عن كنانة العدوي, عن عثمان بن عفان, عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " الويل جبل في النار ". (24)

&; 2-269 &;

1387 - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، حدثني عمرو بن الحارث, عن دراج, عن أبي الهيثم, عن أبي سعيد, عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " ويل واد في جهنم، يهوي فيه الكافر أربعين خريفا قبل أن يبلغ إلى قعره ". (25)

* * *

قال أبو جعفر: فمعنى الآية - على ما روي عمن ذكرت قوله في تأويل (ويل)-: فالعذاب = الذي هو شرب صديد أهل جهنم في أسفل الجحيم = لليهود الذين يكتبون الباطل بأيديهم، ثم يقولون: هذا من عند الله.

* * *

&; 2-270 &;

القول في تأويل قوله تعالى : لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلا

قال أبو جعفر: يعني بذلك الذين حرفوا كتاب الله من يهود بني إسرائيل, وكتبوا كتابا على ما تأولوه من تأويلاتهم، مخالفا لما أنـزل الله على نبيه موسى صلى الله عليه وسلم, ثم باعوه من قوم لا علم لهم بها، ولا بما في التوراة، جهال بما في كتب الله - لطلب عرض من الدنيا خسيس, فقال الله لهم: فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ ، كما:-

1388 - حدثني موسى قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط, عن السدي: (فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله ليشتروا به ثمنا قليلا)، قال: كان ناس من اليهود كتبوا كتابا من عندهم، يبيعونه من العرب, ويحدثونهم أنه من عند الله، ليأخذوا به ثمنا قليلا.

1389 - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا عثمان بن سعيد قال، حدثنا بشر بن عمارة, عن أبي روق, عن الضحاك, عن ابن عباس قال: الأميون قوم لم يصدقوا رسولا أرسله الله, ولا كتابا أنـزله الله, فكتبوا كتابا بأيديهم, ثم قالوا لقوم سِفلة جهال: هذا من عند الله " ليشتروا به ثمنا قليلا ". قال: عرضا من عرض الدنيا.

1390 - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم, عن عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد في قول الله: (للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله)، قال: هؤلاء الذين عرفوا أنه من عند الله، يحرفونه.

1391 - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد مثله, إلا أنه قال: ثم يحرفونه.

&; 2-271 &;

1392 - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد, عن قتادة: (فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم) الآية, وهم اليهود.

1393 - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر, عن قتادة في قوله: (فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله)، قال: كان ناس من بني إسرائيل كتبوا كتابا بأيديهم، ليتأكلوا الناس, فقالوا: هذا من عند الله, وما هو من عند الله. (26)

1394 - حدثني المثنى قال، حدثنا آدم قال، حدثنا أبو جعفر, عن الربيع, عن أبي العالية قوله: (فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله ليشتروا به ثمنا قليلا)، قال: عمدوا إلى ما أنـزل الله في كتابهم من نعت محمد صلى الله عليه وسلم فحرفوه عن مواضعه، يبتغون بذلك عرضا من عرض الدنيا, فقال: فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ .

1395 - حدثني المثنى بن إبراهيم قال، حدثنا إبراهيم بن عبد السلام قال، حدثنا علي بن جرير, عن حماد بن سلمة, عن عبد الحميد بن جعفر, عن كنانة العدوي, عن عثمان بن عفان رضي الله عنه, عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ ، الويل: جبل في النار، وهو الذي أنـزل في اليهود، لأنهم حرفوا التوراة, وزادوا فيها ما يحبون, ومحوا منها ما يكرهون, ومحوا اسم محمد صلى الله عليه وسلم من التوراة. فلذلك غضب الله عليهم، فرفع بعض التوراة، فقال: فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ . (27)

1396 - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، أخبرني سعيد بن أبي &; 2-272 &; أيوب, عن محمد بن عجلان, عن زيد بن أسلم, عن عطاء بن يسار. قال: ويل، واد في جهنم، لو سيرت فيه الجبال لانماعت من شدة حره. (28)

* * *

قال أبو جعفر: إن قال لنا قائل: ما وجه قوله: (29) (فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم)؟ وهل تكون الكتابة بغير اليد، حتى احتاج المخاطبون بهذه المخاطبة، إلى أن يخبروا عن هؤلاء - القوم الذين قص الله قصتهم - أنهم كانوا يكتبون الكتاب بأيديهم؟

قيل له: إن الكتاب من بني آدم، وإن كان منهم باليد, فإنه قد يضاف الكتاب إلى غير كاتبه وغير المتولي رسم خطه فيقال: " كتب فلان إلى فلان بكذا "، وإن كان المتولي كتابته بيده، غير المضاف إليه الكتاب, إذا كان الكاتب كتبه بأمر المضاف إليه الكتاب. فأعلم ربنا بقوله: (فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم) عباده المؤمنين، أن أحبار اليهود تلي كتابة الكذب والفرية على الله بأيديهم، على علم منهم وعمد للكذب على الله، ثم تنحله إلى أنه من عند الله وفي كتاب الله، (30) تَكَذُّبا على الله وافتراء عليه. فنفى جل ثناؤه بقوله: (يكتبون الكتاب بأيديهم)، أن يكون ولي كتابة ذلك بعض جهالهم بأمر علمائهم وأحبارهم. وذلك نظير قول القائل: " باعني فلان عينُه كذا وكذا, فاشترى فلان نفسه كذا "، يراد بإدخال " النفس والعين " في ذلك، نفي اللبس عن سامعه، أن يكون المتولي بيع ذلك أو شراءه، غير الموصوف له أمره, (31)

ويوجب حقيقة الفعل للمخبر &; 2-273 &; عنه، فكذلك قوله: (فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم).

* * *

القول في تأويل قوله تعالى : فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ (79)

قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بقوله: (فويل لهم مما كتبت أيديهم)، أي فالعذاب - في الوادي السائل من صديد أهل النار في أسفل جهنم - لهم, يعني: للذين يكتبون الكتاب، الذي وصفنا أمره، من يهود بني إسرائيل محرفا, ثم قالوا: هذا من عند الله، ابتغاء عرض من الدنيا به قليل ممن يبتاعه منهم.

* * *

وقوله: (مما كتبت أيديهم)، يقول: من الذي كتبت أيديهم من ذلك، وويل لهم أيضا(مما يكسبون)، يعني: مما يعملون من الخطايا, ويجترحون من الآثام, ويكسبون من الحرام، بكتابهم الذي يكتبونه بأيديهم, بخلاف ما أنـزل الله, ثم يأكلون ثمنه، وقد باعوه ممن باعوه منهم على أنه من كتاب الله، كما:-

1397 - حدثني المثنى قال، حدثنا آدم قال، حدثنا أبو جعفر, عن الربيع, عن أبي العالية: (وويل لهم مما يكسبون)، يعني: من الخطيئة.

1398 - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا عثمان بن سعيد, عن بشر بن عمارة, عن أبي روق, عن الضحاك, عن ابن عباس: (فويل لهم)، يقول: فالعذاب عليهم. قال: يقول: من الذي كتبوا بأيديهم من ذلك الكذب، (وويل لهم مما يكسبون)، يقول: مما يأكلون به من السفلة وغيرهم.

* * *

قال أبو جعفر: وأصل " الكسب ": العمل. فكل عامل عملا بمباشرة منه لما عمل ومعاناة باحتراف, فهو كاسب لما عمل, كما قال لبيد بن ربيعة:

&; 2-274 &; لمعفـــر قهــد تنــازع شــلوه

غبس كواســب لا يُمَــنُّ طعامُهـا (32)

--------------

الهوامش :

(20) في المطبوعة : "فويل لهم" . والصواب حذف"لهم" ، ليست من الآية هنا .

(21) الخبر : 1382 - سفيان : هو الثوري . زياد بن فياض الخزاعي : ثقة ، مات سنة 129 . مترجم في التهذيب ، والكبير للبخاري 2 / 1 /334 ، وابن أبي حاتم 1 / 2 /542 . أبو عياض : هو عمرو بن الأسود العنسي ، تابعي ثقة ، كان من عباد أهل الشأم وزهادهم . مترجم في التهذيب ، وابن أبي حاتم 3 / 1 / 220 - 221 .

(22) الخبر : 1383 - بشر بن أبان الحطاب ، شيخ الطبري : لم أجد له ترجمة ولا ذكرا فيما بين يدى من المراجع .

(23) الخبر : 1384 - علي بن سهل الرملي ، شيخ الطبري : ثقة ، مات سنة 261 . مترجم في التهذيب ، وابن أبي حاتم 3 / 1 /189 . وزيد بن أبي الزرقاء الموصلي ، نزيل الرملة : ثقة ، مات سنة 194 . مترجم في التهذيب ، والكبير 2 /1 /361 ، وابن أبي حاتم 1 / 2/ 575 . سفيان هو الثوري . "عن زياد بن فياض" ، كالإسنادين اللذين قبله . وفي المطبوعة : "سفيان بن زياد بن فياض" ، وهو تحريف .

(24) الحديث: 1386 - هذا الإسناد مشكل. ووقع فيه هنا خطأ. من الناسخ أو الطابع، صححناه من الرواية الآتية: 1395 فقد كان فيه"حماد بن سلمة بن عبد الحميد بن جعفر"؛ وصوابه"عن عبد الحميد بن جعفر"، كما هو بديهي.

أما ما أشكل علينا فيه: فراويان لم نجد لهما ذكرا ولا ترجمة.

أحدهما:"إبراهيم بن عبد السلام بن صالح التستري". وسيأتي في الإسناد الآخر"إبراهيم بن عبد السلام" فقط. ولم أستطع أن أعرف من هو؟ وقد نقل ابن كثير 1: 217 الحديث الآتي: 1395، وأكمل نسب هذا الشيخ، ولكنه وقع فيه هكذا "إبراهيم بن عبد السلام، حدثنا صالح القشيري"! وأنا لست على ثقة من دقة التصحيح في طبعة تفسير ابن كثير، وأرى أن ما نسخة الطبري أقرب إلى الصحة.

الراوي الآخر:"على بن جرير". وقد أتعبنى أن أعرف من هو؟ مع البحث في كل المراجع، وتقليبه على كل الاحتمالات.

أما عبد الحميد بن جعفر: فإنه الأنصاري الأوسى المدني، وهو ثقة، وثقه أحمد وابن سعد وغيرهما، مات سنة 153، مترجم في التهذيب، وابن أبي حاتم 3 / 1 /10. و"كنانة العدوي":هو كنافة ابن نعيم، وهو تابعي ثقة، مترجم في التهذيب، والكبير للبخاري 4 / 1 /236، وابن أبي حاتم 3 / 2 /169. ولكني أخشى أن لا يكون أدرك عثمان بن عفان، فإنهم لم يذكروا له رواية إلا عن أبي برزة الأسلمي وقصيبة بن المخارق، وهما متأخران كثيرا عن عثمان.

وأيا ما كان، فهذا الحديث لا أظنه مما يقوم إسناده. وهو مختصر من الحديث الآتي: 1395. والحافظ ابن كثير حين ذكره عن الطبري، وصفه بأنه"غريب جدا". وقد ذكره السيوطي أيضًا 1: 82، ولم ينسباه لغير الطبري. فالله أعلم.

(25) الحديث : 1387 - إسناده صحيح . عمرو بن الحارث بن يعقوب الأنصاري المصري : ثقة حافظ متقن ، مترجم في التهذيب ، وابن سعد 7 / 2 / 203 وابن أبي حاتم 3 / 1 / 225 . دراج ، بفتح الدال وتشديد الراء : هو ابن سمعان ، أبو السمح ، المصري القاص ، وهو ثقة ، فيه خلاف كثير . والراجح عندنا أنه ثقة ، كما بينا ذلك في شرح المسند : 6634 ، وفي تعليقنا على تهذيب السنن : 2388 . أبو الهيثم : هو سليمان بن عمرو العتواري المصري ، كان يتيما لأبي سعيد الخدري ، وكان في حجره . وهو تابعي ثقة ، مترجم في التهذيب ، والكبير للبخاري 2 / 2 / 28 - 29 ، وابن أبي حاتم 2 /1 / 131 - 132 .

والحديث رواه ابن أبي حاتم - كما نقل عنه ابن كثير 1 : 217 - عن يونس بن عبد الأعلى ، شيخ الطبري هنا ، بهذا الإسناد .

ورواه الحاكم في المستدرك 4 : 596 ، من طريق بحر بن نصر . عن ابن وهب ، بهذا الإسناد ، بزيادة في آخره . وقال : "هذا حديث صحيح الإسناد ، ولم يخرجاه" . ووافقه الذهبي .

ورواه أحمد في المسند : 11735 (ج 3 ص 75 حلبي) ، عن حسن بن موسى ، عن ابن لهيعة ، عن دراج ، به ، بزيادة في آخره . وقال ابن كثير - عقب رواية ابن أبي حاتم : "ورواه الترمذي عن عبد بن حميد ، عن الحسن بن موسى . . وقال هذا حديث غريب ، لا نعرفه إلا من حديث ابن لهيعة . قلت [القائل ابن كثير] : لم ينفرد به ابن لهيعة كما ترى . ولكن الآفة ممن بعده! وهذا الحديث بهذا الإسناد مرفوعا - منكر"!

أقول : وابن كثير يريد بذلك جرح دراج أبي السمح ، وجعله علة الحديث . والصحيح ما ذهبنا إليه . وقد رواه ابن حبان في صحيحه أيضًا . كما في الدر المنثور 1 : 82 .

(26) يقال فلان يستأكل الضعفاء : يأخذ أموالهم ويأكلها . أما قوله : "ليتأكلوا" ، فلم أجد في المعاجم"يتأكل" ، فإن صح نص الطبري ، وإلا فهي عربية معرقة ، صح أو لم يصح .

(27) الحديث : 1395 - مضى الكلام فيه مفصلا : 1386 .

(28) سيرت : أدخلت ودفعت لتسير . وانماع الملح في الماء : ذاب . وفي اللسان روى تفسير عطاء ، وفيه : "لماعت" ، أي ذابت وسالت .

(29) في المطبوعة : "فما وجه فويل للذين . . " ، كأنه سقط حرف من ناسخ أو طابع .

(30) يقال : نحل فلان فلانا شعرا : نسبه إليه باطلا . وكره الطبري أن يقول ما لا يجوز لأحد في ذكر ربه سبحانه وتعالى ، فانتهج طريقا في أساليب العربية ، فقال : "فنحله إلى أنه من عند الله" أي نسبه باطلا إلى أنه من عند الله . ولم يعد الفعل إلى مفعوليه .

(31) كان في المطبوعة : "أن يكون المتولى بيع ذلك وشراءه ، غير الموصوف به بأمره" وهو كلام غير واضح ولا مفهوم ، فآثرت أن أصححه ما استطعت .

(32) من معلقته النبيلة . واللام في قوله"لمعفر" ، ترده إلى البيت قبله :

خنسـاء ضيعـت الفَرِيـرَ, فلـم يَرِم

عُـرض الشـقائق طوفهـا وبُغَامهـا

والخنساء : البقرة الوحشية ، والفرير : ولدها . والشقائق : أرض غليظة بين رملتين ، أودعت هناك فيه ولدها . وطوفها طوافها حائرة . بغامها : صوتها صائحة باكية . ظلت تطوف وتنادي ولدها .وقوله:"لمعفر"، أي طوفها وبغامها من أجل"معفر". والمعفر: الذي ألقي في العفر، وهو التراب، صادت ولدها الذئاب. قهد: هو ولد البقر، لطيف الجسم أبيض اللون. والشلو: العضو من اللحم، أو الجسد كله. وغبس: غبر، وهي الذئاب. لا يمن طعامها: تكسب طعامها بنفسها، فلا يمن عليها أحد.

2:80Page 12

وَقَالُواْ لَن تَمَسَّنَا ٱلنَّارُ إِلَّآ أَيَّامٗا مَّعۡدُودَةٗۚ قُلۡ أَتَّخَذۡتُمۡ عِندَ ٱللَّهِ عَهۡدٗا فَلَن يُخۡلِفَ ٱللَّهُ عَهۡدَهُۥٓۖ أَمۡ تَقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ مَا لَا تَعۡلَمُونَ ٨٠

And they say, "Never will the Fire touch us, except for [a few] numbered days." Say, "Have you taken a covenant with Allāh? For Allāh will never break His covenant. Or do you say about Allāh that which you do not know?"

القول في تأويل قوله تعالى : وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلا أَيَّامًا مَعْدُودَةً

قال أبو جعفر: يعني بقوله: (وقالوا)، اليهود, يقول: وقالت اليهود: (لن تمسنا النار)، يعني لن تلاقي أجسامنا النار ولن ندخلها،" إلا أياما معدودة ". وإنما قيل " معدودة " وإن لم يكن مبينا عددها في التنـزيل، لأن الله جل ثناؤه أخبر عنهم بذلك وهم عارفون عدد الأيام، التي يوقتونها لمكثهم في النار. فلذلك ترك ذكر تسمية عدد تلك الأيام، وسماها " معدودة " لما وصفنا.

* * *

ثم اختلف أهل التأويل في مبلغ الأيام المعدودة التي عينها اليهود، القائلون ما أخبر الله عنهم من ذلك .

* فقال بعضهم بما:-

1399 - حدثنا به أبو كريب قال، حدثنا عثمان بن سعيد, عن بشر بن عمارة, عن أبي روق, عن الضحاك, عن ابن عباس: (وقالوا لن تمسنا النار إلا أياما معدودة)، قال ذلك أعداء الله اليهود, قالوا: لن يدخلنا الله النار إلا &; 2-275 &; تحلة القسم، الأيام التي أصبنا فيها العجل: أربعين يوما, فإذا انقضت عنا تلك الأيام, انقطع عنا العذاب والقسم.

1400 - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر, عن قتادة في قوله: (لن تمسنا النار إلا أياما معدودة)، قالوا: أياما معدودة بما أصبنا في العجل.

1401 - حدثنا موسى قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط, عن السدي: (وقالوا لن تمسنا النار إلا أياما معدودة)، قال: قالت اليهود: إن الله يدخلنا النار فنمكث فيها أربعين ليلة, حتى إذا أكلت النار خطايانا واستنقتنا, (33) نادى مناد: أخرجوا كل مختون من ولد بني إسرائيل. فلذلك أمرنا أن نختتن. قالوا: فلا يدعون منا في النار أحدا إلا أخرجوه.

1402 - حدثني المثنى قال، حدثنا آدم قال، حدثنا أبو جعفر, عن الربيع, عن أبي العالية قال: قالت اليهود: إن ربنا عتب علينا في أمرنا, فأقسم ليعذبنا أربعين ليلة, ثم يخرجنا. فأكذبهم الله.

1403 - حدثني المثنى قال، حدثنا آدم قال، حدثنا أبو جعفر, عن قتادة قال: قالت اليهود: لن ندخل النار إلا تحلة القسم, عدد الأيام التي عبدنا فيها العجل.

1404 - حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس قوله: (لن تمسنا النار إلا أياما معدودة) الآية، قال ابن عباس: ذكر أن اليهود وجدوا في التوراة مكتوبا، أن ما بين طرفي جهنم مسيرة أربعين سنة، إلى أن ينتهوا إلى شجرة الزقوم نابتة في أصل الجحيم - وكان ابن عباس يقول: إن الجحيم سقر, وفيه شجرة الزقوم - فزعم أعداء الله، &; 2-276 &; أنه إذا خلا العدد الذي وجدوا في كتابهم أياما معدودة - وإنما يعني بذلك المسير الذي ينتهي إلى أصل الجحيم - فقالوا: إذا خلا العدد انتهى الأجل. فلا عذاب، وتذهب جهنم وتهلك. (34) فذلك قوله: (لن تمسنا النار إلا أياما معدودة)، يعنون بذلك الأجل. فقال ابن عباس: لما اقتحموا من باب جهنم، ساروا في العذاب حتى انتهوا إلى شجرة الزقوم آخر يوم من الأيام المعدودة, قال لهم خزان سقر: زعمتم أنكم لن تمسكم النار إلا أياما معدودة! فقد خلا العدد وأنتم في الأبد! فأخذ بهم في الصَّعود في جهنم يرهقون. (35)

1405 - حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس: (وقالوا لن تمسنا النار إلا أياما معدودة)، إلا أربعين ليلة.

1406 - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا حفص بن عمر, عن الحكم بن أبان, عن عكرمة قال: خاصمت اليهود رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: لن ندخل النار إلا أربعين ليلة, وسيخلفنا فيها قوم آخرون - يعنون محمدا وأصحابه. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده على رءوسهم (36) " بل أنتم فيها خالدون، لا يخلفكم فيها أحد " . فأنـزل الله جل ثناؤه: (وقالوا لن تمسنا النار إلا أياما معدودة).

1407 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنا حجاج, عن ابن جريج قال، أخبرني الحكم بن أبان, عن عكرمة، قال: اجتمعت يهود يوما تخاصم النبي صلى الله عليه وسلم. فقالوا: (لن تمسنا النار إلا أياما معدودة)، &; 2-277 &; - وسموا أربعين يوما - ثم يخلفنا، أو يلحقنا، فيها أناس. فأشاروا إلى النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " كذبتم, بل أنتم فيها خالدون مخلدون، لا نلحقكم ولا نخلفكم فيها إن شاء الله أبدا ". (37)

1408 - حدثني يونس بن عبد الأعلى قال، أخبرنا علي بن معبد, عن أبي معاوية, عن جويبر, عن الضحاك في قوله: (لن تمسنا النار إلا أياما معدودة)، قال: قالت اليهود: لا نعذب في النار يوم القيامة إلا أربعين يوما مقدار ما عبدنا العجل.

1409 - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد: حدثني أبي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لهم: " أنشدكم بالله وبالتوراة التي أنـزلها الله على موسى يوم طور سيناء, مَن أهل النار الذين أنـزلهم الله في التوراة؟ وقالوا: إن ربهم غضب عليهم غضبة, فنمكث في النار أربعين ليلة, ثم نخرج فتخلفوننا فيها. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كذبتم والله، لا نخلفكم فيها أبدا ". فنـزل القرآن تصديقا لقول النبي صلى الله عليه وسلم وتكذيبا لهم: (وقالوا لن تمسنا النار إلا أياما معدودة قل أتخذتم عند الله عهدا) إلى قوله: هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ . (38)

* * *

وقال آخرون في ذلك بما:-

1410 - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا يونس بن بكير قال، حدثنا ابن إسحاق قال، حدثني محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت قال، حدثني سعيد بن جبير أو عكرمة, عن ابن عباس قال: كانت يهود يقولون: إنما مدة الدنيا سبعة آلاف سنة, وإنما يعذب الله الناس يوم القيامة بكل ألف سنة من أيام الدنيا يوما واحدا من أيام الآخرة, وإنها سبعة أيام. فأنـزل الله في ذلك من &; 2-278 &; قولهم: (وقالوا لن تمسنا النار إلا أياما معدودة) الآية.

1411 - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة, عن محمد بن إسحاق قال، حدثني محمد بن أبي محمد, عن سعيد بن جبير أو عكرمة, عن ابن عباس قال: قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة، ويهود تقول: إنما مدة الدنيا سبعة آلاف سنة, وإنما يعذب الناس في النار بكل ألف سنة من أيام الدنيا، يوما واحدا في النار من أيام الآخرة, فإنما هي سبعة أيام، ثم ينقطع العذاب. فأنـزل الله عز وجل في ذلك من قولهم: (لن تمسنا النار) الآية.

1412 - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم, عن عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد في قول الله: (قالوا لن تمسنا النار إلا أياما معدودة)، قال: كانت تقول: إنما الدنيا سبعة آلاف سنة, وإنما نعذب مكان كل ألف سنة يوما.

1413 - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد مثله - إلا أنه قال: كانت اليهود تقول: إنما الدنيا, وسائر الحديث مثله.

1414 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج قال، قال ابن جريج, قال مجاهد: وقالوا لن تمسنا النار إلا أياما معدودة من الدهر. وسموا عدة سبعة آلاف سنة, من كل ألف سنة يوما. يهود تقوله.

* * *

القول في تأويل قوله تعالى : قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ (80)

قال أبو جعفر: لما قالت اليهود ما قالت من قولها: لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلا أَيَّامًا مَعْدُودَةً &; 2-279 &; - على ما قد بينا من تأويل ذلك - قال الله لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: قل يا محمد، لمعشر اليهود: (أتخذتم عند الله عهدا): أأخذتم بما تقولون من ذلك من الله ميثاقا، فالله لا ينقض ميثاقه، ولا يبدل وعده وعقده, أم تقولون على الله الباطل جهلا وجراءة عليه؟ كما:-

1415 - حدثنا محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم, عن عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: (قل أتخذتم عند الله عهدا) أي: موثقا من الله بذلك أنه كما تقولون.

1416 - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد مثله.

1417 - حدثني المثنى قال، حدثنا آدم قال، حدثنا أبو جعفر, عن قتادة قال: قالت اليهود: لن ندخل النار إلا تحلة القسم، عدة الأيام التي عبدنا فيها العجل، فقال الله: (أتخذتم عند الله عهدا)، بهذا الذي تقولونه؟ ألكم بهذا حجة وبرهان؟ فلن يخلف الله عهده، فهاتوا حجتكم وبرهانكم، أم تقولون على الله ما لا تعلمون؟

1418 - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا عثمان بن سعيد, عن بشر بن عمارة, عن أبي روق, عن الضحاك, عن ابن عباس قال: لما قالت اليهود ما قالت, قال الله جل ثناؤه لمحمد، قل : ( أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا ) ، يقول: أدخرتم عند الله عهدا؟ يقول: أقلتم لا إله إلا الله لم تشركوا ولم تكفروا به؟ فإن كنتم قلتموها فارجوا بها, وإن كنتم لم تقولوها، فلم تقولون على الله ما لا تعلمون؟ يقول: لو كنتم قلتم لا إله إلا الله ولم تشركوا به شيئا, ثم متم على ذلك، لكان لكم ذخرا عندي, ولم أخلف وعدي لكم: أني أجازيكم بها.

1419 - حدثني موسى بن هارون قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط عن السدي قال: لما قالت اليهود ما قالت, قال الله عز وجل: (قل أتخذتم &; 2-280 &; عند الله عهدا فلن يخلف الله عهده)- وقال في مكان آخر: وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ . [ آل عمران: 24]، ثم أخبر الخبر فقال: بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً .

* * *

قال أبو جعفر: وهذه الأقوال التي رويناها عن ابن عباس ومجاهد وقتادة، بنحو ما قلنا في تأويل قوله: ( قل أتخذتم عند الله عهدا). لأن مما أعطاه الله عباده من ميثاقه: أن من آمن به وأطاع أمره، نجاه من ناره يوم القيامة. ومن الإيمان به، الإقرار بأن لا إله إلا الله. وكذلك من ميثاقه الذي واثقهم به: أن من أتى الله يوم القيامة بحجة تكون له نجاة من النار، فينجيه منها. وكل ذلك، وإن اختلفت ألفاظ قائليه, فمتفق المعاني، على ما قلنا فيه. والله تعالى أعلم.

---------------

الهوامش :

(33) نقيت الثوب (بتشديد القاف) وأنقيته نقاء فهو نقي : نظيف . و"استنقيته" ليست في المعاجم ، ولكنها صحيحة البناء والمعنى .

(34) خلا يخلو : مضى وذهب وانقضى .

(35) الصعود : مشقة العذاب ، ولكنه أراد هنا ما قالوا : جبل في جهنم من جمرة واحدة ، يكلف الكافر ارتقاءه ، ويضرب بالمقامع ، فكلما وضع عليه رجله ذابت إلى أسفل دركة ، ثم تعود مكانها صحيحة ، والله أعلم .

(36) قال بيده : أشار . وقد مضى مثل ذلك مرارا .

(37) الحديثان : 1406 ، 1407 - هما حديث واحد بإسنادين . ونسبه السيوطي أيضًا 1 : 84 ، لعبد بن حميد ، وابن المنذر ، وابن أبي حاتم . وهو حديث مرسل ، لا تقوم به حجة .

(38) الحديث : 1409 - هو حديث مرسل أيضًا .

2:81Page 12

بَلَىٰۚ مَن كَسَبَ سَيِّئَةٗ وَأَحَٰطَتۡ بِهِۦ خَطِيٓـَٔتُهُۥ فَأُوْلَٰٓئِكَ أَصۡحَٰبُ ٱلنَّارِۖ هُمۡ فِيهَا خَٰلِدُونَ ٨١

Yes, [on the contrary], whoever earns evil and his sin has encompassed him - those are the companions of the Fire; they will abide therein eternally.

القول في تأويل قوله تعالى : بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً

قال أبو جعفر: وقوله: (بلى من كسب سيئة) تكذيب من الله القائلين من اليهود: لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلا أَيَّامًا مَعْدُودَةً وإخبار منه لهم أنه معذب من أشرك ومن كفر به وبرسله، وأحاطت به ذنوبه، فمخلده في النار، (39) فإن الجنة لا يسكنها إلا أهل الإيمان به وبرسوله, وأهل الطاعة له, والقائمون بحدوده كما:-

1420 - حدثنا محمد بن حميد قال، حدثنا سلمة قال، حدثني محمد بن إسحاق قال، حدثني محمد بن أبي محمد, عن سعيد بن جبير أو عكرمة, عن ابن عباس: (بلى من كسب سيئة وأحاطت به خطيئته) أي: من عمل مثل أعمالكم، وكفر بمثل ما كفرتم به، حتى يحيط كفره بما له من حسنة, فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون.

* * *

قال أبو جعفر: وأما(بلى)، فإنها إقرار في كل كلام في أوله جحد, كما &; 2-281 &; " نعم " إقرار في الاستفهام الذي لا جحد فيه. وأصلها " بل " التي هي رجوع عن الجحد المحض في قولك: " ما قام عمرو بل زيد ". فزيد فيها " الياء " ليصلح عليها الوقوف، إذ كانت " بل " لا يصلح عليها الوقوف, إذ كانت عطفا ورجوعا عن الجحد. ولتكون - أعني" بلى " - رجوعا عن الجحد فقط, وإقرارا بالفعل الذي بعد الجحد، فدلت " الياء " منها على معنى الإقرار والإنعام. (40) ودل لفظ " بل " عن الرجوع عن الجحد. (41)

* * *

قال أبو جعفر: وأما " السيئة " التي ذكر الله في هذا المكان، فإنها الشرك بالله كما:-

1421 - حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا يحيى بن سعيد, عن سفيان قال، حدثني عاصم, عن أبي وائل: (بلى من كسب سيئة)، قال: الشرك بالله.

1422 - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم, عن عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: (بلى من كسب سيئة) شركا.

1423 - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد مثله.

1424 - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد بن زريع قال، حدثنا سعيد, عن قتادة، قوله: (بلى من كسب سيئة)، قال: أما السيئة فالشرك.

1425 - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر, عن قتادة مثله.

1426 - حدثني موسى قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط, عن &; 2-282 &; السدي: (بلى من كسب سيئة)، أما السيئة، فهي الذنوب التي وعد عليها النار.

1427 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج, عن ابن جريج قال، قلت لعطاء: (بلى من كسب سيئة)، قال: الشرك - قال ابن جريج قال، قال مجاهد: (سيئة) شركا.

1428 - حدثت عن عمار بن الحسن قال، حدثنا ابن أبي جعفر, عن أبيه, عن الربيع قوله: (بلى من كسب سيئة)، يعني: الشرك.

* * *

قال أبو جعفر: وإنما قلنا إن " السيئة " - التي ذكر الله جل ثناؤه أن من كسبها وأحاطت به خطيئته، فهو من أهل النار المخلدين فيها - في هذا الموضع, إنما عنى الله بها بعض السيئات دون بعض, وإن كان ظاهرها في التلاوة عاما, (42) لأن الله قضى على أهلها بالخلود في النار. والخلود في النار لأهل الكفر بالله دون أهل الإيمان به، لتظاهر الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن أهل الإيمان لا يخلدون فيها, وأن الخلود في النار لأهل الكفر بالله دون أهل الإيمان. فإن الله جل ثناؤه قد قرن بقوله: (بلى من كسب سيئة وأحاطت به خطيئته فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون) - قوله - وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ . فكان معلوما بذلك أن الذين لهم الخلود في النار من أهل السيئات, غير الذين لهم الخلود في الجنة من أهل الإيمان.

* * *

فإن ظن ظان أن الذين لهم الخلود في الجنة من الذين آمنوا، هم الذين عملوا الصالحات، دون الذين عملوا السيئات, فإن في إخبار الله = أنه مكفر - باجتنابنا كبائر ما ننهى عنه سيئاتنا, ومدخلُنا المُدخلَ الكريم = ما ينبئ عن صحة ما قلنا في تأويل قوله: (بلى من كسب سيئة)، بأن ذلك على خاص من السيئات دون عامها.

* * *

فإن قال لنا قائل: فإن الله جل ثناؤه إنما ضمن لنا تكفير سيئاتنا باجتنابنا &; 2-283 &; كبائر ما ننهى عنه, فما الدلالة على أن الكبائر غير داخلة في قوله: (بلى من كسب سيئة)؟

قيل: لما صح من أن الصغائر غير داخلة فيه, وأن المعنيَّ بالآية خاص دون عام, ثبت وصح أن القضاء والحكم بها غير جائز لأحد على أحد، إلا على من وقفه الله عليه بدلالة من خبر قاطع عذرَ من بلغه. وقد ثبت وصح أن الله تعالى ذكره قد عنى بذلك أهل الشرك والكفر به, بشهادة جميع الأمة. فوجب بذلك القضاء على أن أهل الشرك والكفر ممن عناه الله بالآية. فأما أهل الكبائر، فإن الأخبار القاطعة عذر من بلغته، قد تظاهرت عندنا بأنهم غير معنيين بها. فمن أنكر ذلك - ممن دافع حجة الأخبار المستفيضة والأنباء المتظاهرة - فاللازم له ترك قطع الشهادة على أهل الكبائر بالخلود في النار، بهذه الآية ونظائرها التي جاءت بعمومهم في الوعيد. إذ كان تأويل القرآن غير مدرك إلا ببيان من جعل الله إليه بيان القرآن, وكانت الآية يأتي عاما في صنف ظاهرها, وهي خاص في ذلك الصنف باطنها. (43)

ويسأل مدافعو الخبر بأن أهل الكبائر من أهل الاستثناء، سؤالَنا منكر رجم الزاني المحصن, وزوال فرض الصلاة عن الحائض في حال الحيض. فإن السؤال عليهم، نظير السؤال على هؤلاء، سواء. (44)

* * *

&; 2-284 &;

القول في تأويل قوله تعالى : وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ

قال أبو جعفر: يعني بقوله جل ثناؤه: (وأحاطت به خطيئته)، اجتمعت عليه فمات عليها، قبل الإنابة والتوبة منها.

* * *

وأصل " الإحاطة بالشيء "، الإحداق به، بمنـزلة " الحائط" الذي تحاط به الدار فتحدق به. ومنه قول الله جل ثناؤه: نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا [ الكهف: 29].

* * *

فتأويل الآية إذًا: من أشرك بالله، واقترف ذنوبا جمة فمات عليها قبل الإنابة والتوبة, فأولئك أصحاب النار هم فيها مخلدون أبدا. وبنحو الذي قلنا في تأويل ذلك قال المتأولون.

* ذكر من قال ذلك:

1429 - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا ابن يمان, عن سفيان, عن الأعمش, عن أبي روق, عن الضحاك: (وأحاطت به خطيئته)، قال: مات بذنبه.

1430 - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا جرير بن نوح قال، حدثنا الأعمش, عن أبي رزين, عن الربيع بن خُثَيم: (وأحاطت به خطيئته)، قال: مات عليها. (45)

1431 - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة قال، أخبرني ابن إسحاق قال، حدثني محمد بن أبي محمد, عن سعيد بن جبير أو عكرمة, عن ابن عباس: (وأحاطت به خطيئته)، قال: يحيط كفره بما له من حسنة.

1432 - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثني عيسى, &; 2-285 &; عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: (وأحاطت به خطيئته)، قال: ما أوجب الله فيه النار.

1433 - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة: (وأحاطت به خطيئته)، قال: أما الخطيئة فالكبيرة الموجبة.

1434 - حدثنا الحسن قال، أخبرنا عبد الرزاق[قال، أخبرنا معمر], عن قتاده: (وأحاطت به خطيئته)، قال: الخطيئة: الكبائر.

1435 - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا وكيع ويحيى بن آدم, عن سلام بن مسكين قال: سأل رجل الحسن عن قوله: (وأحاطت به خطيئته)، فقال: ما ندري ما الخطيئة، يا بني اتل القرآن, فكل آية وعد الله عليها النار، فهي الخطيئة.

1436 - حدثنا أحمد بن إسحاق الأهوازي قال، حدثنا أبو أحمد الزبيري قال، حدثنا سفيان, عن منصور, عن مجاهد في قوله: بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ ، قال: كل ذنب محيط، فهو ما وعد الله عليه النار.

1437 - حدثنا أحمد بن إسحاق قال، حدثنا أبو أحمد الزبيري قال، حدثنا سفيان, عن الأعمش, عن أبي رزين: (وأحاطت به خطيئته)، قال: مات بخطيئته.

1438 - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو نعيم قال، حدثنا الأعمش قال، حدثنا مسعود أبو رزين, عن الربيع بن خثيم في قوله: (وأحاطت به خطيئته)، قال: هو الذي يموت على خطيئته قبل أن يتوب.

1439 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، قال وكيع: سمعت الأعمش يقول في قوله: (وأحاطت به خطيئته)، مات بذنوبه.

1440 - حُدثت عن عمار قال، حدثنا ابن أبي جعفر, عن أبيه, عن الربيع: (وأحاطت به خطيئته)، الكبيرة الموجبة.

&; 2-286 &;

1441 - حدثني موسى قال، حدثنا عمرو بن حماد قال، حدثنا أسباط, عن السدي: (أحاطت به خطيئته)، فمات ولم يتب.

1442 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حسان, عن ابن جريج قال، قلت لعطاء: (وأحاطت به خطيئته)، قال: الشرك, ثم تلا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ [ النمل: 90]. (46)

* * *

القول في تأويل قوله تعالى : فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (81)

قال أبو جعفر: يعني بقوله جل ثناؤه: " فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون " فأولئك الذين كسبوا السيئات وأحاطت بهم خطيئاتهم، أصحاب النار هم فيها خالدون.

* * *

ويعني بقوله جل ثناؤه: (أصحاب النار)، أهل النار، وإنما جعلهم لها أصحابا لإيثارهم - في حياتهم الدنيا ما يوردهموها ويوردهم سعيرها - على الأعمال التي توردهم الجنة فجعلهم جل ذكره = بإيثارهم أسبابها على أسباب الجنة = لها أصحابا, كصاحب الرجل الذي يصاحبه مؤثرا صحبته على صحبة غيره، حتى يعرف به.

* * *

(هم فيها)، يعني: هم في النار خالدون. ويعني بقوله: (خالدون) مقيمون كما:

1443 - حدثني محمد بن حميد قال، حدثنا سلمة قال، حدثني محمد بن أبي محمد, عن سعيد بن جبير أو عكرمة, عن ابن عباس: (هم فيها خالدون)، أي خالدون أبدا.

1444 - حدثني موسى بن هارون قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط, &; 2-287 &; عن السدي: (هم فيها خالدون) لا يخرجون منها أبدا.

------------------

الهوامش :

(39) في المطبوعة : "أنه يعذب . . فمخلد في النار" ، والصواب ما أثبته .

(40) الإنعام : التصديق . يقال : أنعم : أجاب بقوله : نعم . وهو تصديق .

(41) انظر معاني القرآن للفراء 1 : 52 - 53 ، وقد عد الطبري الحرف الآخر من"بلى""ياء" ، وعدها الفراء"ألفا" .

(42) انظر تفسير"الظاهر" فيما سلف : 2 : 15 والمراجع .

(43) انظر تفسير"الظاهر والباطن" آنفًا : 2 : 15 والمراجع .

(44) هذا رد على المعتزلة ، في إيجابهم خلود أهل الإيمان في النار . ورجم الزاني المحصن ، وزوال فرض الصلاة عن الحائض في حال الحيض ، مما جاء في الأخبار ، ولم يأت به نص قرآن .

(45) الخبر : 1430 - الربيع بن خثيم الثوري الكوفي : من كبار التابعين وخيارهم ، ثقة لا يسأل عن مثله . مترجم في التهذيب ، والكبير للبخاري 2 / 1 /246 وابن أبي حاتم 1/ 2 /459 . وأبوه "خثيم" بضم الخاء المعجمة مصغر ، كما ضبطه ابن دريد في الاشتقاق : 112 - 113 ، والحافظ في التقريب ، ووقع في المطبوعة"خيثم" بتقديم الياء على الثاء ، وبذلك ضبطه صاحب الخلاصة . وهو خطأ صرف .

(46) انظر ما مضى في كلامه عن"الخطيئة" في هذا الجزء 2 : 110 .

Text: through the Quran Foundation. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском