At-Tabari · Tafsir · in Arabic
Ali 'Imran 3:28–30
3:28Page 53
لَّا يَتَّخِذِ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ ٱلۡكَٰفِرِينَ أَوۡلِيَآءَ مِن دُونِ ٱلۡمُؤۡمِنِينَۖ وَمَن يَفۡعَلۡ ذَٰلِكَ فَلَيۡسَ مِنَ ٱللَّهِ فِي شَيۡءٍ إِلَّآ أَن تَتَّقُواْ مِنۡهُمۡ تُقَىٰةٗۗ وَيُحَذِّرُكُمُ ٱللَّهُ نَفۡسَهُۥۗ وَإِلَى ٱللَّهِ ٱلۡمَصِيرُ ٢٨
Let not believers take disbelievers as allies [i.e., supporters or protectors] rather than believers. And whoever [of you] does that has nothing [i.e., no association] with Allāh, except when taking precaution against them in prudence.1 And Allāh warns you of Himself, and to Allāh is the [final] destination.
القول في تأويل قوله : لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً
قال أبو جعفر: وهذا نهيٌ من الله عز وجل المؤمنين أن يتخذوا الكفارَ أعوانًا وأنصارًا وظهورًا، ولذلك كسر " يتخذِ"، لأنه في موضع جزمٌ بالنهي، ولكنه كسر " الذال " منه، للساكن الذي لقيه وهي ساكنة. (61)
* * *
ومعنى ذلك: لا تتخذوا، أيها المؤمنون، الكفارَ ظهرًا وأنصارًا توالونهم على دينهم، وتظاهرونهم على المسلمين من دون المؤمنين، (62) وتدلُّونهم على عوراتهم، فإنه مَنْ يفعل ذلك =" فليس من الله في شيء "، يعني بذلك: فقد برئ من الله وبرئ الله منه، بارتداده عن دينه ودخوله في الكفر =" إلا أن تتقوا منهم تقاة "، إلا أن تكونوا في سلطانهم فتخافوهم على أنفسكم، فتظهروا لهم الولاية بألسنتكم، وتضمروا لهم العداوة، ولا تشايعوهم على ما هم عليه من الكفر، ولا تعينوهم على مُسلم بفعل، كما:-
6825 - حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية بن صالح، عن علي، عن ابن عباس قوله: " لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين "، قال: نهى الله سبحانه المؤمنين أن يُلاطفوا الكفار أو يتخذوهم وليجةً من دون المؤمنين، إلا أن يكون الكفارُ عليهم ظاهرين، فيظهرون لهم اللُّطف، ويخالفونهم في الدين. وذلك قوله: " إلا أن تتقوا منهم تقاةً".
&; 6-314 &;
6826 - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة قال، حدثني محمد بن إسحاق قال، حدثني محمد بن أبي محمد، عن عكرمة أو عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: كان الحجاجُ بن عمرو حليفُ كعب بن الأشرف، وابن أبي الحقيق، وقيس بن زيد، قد بَطَنوا بنفر من الأنصار ليفتنوهم عن دينهم، فقال رفاعة بن المنذر بن زَنْبَر، (63) وعبد الله بن جبير، وسعد بن خيثمة، لأولئك النفر: اجتنبوا هؤلاء اليهود، واحذروا لزومهم ومباطنتهم لا يفتنوكم عن دينكم! فأبى أولئك النفر إلا مُباطنتهم ولزومهم، فأنـزل الله عز وجل: " لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين " إلى قوله: وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ . (64)
6827 - حدثنا محمد بن سنان قال، حدثنا أبو بكر الحنفي قال، حدثنا عباد بن منصور، عن الحسن في قوله: " لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين "، يقول: لا يتخذ المؤمن كافرًا وليًّا من دون المؤمنين. (65)
6828 - حدثني موسى قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط، عن السدي: " لا يتخذ المؤمنون الكافرين " إلى " إلا أن تتقوا منهم تقاة "، أما " أولياء " فيواليهم في دينهم، ويظهرهم على عورة المؤمنين، فمن فعل هذا فهو مشرك، فقد برئ الله منه = إلا أن يتقي تقاةً، فهو يظهر الولاية لهم في دينهم، والبراءةَ من المؤمنين.
6829 - حدثني المثنى قال، حدثنا قبيصة بن عقبة قال، حدثنا سفيان، &; 6-315 &; عن ابن جريج، عمن حدثه، عن ابن عباس: " إلا أن تتقوا منهم تقاة "، قال: التقاة التكلم باللسان، وقلبُه مطمئن بالإيمان.
6830 - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا حفص بن عمر قال، حدثنا الحكم بن أبان، عن عكرمة في قوله: " إلا أن تتقوا منهم تقاة "، قال: ما لم يُهرِق دم مسلم، وما لم يستحلّ ماله.
6831 - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله: " لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين "، إلا مصانعةً في الدنيا ومُخالقة. (66)
6832 - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد مثله.
6833 - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع في قوله: " لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين " إلى " إلا أن تتقوا منهم تقاة "، قال: قال أبو العالية: التقيَّة باللسان وليس بالعمل.
6834 - حدثت عن الحسين قال، سمعت أبا معاذ قال، أخبرنا عُبيد قال، سمعت الضحاك يقول في قوله: " إلا أن تتقوا منهم تقاة "، قال: التقيةُ باللسان. مَنْ حُمل على أمر يتكلم به وهو لله معصيةٌ، فتكلم مخافةً على نفسه، وقلبه مطمئن بالإيمان، فلا إثم عليه، إنما التقيَّة باللسان.
6835 - حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس في قوله: " إلا أن تتقوا منهم تقاة "، فالتقية باللسان. مَنْ حُمل على أمر يتكلم به وهو معصية لله، فيتكلم به مخافة &; 6-316 &; الناس وقلبه مطمئن بالإيمان، فإن ذلك لا يضره. إنما التقية باللسان.
* * *
وقال آخرون: معنى: " إلا أن تتقوا منهم تقاة "، إلا أن يكون بينك وبينه قرابة.
ذكر من قال ذلك:
6836 - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: " لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين إلا أن تتقوا منهم تقيَّة "، نهى الله المؤمنين أن يوادّوا الكفار أو يتولَّوْهم دون المؤمنين. وقال الله: " إلا أن تتقوا منهم تقيَّة "، (67) الرحم من المشركين، من غير أن يتولوهم في دينهم، إلا أن يَصل رحمًا له في المشركين.
6837 - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله: " لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء "، قال: لا يحل لمؤمن أن يتخذ كافرًا وليًّا في دينه، وقوله: " إلا أن تتقوا منهم تقاة "، قال: أن يكون بينك وبينه قرابة، فتصله لذلك.
6838 - حدثني محمد بن سنان قال، حدثنا أبو بكر الحنفي قال، حدثنا عباد بن منصور، عن الحسن في قوله: " إلا أن تتقوا منهم تقاة "، قال: صاحبهم في الدنيا معروفًا، الرحم وغيره. فأما في الدّين فلا.
* * *
قال أبو جعفر: وهذا الذي قاله قتادة تأويلٌ له وجه، وليس بالوجه الذي يدل عليه ظاهر الآية: إلا أن تتقوا من الكافرين تقاة= فالأغلب من معاني هذا الكلام: إلا أن تخافوا منهم مخافةً. فالتقية التي ذكرها الله في هذه الآية. إنما هي تقية من الكفار لا من غيرهم. ووجَّهه قتادة إلى أن تأويله: إلا أن تتقوا الله من أجل القرابة التي بينكم وبينهم تقاة، فتصلون رحمها. وليس ذلك الغالب على &; 6-317 &; معنى الكلام. والتأويلُ في القرآن على الأغلب الظاهر من معروف كلام العرب المستعمَل فيهم.
* * *
وقد اختلفت القرأة في قراءة قوله: " إلا أن تتقوا منهم تقاة "
فقرأ ذلك عامة قرأة الأمصار: ( إِلا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً )، على تقدير " فُعَلة " مثل: " تُخَمة، وتؤَدَة وتُكأة "، من " اتقيت ".
* * *
وقرأ ذلك آخرون: ( إِلا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تَقِيَّةً )، على مثال " فعيلة ".
* * *
قال أبو جعفر: والقراءة التي هي القراءةُ عندنا، قراءةُ من قرأها: " إلا أن تتقوا منهم تُقاة "، لثبوت حجة ذلك بأنه القراءةُ الصحيحة، بالنقل المستفيض الذي يمتنع منه الخطأ.
* * *
القول في تأويل قوله عز وجل : وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ (28)
قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بذلك، ويخوّفكم الله من نفسه أن تَرْكبوا معاصيه، أو توالوا أعداءه، فإن لله مرجعكم وَمصيركم بعد مماتكم، ويوم حشركم لموقف الحساب = (68) يعنى بذلك: متى صرتم إليه وقد خالفتم ما أمركم به، وأتيتم ما نهاكم عنهُ من اتخاذ الكافرين أولياء من دون المؤمنين، نالكم من عقاب ربكم ما لا قِبَل لكم به، يقول: فاتقوه واحذرُوه أن ينالكم ذلك منه، فإنه شديد العقاب.
------------------------
الهوامش :
(61) انظر معاني القرآن للفراء 1: 205.
(62) انظر تفسير"الولي" و"الأولياء" فيما سلف 2: 489 ، 564 / ثم: 5: 424 / 6: 141 ، 142 = والقول في"من دون" فيما سلف 2: 489.
(63) في المطبوعة: "بن زبير" ، وصححته من سيرة ابن هشام ، ومن ترجمته في الإصابة. وتسميته"رفاعة بن عبد المنذر" ، ولكن هكذا جاء هنا ، وكذلك في تفسير البغوي ، وأظنه خطأ ، فلم يذكروا ذلك في ترجمته.
(64) الأثر: 6826- لم أجده في سيرة ابن هشام التي بين أيدينا من سيرة ابن إسحاق. وقوله: "بطنوا بنفر من الأنصار" ، يقال: "بطن فلان بفلان يبطن بطونًا وبطانة" إذا كان خاصًا به ، ذا علم بداخلة أمره ، مؤانسًا له ، مطلعًا على سره ، ومنه المباطنة.
(65) الأثر: 6827- انظر التعليق عل الأثر السالف رقم: 6822.
(66) خالق الناس يخالقهم مخالقة: عاشرهم على أخلاقهم ، مثل"تخلق" ، أي: تصنع وتجمل وتحسن.
(67) في المطبوعة في هذا الموضع"تقاة" ، وهي في المخطوطة: "تقية" بتشديد الياء بالقلم ، وكذلك أثبتها ، وهي إحدى القراءتين كما سيذكر الطبري بعد.
(68) انظر تفسير"المصير" فيما سلف 3: 56 / 6: 128.
3:29Page 53
قُلۡ إِن تُخۡفُواْ مَا فِي صُدُورِكُمۡ أَوۡ تُبۡدُوهُ يَعۡلَمۡهُ ٱللَّهُۗ وَيَعۡلَمُ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِۗ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٞ ٢٩
Say, "Whether you conceal what is in your breasts or reveal it, Allāh knows it. And He knows that which is in the heavens and that which is on the earth. And Allāh is over all things competent.
القول في تأويل قوله : قُلْ إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَيَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (29)
قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: " قل " يا محمد، للذين أمرتهم أن لا يتخذوا الكافرين أولياء من دون المؤمنين =" إن تخفوا ما في صدوركم " من موالاة الكفار فتُسِرُّوه، أو تبدوا ذلكم من نفوسكم بألسنتكم وأفعالكم فتظهروه =" يعلمه الله "، فلا يخفى عليه. يقول: فلا تُضمروا لهم مودّةً ولا تظهروا لهم موالاة، فينالكم من عقوبة ربكم ما لا طاقة لكم به، لأنه يعلم سرّكم وعلانيتكم، فلا يخفى عليه شيء منه، وهو مُحصيه عليكم حتى يجازيَكم عليه بالإحسان إحسانًا، وبالسيئة مثلها، كما:-
6839 - حدثني موسى قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط، عن السدي قال: أخبرهم أنه يعلم ما أسرّوا من ذلك وما أعلنوا، فقال: " إن تخفوا ما في صدوركم أو تبدوه ".
* * *
وأما قوله: " ويعلم ما في السموات وما في الأرض "، فإنه يعني أنه إذ كان لا يخفى عليه شيء هو في سماء أو أرض أو حيث كان، فكيف يخفى عليه - أيها القوم الذين يتخذون الكافرين أولياء من دون المؤمنين - ما في صدوركم من الميْل إليهم بالمودة والمحبة، أو ما تبدونه لهم بالمعونة فعلا وقولا.
* * *
وأما قوله: " والله على كل شيء قدير "، فإنه يعني: والله قديرٌ على معاجلتكم بالعقوبة على مُوالاتكم إياهم ومظاهرتكموهم على المؤمنين، وعلى ما يشاء من الأمور كلها، لا يتعذَّر عليه شيء أراده، ولا يمتنع عليه شيء طلبه.
3:30Page 54
يَوۡمَ تَجِدُ كُلُّ نَفۡسٖ مَّا عَمِلَتۡ مِنۡ خَيۡرٖ مُّحۡضَرٗا وَمَا عَمِلَتۡ مِن سُوٓءٖ تَوَدُّ لَوۡ أَنَّ بَيۡنَهَا وَبَيۡنَهُۥٓ أَمَدَۢا بَعِيدٗاۗ وَيُحَذِّرُكُمُ ٱللَّهُ نَفۡسَهُۥۗ وَٱللَّهُ رَءُوفُۢ بِٱلۡعِبَادِ ٣٠
The Day every soul will find what it has done of good present [before it] and what it has done of evil, it will wish that between itself and that [evil] was a great distance. And Allāh warns you of Himself, and Allāh is Kind to [His] servants."
القول في تأويل قوله عز وجل : يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا
قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: ويحذركم الله نفسه في يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرًا موفَّرًا،" وما عملت من سوء تود لو أن بينها وبينه أمدًا بعيدًا " = يعني غاية بعيدة، فإن مصيركم أيها القوم يومئذ إليه، فاحذروه على أنفسكم من ذنوبكم.
* * *
وكان قتادة يقول في معنى قوله: " محضرًا "، (1) ما:-
6840 - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: " يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرًا "، يقول: موفَّرًا.
* * *
قال أبو جعفر: وقد زعم [بعض] أهل العربية أنّ معنى ذلك: (2) واذكر يوم تجد. وقال: إن ذلك إنما جاء كذلك، لأن القرآن إنما نـزل للأمر والذكر، كأنه قيل لهم: اذكروا كذا وكذا، لأنه في القرآن في غير موضع: " واتقوا يوم كذا، وحين كذا ".
* * *
وأما " ما " التي مع " عملت "، فبمعنى " الذي"، ولا يجوز أن تكون جزاءً، لوقوع " تجد " عليه. (3) وأما قوله: " وما عملت من سوء "، فإنه معطوف على قوله: " ما " الأولى، و " عملت " صلةٌ بمعنى الرّفع، لمَّا قيل: " تود ". (4) &; 6-320 &; فتأويل الكلام: يوم تَجد كل نفس الذي عملت من خير محضرًا، والذي عملت من سوء تود لو أن بينها وبينه أمدًا
* * *
" والأمد " الغاية التي ينتهي إليها، ومنه قول الطرماح:
كُـلُّ حَـيٍّ مُسْتَكْـمِلٌ عِدَّةَ الـ
عُمْـرِ, ومُـودٍ إِذَا انْقَضَـى أَمَـدُهْ (5)
يعني: غاية أجله. وقد:-
6841 - حدثني موسى بن هارون قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط، عن السدي قوله: " وما عملت من سوء تودُّ لو أن بينها وبينه أمدًا بعيدًا "، مكانًا بعيدًا.
6842 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج: " أمدًا بعيدًا "، قال: أجلا.
6843 - حدثني محمد بن سنان قال، حدثنا أبو بكر الحنفي قال، حدثنا &; 6-321 &; عباد بن منصور، عن الحسن في قوله: " وما عملت من سوء تود لو أن بينها وبينه أمدًا بعيدًا "، قال: يسر أحدَهم أن لا يلقى عمله ذاكَ أبدًا يكونُ ذلك مناه، وأما في الدنيا فقد كانت خطيئةً يستلذّها. (6)
* * *
القول في تأويل قوله : وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ (30)
قال أبو جعفر: يقول جل ثناؤه: ويحذركم الله نفسه: أن تُسخِطوها عليكم بركوبكم ما يسخطه عليكم، فتوافونه يومَ تَجد كلُّ نفس ما عملت من خير محضرًا وما عملت من سوء تود لو أن بينها وبينه أمدًا بعيدًا، وهو عليكم ساخط، فينالكم من أليم عقابه ما لا قِبَل لكم به. ثم أخبر عز وجل أنه رءوف بعباده رحيمٌ بهم، وأنّ من رأفته بهم: (7) تحذيرُه إياهم نفسه، وتخويفهم عقوبته، ونهيه إياهم عما نهاهم عنه من معاصيه، كما:-
6844- حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، أخبرنا عبد الرزاق، عن ابن عيينة، عن عمرو، عن الحسن في قوله: " ويحذركم الله نفسه والله رءوف بالعباد "، قال: من رأفته بهم أن حذَّرهم نفسه. (8)
------------------------
الهوامش :
(1) هذا المعنى قلما تصيبه في كتب اللغة ، فأثبته فيها.
(2) ما بين القوسين زيادة يقتضيها السياق.
(3) الوقوع: التعدي ، وقد سلف شرح ذلك فاطلبه في فهرس المصطلحات.
(4) في المطبوعة والمخطوطة: "كما قيل تود" ، والصواب ما أثبت. وقد استظهرت قراءتها من كلام الفراء في معاني القرآن 1: 206 ، ونص كلامه: "وقوله وما عملت من سوء - فإنك ترده أيضًا على (ما) ، فتجعل (عملت) صلة لها في مذهب رفع لقوله (تود لو أن بينها)" ، ويعني بذلك أن جملة"تود" مفعول ثان لقوله: "تجد" ، كما كان"محضرًا" مفعولا ثانيًا. وسيأتي ذلك بعد قليل في تفسيره.
(5) ديوانه: 112 ، وهذه رواية الطبري ، وكان يروي ديوان الطرماح ، وقرأه بالمسجد الجامع بمصر ، وأملاه على الناس ، وشرح غريبة. ولا أدري أأخطأ أم عنده رواية أخرى غير التي وصلتنا ، فالشعر في ديوانه كما يلي: بعد أن ذكر دار صاحبته ، وما بقي بها من النؤى والرماد:
تَـــرَكَ الدَّهْــرُ أهلَــهُ شُــعَبًا
فَاسْــتمَرَّتْ مِــنْ دُونِهِــمْ عُقَـدُهْ
وَكــذَاكَ الزَّمَــانُ يَطْـرُدُ بالنَّـاسِ
إلـــى اليَــوْمِ, يَوْمُــهُ وغَــدُهْ
لاَ يُلِيثَــانِ بِاخْتِلاَفِهِمَــا المَــرْءَ,
وَإنْ طَــــالَ فِيهِمَـــا أَمَـــدُهْ
كُــلُّ حَـيٍّ مُسـتَكْمِلٌ عِـدَّةَ العُمْـرِ,
وَمُـــودٍ إذَا انْقَضَـــى عَـــدَدُهْ
وقوله: "شعبًا" ، أي متفرقون ، واستمرت: اشتدت وأحكمت عقدة حبال الدهر ، فلم يعد له أمل في اجتماع أحبابه بعد الفراق. وقوله: "لا يليثان" ، من ألاثه يليثه: أخره ، وهو من"اللوث" ، وهو البطء والتأخير. يقول: إن اختلاف الأيام من يوم وغد ، لا يؤخران أجل المرء وإن طال عمره ، حتى يفنياه ويذهبا به. وقوله: "مود" أي: هالك ، إذا انقضى عدد أيامه وأكله في هذه الحياة الدنيا.
(6) في المطبوعة: "خطيئته" وفي المخطوطة: "حطيته" هكذا نقطت ، ورأيت الصواب أن أقرأها كما أثبتها.
(7) في المطبوعة: "ومن رأفته بهم" ، وفي المخطوطة: "وأرض رأفته بهم" ، وصواب قراءتها ما أثبت.
(8) الأثر: 6844-"والحسن" ، هو الحسن البصري بلا ريب ، فقد نسب هذا الأثر إليه ابن كثير في تفسيره 2: 125 ، والسوطي في الدر المنثور 2: 17 ، وكان في المطبوعة والمخطوطة: "عمرو بن الحسن" ، فظهر أنه خطأ لا شك فيه. أما "عمرو" ، فلم أستطع أن أقطع من يكون ، فمن روى عن الحسن ، ممن اسمه"عمرو" كثير.
Text: through the Quran Foundation. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences