At-Tabari · Tafsir · in Arabic
Al-Qasas 28:4–6
28:4Page 385
إِنَّ فِرۡعَوۡنَ عَلَا فِي ٱلۡأَرۡضِ وَجَعَلَ أَهۡلَهَا شِيَعٗا يَسۡتَضۡعِفُ طَآئِفَةٗ مِّنۡهُمۡ يُذَبِّحُ أَبۡنَآءَهُمۡ وَيَسۡتَحۡيِۦ نِسَآءَهُمۡۚ إِنَّهُۥ كَانَ مِنَ ٱلۡمُفۡسِدِينَ ٤
Indeed, Pharaoh exalted himself in the land and made its people into factions, oppressing a sector among them, slaughtering their [newborn] sons and keeping their females alive. Indeed, he was of the corrupters.
القول في تأويل قوله تعالى : إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (4)
يقول تعالى ذكره: إن فرعون تجبر في أرض مصر وتكبر, وعلا أهلها وقهرهم, حتى أقرّوا له بالعُبُودَةِ.
كما حدثنا محمد بن هارون, قال: ثنا عمرو بن حماد, قال: ثنا أسباط, عن السدي (إنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الأرْضِ) يقول: تجبر في الأرض.
حدثنا بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قَتادة (إنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الأرْضِ) أي: بغى في الأرض.
وقوله: ( وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا ) يعني بالشيع: الفِرَق، يقول: وجعل أهلَها فرقًا متفرّقين.
كماحدثنا بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قَتادة (وَجَعَل أَهْلَهَا شِيَعًا): أي فرقًا يذبح طائفة منهم, ويستحيي طائفة, ويعذب طائفة, ويستعبد طائفة، قال الله عز وجل: ( يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ ).
حدثني موسى بن هارون, قال: ثنا عمرو, قال: ثنا أسباط, عن السدي, قال: كان من شأن فرعون أنه رأى رؤيا في منامه, أن نارا أقبلت من بيت المقدس حتى اشتملت على بيوت مصر, فأحرقت القبط, وتركت بني إسرائيل, وأحرقت بيوت مصر, فدعا السحرة والكهنة والقافة والحازة (2) فسألهم عن رؤياه, فقالوا له: يخرج من هذا البلد الذي جاء بنو إسرائيل منه, يعنون بيت المقدس, رجل يكون على وجهه هلاك مصر, فأمر ببني إسرائيل أن لا يولد لهم غلام إلا ذبحوه, ولا تولد لهم جارية إلا تركت, وقال للقبط: انظروا مملوكيكم الذين يعملون خارجا, فأدخلوهم, واجعلوا بني إسرائيل يلون تلك الأعمال القذرة, فجعل بني إسرائيل في أعمال غلمانهم, وأدخلوا غلمانهم, فذلك حين يقول: ( إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الأرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا ) يعني بني إسرائيل، حين جعلهم في الأعمال القذرة.
حدثني محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن, قال: ثنا ورقاء جميعا, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد ( وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا ) قال: فرّق بينهم.
حدثنا القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج, عن مجاهد : ( وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا ) قال: فِرَقا.
حدثني يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, في قوله: ( وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا ) قال: الشيع: الفِرَق.
وقوله: ( يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ ) ذكر أن استضعافه إياها كان استعباده.
* ذكر من قال ذلك:
حدثنا القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني أبو سفيان, عن معمر, عن قَتادة: يستعبد طائفة منهم, ويذبح طائفة, ويقتل طائفة, ويستحي طائفة.
وقوله: ( إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ ) يقول: إنه كان ممن يفسد في الأرض بقتله من لا يستحقّ منه القتل, واستعباده من ليس له استعباده، وتجبره في الأرض على أهلها, وتكبره على عبادة ربه.
------------------------
الهوامش:
(1) يريد أن (من) ليست للتفضيل، ولذلك قدمها على خير، وإنما هي للتعليل أو نحوه.
(2) لعله: الحزاة، بضم الحاء، جمع الحازي، وهو المتكهن. قال في (اللسان: حزا) التحزي: التكهن، حزى حزيًا، وتحزى: تكهن. ولم نجده في مادة (حوز) معنى التكهن. فلعل ما في الأصل خطأ الناسخ. ويؤيد ما قلناه أنه سيجيء في صفحة 8 سطر 23 صحيحًا كما قلناه.
28:5Page 385
وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى ٱلَّذِينَ ٱسۡتُضۡعِفُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَنَجۡعَلَهُمۡ أَئِمَّةٗ وَنَجۡعَلَهُمُ ٱلۡوَٰرِثِينَ ٥
And We wanted to confer favor upon those who were oppressed in the land and make them leaders and make them inheritors
القول في تأويل قوله تعالى : وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ (5)
ومعنى الكلام: أن فرعون علا في الأرض وجعل أهلها، من بني إسرائيل، فِرَقًا يستضعِف طائفة منهم (وَ) نَحْنُ( نُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ ) استضعفهم فرعون من بني إسرائيل ( وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً ).
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك:
حدثنا بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قَتادة ( وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأرْضِ ) قال: بنو إسرائيل.
قوله: ( وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً ) أي: ولاة وملوكا.
وبنحو الذي قلنا في ذلك, قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك:
حدثنا بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قَتادة ( وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً ) أي: ولاة الأمر.
وقوله: ( وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ ) يقول: ونجعلهم ورَّاث آل فرعون يرثون الأرض من بعد مهلكهم.
وبنحو الذي قلنا في تأويل ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك:
حدثنا بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قَتادة (وَنَجْعَلَهُمُ الوَارِثِينَ): أي يرثون الأرض بعد فرعون وقومه.
28:6Page 386
وَنُمَكِّنَ لَهُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَنُرِيَ فِرۡعَوۡنَ وَهَٰمَٰنَ وَجُنُودَهُمَا مِنۡهُم مَّا كَانُواْ يَحۡذَرُونَ ٦
And establish them in the land and show Pharaoh and [his minister] Hāmān and their soldiers through them1 that which they had feared.
القول في تأويل قوله تعالى : وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ (6)
وقوله: (وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الأرْضِ) يقول: ونوطئ لهم في أرض الشام ومصر ( وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا ) كانوا قد أخبروا أن هلاكهم على يد رجل من بني إسرائيل, فكانوا من ذلك على وجل منهم, ولذلك كان فرعون يذبح أبناءهم, ويستحيي نساءهم, فأرى الله فرعونَ وهامان وجنودهما، من بني إسرائيل على يد موسى بن عمران نبيه، ما كانوا يحذرونه منهم من هلاكهم وخراب منازلهم ودورهم.
كما حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قَتادة ( وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الأرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ ) شيئًا ما حذّر القوم.
قال: وذُكر لنا أن حازيا حزا لعدوّ الله فرعون, فقال: يولد في هذا العام غلام من بني إسرائيل يسلبك ملكك, فتتبَّع أبناءهم ذلك العام، يقتل أبناءهم, ويستحيي نساءهم، حذرًا مما قال له الحازي.
حدثنا القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثنا أبو سفيان, عن معمر, عن قَتادة, قال: كان لفرعون رجل ينظر له ويخبره, يعني أنه كاهن, فقال له: إنه يولد في هذا العام غلام يذهب بملككم, فكان فرعون يذبح أبناءهم, ويستحيي نساءهم حذرا, فذلك قوله: ( وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ ).
واختلفت القرّاء في قراءة قوله: ( وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ ) فقرأ ذلك عامة قرّاء الحجاز والبصرة، وبعض الكوفيين: ( وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ ) بمعنى: ونري نحن، بالنون عطفا بذلك على قوله: ( وَنُمَكِّنَ لَهُمْ ). وقرأ ذلك عامة قرّاء الكوفة: " وَيَرَى فِرْعَوْنُ" على أن الفعل لفرعون, بمعنى: ويعاين فرعون، بالياء من يرى, ورفع فرعون وهامان والجنود.
والصواب من القول في ذلك، أنهما قراءتان معروفتان في قرّاء الأمصار، متقاربتا المعنى, قد قرأ بكل واحدة منهما علماء من القراء, فبأيتهما قرأ القارئ فهو مصيب, لأنه معلوم أن فرعون لم يكن ليرى من موسى ما رأى, إلا بأن يريه الله عزّ وجلّ منه, ولم يكن ليريه الله تعالى ذكره ذلك منه إلا رآه.
Text: through the Quran Foundation. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences