At-Tabari · Tafsir · in Arabic
Ali 'Imran 3:184–186
3:184Page 74
فَإِن كَذَّبُوكَ فَقَدۡ كُذِّبَ رُسُلٞ مِّن قَبۡلِكَ جَآءُو بِٱلۡبَيِّنَٰتِ وَٱلزُّبُرِ وَٱلۡكِتَٰبِ ٱلۡمُنِيرِ ١٨٤
Then if they deny you, [O Muḥammad] - so were messengers denied before you, who brought clear proofs and written ordinances and the enlightening Scripture.1
القول في تأويل قوله جل ثناؤه : فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ جَاءُوا بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَالْكِتَابِ الْمُنِيرِ (184)
قال أبو جعفر: وهذا تعزية من الله جل ثناؤه نبيَّه محمدًا صلى الله عليه وسلم على الأذى الذي كان يناله من اليهود وأهل الشرك بالله من سائر أهل الملل. يقول الله تعالى له: لا يحزنك، يا محمد، كذب هؤلاء الذين قالوا: إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ ، وقالوا: إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنَا أَلا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّى يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ ، وافتراؤهم على ربهم اغترارًا بإمهال الله إياهم، ولا يَعظمن عليك تكذيبهم إياك، وادعاؤهم الأباطيل من عهود الله إليهم، فإنهم إن فعلوا ذلك بك فكذبوك وكذبوا على الله، فقد كذَّبت أسلافهم من رسل الله قبلك من جاءهم بالحجج القاطعة العذرَ، والأدلة الباهرة العقلَ، والآيات المعجزة الخلقَ، وذلك هو البينات. (16)
* * *
وأما " الزبر " فإنه جمع " زبور "، وهو الكتاب، وكل كتاب فهو: " زبور "، ومنه قول امرئ القيس:
لِمــنْ طَلــلٌ أَبْصَرْتُـهُ فَشَـجَانِي?
كخَـطِّ زَبُـورٍ فـي عَسِـيبٍ يَمَـانِي (17)
* * *
ويعني: بـ" الكتاب "، التوراة والإنجيل. وذلك أن اليهود كذَّبت عيسى وما جاء به، وحرَّفت ما جاء به موسى عليه السلام من صفة محمد صلى الله عليه وسلم، وبدلت عهده إليهم فيه، وأن النصارى جحدت ما في الإنجيل من نعته، وغيرت ما أمرهم به في أمره.
* * *
وأما قوله: " المنير "، فإنه يعني: الذي يُنير فيبين الحق لمن التبس عليه ويوضحه.
* * *
وإنما هو من " النور " والإضاءة، يقال: " قد أنار لك هذا الأمر "، بمعنى: أضاء لك وتبين،" فهو ينير إنارة، والشيء منيرٌ"، (18) وقد:-
8312 - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا أبو زهير، عن جويبر، عن الضحاك: " فإن كذبوك فقد كُذِّب رسل من قبلك "، قال: يعزِّي نبيه صلى الله عليه وسلم.
* * *
8313 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج قوله: " فإن كذبوك فقد كذب رسل من قبلك "، قال: يعزّي نبيه صلى الله عليه وسلم.
* * *
وهذا الحرف في مصاحف أهل الحجاز والعراق: " وَالزُّبُرِ" بغير " باء "، وهو في مصاحف أهل الشام: " وبالزُّبُرِ" بالباء، مثل الذي في" سورة فاطر ". [25].
----------------------
الهوامش:
(16) انظر تفسير"البينات" فيما سلف 2: 318 ، 355 / 3: 249 / 4: 259 / 5: 379 ، وغيرها من المواضع في فهارس اللغة.
(17) ديوانه: 186 ، وهو مطلع قصيدته. قال الشنتمرى في شرح البيت: "يقول: نظرت إلى هذا الطلل فشجاني ، أي: أحزنني. وقوله: "كخط زبور" ، أي قد درس وخفيت آثاره ، فلا يرى منه إلا مثل الكتاب في الخفاء والدقة. والزبور: الكتاب. وقوله: "في عسيب يمان" ، كان أهل اليمن يكتبون في عسيب النخلة عهودهم وصكاكهم. ويروى: "عسيب يماني" ، على الإضافة ، أراد: في عسيب رجل يمان.
(18) في المخطوطة والمطبوعة: "والشيء المنير" ، وعبارة بيان اللغة تقتضي ما أثبت.
3:185Page 74
كُلُّ نَفۡسٖ ذَآئِقَةُ ٱلۡمَوۡتِۗ وَإِنَّمَا تُوَفَّوۡنَ أُجُورَكُمۡ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِۖ فَمَن زُحۡزِحَ عَنِ ٱلنَّارِ وَأُدۡخِلَ ٱلۡجَنَّةَ فَقَدۡ فَازَۗ وَمَا ٱلۡحَيَوٰةُ ٱلدُّنۡيَآ إِلَّا مَتَٰعُ ٱلۡغُرُورِ ١٨٥
Every soul will taste death, and you will only be given your [full] compensation on the Day of Resurrection. So he who is drawn away from the Fire and admitted to Paradise has attained [his desire]. And what is the life of this world except the enjoyment of delusion.
القول في تأويل قوله : كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلا مَتَاعُ الْغُرُورِ (185)
قال أبو جعفر: يعني بذلك تعالى ذكره: أن مصير هؤلاء المفترين على الله من اليهود، المكذبين برسوله، الذين وصف صفتهم، وأخبر عن جراءتهم على ربهم= ومصير غيرهم من جميع خلقه تعالى ذكره، ومرجع جميعهم، إليه. لأنه قد حَتم الموت على جميعهم، فقال لنبيه صلى الله عليه وسلم: لا يحزنك تكذيبُ من كذبك، يا محمد، من هؤلاء اليهود وغيرهم، وافتراء من افترى عليَّ، فقد كُذِّب قبلك رسلٌ جاءوا من الآيات والحجج من أرسلوا إليه، بمثل الذي جئتَ من أرسلت إليه، فلك فيهم أسوة تتعزى بهم، ومصيرُ من كذَّبك وافترى عليّ وغيرهم ومرجعهم إليّ، فأوفّي كل نفس منهم جزاء عمله يوم القيامة، كما قال جل ثناؤه: " وإنما توفَّون أجوركم يوم القيامة "، يعني: أجور أعمالكم، إن خيرًا فخيرٌ، وإن شرًّا فشر=" فمن زحزح عن النار "، يقول: فمن نُحِّي عن النار وأبعد منها (19) =" فقد فاز "، يقول: فقد نجا وظفر بحاجته.
* * *
يقال منه: " فاز فلان بطلبته، يفوز فوزًا ومفازًا ومفازة "، إذا ظفر بها.
* * *
وإنما معنى ذلك: فمن نُحِّي عن النار فأبعد منها وأدخل الجنة، فقد نجا وظفر بعظيم الكرامة=" وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور "، يقول: وما لذّات الدنيا وشهواتها وما فيها من زينتها وزخارفها=" إلا متاع الغرور "، يقول: إلا متعة يمتعكموها الغرور والخداع المضمحلّ الذي لا حقيقة له عند الامتحان، ولا صحة له عند الاختبار. فأنتم تلتذون بما متعكم الغرور من دنياكم، ثم هو عائد عليكم بالفجائع والمصائب والمكاره. يقول تعالى ذكره: ولا تركنوا إلى الدنيا فتسكنوا إليها، فإنما أنتم منها في غرور تمتَّعون، ثم أنتم عنها بعد قليل راحلون. (20)
* * *
وقد روي في تأويل ذلك ما:-
8314 - حدثني به المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا جرير، عن الأعمش، عن بكير بن الأخنس، عن عبد الرحمن بن سابط في قوله: " وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور "، قال: كزاد الراعي، تزوِّده الكفّ من التمر، أو الشيء من الدقيق، أو الشيء يشرب عليه اللبن.
* * *
فكأن ابن سابط ذهب في تأويله هذا، إلى أن معنى الآية: وما الحياة الدنيا إلا متاعٌ قليلٌ، لا يُبلِّغ مَنْ تمتعه ولا يكفيه لسفره. وهذا التأويل، وإن كان وجهًا من وجوه التأويل، فإن الصحيح من القول فيه هو ما قلنا. لأن " الغرور " إنما هو الخداع في كلام العرب. وإذ كان ذلك كذلك، فلا وجه لصرفه إلى معنى القلة، لأن الشيء قد يكون قليلا وصاحبه منه في غير خداع ولا غرور. وأما الذي هو في غرور، فلا القليل يصح له ولا الكثير مما هو منه في غرور.
* * *
و " الغرور " مصدر من قول القائل: " غرني فلان فهو يغرُّني غرورًا " بضم " الغين ". وأما إذا فتحت " الغين " من " الغرور "، فهو صفة للشيطان الغَرور، الذي يغر ابن آدم حتى يدخله من معصية الله فيما يستوجب به عقوبته.
* * *
وقد:
8315 - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا عبدة وعبد الرحيم قالا حدثنا &; 7-454 &; محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو سلمة، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: موضع سوط في الجنة خير من الدنيا وما فيها، واقرءوا إن شئتم " وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور ". (21)
-----------------------
الهوامش :
(19) انظر تفسير"زحزح" فيما سلف 2: 375.
(20) انظر تفسير: "المتاع" فيما سلف 1: 539 ، 540 / 3: 55.
(21) الحديث: 8315 - عبدة: هو ابن سليمان الكلابي الكوفي. وعبد الرحيم: هو ابن سليمان المروزي الأشل.
والحديث رواه أحمد في المسند: 9649 (ج2 ص438 حلبي) ، عن يحيى بن سعيد ، عن محمد ابن عمرو - بهذا الإسناد.
وكذلك رواه الترمذي 4: 85 ، عن عبد بن حميد وغيره ، عن محمد بن عمرو. وقال: "هذا حديث حسن صحيح".
وكذلك رواه الحاكم في المستدرك 2: 299 ، من طريق شجاع بن الوليد ، عن محمد بن عمرو. وقال: "هذا حديث على شرط مسلم ، ولم يخرجاه". ووافقه الذهبي.
وذكره ابن كثير 2: 311 ، من رواية ابن أبي حاتم ، عن أبيه ، عن محمد بن عبد الله الأنصاري ، عن محمد بن عمرو.
ثم قال ابن كثير: "هذا حديث ثابت في الصحيحين ، من غير هذا الوجه ، بدون هذه الزيادة [يعني ذكر الآية في الحديث]. وقد رواه بهذه الزيادة أبو حاتم بن حبان في صحيحه ، والحاكم في مستدركه ، من حديث محمد بن عمرو".
وذكره السيوطي 2: 107 ، وزاد نسبته لابن أبي شيبة ، وهناد ، وعبد بن حميد. وذكره المنذري في الترغيب والترهيب 4: 277 ، من رواية الترمذي - ضمن ألفاظ للحديث بمعناه ، عند أحمد ، والبخاري ، والطبراني في الأوسط"بأسناد رواته رواة الصحيح" ، وابن حبان في صحيحه.
3:186Page 74
۞ لَتُبۡلَوُنَّ فِيٓ أَمۡوَٰلِكُمۡ وَأَنفُسِكُمۡ وَلَتَسۡمَعُنَّ مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ مِن قَبۡلِكُمۡ وَمِنَ ٱلَّذِينَ أَشۡرَكُوٓاْ أَذٗى كَثِيرٗاۚ وَإِن تَصۡبِرُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ ذَٰلِكَ مِنۡ عَزۡمِ ٱلۡأُمُورِ ١٨٦
You will surely be tested in your possessions and in yourselves. And you will surely hear from those who were given the Scripture before you and from those who associate others with Allāh much abuse. But if you are patient and fear Allāh - indeed, that is of the matters [worthy] of resolve.
القول في تأويل قوله : لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ (186)
قال أبو جعفر: يعني بقوله: تعالى ذكره: (22) " لتبلون في أموالكم "، لتختبرن بالمصائب في أموالكم (23) =" وأنفسكم "، يعني: وبهلاك الأقرباء والعشائر من أهل نصرتكم وملتكم (24) =" ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم "، يعني: من اليهود وقولهم: إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ ، وقولهم: يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ ، وما أشبه ذلك من افترائهم على الله=" ومن الذين أشركوا "، يعني النصارى=" أذى كثيرًا "، (25) والأذى من اليهود ما ذكرنا، ومن النصارى قولهم: الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ، وما أشبه ذلك من كفرهم بالله=" وإن تصبروا وتتقوا "، يقول: وإن تصبروا لأمر الله الذي أمركم به فيهم وفي غيرهم من طاعته=" وتتقوا "، يقول: وتتقوا الله فيما أمركم ونهاكم، فتعملوا في ذلك بطاعته=" فإن ذلك من عزم الأمور "، يقول: فإن ذلك الصبر والتقوى مما عزم الله عليه وأمركم به.
* * *
وقيل: إن ذلك كله نـزل في فنخاص اليهودي، سيد بني قَيْنُقَاع، كالذي:-
8316 - حدثنا به القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنا حجاج، عن ابن جريج قال: قال عكرمة في قوله: " لتبلون في أموالكم وأنفسكم ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا أذى كثيرًا "، قال: نـزلت هذه الآية في النبي صلى الله عليه وسلم، وفي أبي بكر رضوان الله عليه، وفي فنحاص اليهودي سيد بني قينُقاع قال: بعث النبي صلى الله عليه وسلم أبا بكر الصديق رحمه الله إلى فنحاص يستمدُّه، وكتب إليه بكتاب، وقال لأبي بكر: " لا تَفتاتنَّ عليّ بشيء حتى ترجع ". (26) فجاء أبو بكر وهو متوشِّح بالسيف، فأعطاه الكتاب، فلما قرأه قال: " قد احتاج ربكم أن نمده "! فهمّ أبو بكر أن يضربه بالسيف، ثم ذكر قول النبي صلى الله عليه وسلم: " لا تفتاتنّ علي بشيء حتى ترجع "، &; 7-456 &; فكف، ونـزلت: وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ . (27) وما بين الآيتين إلى قوله: " لتبلون في أموالكم وأنفسكم "، نـزلت هذه الآيات في بني قينقاع إلى قوله: فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ = قال ابن جريج: يعزي نبيه صلى الله عليه وسلم قال: " لتبلون في أموالكم وأنفسكم "، قال: أعلم الله المؤمنين أنه سيبتليهم، فينظر كيف صبرهم على دينهم. ثم قال: " ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم "، يعني: اليهود والنصارى=" ومن الذين أشركوا أذى كثيرًا " فكان المسلمون يسمعون من اليهود قولهم: عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ ، ومن النصارى: الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ، فكان المسلمون ينصبون لهم الحرب إذ يسمعون إشراكهم، (28) فقال الله: " وإن تصبروا وتتقوا فإن ذلك من عزم الأمور "، يقول: من القوة مما عزم الله عليه وأمركم به.
* * *
وقال آخرون: بل نـزلت في كعب بن الأشرف، وذلك أنه كان يهجو رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويتشبّب بنساء المسلمين.
* ذكر من قال ذلك:
8317 - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن الزهري في قوله: " ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا أذى كثيرًا "، قال: هو كعب بن الأشرف، وكان يحرض المشركين على النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه في شعره، ويهجو النبي صلى الله عليه وسلم. فانطلق إليه خمسة نفر من الأنصار، فيهم محمد بن مسلمة، ورجل &; 7-457 &; يقال له أبو عبس. فأتوه وهو في مجلس قومه بالعَوَالي، (29) فلما رآهم ذعر منهم، فأنكر شأنهم، وقالوا: جئناك لحاجة! قال: فليدن إليّ بعضكم فليحدثني بحاجته. فجاءه رجل منهم فقال: جئناك لنبيعك أدراعًا عندنا لنستنفق بها. (30) فقال: والله لئن فعلتم لقد جُهدتم منذ نـزل بكم هذا الرجل! فواعدوه أن يأتوه عشاءً حين هدأ عنهم الناس، (31) فأتوه فنادوه، فقالت امرأته: ما طَرقك هؤلاء ساعتهم هذه لشيء مما تحب! قال: إنهم حدثوني بحديثهم وشأنهم.
(32) قال معمر: فأخبرني أيوب، عن عكرمة: أنه أشرف عليهم فكلمهم، فقال: أترهَنُوني أبناءكم؟ وأرادوا أن يبيعهم تمرًا. قال، فقالوا: إنا نستحيي أن تعير أبناؤنا فيقال: " هذا رهينة وَسْق، وهذا رهينة وسقين "! (33) فقال: أترهنوني نسائكم؟ قالوا: أنت أجملُ الناس، ولا نأمنك! وأي امرأة تمتنع منك لجمالك! ولكنا نرهنك سلاحنا، فقد علمت حاجتنا إلى السلاح اليوم. فقال: ائتوني بسلاحكم، واحتملوا ما شئتم. قالوا: فأنـزل إلينا نأخذ عليك وتأخذ علينا. فذهب ينـزل، (34) فتعلقت به امرأته وقالت: أرسل إلى أمثالهم من قومك يكونوا معك. قال: لو وجدني هؤلاء نائمًا ما أيقظوني! قالت: فكلِّمهم من فوق البيت، فأبى عليها، فنـزل إليهم يفوحُ ريحه. قالوا: ما هذه الريح يا فلان؟ قال: هذا عطرُ أم فلان! امرأته. فدنا إليه بعضهم يشم رائحته، ثم اعتنقه، ثم قال: اقتلوا عدو الله! فطعنه أبو عَبس في خاصرته، وعلاه محمد بن مسلمة بالسيف، فقتلوه ثم رجعوا. فأصبحت اليهود مذعورين، فجاءوا إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم فقالوا: قتل سيدنا غيلة! فذكّرهم النبي صلى الله عليه وسلم صَنيعه، وما كان يحضّ عليهم، ويحرض في قتالهم ويؤذيهم، ثم دعاهم إلى أن يكتب بينه وبينهم صلحًا، قال: فكان ذلك الكتابُ مع عليّ رضوان الله عليه.
* * *
----------------
الهوامش :
(22) في المطبوعة والمخطوطة"يعني بذلك تعالى ذكره" ، وسياق التفسير هنا يقتضي ما أثبت.
(23) انظر تفسير"الابتلاء" فيما سلف 2: 49 / 3: 7 ، 220 / 5: 339 / 7: 297 ، 235.
(24) انظر تفسير"أنفسهم" فيما سلف 6: 501.
(25) انظر تفسير"الأذى" فيما سلف 4: 374.
(26) كل من أحدث دونك شيئا ، ومضى عليه ولم يستشرك ، واستبد به دونك ، فقد فاتك بالشيء وافتات عليك به أوفيه. هو"افتعال" من"الفوت" ، وهو السبق إلى الشيء دون ائتمار أو مشورة.
(27) انظر أخبار فنخاص اليهودي في الآثار السالفة: 8300 - 8302.
(28) في المطبوعة: "ويسمعون إشراكهم" بالواو ، وفي المخطوطة ، هذه الواو كأنها (د) ، فآثرت أن أجعلها"إذ" ، لأنها حق المعنى.
(29) "العوالي" ، جمع عالية. و"العالية": اسم لكل ما كان من جهة نجد من المدينة ، من قراها وعمائرها إلى تهامة ، وما كان دون ذلك من جهة تهامة فهو"السافلة". وعوالي المدينة ، بينها وبين المدينة أربعة أميال ، وقيل ثلاثة ، وذلك أدناها ، وأبعدها ثمانية.
(30) استنفق بالمال: جعله نفقة يقضى بها حاجته وحاجة عياله.
(31) هدأ عنهم الناس: سكن عنهم الناس وقلت حركتهم وناموا. وفي المخطوطة: "حين هدى عنهم الناس" بطرح الهمزة ، وهو صواب جيد ، جاء في شعر ابن هرمة ، من أبياته الأليمة الموجعة:
لَيْـتَ السَّـبَاعَ لَنَـا كَـانَتْ مُجَــاوِرَةً
وَأَنَّنَــا لا نَـرَى مِمَّـنْ نَـرَى أَحَـدَا
إِنَّ السِّــبَاعَ لَتَهْــدَا عَـنْ فَرائِسِـهَا
وَالنَّــاسُ لَيْسَ بِهَــادٍ شَـرُّهُمْ أَبَـدَا
يريد: "لتهدأ" و"بهادئ شرهم".
(32) هذا بدأ سياق آخر للخبر ، منقطع عما قبله من خبر الزهري ، ولم يتم خبر الزهري ، بل أتم خبر عكرمة الذي أدخله على سياقه.
(33) "الوسق" كيل معلوم ، قيل: هو حمل بعير ، وقيل: ستون صاعًا بصاع النبي صلى الله عليه وسلم.
(34) قوله: "ذهب ينـزل" ، أي تحرك لينـزل ، و"ذهب" من ألفاظ الاستعانة التي تدخل على الكلام لتصوير حركة ، أو بيان فعل مثل قولهم: "قعد فلان لا يمر به أحد إلا سبه" ، أو "قعد لا يسأله سائل إلا حرمه" ، لا يراد به حقيقة القعود ، بل استمرار ذلك منه واتصاله ، وحاله عند رؤية الناس ، أو طروق السائل. واستعمال"ذهب" بهذا المعنى كثير الورود في كلامهم ، وإن لم تذكره كتب اللغة.
Text: through the Quran Foundation. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences