At-Tabari · Tafsir · in Arabic
Al-Baqarah 2:91–93
2:91Page 14
وَإِذَا قِيلَ لَهُمۡ ءَامِنُواْ بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ قَالُواْ نُؤۡمِنُ بِمَآ أُنزِلَ عَلَيۡنَا وَيَكۡفُرُونَ بِمَا وَرَآءَهُۥ وَهُوَ ٱلۡحَقُّ مُصَدِّقٗا لِّمَا مَعَهُمۡۗ قُلۡ فَلِمَ تَقۡتُلُونَ أَنۢبِيَآءَ ٱللَّهِ مِن قَبۡلُ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ ٩١
And when it is said to them, "Believe in what Allāh has revealed," they say, "We believe [only] in what was revealed to us." And they disbelieve in what came after it, while it is the truth confirming that which is with them. Say, "Then why did you kill the prophets of Allāh before, if you are [indeed] believers?"
القول في تأويل قوله تعالى : وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا
قال أبو جعفر: يعني بقوله جل ثناؤه: (وإذا قيل لهم)، وإذا قيل لليهود من بني إسرائيل - للذين كانوا بين ظهراني مهاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم-: (آمنوا)، أي صدقوا,(بما أنـزل الله)، يعني بما أنـزل الله من القرآن على محمد صلى الله عليه وسلم، (قالوا: نؤمن)، أي نصدق,(بما أنـزل علينا)، يعني بالتوراة التي أنـزلها الله على موسى.
* * *
القول في تأويل قوله تعالى : وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ
قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بقوله: (ويكفرون بما وراءه)، ويجحدون،" بما وراءه ", يعني: بما وراء التوراة.
* * *
قال أبو جعفر: وتأويل " وراءه " في هذا الموضع " سوى ". كما يقال للرجل المتكلم بالحسن: " ما وراء هذا الكلام شيء " يراد به: ليس عند المتكلم به شيء سوى ذلك الكلام. فكذلك معنى قوله: (ويكفرون بما وراءه)، أي &; 2-349 &; بما سوى التوراة، وبما بعدها من كتب الله التي أنـزلها إلى رسله، (34) كما:-
1556 - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة: (ويكفرون بما وراءه)، يقول: بما بعده.
1557 - حدثني المثنى قال، حدثنا آدم قال، حدثنا أبو جعفر, عن الربيع, عن أبي العالية: (ويكفرون بما وراءه)، أي بما بعده - يعني: بما بعد التوراة.
1558 - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي جعفر, عن أبيه, عن الربيع: (ويكفرون بما وراءه)، يقول: بما بعده.
* * *
القول في تأويل قوله تعالى : وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ
قال أبو جعفر: يعني بقوله جل ثناؤه: (وهو الحق مصدقا)، أي: ما وراء الكتاب - الذي أنـزل عليهم من الكتب &; 2-350 &; التي أنـزلها الله إلى أنبيائه - الحق. وإنما يعني بذلك تعالى ذكره القرآن الذي أنـزله إلى محمد صلى الله عليه وسلم، كما:-
1559 - حدثني موسى قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط, عن السدي: وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِمَا أَنْـزَلَ اللَّهُ قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنْـزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ ، وهو القرآن. يقول الله جل ثناؤه: (وهو الحق مصدقا لما معهم). وإنما قال جل ثناؤه: (مصدقا لما معهم)، لأن كتب الله يصدق بعضها بعضا. ففي الإنجيل والقرآن من الأمر باتباع محمد صلى الله عليه وسلم، والإيمان به وبما جاء به, مثل الذي من ذلك في توراة موسى عليه السلام. فلذلك قال جل ثناؤه لليهود - إذْ أخبرهم عما وراء كتابهم الذي أنـزله على موسى صلوات الله عليه، من الكتب التي أنـزلها إلى أنبيائه -: إنه الحق مصدقا للكتاب الذي معهم, يعني: أنه له موافق فيما اليهود به مكذبون.
قال: وذلك خبر من الله أنهم من التكذيب بالتوراة، على مثل الذي هم عليه من التكذيب بالإنجيل والفرقان, عنادا لله، وخلافا لأمره، وبغيا على رسله صلوات الله عليهم.
* * *
القول في تأويل قوله تعالى : قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (91)
قال أبو جعفر: يعني جل ذكره بقوله: (قل فلم تقتلون أنبياء الله)، قل يا محمد، ليهود بني إسرائيل - الذين إذا قلت لهم: آمنوا بما أنـزل الله قالوا: نؤمن بما أنـزل علينا-: لم تقتلون = إن كنتم يا معشر اليهود مؤمنين بما أنـزل الله عليكم = أنبياءه، وقد حرم الله في الكتاب الذي أنـزل عليكم قتلهم, بل أمركم فيه باتباعهم وطاعتهم وتصديقهم؟ وذلك من الله جل ثناؤه تكذيب لهم في قولهم: نُؤْمِنُ بِمَا أُنْـزِلَ عَلَيْنَا وتعيير لهم، كما:-
1560 - حدثني موسى قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط, عن السدي قال: قال الله تعالى ذكره - وهو يعيرهم - يعني اليهود: (فلم تقتلون أنبياء الله من قبل إن كنتم مؤمنين)؟
* * *
فإن قال قائل: وكيف قيل لهم: (فلم تقتلون أنبياء الله من قبل)، فابتدأ الخبر على لفظ المستقبل, ثم أخبر أنه قد مضى؟
قيل: إن أهل العربية مختلفون في تأويل ذلك. فقال بعض البصريين: معنى &; 2-351 &; ذلك: فلم قتلتم أنبياء الله من قبل، كما قال جل ثناؤه: وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ [سورة البقرة: 102]، أي: ما تلت, (35) وكما قال الشاعر: (36)
ولقــد أمــر عـلى اللئـيم يسـبني
فمضيـــت عنــه وقلــت لا يعنينــي (37)
يريد بقوله: " ولقد أمر " ولقد مررت. واستدل على أن ذلك كذلك، بقوله: " فمضيت عنه ", ولم يقل: فأمضي عنه. وزعم أن " فعل " و " يفعل " قد تشترك في معنى واحد, واستشهد على ذلك بقول الشاعر: (38)
وإنــي لآتيكـم تَشَـكُّرَ مـا مضـى
مـن الأمــر, واسْـتِيجابَ ما كان فـي غـد (39)
يعني بذلك: ما يكون في غد، وبقول الحطيئة:
شــهد الحطيئـة يـوم يلقـى ربـه
أن الوليـــــد أحــــق بــــالعذر (40)
&; 2-352 &;
يعني: يشهد. وكما قال الآخر:
فمـــا أضحــي ولا أمســيت إلا
أرانــــي منكـــم فـــي كَوَّفـــان (41)
فقال: أضحي, ثم قال: " ولا أمسيت ".
* * *
وقال بعض نحويي الكوفيين: إنما قيل: (فلم تقتلون أنبياء الله من قبل)، فخاطبهم بالمستقبل من الفعل، ومعناه الماضي, كما يعنف الرجل الرجل على ما سلف منه من فعل فيقول له: ويحك، لم تكذب؟ ولم تبغض نفسك إلى الناس؟ كما قال الشاعر:
&; 2-353 &; إذا مــا انتسـبنا, لـم تلـدني لئيمـة
ولـم تجـدي مـن أن تُقِـري بـه بُدَّا (42)
فالجزاء للمستقبل, والولادة كلها قد مضت. وذلك أن المعنى معروف, فجاز ذلك. قال: ومثله في الكلام: " إذا نظرت في سيرة عمر، لم تجده يسيء ". (43) المعنى: لم تجده أساء. فلما كان أمر عمر لا يشك في مضيه، لم يقع في الوهم أنه مستقبل. فلذلك صلحت " من قبل " مع قوله: (فلم تقتلون أنبياء الله من قبل). قال: وليس الذين خوطبوا بالقتل هم القتلة, إنما قتل الأنبياء أسلافهم الذين مضوا, فتولوهم على ذلك ورضوا به، فنسب القتل إليهم. (44)
* * *
قال أبو جعفر: والصواب فيه من القول عندنا، أن الله خاطب الذين أدركوا رسول الله صلى الله عليه وسلم من يهود بني إسرائيل - بما خاطبهم في سورة البقرة وغيرها من سائر السور - بما سلف من إحسانه إلى أسلافهم, وبما سلف من كفران أسلافهم نعمه, وارتكابهم معاصيه, واجترائهم عليه وعلى أنبيائه, وأضاف ذلك إلى المخاطبين به، نظير قول العرب بعضها لبعض: فعلنا بكم يوم كذا كذا وكذا, وفعلتم بنا يوم كذا كذا وكذا - على نحو ما قد بيناه في غير موضع من كتابنا هذا -، (45) يعنون بذلك أن أسلافنا فعلوا ذلك بأسلافكم، وأن أوائلنا فعلوا ذلك بأوائلكم. فكذلك ذلك في قوله: (فلم تقتلون أنبياء الله من قبل)، إذْ كان قد خرج على لفظ الخبر عن المخاطبين به خبرا من الله تعالى ذكره عن &; 2-354 &; فعل السالفين منهم - (46) على نحو الذي بينا - جاز أن يقال " من قبل "، إذْ كان معناه: قل: فلم يقتل أسلافكم أنبياء الله من قبل "؟ وكان معلوما بأن قوله: (فلم تقتلون أنبياء الله من قبل)، إنما هو خبر عن فعل سلفهم.
* * *
وتأويل قوله: (من قبل)، أي: من قبل اليوم.
* * *
وأما قوله: (إن كنتم مؤمنين)، فإنه يعني: إن كنتم مؤمنين بما نـزل الله عليكم كما زعمتم. وإنما عنى بذلك اليهود الذين أدركوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأسلافهم - إن كانوا وكنتم، كما تزعمون أيها اليهود، مؤمنين. وإنما عيرهم جل ثناؤه بقتل أوائلهم أنبياءه، عند قولهم حين قيل لهم: آمِنُوا بِمَا أَنْـزَلَ اللَّهُ قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنْـزِلَ عَلَيْنَا . لأنهم كانوا لأوائلهم - الذين تولوا قتل أنبياء الله، مع قيلهم: نؤمن بما أنـزل علينا - متولين, وبفعلهم راضين. فقال لهم: إن كنتم كما تزعمون مؤمنين بما أنـزل عليكم, فلم تتولون قتلة أنبياء الله؟ أي: ترضون أفعالهم. (47)
----------------
الهوامش:
(34) انظر معاني القرآن للفراء 1 : 60 .
(35) انظر معاني القرآن للفراء 1 : 60 - 61 .
(36) هو رجل من بني سلول .
(37) سيبويه 1 : 416 ، الخزانة 1 : 173 ، وشرح شواهد المغني : 107 وغيرها كثير . وروايتهم جميعا"ثمت قلت" . وبعده بيت آخر :
غضبــان ممتلئــا عــلي إهابـه
إنــي وربــك سـخطه يـرضيني
(38) هو الطرماح بن حكيم الطائي .
(39) ديوانه : 146 ، وسيأتي في 4 : 97 (بولاق) ، وحماسة البحتري : 109 ، واللسان (كون) وقد كان في هذا الموضع"بشكرى" ، وهو خطأ ، سيأتي من رواية الطبري على الصواب . وروى اللسان : "واستنجاز ما كان" . وصواب الرواية : "فإني لآتيكم" فإنه قبله :
مــن كــان لا يـأتيك إلا لحاجـة
يـروح بهـا فيمـا يـروح ويغتـدى
فـــــإني لآتيكـــــم . . . .
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
(40) ديوانه : 85 ، ونسب قريش : 138 ، والاستيعاب : 604 ، وأنساب الأشراف 5 : 32 ، وسمط اللآلئ : 674 . قالها الحطيئة في الوليد بن عقبة بن أبي معيط ، وكان من رجالات قريش همة وسخاء . استعمله أبو بكر وعمر وعثمان ، فلما كان زمان عثمان ، رفعوا عليه أنه شرب الخمر ، فعزله عثمان وجلده الحد ، وكان لهذا شأن كبير ، فقال الحطيئة يعذره ويمدحه ، ويذكر عزله :
شــهد الحطيئـة حـين يلقـى ربـه
أن الوليـــد أحـــق بـــالعذر
خــلعوا عنــانك إذ جـريت, ولـو
تركــوا عنـانك لـم تـزل تجـري
ورأوا شـــمائل مـــاجد أنــف
يعطــي عــلى الميسـور والعسـر
فــنزعت, مكذوبــا عليـك, ولـم
تــردد إلــى عــوز ولا فقـــر
قال مصعب بن عبد الله الزبيري في نسب قريش : "فزادوا فيها من غير قول الحطيئة :
نــادى وقــد تمــت صلاتهــم
أأزيـــدكم? ثمـــلا ولا يــدري
لــيزيدهم خمســا, ولــو فعلـوا
مــرت صلاتهــم عــلى العشـر
وقد أكثر الناس فيما كان من خبر الوليد ، وما كان من شعر الحطيئة فيه . وهذا نص من أعلم قريش بأمر قريش ، على أن البيتين قد نحلهما الحطيئة ، متكذب على الوليد ، لما كان له في الشأن في أمر عثمان رضي الله عنه . ولقد جلد الوليدبن عقبة مكذوبا عليه كما قال الحطيئة ، فاعتزل الناس . وروى أبو العباس المبرد في التعازي والمراثي (ورقة : 196) قال : : "قال الوليد بن عقبة عند الموت ، وهو بالبليخ من أرض الجزيرة : "اللهم إن كان أهل الكوفة صدقوا على ، فلا تلق روحي منك روحا ولا ريحانا ، وإن كانوا كذبوا على فلا ترضهم بأمير ولا ترض أميرا عنهم . انتقم لي منهم ، واجعله كفارة لما لا يعلمون من ذنوبي" . فليت أهل الشر كفوا ألسنتهم عن رجل من عقلاء الرجال وأشرافهم .
(41) لم أعرف قائله ، وهو في اللسان (كوف) والصاحبي : 187 . والكوفان (بتشديد الواو) : الاختلاط والشدة والعناء . يقال : إنا منه في كوفان ، أي في عنت وشقاء ودوران واختلاط .
(42) سلف تخريجه في هذا الجزء 2 : 165 .
(43) في معاني القرآن للفراء : "لم يسئ" ، بحذف"تجده" .
(44) في المطبوعة : "فتلوهم على ذلك ورضوا . فنسب . . " ، والصواب ما أثبته من معاني القرآن للفراء 1 : 60 - 61 ، وهذا الذي نقله الطبري هو نص كلامه .
(45) انظر ما سلف في هذا الجزء 2 : 302 تعليق : 1 والمراجع .
(46) في المطبوعة : "وإن كان قد خرج على لفظ الخبر . . " ، والصواب : "إذ . . " كما أثبته .
(47) في المطبوعة : "أي وترضون . . " بزيادة واو لا خير فيها .
2:92Page 14
۞ وَلَقَدۡ جَآءَكُم مُّوسَىٰ بِٱلۡبَيِّنَٰتِ ثُمَّ ٱتَّخَذۡتُمُ ٱلۡعِجۡلَ مِنۢ بَعۡدِهِۦ وَأَنتُمۡ ظَٰلِمُونَ ٩٢
And Moses had certainly brought you clear proofs. Then you took the calf [in worship] after that, while you were wrongdoers.
القول في تأويل قوله تعالى : وَلَقَدْ جَاءَكُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ (92)
قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بقوله: (ولقد جاءكم موسى بالبينات)، أي جاءكم بالبينات الدالة على صدقه وصحة نبوته، (48) كالعصا التي تحولت ثعبانا مبينا, ويده التي &; 2-355 &; أخرجها بيضاء للناظرين. وفلق البحر ومصير أرضه له طريقا يبسا, والجراد والقمل والضفادع, وسائر الآيات التي بينت صدقه وصحة نبوته. (49)
وإنما سماها الله " بينات " لتبينها للناظرين إليها أنها معجزة لا يقدر على أن يأتي بها بشر، إلا بتسخير الله ذلك له. وإنما هي جمع " بينة "، مثل " طيبة وطيبات ". (50)
* * *
قال أبو جعفر: ومعنى الكلام: ولقد جاءكم - يا معشر يهود بني إسرائيل - موسى بالآيات البينات على أمره وصدقه وصحة نبوته. (51)
* * *
وقوله: " ثم اتخذتم العجل من بعده وأنتم ظالمون " يقول جل ثناؤه لهم: ثم اتخذتم العجل من بعد موسى إلها. فالهاء التي في قوله: " من بعده "، من ذكر موسى. وإنما قال: من بعد موسى, لأنهم اتخذوا العجل من بعد أن فارقهم موسى ماضيا إلى ربه لموعده - على ما قد بينا فيما مضى من كتابنا هذا. (52)
وقد يجوز أن تكون " الهاء " التي في" بعده " إلى ذكر المجيء. فيكون تأويل الكلام حينئذ: ولقد جاءكم موسى بالبينات، ثم اتخذتم العجل من بعد مجيء البينات وأنتم ظالمون. كما تقول: جئتني فكرهته، يعني كرهت مجيئك.
* * *
وأما قوله: (وأنتم ظالمون)، فإنه يعني بذلك أنكم فعلتم ما فعلتم من عبادة العجل وليس ذلك لكم، وعبدتم غير الذي كان ينبغي لكم أن تعبدوه. لأن العبادة لا تنبغي لغير الله. وهذا توبيخ من الله لليهود, وتعيير منه لهم, وإخبار منه لهم أنهم إذا كانوا فعلوا ما فعلوا - من اتخاذ العجل إلها وهو لا يملك لهم ضرا ولا نفعا, بعد الذي علموا أن ربهم هو الرب الذي يفعل من الأعاجيب وبدائع الأفعال &; 2-356 &; ما أجراه على يدي موسى صلوات الله عليه، من الأمور التي لا يقدر عليها أحد من خلق الله, ولم يقدر عليها فرعون وجنده مع بطشه وكثرة أتباعه, وقرب عهدهم بما عاينوا من عجائب حِكَم الله - فهم إلى تكذيب محمد صلى الله عليه وسلم وجحود ما في كتبهم = التي زعموا أنهم بها مؤمنون = من صفته ونعته، مع بعد ما بينهم وبين عهد موسى من المدة - أسرع (53) وإلى التكذيب بما جاءهم به موسى من ذلك أقرب.
--------------
الهوامش :
(48) في المطبوعة : "وحقية نبوته" ، وليست مما يقوله أبو جعفر ، وقد مضى آنفًا مثل هذا التبديل من النساخ ، وكان في المخطوطة العتيقة ، على مثل الذي أثبته ، وانظر ما سلف 2 : 318 .
(49) انظر ما سلف في هذا الجزء 2 : 318 ، 354 .
(50) انظر ما سلف في هذا الجزء 2 : 318 ، 319 .
(51) انظر ما سلف في هذا الجزء 2 : 318 ، 354 .
(52) انظر ما سلف في هذا الجزء 2 : 60 - 69 .
(53) سياق هذه الجملة المفصلة : . . "وإخبار منه لهم أنهم إذا كانوا فعلوا ما فعلوا . . فهم إلى تكذيب محمد . . . أسرع" ، وكل ما بين ذلك فصول متتابعة كدأبه .
2:93Page 14
وَإِذۡ أَخَذۡنَا مِيثَٰقَكُمۡ وَرَفَعۡنَا فَوۡقَكُمُ ٱلطُّورَ خُذُواْ مَآ ءَاتَيۡنَٰكُم بِقُوَّةٖ وَٱسۡمَعُواْۖ قَالُواْ سَمِعۡنَا وَعَصَيۡنَا وَأُشۡرِبُواْ فِي قُلُوبِهِمُ ٱلۡعِجۡلَ بِكُفۡرِهِمۡۚ قُلۡ بِئۡسَمَا يَأۡمُرُكُم بِهِۦٓ إِيمَٰنُكُمۡ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ ٩٣
And [recall] when We took your covenant and raised over you the mount, [saying], "Take what We have given you with determination and listen." They said [instead], "We hear and disobey." And their hearts absorbed [the worship of] the calf because of their disbelief. Say, "How wretched is that which your faith enjoins upon you, if you should be believers."
القول في تأويل قوله تعالى : وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاسْمَعُوا قَالُوا سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا
قال أبو جعفر: يعني بقوله جل ثناؤه: (وإذ أخذنا ميثاقكم)، واذكروا إذ أخذنا عهودكم، بأن خذوا ما آتيناكم من التوراة - التي أنـزلتها إليكم أن تعملوا بما فيها من أمري, وتنتهوا عما نهيتكم فيها - بجد منكم في ذلك ونشاط, فأعطيتم على العمل بذلك ميثاقكم, إذ رفعنا فوقكم الجبل. (54)
وأما قوله: (واسمعوا)، فإن معناه: واسمعوا ما أمرتكم به وتقبلوه بالطاعة، كقول الرجل للرجل يأمره بالأمر: " سمعت وأطعت ", يعني بذلك: سمعت قولك، وأطعت أمرك، كما قال الراجز:
الســـمع والطاعـــة والتســليم
خـــير وأعفـــى لبنــي تميــمْ (55)
&; 2-357 &;
يعني بقوله: " السمع "، قبول ما يسمع، و " الطاعة " لما يؤمر. فكذلك معنى قوله: (واسمعوا)، اقبلوا ما سمعتم واعملوا به.
* * *
قال أبو جعفر: فمعنى الآية: وإذ أخذنا ميثاقكم أن خذوا ما آتيناكم بقوة, واعملوا بما سمعتم, وأطيعوا الله, ورفعنا فوقكم الطور من أجل ذلك.
* * *
وأما قوله: (قالوا سمعنا)، فإن الكلام خرج مخرج الخبر عن الغائب بعد أن كان الابتداء بالخطاب, فإن ذلك كما وصفنا، (56) من أن ابتداء الكلام، إذا كان حكاية، فالعرب تخاطب فيه ثم تعود فيه إلى الخبر عن الغائب، وتخبر عن الغائب ثم تخاطب، كما بينا ذلك فيما مضى قبل. (57) فكذلك ذلك في هذه الآية، لأن قوله: (وإذ أخذنا ميثاقكم)، بمعنى: قلنا لكم، فأجبتمونا.
* * *
وأما قوله: (قالوا سمعنا)، فإنه خبر من الله - عن اليهود الذين أخذ ميثاقهم أن يعملوا بما في التوراة، وأن يطيعوا الله فيما يسمعون منها - أنهم قالوا حين قيل لهم ذلك: سمعنا قولك، وعصينا أمرك.
* * *
القول في تأويل قوله تعالى : وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ
قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك. فقال بعضهم: وأشربوا في قلوبهم حب العجل.
* ذكر من قال ذلك:
1561 - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، حدثنا معمر, عن قتادة: (وأشربوا في قلوبهم العجل)، قال: أشربوا حبه، حتى خلص ذلك إلى قلوبهم.
&; 2-358 &;
1562 - حدثني المثنى قال، حدثنا آدم قال، حدثنا أبو جعفر, عن الربيع, عن أبي العالية: (وأشربوا في قلوبهم العجل)، قال: أشربوا حب العجل بكفرهم.
1563 - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي جعفر عن أبيه, عن الربيع: (وأشربوا في قلوبهم العجل)، قال: أشربوا حب العجل في قلوبهم.
* * *
وقال آخرون: معنى ذلك أنهم سقوا الماء الذي ذري فيه سحالة العجل. (58)
* ذكر من قال ذلك:
1564 - حدثني موسى بن هارون قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط, عن السدي: لما رجع موسى إلى قومه، أخذ العجل الذي وجدهم عاكفين عليه، فذبحه, ثم حرقه بالمبرد, (59) ثم ذرّاه في اليم, فلم يبق بحر يومئذ يجري إلا وقع فيه شيء منه. ثم قال لهم موسى: اشربوا منه، فشربوا منه, فمن كان يحبه خرج على شاربه الذهب. فذلك حين يقول الله عز وجل: (وأشربوا في قلوبهم العجل بكفرهم). (60)
1565 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج عن ابن جريج قال: لما سحل فألقي في اليم، استقبلوا جرية الماء, فشربوا حتى ملئوا بطونهم, فأورث ذلك من فعله منهم جبنا.
* * *
قال أبو جعفر: وأولى التأويلين اللذين ذكرت بقول الله جل ثناؤه: (وأشربوا &; 2-359 &; في قلوبهم العجل) تأويل من قال: وأشربوا في قلوبهم حب العجل. لأن الماء لا يقال منه: أشرب فلان في قلبه, وإنما يقال ذلك في حب الشيء, فيقال منه: " أشرب قلب فلان حب كذا ", بمعنى سقي ذلك حتى غلب عليه وخالط قلبه، كما قال زهير:
فصحـوت عنهـا بعـد حـب داخـل
والحــــب يُشْـــرَبُه فـــؤادُك داء (61)
قال أبو جعفر: ولكنه ترك ذكر " الحب " اكتفاء بفهم السامع لمعنى الكلام. إذ كان معلوما أن العجل لا يُشرِب القلب, وأن الذي يشرب القلب منه حبه, كما قال جل ثناؤه: وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ [سورة الأعراف: 163]، وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا [يوسف: 82]، وكما قال الشاعر: (62)
ألا إننــي سُــقِّيت أســود حالكـا
ألا بَجَلِـي مــن الشــراب ألا بَجَـل (63)
&; 2-360 &;
يعني بذلك سُمّا أسود, فاكتفى بذكر " أسود " عن ذكر " السم " لمعرفة السامع معنى ما أراد بقوله: " سقيت أسود ". ويروى:
ألا إنني سقيت أسود سالخا (64)
وقد تقول العرب: " إذا سرك أن تنظر إلى السخاء فانظر إلى هرم، أو إلى حاتم ", (65)
فتجتزئ بذكر الاسم من ذكر فعله، إذا كان معروفا بشجاعة أو سخاء أو ما أشبه ذلك من الصفات، ومنه قول الشاعر:
يقولـون جـاهد يـا جـميل بغـزوة
وإن جهــادا طيــئ وقتالهـــا (66)
* * *
القول في تأويل قوله تعالى : قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (93)
قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: قل يا محمد ليهود بني إسرائيل: بئس الشيء يأمركم به إيمانكم؛ إن كان يأمركم بقتل أنبياء الله ورسله, &; 2-361 &; والتكذيب بكتبه, وجحود ما جاء من عنده. ومعنى " إيمانهم ": تصديقهم الذي زعموا أنهم به مصدقون من كتاب الله, إذْ قيل لهم: آمِنُوا بِمَا أَنْـزَلَ اللَّهُ . فقالوا: نُؤْمِنُ بِمَا أُنْـزِلَ عَلَيْنَا . وقوله: (إن كنتم مؤمنين)، أي: إن كنتم مصدقين كما زعمتم بما أنـزل الله عليكم، (67) وإنما كذبهم الله بذلك - لأن التوراة تنهي عن ذلك كله، وتأمر بخلافه. فأخبرهم أن تصديقهم بالتوراة، إن كان يأمرهم بذلك، فبئس الأمر تأمر به. وإنما ذلك نفي من الله تعالى ذكره عن التوراة، أن تكون تأمر بشيء مما يكرهه الله من أفعالهم, وأن يكون التصديق بها يدل على شيء من مخالفة أمر الله، وإعلام منه جل ثناؤه أن الذي يأمرهم بذلك أهواؤهم, والذي يحملهم عليه البغي والعدوان.
* * *
--------------
الهوامش :
(54) سلف شرحه لألفاظ هذه الآية : "ميثاق" ، "الطور" ، "الإيتاء" ، "قوة" ، فاطلبه في المواضع الآتية 2 : 156 ، 157 ، 160 والمراجع .
(55) قائلة رجل من ضبة ، من بني ضرار يدعى جبير بن الضحاك ، ومن خبره أن عبد الله بن عمرو بن غيلان الثقفي والي البصرة في سنة 55 ، خطب على منبرها فحصبه جبير هذا ، فأمر به عبد الله بن عمرو فقطعت يده . فقال الرجز . ورفعوا الأمر إلى معاوية فعزله (تاريخ الطبري 6 : 167) .
(56) في المطبوعة : "مما وصفنا" ، ليست شيئا .
(57) انظر ما سلف 1 : 153 - 154 ، وهذا الجزء 2 : 293 ، 294 .
(58) السحالة : ما سقط من الذهب والفضة ونحوهما إذا سحلا ، أي بردا بالمبرد .
(59) حرقه : برده بالمبرد ، وانظر ما سلف من هذا الجزء 2 : 74 .
(60) الأثر : 1564 - سلف برقم : 937 .
(61) ديوانه : 339 ، وهو هناك"تشربه" بضم التاء وسكون الشين وكسر الراء ونصب"فؤادك" ، وشرحه فيه دليل على ذلك ، فإنه قال : "تدخله" وقال : "تشربه" تلزمه ولكن استدلال الطبري ، كما ترى يدل على ضبطه مبنيا للمجهول ، ورفع"فؤادك" . وحب داخل ، وداء داخل : قد خالط الجوف فأدخل الفساد على العقل والبدن .
(62) هو طرفة بن العبد .
(63) ديوانه : 343 (أشعار الستة الجاهليين) ، ونوادر أبي زيد : 83 ، واللسان (سود) . واختلف فيما أراد بقوله : "أسود" . قيل : الماء ، وقيل : المنية والموت . قال أبو زيد في نوادره : "يقال ما سقاني فلان من سويد قطرة ، (سويد : بالتصغير) هو الماء ، يدعى الأسود" . واستدل بالبيت . والصواب في ذلك أن يقال كما قال الطبري ، ويعني به : سوء ما لقى من هم وشقاء حالك في حب صاحبته الحنظلية ، التي ذكرها في شعره هذا قبل البيت :
فقــل لخيــال الحنظليــة ينقلـب
إليهـا, فـإني واصـل حبل من وصل
ألا إنمــا أبكــى ليــوم لقيتــه
بجـرثم قـاس, كـل مـا بعـده جلل
إذا جـاء مـا لا بـد منـه فمرحبـا
بـه حـين يـأتي - لا كذاب ولا علل
ألا إننـــــي . . . . . . . . . .
. . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ويروى : "ألا بجلى من الحياة" ، وهي أجود . . ورواية الديوان واللسان : (ألا إنني شربت) ، والتي هنا أجود . وقوله : "بجل" ، أي حسبي ما سقيت منك ومن الحياة .
(64) السالخ من الحيات : الأسود الشديد السواد ، وهو أقتل ما يكون إذا سلخ جلده في إبانه من كل عام .
(65) هرم بن سنان ، صاحب زهير بن أبي سلمى ، وحاتم : هو الطائي الذي لا يخفى له ذكر . وأكثر هذا في معاني القرآن للفراء 1 : 61 - 62 .
(66) معاني القرآن للفراء 1 : 62 ، ومجالس ثعلب : 76 ، واللسان (غزا) ، ونسبه لجميل ، ولا أظنه إلا أخطأ ، لذكر جميل في البيت ، ولمشابهته لقول جميل :
يقولـون : جـاهد يـا جـميل بغزوة!
وأي جهـــاد غـــيرهن أريــد?
ولكن البيت من شعر آخر ، لم أهتد إليه بعد البحث ، ويريد الأول : وإن الجهاد جهاد طيئ وقتالها ، فحذف واجتزأ .
(67) انظر ما سلف في معنى"الإيمان" 1 : 235 ، 2 : 143 وغيرهما .
Text: through the Quran Foundation. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences