At-TabariAli 'Imran · 3:139–141

At-Tabari · Tafsir · in Arabic

Ali 'Imran 3:139–141

3:139Page 67

وَلَا تَهِنُواْ وَلَا تَحۡزَنُواْ وَأَنتُمُ ٱلۡأَعۡلَوۡنَ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ ١٣٩

So do not weaken and do not grieve, and you will be superior if you are [true] believers.

القول في تأويل قوله : وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (139)

قال أبو جعفر: وهذا من الله تعالى ذكره تعزيةٌ لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم على ما أصابهم من الجراح والقتل بأحد.

قال: " ولا تهنوا ولا تحزنوا "، يا أصحاب محمد، يعني: ولا تضعفوا بالذي نالكم من عدوكم بأحد، من القتل والقروح - عن جهاد عدوكم وحربهم.

* * *

=من قول القائل: " وهنَ فلان في هذا الأمر فهو يهنُ وَهْنًا ".

* * *

=" ولا تحزنوا "، ولا تأسوْا فتجزعوا على ما أصابكم من المصيبة يومئذ، فإنكم " أنتم الأعلون "، يعني: الظاهرُون عليهم، ولكم العُقبَى في الظفر والنُّصرة عليهم =" إن كنتم مؤمنين "، يقول: إن كنتم مصدِّقي نبيي محمد صلى الله عليه وسلم فيما يَعدكم، وفيما ينبئكم من الخبر عما يؤول إليه أمركم وأمرهم. كما:-

7884- حدثنا المثني قال، حدثنا سويد بن نصر قال، أخبرنا ابن المبارك، عن يونس، عن الزهري قال: كثر في أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم القتلُ والجراح، حتى خلص إلى كل امرئ منهم البأسُ، فأنـزل الله عز وجل القرآن، فآسَى فيه المؤمنين بأحسن ما آسى به قومًا من المسلمين كانوا قبلهم من الأمم الماضية، فقال: " ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنم مؤمنين " إلى قوله: لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ .

7885- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله: " ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين "، يعزّي أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم كما تسمعون، ويحثهم على قتال عدوهم، وينهاهم عن العجز والوَهن في طلب عدوهم في سبيل الله.

7886- حدثني محمد بن سنان قال، حدثنا أبو بكر الحنفي قال، حدثنا عباد، عن الحسن في قوله: " ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين "، قال: يأمر محمدًا، يقول: " ولا تهنوا "، أن تمضوا في سبيل الله. (53)

7887- حدثنا محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله عز وجل: " ولا تهنوا "، ولا تضعفوا.

7888- حدثني المثني قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد مثله.

7889- حدثني المثني قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، في قوله: " ولا تهنوا ولا تحزنوا "، يقول: ولا تضعفوا.

7890- حدثني القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج: " ولا تهنوا "، قال ابن جريج: ولا تضعفوا في أمر عدوكم، =" ولا تحزنوا وأنتم الأعلون "، قال: انهزم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في الشِّعب، فقالوا: ما فعل فلان؟ ما فعل فلان؟ فنعى بعضهم بعضًا، وتحدَّثوا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد قتل، فكانوا في همّ وحزَن. فبينما هم كذلك، إذ علا خالد بن الوليد الجبلَ بخيل المشركين فوقهم، وهم أسفلُ في الشِّعب. فلما رأوا النبيّ صلى الله عليه وسلم فرحوا، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: " اللهم لا قوة لنا إلا بك، وليس يعبدك بهذه البلدة غير هؤلاء النفر "!. قال: وثاب نفرٌ من المسلمين رُماة، فصعدوا فرموا خيل المشركين حتى هزمهم الله، وعلا المسلمون الجبلَ. فذلك قوله: " وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين ".

7891- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق: " ولا تهنوا "، أي: لا تضعفوا =" ولا تحزنوا "، ولا تأسوا على ما أصابكم، (54) =" وأنتم الأعلون "، أي: لكم تكون العاقبة والظهور =" إن كنتم مؤمنين " إن كنتم صدَّقتم نبيي بما جاءكم به عني. (55)

7892- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قال: أقبل خالد بن الوليد يريد أن يعلو عليهم الجبل، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " اللهم لا يعلُون علينا ". فأنـزل الله عز وجل: " ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين ".

----------------

الهوامش :

(53) في المخطوطة: "وأن تمضوا" ، بزيادة "واو" ، والذي في المطبوعة أظهر.

(54) في سيرة ابن هشام: "ولا تبتئسوا".

(55) الأثر: 7891- سيرة ابن هشام 3: 116 ، وهو تتمة الآثار التي آخرها: 7878.

3:140Page 67

إِن يَمۡسَسۡكُمۡ قَرۡحٞ فَقَدۡ مَسَّ ٱلۡقَوۡمَ قَرۡحٞ مِّثۡلُهُۥۚ وَتِلۡكَ ٱلۡأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيۡنَ ٱلنَّاسِ وَلِيَعۡلَمَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَيَتَّخِذَ مِنكُمۡ شُهَدَآءَۗ وَٱللَّهُ لَا يُحِبُّ ٱلظَّٰلِمِينَ ١٤٠

If a wound should touch you - there has already touched the [opposing] people a wound similar to it. And these days [of varying conditions] We alternate among the people so that Allāh may make evident those who believe and [may] take to Himself from among you martyrs - and Allāh does not like the wrongdoers -

القول في تأويل قوله : إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ

قال أبو جعفر: اختلف القرأة في قراءة ذلك.

فقرأته عامة قرأة أهل الحجاز والمدينة والبصرة: ( إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ )، كلاهما بفتح " القاف "، بمعنى: إن يمسسكم القتل والجراح، يا معشر أصحاب محمد، فقد مس القوم من أعدائكم من المشركين قرح = قتلٌ وجراح = مثله.

* * *

وقرأ ذلك عامة قرأة الكوفة: ( إِنْ يَمْسَسْكُمْ قُرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قُرْحٌ مِثْلُهُ ). [كلاهما بضم القاف]. (56)

* * *

قال أبو جعفر: وأولى القراءتين بالصواب قراءة من قرأ: " إن يمسسكم قَرح فقد مس القوم قَرْح مثله "، بفتح " القاف " في الحرفين، لإجماع أهل التأويل على أن معناه: القتل والجراح، فذلك يدل على أن القراءة هي الفتح.

وكان بعض أهل العربية يزعُمُ أن " القَرح " و " القُرح " لغتان بمعنى واحد. والمعروف عند أهل العلم بكلام العرب ما قلنا. (57)

* * *

*ذكر من قال: إنّ" القَرح "، الجراح والقتل.

7893- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله: " إن يمسسكم قَرح فقد مس القوم قرحٌ مثله "، قال: جراحٌ وقتلٌ.

7894- حدثني المثني قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.

7895- حدثني محمد بن سنان قال، حدثنا أبو بكر الحنفي، عن عباد، عن الحسن في قوله: " إن يمسسكم قرحٌ فقد مس القوم قرح مثله "، قال: إن يقتلوا منكم يوم أحد، فقد قتلتم منهم يوم بدر.

7896- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله: " إن يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله "، والقرح الجراحة، وذاكم يوم أحد، فشا في أصحاب نبي الله صلى الله عليه وسلم يومئذ القتل والجراحة، فأخبرهم الله عز وجل أن القوم قد أصابهم من ذلك مثلُ الذي أصابكم، وأن الذي أصابكم عقوبة.

7897- حدثني المثني قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع في قوله: " إن يمسسكم قرحٌ فقد مس القوم قرح مثله "، قال: ذلك يوم أحد، فشا في المسلمين الجراح، وفشا فيهم القتل، فذلك قوله: " إن يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله "، يقول: إن كان أصابكم قرح فقد أصاب عدوّكم مثله = يعزّي أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم ويحثهُّم على القتال.

7898- حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: " إن يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله "، والقرح هي الجراحات.

7899- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق: " إن يمسسكم قرح " أي: جراح =" فقد مس القوم قرح مثله "، أي: جراح مثلها. (58)

7900- حدثني المثني قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا حفص بن عمر قال، حدثنا الحكم بن أبان، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: نام المسلمون وبهم الكلوم = يعني يوم أحد = قال عكرمة: وفيهم أنـزلت: " إن يمسسكم قرحٌ فقد مس القوم قرح مثله وتلك الأيام نداولها بين الناس "، وفيهم أنـزلت: إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لا يَرْجُونَ [سورة النساء: 104].

* * *

وأما تأويل قوله: " إن يمسسكم قرحٌ"، فإنه: إن يصبكم،. (59) كما:-

7901- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: " إن يمسسكم "، إن يصبكم.

* * *

القول في تأويل قوله : وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ

قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره [بقوله] (60) " وتلك الأيام نداولها بين الناس "، أيام بدر وأحُد.

* * *

ويعني بقوله: " نداولها بين الناس "، نجعلها دُوَلا بين الناس مصرَّفة. = ويعني بـ" الناس "، المسلمين والمشركين. وذلك أن الله عز وجل أدال المسلمين من المشركين ببدر، فقتلوا منهم سبعين وأسروا سبعين. وأدال المشركين من المسلمين بأحُد، فقتلوا منهم سبعين، سوى من جرحوا منهم.

* * *

يقال منه: " أدال الله فلانًا من فلان، فهو يُديله منه إدالة "، إذا ظفر به فانتصر منه مما كان نال منه المُدَال منه.

* * *

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

*ذكر من قال ذلك:

7902- حدثني محمد بن سنان قال، حدثنا أبو بكر الحنفي، عن عباد، عن الحسن: " وتلك الأيام نداولها بين الناس "، قال جعل الله الأيام دولا أدال الكفار يوم أحُد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم.

7903- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله: " وتلك الأيام نداولها بين الناس "، إنه والله لولا الدُّوَل ما أوذي المؤمنون، ولكن قد يُدال للكافر من المؤمن، ويبتلى المؤمن بالكافر، ليعلم الله من يطيعه ممن يعصيه، ويعلم الصادق من الكاذب.

7904- حدثني المثني قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع قوله: " وتلك الأيام نداولها بين الناس "، فأظهر الله عز وجل &; 7-240 &; نبيه صلى الله عليه وسلم وأصحابه على المشركين يوم بدر، وأظهر عليهم عدوَّهم يوم أحُد. وقد يدال الكافر من المؤمن، ويبتلى المؤمن بالكافر، ليعلم الله من يطيعه ممن يعصيه، ويعلم الصادق من الكاذب. وأما من ابتلى منهم = من المسلمين = يوم أحد، فكان عقوبة بمعصيتهم رسول الله صلى الله عليه وسلم.

7905- حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد قال، حدثنا أسباط، عن السدي: " وتلك الأيام نداولها بين الناس "، يومًا لكم، ويومًا عليكم.

7906- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج قال، قال ابن جريج، قال ابن عباس: " نداولها بين الناس "، قال: أدال المشركين على النبي صلى الله عليه وسلم يوم أحد.

7907- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثنا أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: " وتلك الأيام نداولها بين الناس "، فإنه كان يوم أحُد بيوم بدر، قُتل المؤمنون يومَ أحد، اتخذ الله منهم شهداء، وغلب رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم بدر المشركين، فجعل له الدولة عليهم.

7908- حدثني المثني قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا حفص بن عمر قال، حدثنا الحكم بن أبان، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: لما كان قتال أحد وأصاب المسلمين ما أصابَ، صعد النبي صلى الله عليه وسلم الجبل، فجاء أبو سفيان فقال: يا محمد! يا محمد! ألا تخرج؟ ألا تخرج؟ الحربُ سجال: يوم لنا ويوم لكم. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه: أجيبوه، فقالوا: لا سواء، لا سواء، قتلانا في الجنة وقتلاكم في النار! فقال أبو سفيان: لنا عُزَّى ولا عُزَّى لكم! فقال رَسول الله صلى الله عليه وسلم: قولوا: الله مولانا ولا مولى لكم. فقال أبو سفيان: اعْلُ هُبَل! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: قولوا: الله أعلى وأجل! فقال أبو سفيان: موعدكم وموعدنا بدرٌ الصغرى = قال عكرمة: وفيهم أنـزلت: " وتلك الأيام نداولها بين الناس ".

7909- حدثني المثني قال، حدثنا سويد بن نصر قال، حدثنا ابن المبارك، &; 7-241 &; عن ابن جريج، عن ابن عباس، في قوله: " وتلك الأيام نداولها بين الناس "، فإنه أدال على النبي صلى الله عليه وسلم يوم أحد.

7910- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق: " وتلك الأيام نداولها بين الناس "، أي نصرِّفها للناس، للبلاء والتمحيص. (61)

7911- حدثني إبراهيم بن عبد الله قال، أخبرنا عبد الله بن عبد الوهاب الحجبي قال، حدثنا حماد بن زيد، عن ابن عون، عن محمد في قول الله: " وتلك الأيام نداولها بين الناس "، قال: يعني الأمراء. (62)

* * *

القول في تأويل قوله : وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (140)

قال أبو جعفر: يعني بذلك تعالى ذكره: وليعلم الله الذين آمنوا ويتخذ منكم شهداء = نداولها بين الناس.

ولو لم يكن في الكلام " واو "، لكان قوله: " ليعلم " متصلا بما قبله، وكان وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ ، ليعلم الله الذين آمنوا. ولكن لما دخلت " الواو " فيه، آذنت بأن الكلام متصل بما قبلها، وأن بعدها خبرًا مطلوبًا، واللام التي في قوله: " وليعلم "، به متعلقة. (63)

* * *

فإن قال قائل: وكيف قيل: " وليعلم الله الذين آمنوا " معرِفةً، وأنت لا تستجيز في الكلام: " قد سألت فعلمتُ عبد الله "، وأنت تريد: علمت شخصه، إلا أن تريد: علمت صفته وما هو؟

قيل: إن ذلك إنما جاز مع " الذين "، لأن في" الذين " تأويل " مَن " و " أيّ"، وكذلك جائز مثله في" الألف واللام "، كما قال تعالى ذكره: فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ [سورة العنكبوت: 3]، (64) لأن في" الألف واللام " من تأويل " أيّ"، و " مَن "، مثل الذي في" الذي". ولو جعل مع الاسم المعرفة اسم فيه دلالة على " أيّ"، جاز، كما يقال: " سألت لأعلم عبد الله مِنْ عمرو "، ويراد بذلك: لأعرف هذا من هذا. (65)

* * *

قال أبو جعفر: فتأويل الكلام: وليعلم الله الذين آمنوا منكم، أيها القوم، من الذين نافقوا منكم، نداول بين الناس = فاستغنى بقوله: " وليعلم الله الذين آمنوا منكم "، عن ذكر قوله: " من الذين نافقوا "، لدلالة الكلام عليه. إذ كان في قوله: " الذين آمنوا " تأويل " أيّ" على ما وصفنا. فكأنه قيل: وليعلم الله أيكم المؤمن، كما قال جل ثناؤه: لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى [سورة الكهف: 12] (66) غير أن " الألف واللام "، و " الذي" و " من " إذا وضعت مع العَلم موضع " أيّ"، نصبت بوقوع العلم عليه، كما قيل: وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ ، فأما " أيّ" فإنها ترفع. (67)

* * *

قال أبو جعفر: وأما قوله: " ويتخذ منكم شهداء "، فإنه يعني: " وليعلم &; 7-243 &; الله الذين آمنوا " وليتخذ منكم شهداء، أي: ليكرم منكم بالشهادة من أراد أن يكرمه بها.

* * *

=" والشهداء " جمع " شهيد "، (68) كما:-

7912- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق: " وليعلم الله الذين آمنوا ويتخذ منكم شهداء "، أي: ليميِّز بين المؤمنين والمنافقين، وليكرم من أكرَم من أهل الإيمان بالشهادة. (69)

7913- حدثني المثني قال، حدثنا سويد بن نصر قال، أخبرنا ابن المبارك قراءة على ابن جريج في قوله: " وليعلم الله الذين آمنوا ويتخذ منكم شهداء "، قال: فإن المسلمين كانوا يسألون ربهم: " ربنا أرنا يومًا كيوم بدر نقاتل فيه المشركين، ونُبليك فيه خيرًا، ونلتمس فيه الشهادة "! فلقوا المشركين يوم أحد، فاتخذ منهم شهداء.

7914- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله: " وليعلم الله الذين آمنوا ويتخذ منكم شهداء "، فكرَّم الله أولياءه بالشهادة بأيدي عدوِّهم، ثم تصير حواصل الأمور وعواقبها لأهل طاعة الله.

7915- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج: " وليعلم الله الذين آمنوا ويتخذ منكم شهداء "، قال: قال ابن عباس: كانوا يسألون الشهادة، فلقوا المشركين يوم أحد، فاتخذ منهم شهداء.

7916- حدثني عن الحسين بن الفرج قال سمعت أبا معاذ قال، أخبرنا عبيد بن سليمان قال، سمعت الضحاك يقول في قوله: " وليعلم الله الذين آمنوا ويتخذ منكم شهداء "، كان المسلمون يسألون ربهم أن يُريهم يومًا كيوم بدر، يبلون فيه خيرًا، ويرزقون فيه الشهادة، ويرزقون الجنة والحياة والرزق، فلقوا المشركين &; 7-244 &; يوم أحد، (70) فاتخذ الله منهم شهداء، وهم الذين ذكرهم الله عز وجل فقال: وَلا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ الآية، [سورة البقرة: 154].

* * *

قال أبو جعفر: وأما قوله: " والله لا يحب الظالمين "، فإنه يعني به: الذين ظلموا أنفسهم بمعصيتهم ربهم،، كما:-

7917- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق: " والله لا يحب الظالمين "، أي: المنافقين الذي يظهرون بألسنتهم الطاعة، وقلوبهم مصرَّة على المعصية. (71)

* * *

---------------

الهوامش :

(56) ما بين القوسين زيادة استظهرتها من سياق كلامه. هذا ، وظاهر من ترجيح أبي جعفر بعد ، أن في الكلام سقطًا من الناسخ ، وذلك تفسير"القرح" بضم القاف ، ولعله كان قد ذكر هنا ما قاله الفراء في معاني القرآن 1: 234 وذلك قوله: "وقد قرأ أصحابُ عبد الله"قُرْح" وكأن القُرْح: ألم الجراحات ، وكأن القَرْحَ الجراحاتُ بأعيانها".

(57) انظر التعليق السالف ، فنص قوله هنا دال على خرم في نص الطبري.

(58) الأثر: 7899- سيرة ابن هشام 3: 116 ، وهو تتمة الآثار التي آخرها: 7891.

(59) انظر تفسير: "المس" فيما سلف 2: 274 / 5 : 118 / 7: 155.

(60) ما بين القوسين زيادة يقتضيها سياق تفسيره.

(61) الأثر: 7910- سيرة ابن هشام 3: 116 ، 117 ، وهو تتمة الآثار التي آخرها: 7899.

(62) الأثر: 7911-"إبراهيم بن عبد الله" ، كثير ، والذي نصوا على أن الطبري روى عنه ، هو: "إبراهيم بن عبد الله بن محمد بن إبراهيم بن عثمان العبسي ، أبو شيبة بن أبي بكر بن أبي شيبة" توفى سنة 265. مترجم في التهذيب."وعبد الله بن عبد الوهاب الحجبي" ، روى عن مالك وحماد بن زيد. وروى عنه البخاري ، مات سنة 228. مترجم في التهذيب. و"محمد" هو ابن سيرين.

(63) في المطبوعة والمخطوطة"اللام" بغير واو ، والصواب إثباتها. وفي المطبوعة: "متعلقة به" ، وأثبت ما في المخطوطة.

(64) في المخطوطة والمطبوعة: "وليعلمن الله" بالواو ، وهو سهو من الناسخ مخالف للتلاوة.

(65) انظر تفصيل هذا في معاني القرآن للفراء 1: 234 ، 235.

(66) في المخطوطة والمطبوعة: "ليعلم" بالياء ، وهو سهو من الناسخ مخالف للتلاوة.

(67) انظر أيضًا معاني القرآن للفراء 1: 234 ، 235.

(68) انظر تفسير"الشهداء" فيما سلف 1: 376 - 378 / 3: 97 ، 145 / 6 : 75.

(69) الأثر: 7912- سيرة ابن هشام 3: 117 ، وهو تتمة الآثار التي آخرها: 7910.

(70) في المطبوعة: "فلقى المسلمون" ، بدل الناشر ما كان في المخطوطة: "فلقوا المسلمين" ، أما السيوطي في الدر المنثور 2: 79 ، فحذف"المسلمين" ، وكتب: "فلقوا يوم أحد" لفساد العبارة التي في مخطوطة الطبري فيما استظهر. ولكني رجحت أن الناسخ الكثير السهو ، سها أيضًا فكتب"المسلمين" مكان"المشركين" ، وأثبت ما رجحت ، لأنه حق الكلام.

(71) الأثر: 7917- سيرة ابن هشام 3: 117 ، وهو تتمة الآثار التي آخرها: 7912.

3:141Page 68

وَلِيُمَحِّصَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَيَمۡحَقَ ٱلۡكَٰفِرِينَ ١٤١

And that Allāh may purify the believers [through trials] and destroy the disbelievers.

القول في تأويل قوله : وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ (141)

قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بقوله: " وليمحِّصَ الله الذين آمنوا "، وليختبرَ الله الذين صدَّقوا الله ورسوله، فيبتليهم بإدالة المشركين منهم، حتى يتبين المؤمن منهم المخلصَ الصحيحَ الإيمان، من المنافق. كما:-

7918- حدثنا محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله: " وليمحص الله الذين آمنوا "، قال: ليبتلي. (1)

7919- حدثنا المثني قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد مثله.

7920- حدثني محمد بن سنان قال، حدثنا أبو بكر الحنفي، عن عباد، عن الحسن في قوله: " وليمحص الله الذين آمنوا "، قال: ليمحص الله المؤمن حتى يصدِّق.

7921- حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: " وليمحص الله الذين آمنوا "، يقول: يبتلي المؤمنين.

7922- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج قال، قال ابن عباس: " وليمحص الله الذين آمنوا "، قال: يبتليهم.

7923- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله: " وليمحص الله الذين آمنوا ويمحق الكافرين "، فكان تمحيصًا للمؤمنين، ومحقًا للكافرين.

7924- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق،" وليمحص الله الذين آمنوا "، أي يختبر الذين آمنوا، حتى يخلِّصهم بالبلاء الذي نـزل بهم، وكيف صَبْرهم ويقينُهم. (2)

7925- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: " وليمحص الله الذين آمنوا ويمحق الكافرين "، قال: يمحق من مُحق في الدنيا، وكان بقية من يمحق في الآخرة في النار.

* * *

وأما قوله: " ويمحق الكافرين "، فإنه يعني به: أنه ينقُصهم ويفنيهم.

* * *

يقال منه: " محقَ فلان هذا الطعام "، إذا نقصه أو أفناه،" يمحقه محقًا "، ومنه قيل لمحاق القمر: " مُحاق "، وذلك نقصانه وفناؤه، (3) كما:-

7926- حدثنا القاسم قال: حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن &; 7-246 &; ابن جريج قال، قال ابن عباس: " ويمحق الكافرين "، قال: ينقصهم.

7927- حدثني محمد بن سنان قال، حدثنا أبو بكر الحنفي، عن عباد، عن الحسن في قوله: " ويمحق الكافرين "، قال: يمحق الكافر حتى يكذِّبه.

7928- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق: " ويمحق الكافرين "، أي: يبطل من المنافقين قولهم بألسنتهم ما ليس في قلوبهم، حتى يظهر منهم كفرهم الذي يستترون به منكم. (4)

--------------------

الهوامش :

(1) في المطبوعة: ". . . عن مجاهد مثله في قوله. . ." ، وزيادة"مثله" فساد ، وليس في المخطوطة.

(2) الأثر: 7924- سيرة ابن هشام 3: 117 ، وهو تتمة الآثار التي آخرها: 7917.

(3) انظر تفسير"محق" فيما سلف 6: 15. و"المحاق" بضم الميم وكسرها.

(4) الأثر: 7928- سيرة ابن هشام 3: 117 ، وهو تتمة الآثار التي آخرها: 7924.

Text: through the Quran Foundation. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском