At-TabariAli 'Imran · 3:106–108

At-Tabari · Tafsir · in Arabic

Ali 'Imran 3:106–108

3:106Page 63

يَوۡمَ تَبۡيَضُّ وُجُوهٞ وَتَسۡوَدُّ وُجُوهٞۚ فَأَمَّا ٱلَّذِينَ ٱسۡوَدَّتۡ وُجُوهُهُمۡ أَكَفَرۡتُم بَعۡدَ إِيمَٰنِكُمۡ فَذُوقُواْ ٱلۡعَذَابَ بِمَا كُنتُمۡ تَكۡفُرُونَ ١٠٦

On the Day [some] faces will turn white and [some] faces will turn black. As for those whose faces turn black, [to them it will be said], "Did you disbelieve [i.e., reject faith] after your belief? Then taste the punishment for what you used to reject."

القول في تأويل قوله تعالى : يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (106)

قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: أولئك لهم عذاب عظيم في يوم تبيض وجوه وتسودُّ وجوه.

* * *

وأما قوله: " فأما الذين اسودت وجوههم أكفرتم بعد إيمانكم "، فإن معناه: فأما الذين اسودت وجوههم، فيقال لهم: أكفرتم بعد إيمانكم؟ فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون. ولا بدل " أما " من جواب بالفاء، فلما أسقط الجواب سقطت " الفاء " معه. وإنما جاز ترك ذكر " فيقال " لدلالة ما ذكر من الكلام عليه.

* * *

وأما معنى قوله جل ثناؤه: " أكفرتم بعد إيمانكم "، فإن أهل التأويل اختلفوا فيمن عُني به.

فقال بعضهم: عني به أهل قبلتنا من المسلمين.

*ذكر من قال ذلك:

7601- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتاده، قوله: " يوم تبيض وجوه وتسود وجوه "، الآية، لقد كفر أقوامٌ بعد إيمانهم كما تسمعون، ولقد ذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم كان يقول: " والذي نفس محمد بيده، ليردنّ على الحوض ممن صحبني أقوامٌ، حتى إذا رُفعوا إليّ ورأيتهم، اختُلِجوا دوني، فلأقولن: ربّ! أصحابي! أصحابي! فليقالنّ: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك "! = وقوله: " وأما الذين ابيضتْ وجوههم ففي رحمة الله "، هؤلاء أهل طاعة الله، والوفاء بعهد الله، قال الله عز وجل: " ففي رحمة الله هم فيها خالدون ". (80)

7602- حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: " يوم تبيضُّ وجوه وتسودُّ وجوه فأما الذين اسودت وجوههم أكفرتم بعد إيمانكم فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون "، فهذا من كفر من أهل القبلة حين اقتتلوا.

7603- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن حماد بن سلمة والربيع بن صبيح، عن أبي مجالد، عن أبي أمامة: " فأما الذين اسودت وجوههم أكفرتم بعد إيمانكم "، قال: هم الخوارج.

* * *

وقال آخرون: عنى بذلك: كلّ من كفر بالله بعد الإيمان الذي آمن، &; 7-95 &; حين أخذ الله من صلب آدم ذريته وأشهدهم على أنفسهم بما بيَّن في كتابه. (81)

*ذكر من قال ذلك:

7604- حدثني المثني قال، حدثنا علي بن الهيثم قال، أخبرنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، عن أبي العالية، عن أبيّ بن كعب، في قوله: " يوم تبيض وجوه وتسود وجوه "، قال: صاروا يوم القيامة فريقين، فقال لمن اسودَّ وجهه، وعيَّرهم." أكفرتم بعد إيمانكم فذوقوا العذابَ بما كنتم تكفرون "، قال: هو الإيمان الذي كان قبل الاختلاف في زمان آدم، حين أخذ منهم عهدهم وميثاقهم، وأقرُّوا كلهم بالعبودية، وفطرهُمْ على الإسلام، فكانوا أمة واحدة مسلمين، يقول: " أكفرتم بعد إيمانكم "، يقول: بعد ذلك الذي كان في زمان آدم. وقال في الآخرين: الذين استقاموا على إيمانهم ذلك، فأخلصوا له الدين والعمل، فبيَّض الله وجوههم، وأدخلهم في رضوانه وجنته.

* * *

وقال آخرون: بل الذين عنوا بقوله: " أكفرتم بعد إيمانكم "، المنافقون.

*ذكر من قال ذلك:

7605- حدثني محمد بن سنان قال، حدثنا أبو بكر الحنفي، عن عباد، عن الحسن: " يوم تبيض وجوه وتسود وجوه " الآية، قال: هم المنافقون، كانوا أعطوا كلمةَ الإيمان بألسنتهم، وأنكروها بقلوبهم وأعمالهم.

* * *

قال أبو جعفر: وأولى الأقوال التي ذكرناها في ذلك بالصواب، القولُ الذي ذكرناه عن أبي بن كعب أنه عنى بذلك جميع الكفار، وأنّ الإيمان الذي يوبَّخُون على ارتدادهم عنه، هو الإيمان الذي أقروا به يوم قيل لهم: أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا [سورة الأعراف: 172].

وذلك أن الله جل ثناؤه جعل جميعَ أهل الآخرة فريقين: أحدهما سودًا وجوهه، والآخر بيضًا وجوهه. (82) فمعلوم -إذ لم يكن هنالك إلا هذان الفريقان- أن جميع الكفار داخلون في فريق من سُوِّد وجهه، وأن جميع المؤمنين داخلون في فريق من بُيِّض وجهه. فلا وجه إذًا لقول قائل: " عنى بقوله: " أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ ، بعض الكفار دون بعض "، وقد عمّ الله جل ثناؤه الخبرَ عنهم جميعهم، وإذا دخل جميعهم في ذلك، ثم لم يكن لجميعهم حالة آمنوا فيها ثم ارتدوا كافرين بعدُ إلا حالة واحدة، كان معلومًا أنها المرادة بذلك. (83)

* * *

فتأويل الآية إذًا: أولئك لهم عذاب عظيمٌ في يوم تبيضُّ وجوه قوم وتسودُّ وجوه آخرين. فأما الذين اسودت وجوههم، فيقال: أجحدتم توحيد الله وعهدَه وميثاقَه الذي واثقتموه عليه، بأن لا تشركوا به شيئًا، وتخلصوا له العبادة - بعد إيمانكم =يعني: بعد تصديقكم به؟=" فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون "، يقول: بما كنتم تجحدون في الدنيا ما كان الله قد أخذ ميثاقكم بالإقرار به والتصديق

----------------------

الهوامش :

(80) الأثر: 7601- هذا أثر مرسل ، وقد أخرجه البخاري في صحيحه بغير هذا اللفظ (الفتح 11 : 408 ، 412 وما بعدها) ومسلم في صحيحه 17 : 194 ، وقوله: "رفعوا إلى" ، أي أظهرهم الله له فرآهم من بعيد. واختلج الشيء: نزعه وجذبه.

(81) يعني آية"سورة الأعراف: 172 قوله تعالى: {وَإِذْ أخَذَ ربكَ مِنْ بني آدَمَ مِنْ ظُهورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ} الآية.

(82) في المطبوعة: "سوداء... بيضاء" والصواب ما في المخطوطة.

(83) في المطبوعة: "أنها المراد" بغير تاء ، والصواب ما في المخطوطة

3:107Page 63

وَأَمَّا ٱلَّذِينَ ٱبۡيَضَّتۡ وُجُوهُهُمۡ فَفِي رَحۡمَةِ ٱللَّهِۖ هُمۡ فِيهَا خَٰلِدُونَ ١٠٧

But as for those whose faces turn white, [they will be] within the mercy of Allāh. They will abide therein eternally.

=" وأما الذين أبيضَّت وجوههم ". ممن ثبتَ على عهد الله وميثاقه، فلم يبدِّل دينه، ولم ينقلب على عَقِبيه بعد الإقرار بالتوحيد، والشهادة لربه بالألوهة، وأنه لا إله غيره =" ففي رحمة الله "، يقول: فهم في رحمة الله، يعني: في جنته ونعيمها وما أعد الله لأهلها فيها=" هم فيها خالدون "، أي: باقون فيها أبدًا بغير نهاية ولا غاية.

3:108Page 63

تِلۡكَ ءَايَٰتُ ٱللَّهِ نَتۡلُوهَا عَلَيۡكَ بِٱلۡحَقِّۗ وَمَا ٱللَّهُ يُرِيدُ ظُلۡمٗا لِّلۡعَٰلَمِينَ ١٠٨

These are the verses of Allāh. We recite them to you, [O Muḥammad], in truth; and Allāh wants no injustice to the worlds [i.e., His creatures].

القول في تأويل قوله تعالى : تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعَالَمِينَ (108)

قال أبو جعفر: يعني بقوله جل ثناؤه: " تلك آيات الله "، هذه آيات الله.

* * *

وقد بينا كيف وضعت العرب " تلك " و " ذلك " مكان " هذا " و " هذه "، في غير هذا الموضع فيما مضى قبل، بما أغنى عن إعادته. (84)

* * *

وقوله: "آيات الله "، (85) يعني: مواعظ الله وعبره وحججه. =" نتلوها عليك "، (86) نقرؤها عليك ونقصُّها= (بالحق)، يعني بالصدق واليقين.

وإنما يعني بقوله: " تلك آيات الله "، هذه الآيات التي ذكر فيها أمورَ المؤمنين من أنصار رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمور يهود بني إسرائيل وأهل الكتاب، وما هو فاعل بأهل الوفاء بعهده، وبالمبدِّلين دينه، والناقضين عهدَه بعد الإقرار به. ثم أخبر عز وجل نبيه محمدًا صلى الله عليه وسلم أنه يتلو ذلك عليه بالحق، وأعلمه أن من عاقبَ من خلقه بما أخبر أنه معاقبه [به]: (87) من تسويد وجهه، وتخليده في أليم عذابه وعظيم عقابه =ومن جازاه منهم بما جازاه: من تبييض وجهه وتكريمه وتشريف منـزلته لديه، بتخليده في دائم نعيمه، فبغير ظلم منه لفريق منهم، بل بحق استوجبوه، (88) وأعمال لهم سلفت، جازاهم عليها، فقال تعالى ذكره: " وما الله يريد ظلمًا للعالمين "، يعني بذلك: وليس الله يا محمد= &; 7-98 &; بتسويد وجوه هؤلاء، وإذاقتهم العذاب العظيم، وتبييض وجوه هؤلاء وتنعيمه إياهم في جنته =طالبًا وضعَ شيء مما فعل من ذلك في غير موضعه الذي هو موضعه= إعلامًا بذلك عباده أنه لن يصلح في حكمته بخلقه غير ما وعد أهل طاعته والإيمان به، وغير ما أوعد أهل معصيته والكفر به = وإنذارًا منه هؤلاء وتبشيرًا منه هؤلاء.

* * *

---------------

الهوامش :

(84) انظر ما سلف 1: 225 - 228 / 3: 335.

(85) انظر تفسير"آية" فيما سلف في فهارس اللغة مادة"أيا".

(86) انظر تفسير"تلا" فيما سلف 2: 409 - 411 ، 566 - 570 / 6: 466.

(87) في المطبوعة: "أن من عاقبه" ، وأثبت ما في المخطوطة فهو صواب. وما بين القوسين زيادة لا بد منها يقتضيها السياق.

(88) في المطبوعة: "بل لحق" ، وأثبت ما في المخطوطة.

Text: through the Quran Foundation. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском