At-Tabari · Tafsir · in Arabic
Ali 'Imran 3:157–159
3:157Page 70
وَلَئِن قُتِلۡتُمۡ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ أَوۡ مُتُّمۡ لَمَغۡفِرَةٞ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَحۡمَةٌ خَيۡرٞ مِّمَّا يَجۡمَعُونَ ١٥٧
And if you are killed in the cause of Allāh or die - then forgiveness from Allāh and mercy are better than whatever they accumulate [in this world].
القول في تأويل قوله جل ثناؤه : وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (157)
قال أبو جعفر: يخاطب جل ثناؤه عباده المؤمنين، يقول لهم: (52) لا تكونوا، أيها المؤمنون، في شك من أن الأمور كلها بيد الله، وأن إليه الإحياء والإماتة، كما شك المنافقون في ذلك، ولكن جاهدوا في سبيل الله وقاتِلوا أعداء الله، على يقين منكم بأنه لا يقتل في حرب ولا يموت في سفر إلا من بلغ أجله وحانت وفاته. ثم وعدهم على جهادهم في سبيله المغفرة والرحمةَ، وأخبرهم أن موتًا في سبيل الله وقتلا في الله، (53) خير لهم مما يجمعون في الدنيا من حُطامها ورغيد عيشها الذي من أجله يتثاقلون عن الجهاد في سبيل الله، ويتأخرون عن لقاء العدو، كما:-
8117- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق: " ولئن قتلتم في سبيل الله أو متم لمغفرة من الله ورحمة خير مما يجمعون "، أي: إن الموت كائن لا بد منه، فموت في سبيل الله أو قتل، خير = لو علموا فأيقنوا = مما يجمعون في الدنيا التي لها يتأخرون عن الجهاد، تخوفًا من الموت والقتل لما جمعوا من زَهرة الدنيا، وزهادةً في الآخرة. (54) .
* * *
قال أبو جعفر: وإنما قال الله عز وجل: " لمغفرة من الله ورحمة خير مما يجمعون "، وابتدأ الكلام: وَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ بحذف جواب " لئن "، (55) لأن في قوله: &; 7-338 &; " لمغفرة من الله ورحمة خير مما يجمعون " معنى جواب للجزاء، (56) وذلك أنه وَعدٌ خرج مخرج الخبر.
* * *
فتأويل الكلام: ولئن قتلتم في سبيل الله أو متم، ليغفرن الله لكم وليرحمنّكم = فدلّ على ذلك بقوله: " لمغفرة من الله ورحمة خير مما يجمعون "، وجمع مع الدلالة به عليه، الخبَرَ عن فضل ذلك على ما يؤثرونه من الدنيا وما يجمعون فيها.
* * *
وقد زعم بعض أهل العربية من أهل البصرة، أنه إن قيل: كيف يكون: " لمغفرة من الله ورحمة " جوابًا لقوله: " ولئن قتلتم في سبيل الله أو متم "؟ فإن الوجه فيه أن يقال فيه كأنه قال: ولئن متم أو قتلتم فذلك لكم رحمة من الله ومغفرة، إذ كان ذلك في سبيلي، (57) فقال: " لمغفرة من الله ورحمة " يقول: لذلك خير مما تجمعون، يعني: لتلك المغفرة والرحمة خير مما تجمعون.
* * *
ودخلت اللام في قوله: " لمغفرة من الله "، لدخولها في قوله: و " لئن "، كما قيل: وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ الأَدْبَارَ [سورة الحشر: 12]
* * *
---------------
الهوامش:
(52) في المطبوعة: "فخاطب" ، وأثبت صوابها من المخطوطة.
(53) في المطبوعة: "وقتلا" وأثبت ما في المخطوطة ، وهو أجود.
(54) الأثر: 8117- سيرة ابن هشام 3: 123 ، وهو تتمة الآثار التي آخرها: 8116. وكان في المخطوطة والمطبوعة: "لما جمعوا من زهيد الدنيا" وهو تحريف ، والصواب من سيرة ابن هشام. وزهرة الدنيا: حسنها وبهجتها وغضارتها ، وكثرة خيرها ، ورغيد عيشها. وفي سيرة ابن هشام: "زهادة في الآخرة" ، بغير واو.
(55) في المطبوعة والمخطوطة"بحذف جزاء لئن" ، وهو خطأ بين وتصحيف من الناسخ ، سقطت منه باء"جواب" فكتب"جزاء".
(56) في المطبوعة والمخطوطة: "معنى جواز للجزاء" ، وهو تصحيف لا معنى له ، والصواب ما أثبت.
(57) في المطبوعة والمخطوطة: "فإن [القول] فيه أن يقال فيه: كأنه قال: ولئن متم أو قتلتم [فذكر لهم] رحمة من الله ومغفرة ، إذا كان ذلك في [السبيل]" ، وقد وضعت الكلمات التي استبدلت بها غيرها بين أقواس. وهذه الجملة التي في المطبوعة والمخطوطة لا يكاد يكون لها معنى. فالكلمة الأولى"القول" لا شك في خطئها ، وصوابها ما أثبت. أما "فذكر لهم" ، فإني أظن أن الناسخ قد أخطأ قراءة المخطوطة القديمة التي نقل عنها فقرأ"فذلك لكم""فذكر لهم" وأما "السبيل" ، ففي المخطوطة ضرب خفيف على ألف"السبيل" ، فرجحت قراءتها كما أثبت. وهو حق المعنى ، فاستقامت هذه الجملة مع ما بعدها ، والحمد لله.
3:158Page 71
وَلَئِن مُّتُّمۡ أَوۡ قُتِلۡتُمۡ لَإِلَى ٱللَّهِ تُحۡشَرُونَ ١٥٨
And whether you die or are killed, unto Allāh you will be gathered.
القول في تأويل قوله : وَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ (158)
قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: ولئن متم أو قتلتم، أيها المؤمنون، فإن إلى الله مرجعكم ومحشركم، فيجازيكم بأعمالكم، فآثروا ما يقرّبكم من الله ويوجب لكم رضاه، ويقربكم من الجنة، من الجهاد في سبيل الله والعمل بطاعته، على الركون إلى الدنيا وما تجمعون فيها من حُطامها الذي هو غير باقٍ لكم، بل هو زائلٌ عنكم، وعلى ترك طاعة الله والجهاد، فإن ذلك يبعدكم عن ربكم، ويوجب لكم سخطه، ويقرِّبكم من النار.
* * *
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال ابن إسحاق:
8118- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق: " ولئن متم أو قتلتم "، أيُّ ذلك كان =" لإلى الله تحشرون "، أي: أن إلى الله المرجع، فلا تغرنَّكم الحياة الدنيا ولا تغتروا بها، وليكن الجهاد وما رغبكم الله فيه منه، آثر عندكم منها. (1)
* * *
وأدخلت " اللام " في قوله: " لإلى الله تحشرون "، لدخولها في قوله: " ولئن ". ولو كانت " اللام " مؤخرة إلى قوله: " تحشرون "، لأحدثت " النون " الثقيلة فيه، كما تقول في الكلام: " لئن أحسنتَ إليّ لأحسننَّ إليك " بنون مثقّلة. فكان كذلك قوله: ولئن متم أو قتلتم لتحشرن إلى الله، ولكن لما حِيل بين " اللام " وبين " تحشرون " بالصفة، (2) أدخلت في الصفة، وسلمت " تحشرون "، فلم تدخلها " النون " الثقيلة، كما تقول في الكلام: " لئن أحسنتَ إليّ لإليك أحسن "، بغير " نون " مثقلة.
----------------
الهوامش :
(1) الأثر: 8118- سيرة ابن هشام 3: 123 ، وهو تتمة الآثار التي آخرها: 8117.
(2) في المطبوعة: "لما حيز بين اللام. . ." ، وفي المخطوطة: "ولما حين. . ." ، وصواب قراءتها ما أثبت. و"الصفة" حرف الجر ، انظر ما سلف 1: 299 ، تعليق: 1 ، وسائر فهارس المصطلحات في الأجزاء السالفة.
3:159Page 71
فَبِمَا رَحۡمَةٖ مِّنَ ٱللَّهِ لِنتَ لَهُمۡۖ وَلَوۡ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ ٱلۡقَلۡبِ لَٱنفَضُّواْ مِنۡ حَوۡلِكَۖ فَٱعۡفُ عَنۡهُمۡ وَٱسۡتَغۡفِرۡ لَهُمۡ وَشَاوِرۡهُمۡ فِي ٱلۡأَمۡرِۖ فَإِذَا عَزَمۡتَ فَتَوَكَّلۡ عَلَى ٱللَّهِۚ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلۡمُتَوَكِّلِينَ ١٥٩
So by mercy from Allāh, [O Muḥammad], you were lenient with them. And if you had been rude [in speech] and harsh in heart, they would have disbanded from about you. So pardon them and ask forgiveness for them and consult them in the matter. And when you have decided, then rely upon Allāh. Indeed, Allāh loves those who rely [upon Him].
القول في تأويل قوله : فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ
قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بقوله: " فبما رحمة من الله "، فبرحمة من الله، و " ما " صلة. (3) وقد بينت وجه دخولها في الكلام في قوله: إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا [سورة البقرة: 26]. (4) والعرب تجعل " ما " صلة في المعرفة والنكرة، كما قال: فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ [سورة النساء: 155 سورة المائدة: 13]، والمعنى: فبنقضهم ميثاقهم. وهذا في المعرفة. وقال في النكرة: عَمَّا قَلِيلٍ لَيُصْبِحُنَّ نَادِمِينَ [سورة المؤمنون: 40]، والمعنى: عن قليل. وربما جعلت اسما وهي في مذهب صلة، فيرفع ما بعدها أحيانًا على وجه الصلة، ويخفض على إتباع الصلة ما قبلها، كما قال الشاعر: (5)
فَكَـفَى بِنَـا فَضْـلا عَـلَى مَنْ غَيْرِنَا
حُـــبُّ النَّبــيِّ مُحَــمَّدٍ إِيَّانَــا (6)
إذا جعلت غير صلة رفعتَ بإضمار " هو "، وإن خفضت أتبعت " من "، (7) فأعربته. فذلك حكمه على ما وصفنا مع النكرات.
فأما إذا كانت الصلة معرفة، كان الفصيح من الكلام الإتباع، كما قيل: فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ ، والرفع جائز في العربية. (8)
* * *
وبنحو ما قلنا في قوله: " فبما رحمة من الله لنت لهم "، قال جماعة من أهل التأويل.
*ذكر من قال ذلك:
8119- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة في قوله: " فبما رحمة من الله لنت لهم "، يقول: فبرحمة من الله لنت لهم.
* * *
وأما قوله: " ولو كنت فظًّا غليظ القلب لانفضوا من حولك "، فإنه يعني بـ" الفظ " الجافي، وبـ" الغليظ القلب "، القاسي القلب، غير ذي رحمة ولا رأفة. وكذلك كانت صفته صلى الله عليه وسلم، كما وصفه الله به: بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ [سورة التوبة: 128].
* * *
فتأويل الكلام: فبرحمة الله، يا محمد، ورأفته بك وبمن آمن بك من أصحابك =" لنت لهم "، لتبَّاعك وأصحابك، فسُهلت لهم خلائقك، وحسنت لهم أخلاقك، حتى احتملت أذى من نالك منهم أذاه، وعفوت عن ذي الجرم منهم جرمَه، وأغضيت عن كثير ممن لو جفوت به وأغلظت عليه لتركك ففارقك ولم يتَّبعك ولا ما بُعثت به من الرحمة، ولكن الله رحمهم ورحمك معهم، فبرحمة من الله لنت لهم. كما:-
8120- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة: " ولو كنت فظًّا غليظ القلب لانفضوا من حولك "، إي والله، لطهَّره الله من الفظاظة والغلظة، وجعله قريبًا رحيما بالمؤمنين رءوفًا = وذكر لنا أن نعت محمد صلى &; 7-342 &; الله عليه وسلم في التوراة: " ليس بفظ ولا غليظ ولا صخوب في الأسواق، ولا يجزي بالسيئة مثلها، ولكن يعفو ويصفح ".
8121- حدثت عن عمار قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، بنحوه.
8122- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق في قوله: " فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظًّا غليظ القلب لانفضوا من حولك "، قال: ذكر لينه لهم وصبره عليهم = لضعفهم، وقلة صبرهم على الغلظة لو كانت منه = في كل ما خالفوا فيه مما افترض عليهم من طاعة نبيِّهم. (9)
* * *
وأما قوله: " لانفضوا من حولك "، فإنه يعني: لتفرقوا عنك. كما:-
8123- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريح قال، قال ابن عباس: قوله: " لانفضوا من حولك "، قال: انصرفوا عنك.
8124- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق: " لانفضوا من حولك "، أي: لتركوك. (10)
* * *
القول في تأويل قوله : فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (159)
قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بقوله: " فاعف عنهم "، فتجاوز، يا محمد، عن تُبَّاعك وأصحابك من المؤمنين بك وبما جئت به من عندي، ما نالك من أذاهم ومكروهٍ في نفسك =" واستغفر لهم "، وادع ربك لهم بالمغفرة لما أتوا من جُرْم، واستحقوا عليه عقوبة منه. كما:-
8125- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق: " فاعف عنهم "، أي: فتجاوز عنهم =" واستغفر لهم "، ذنوبَ من قارف من أهل الإيمان منهم. (11)
* * *
ثم اختلف أهل التأويل في المعنى الذي من أجله أمر تعالى ذكره نبيَّه صلى الله عليه وسلم أن يشاورهم، وما المعنى الذي أمره أن يشاورهم فيه؟
فقال بعضهم: أمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم بقوله: " وشاورهم في الأمر "، بمشاورة أصحابه في مكايد الحرب وعند لقاء العدو، تطييبًا منه بذلك أنفسَهم، وتألّفًا لهم على دينهم، وليروا أنه يسمع منهم ويستعين بهم، وإن كان الله عز وجل قد أغناه = بتدبيره له أمورَه، وسياسته إيّاه وتقويمه أسبابه = عنهم.
*ذكر من قال ذلك:
8126- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله: " وشاورهم في الأمر فإذا عزمت فتوكل على الله إن الله يحب المتوكلين "، &; 7-344 &; أمر الله عز وجل نبيه صلى الله عليه وسلم أن يشاور أصحابه في الأمور وهو يأتيه وحي السماء، لأنه أطيب لأنفس القوم = وأنّ القوم إذا شاور بعضهم بعضًا وأرادوا بذلك وجه الله، عزم لهم على أرشدِه.
8127- حدثت عن عمار قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع: " وشاورهم في الأمر "، قال: أمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم أن يشاور أصحابه في الأمور وهو يأتيه الوحي من السماء، لأنه أطيب لأنفسهم.
8128- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق: " وشاورهم في الأمر "، أي: لتريهم أنك تسمع منهم وتستعين بهم، و إن كنت عنهم غنيًّا، تؤلفهم بذلك على دينهم. (12)
* * *
وقال آخرون: بل أمره بذلك في ذلك. ليبين له الرأي وأصوبَ الأمور في التدبير، (13) لما علم في المشورة تعالى ذكره من الفضْل.
*ذكر من قال ذلك:
8129- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن سلمة بن نبيط، عن الضحاك بن مزاحم قوله: " وشاورهم في الأمر "، قال: ما أمر الله عز وجل نبيه صلى الله عليه وسلم بالمشورة، إلا لما علم فيها من الفضل.
8130- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنا معتمر بن سليمان، عن إياس بن دغفل، عن الحسن: ما شاور قوم قط إلا هُدُوا لأرشد أمورهم. (14)
* * *
وقال آخرون: إنما أمره الله بمشاورة أصحابه فيما أمرَه بمشاورتهم فيه، مع &; 7-345 &; إغنائه بتقويمه إياه وتدبيره أسبابه عن آرائهم، ليتبعه المؤمنون من بعده فيما حزبهم من أمر دينهم، ويستنُّوا بسنَّته في ذلك، ويحتذوا المثالَ الذي رأوه يفعله في حياته من مشاورتَه في أموره = مع المنـزلة التي هو بها من الله = أصحابَهُ وتبَّاعَهُ في الأمر ينـزل بهم من أمر دينهم ودنياهم، (15) فيتشاوروا بينهم ثم يصدروا عما اجتمع عليه ملؤهم. لأن المؤمنين إذا تشاوروا في أمور دينهم متبعين الحق في ذلك، لم يُخْلهم الله عز وجل من لطفه وتوفيقه للصواب من الرأي والقول فيه. قالوا: وذلك نظير قوله عز وجل الذي مدح به أهل الإيمان: وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ [سورة الشورى: 38].
*ذكر من قال ذلك:
8131- حدثنا سوَّار بن عبد الله العنبري قال، قال سفيان بن عيينة في قوله: " وشاورهم في الأمر "، قال: هي للمؤمنين، أن يتشاوروا فيما لم يأتهم عن النبي صلى الله عليه وسلم فيه أثر.
* * *
قال أبو جعفر: وأولى الأقوال بالصواب في ذلك أن يقال: إن الله عز وجل أمرَ نبيه صلى الله عليه وسلم بمشاورة أصحابه فيما حزبه من أمر عدوه ومكايد حربه، تألُّفًا منه بذلك من لم تكن بصيرته بالإسلام البصيرةَ التي يُؤْمَنُ عليه معها فتنة الشيطان = وتعريفًا منه أمته مأتى الأمور التي تحزُبهم من بعده ومطلبها، (16) ليقتدوا به في ذلك عند النوازل التي تنـزل بهم، فيتشاوروا فيما بينهم، كما كانوا يرونه في حياته صلى الله عليه وسلم يفعله. فأما النبي صلى الله عليه وسلم، فإن الله كان يعرِّفه مطالب وجوه ما حزبه من الأمور بوحيه أو إلهامه إياه صوابَ ذلك. وأما أمته، فإنهم إذا تشاوروا مستنِّين بفعله في ذلك، على تصادُقٍ وتأخٍّ للحق، (17) وإرادةِ &; 7-346 &; جميعهم للصواب، من غير ميل إلى هوى، ولا حَيْد عن هدى، فالله مسدِّدهم وموفِّقهم.
* * *
وأما قوله: " فإذا عزمت فتوكل على الله "، فإنه يعني: فإذا صحِّ عزمك بتثبيتنا إياك، وتسديدنا لك فيما نابك وحزبك من أمر دينك ودنياك، فامض لما أمرناك به على ما أمرناك به، وافق ذلك آراء أصحابك وما أشاروا به عليك، أو خالفها =" وتوكل "، فيما تأتي من أمورك وتدع، وتحاول أو تزاول، على ربك، فثق به في كل ذلك، وارض بقضائه في جميعه، دون آراء سائر خلقه ومعونتهم =" فإن الله يحب المتوكلين "، وهم الراضون بقضائه، والمستسلمون لحكمه فيهم، وافق ذلك منهم هوى أو خالفه. كما:-
8132- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق: " فإذا عزمت فتوكل على الله إنّ الله يحب المتوكلين " =" فإذا عزمت "، أي: على أمر جاءك مني، أو أمر من دينك في جهاد عدوك لا يصلحك ولا يصلحهم إلا ذلك، فامض على ما أمرتَ به، على خلاف من خالفك وموافقة من وافقك = و " توكل على الله "، (18) أي: ارضَ به من العباد =" إن الله يحب المتوكلين ". (19)
8133- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله: " فإذا عزمت فتوكل على الله "، أمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم إذا عزم على أمر أن يمضي فيه، ويستقيمَ على أمر الله، ويتوكل على الله.
8134- حدثت عن عمار، عن ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع قوله: " فإذا عزمت فتوكل على الله "، الآية، أمره الله إذا عزم على أمر أن يمضي فيه ويتوكل عليه.
-------------------
الهوامش :
(3) "الصلة" ، الزيادة ، انظر ما سلف 1: 190 / 405 ، تعليق: 4 / 406 / 548 ، ثم فهرس المصطلحات في سائر الأجزاء.
(4) انظر ما سلف 1: 404 ، 405.
(5) هو حسان بن ثابت ، أو كعب بن مالك ، أو غيرهما ، انظر ما سلف 1: 404 تعليق: 5.
(6) سلف تخريج البيت في 1: 404 ، تعليق: 5.
(7) وذلك أن"من" و"ما" حكمهما في هذا واحد ، كما سلف في 1: 404.
(8) انظر مقالة الفراء في معاني القرآن 1: 244 ، 245.
(9) الأثر: 8122- سيرة ابن هشام 3: 123 ، وهو من تتمة الآثار التي آخرها: 8118 ، وهو في السيرة تال للأثر الآتي رقم: 24 : 8.
(10) الأثر: 8124- سيرة ابن هشام 3: 123 ، وهو تتمة الآثار التي آخرها: 8122 ، ولكنه سابق له في سيرة ابن هشام.
(11) الأثر: 8125- سيرة ابن هشام 3: 123 ، وهو تتمة الآثار التي آخرها: 8124 ، ولكنه تال للأثر رقم: 8122 في سياق السيرة. وفي سيرة ابن هشام: "ذنوبهم من قارف" ، ولكن طابع السيرة جعل"ذنوبهم" من الآية ، فحصرها بين أقواس مع لفظ الآية!! وهو عجب!
(12) الأثر: 8128- سيرة ابن هشام 3: 123 ، وهو تتمة الآثار التي آخرها: 8125.
(13) في المطبوعة: "بل أمره بذلك في ذلك وإن كان له الرأي وأصوب الأمور. . ." ، لم يستطع الناشر أن يحسن قراءة المخطوطة ، وصواب قراءتها ما أثبت.
(14) الأثر: 8130-"إياس بن دغفل الحارثي ، أبو دغفل" ، روي عن الحسن ، وأبي نضرة وعطاء وغيرهم ، وروى عنه معتمر بن سليمان ، وأبو داود الطيالسي ، وأبو عامر العقدي. وهو ثقة. مترجم في التهذيب.
(15) قوله: "أصحابه وتباعه" منصوب مفعول لقوله: "من مشاورته في أموره. . ."
(16) في المطبوعة: "ما في الأمور" ، والصواب ما في المخطوطة ، ولكن الناشر الأول لم يحسن قراءتها. يريد: الوجه الذي تؤتى منه الأمور وتطلب.
(17) "توخى الأمر": تحراه وقصده ويممه ، ثم تقلب واوه ألفًا فيقال"تأخيت الأمر" ، والشافعي رضي الله عنه يكثر من استعمالها في كتبه كذلك. ثم انظر تعليق أخي السيد أحمد ، على رسالة الشافعي ص: 504 ، تعليق: 2.
(18) هكذا ثبت في المخطوطة والمطبوعة وسيرة ابن هشام: "وتوكل" بالواو ، وهو جائز ، لأنه في سياق التفسير ، وأما الآية فهي"فتوكل" بالفاء ، فلذلك جعلت الواو خارج القوس.
(19) الأثر: 8132- سيرة ابن هشام 3: 123 ، 124 ، وهو من تمام الآثار التي آخرها: 8128.
Text: through the Quran Foundation. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences