At-Tabari · Tafsir · in Arabic
Ali 'Imran 3:85–87
3:85Page 61
وَمَن يَبۡتَغِ غَيۡرَ ٱلۡإِسۡلَٰمِ دِينٗا فَلَن يُقۡبَلَ مِنۡهُ وَهُوَ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ مِنَ ٱلۡخَٰسِرِينَ ٨٥
And whoever desires other than Islām as religion - never will it be accepted from him, and he, in the Hereafter, will be among the losers.
القول في تأويل قوله : وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ (85)
قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: ومن يطلب دينا غيرَ دين الإسلام ليدين به، فلن يقبل الله منه (5) =" وهو في الآخرة من الخاسرين "، يقول: من الباخسين أنفسَهم حظوظَها من رحمة الله عز وجل. (6)
* * *
وذُكر أنّ أهل كل ملة ادّعوا أنهم هم المسلمون، لما نـزلت هذه الآية، فأمرهم الله بالحج إن كانوا صادقين، لأن من سُنة الإسلام الحج، فامتنعوا، فأدحض الله بذلك حجتهم.
ذكر الخبر بذلك:
7356 - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح قال، زعم عكرمة: " ومن يبتغ غير الإسلام دينًا "، فقالت الملل: نحن المسلمون! فأنـزل الله عز وجل: وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ [سورة آل عمران: 97]، فحجَّ المسلمون، وقعدَ الكفار.
7357 - حدثني المثنى قال، حدثنا القعنبي قال، حدثنا سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن عكرمة قال: " ومن يبتغ غير الإسلام دينًا فلن يقبل منه "، قالت اليهود: فنحن المسلمون! فأنـزلَ الله عز وجل لنبيه صلى الله عليه وسلم يحُجُّهم أنْ: ( لِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ ). (7)
7358 - حدثني يونس قال، أخبرنا سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن عكرمة قال: لما نـزلت: " ومن يبتغ غير الإسلام دينًا " إلى آخر الآية، قالت اليهود: فنحن مسلمون! قال الله عز وجل لنبيه صلى الله عليه وسلم: قل لهم إنْ: ( لِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلا وَمَنْ كَفَرَ ) من أهل الملل فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ .
* * *
وقال آخرون: في هذه الآية بما:-
7359 - حدثنا به المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني &; 6-572 &; معاوية، عن علي، عن ابن عباس قوله: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ إلى قوله: وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ [سورة البقرة: 62]، فأنـزل الله عز وجل بعد هذا: " ومن يبتغ غير الإسلام دينًا فلن يقبل منه ".
--------------------
الهوامش :
(5) انظر معنى"يبتغي" فيما سلف ص: 564 ، تعليق: 2 ، والمراجع هناك.
(6) انظر تفسير"الخاسرين" فيما سلف 1: 417 / 2: 166 ، 572.
(7) الأثر: 7357-"القعنبي" ، هو: "عبد الله بن مسلمة بن قعنب القعنبي الحارثي" ، روى عنه الأئمة. قال ابن سعد: "كان عابدًا فاضلا ، قرأ عن مالك كتبه". وقال العجلي: "قرأ عليه مالك نصف الموطأ ، وقرأ هو على مالك النصف الباقي" ، وسئل ابن المديني عنه فقال: "لا أقدم من رواة الموطأ أحدًا على القعنبي".
3:86Page 61
كَيۡفَ يَهۡدِي ٱللَّهُ قَوۡمٗا كَفَرُواْ بَعۡدَ إِيمَٰنِهِمۡ وَشَهِدُوٓاْ أَنَّ ٱلرَّسُولَ حَقّٞ وَجَآءَهُمُ ٱلۡبَيِّنَٰتُۚ وَٱللَّهُ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلظَّٰلِمِينَ ٨٦
How shall Allāh guide a people who disbelieved after their belief and had witnessed that the Messenger is true and clear signs had come to them? And Allāh does not guide the wrongdoing people.
القول في تأويل قوله : كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (86)
اختلف أهل التأويل فيمن عنى بهذه الآية، وفيمن نـزلت.
فقال بعضهم: نـزلت في الحارث بن سويد الأنصاري، وكان مسلمًا فارتدّ بعد إسلامه.
ذكر من قال ذلك:
7360 - حدثني محمد بن عبد الله بن بزيع البصري قال، حدثنا يزيد بن زريع قال، حدثنا داود بن أبي هند، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: كان رجل من الأنصار أسلم ثم ارتد ولحق بالشرك، ثم ندم فأرسل إلى قومه: أرسلوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، هل لي من توبة؟ قال: فنـزلت: " كيف يهدي الله قومًا كفروا بعد إيمانهم " إلى قوله: " وجاءَهم البيناتُ والله لا يهدي القوم الظالمين ... إلا الذين تابوا من بعد ذلك وأصلحوا فإن الله غفور رحيم "، فأرسل إليه قومه فأسلم.
7361 - حدثني ابن المثنى قال، حدثني عبد الأعلى قال، حدثنا داود، عن عكرمة بنحوه، ولم يرفعه إلى ابن عباس = إلا أنه قال: فكتب إليه قومه، فقال: ما كذَبني قومي! فرجع.
7362 - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا حكيم بن جُميع، عن علي بن مُسْهر، عن داود بن أبي هند، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: ارتد رجل من الأنصار، فذكر نحوه. (8)
7363 - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا جعفر بن سليمان قال، أخبرنا حميد الأعرج، عن مجاهد قال: جاء الحارث بن سُوَيد فأسلم مع النبي صلى الله عليه وسلم، ثم كفر الحارث فرجع إلى قومه، فأنـزل الله عز وجل فيه القرآن: " كيف يَهدي الله قومًا كفروا بعدَ إيمانهم " إلى " إلا الذين تابوا من بعد ذلك وأصلحوا فإنّ الله غفورٌ رحيمٌ"، قال: فحملها إليه رجل من قومه فقرأها عليه، فقال الحارث: إنك والله ما علمتُ لصَدُوقٌ، وإنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصدقُ منك، وإنّ الله عز وجل لأصدق الثلاثة. قال: فرجع الحارث فأسلم فحسن إسلامه.
7364 - حدثني موسى بن هارون قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط، عن السدي: " كيف يهدي الله قومًا كفروا بعد إيمانهم وشهدُوا أنّ الرسول حق "، قال: أنـزلت في الحارث بن سُوَيد الأنصاري، كفر بعد إيمانه، فأنـزل الله عز وجل فيه هذه الآيات، إلى: " أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون "، &; 6-574 &; ثم تاب وأسلم، فنسخها الله عنه، فقال: " إلا الذين تابوا من بعد ذلك، وأصلحوا فإنّ الله غفورٌ رحيمٌ".
7365 - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله عز وجل: " كيف يهدي الله قومًا كفروا بعد إيمانهم وشهدوا أن الرسول حق وجاءَهم البينات "، قال: رجلٌ من بني عمرو بن عوف، كفر بعد إيمانه.
7366 - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد مثله.
7367 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد قال: هو رجل من بني عمرو بن عوف، كفر بعد إيمانه = قال ابن جريج، أخبرني عبد الله بن كثير، عن مجاهد قال: لحق بأرض الرّوم فتنصَّر، ثم كتب إلى قومه: " أرسلوا، هل لي من توبة؟" قال: فحسبتُ أنه آمن، ثم رَجع = قال ابن جريج، قال عكرمة، نـزلت في أبي عامر الرّاهب، والحارث بن سويد بن الصامت، ووَحْوَح بن الأسلت = في اثني عشر رجلا رَجعوا عن الإسلام ولحقوا بقريش، ثم كتبوا إلى أهلهم: هل لنا من توبة؟ فنـزلت: " إلا الذين تابوا من بعد ذلك "، الآيات.
* * *
وقال آخرون: عنى بهذه الآية أهل الكتاب، وفيهم نـزلت.
ذكر من قال ذلك:
7368 - حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: " كيف يهدي الله قومًا كفرُوا بعد إيمانهم "، فهم أهلُ الكتاب، عرَفوا محمدًا صلى الله عليه وسلم ثم كفروا به.
7369 - حدثنا محمد بن سنان قال، حدثنا أبو بكر الحنفي قال، حدثنا عباد بن منصور، عن الحسن في قوله: " كيف يهدي الله قومًا كفروا بعد إيمانهم " الآية كلها، قال: اليهود والنصارى.
7370 - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قال: كان الحسن يقول في قوله: " كيف يهدي الله قومًا كفروا بعد إيمانهم " الآية، هم أهل الكتاب من اليهود والنصارى، رأوا نعتَ محمد صلى الله عليه وسلم في كتابهم وأقرّوا به، وشهدوا أنه حقٌّ، فلما بُعث من غيرهم حَسدوا العربَ على ذلك فأنكروه، وكفروا بعد إقرارهم، حسدًا للعرب، حين بُعثَ من غيرهم.
7371 - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن الحسن في قوله: " كيف يهدي الله قومًا كفروا بعد إيمانهم "، قال: هم أهل الكتاب، كانوا يجدون محمدًا صلى الله عليه وسلم في كتابهم، ويستفتحون به، فكفروا بعد إيمانهم.
* * *
قال أبو جعفر: وأشبه القولين بظاهر التنـزيل ما قال الحسن: منْ أنّ هذه الآية معنيٌّ بها أهل الكتاب على ما قال، غيرَ أنّ الأخبار بالقول الآخر أكثر، والقائلين به أعلم، بتأويل القرآن. (9) وجائز أن يكون الله عز وجل أنـزل هذه الآيات بسبب القوم الذين ذُكر أنهم كانوا ارتدّوا عن الإسلام، فجمع قصّتهم وقصة من كان سبيله سبيلهم في ارتداده عن الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم في هذه الآيات. ثم عرّف عباده سُنته فيهم، فيكون داخلا في ذلك كلّ من كان مؤمنًا بمحمد صلى الله عليه وسلم قبل أنُ يبعث، ثم كفر به بعد أن بُعث، وكلّ من كان كافرًا ثم أسلم على عهده صلى الله عليه وسلم، ثم ارتد وهو حيٌّ عن &; 6-576 &; إسلامه. فيكون معنيًّا بالآية جميعُ هذين الصنفين وغيرُهما ممن كان بمثل معناهما، بل ذلك كذلك إن شاء الله.
* * *
فتأويل الآية إذًا: " كيف يَهدي الله قومًا كفروا بعد إيمانهم "، يعني: كيف يُرشد الله للصواب ويوفّق للإيمان، قومًا جحدُوا نبوّة محمد صلى الله عليه وسلم =" بعد إيمانهم "، أي: بعد تصديقهم إياه، وإقرارهم بما جاءَهم به من عند ربه =" وَشهدوا أن الرسول حقّ"، يقول: وبعد أن أقرّوا أن محمدًا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى خلقه حقًّا =" وجاءهم البينات "، يعني: وجاءهم الحجج من عند الله والدلائلُ بصحة ذلك؟ =" والله لا يهدي القوم الظالمين "، يقول: والله لا يوفّق للحق والصّواب الجماعة الظَّلمة، وهم الذين بدّلوا الحق إلى الباطل، فاختارُوا الكفر على الإيمان.
* * *
وقد دللنا فيما مضى قبل على معنى " الظلم "، وأنه وضعُ الشيء في غير موضعه، بما أغنى عن إعادته. (10)
_________________________
الهوامش :
(8) الأثر: 7362-"حكيم بن جميع الكوفي" ، مترجم في الكبير 2 / 1 / 18 ، والجرح 1 / 2 / 202.
(9) هذا حكم جيد فاصل في هذه الآية ، وفي غيرها مما اختلف في معانيه المختلفون.
(10) انظر ما سلف 1: 523 ، 524 / ثم باقي المواضع في فهرس اللغة"ظلم" ، وانظر أيضًا فهارس اللغة في سائر ألفاظ الآية.
3:87Page 61
أُوْلَٰٓئِكَ جَزَآؤُهُمۡ أَنَّ عَلَيۡهِمۡ لَعۡنَةَ ٱللَّهِ وَٱلۡمَلَٰٓئِكَةِ وَٱلنَّاسِ أَجۡمَعِينَ ٨٧
Those - their recompense will be that upon them is the curse of Allāh and the angels and the people, all together,
=" أولئك جزاؤهم "، يعني: هؤلاء الذين كفروا بعد إيمانهم، وبعد أن شهدوا أن الرسول حَقّ -" جزاؤهم "، ثوابهم من عملهم الذي عملوه (11) =" أنّ عليهم لعنة الله "، يعني: أن يحلّ بهم من الله الإقصاء والبعد، (12) ومن الملائكة والناس الدعاءُ بما يسوؤهم من العقاب (13) =" أجمعين "، يعني: من جميعهم، لا من &; 6-577 &; بعض من سمَّاه جل ثناؤه من الملائكة والناس، ولكن من جميعهم. وإنما جعل ذلك جل ثناؤه ثواب عملهم، لأن عملهم كان بالله كفرًا.
* * *
وقد بينا صفة " لعنة الناس " الكافرَ في غير هذا الموضع، بما أغنى عن إعادته. (14)
-------------------
الهوامش :
(11) انظر تفسير"الجزاء" فيما سلف 2: 27 ، 28 ، 314 ، وغيره في فهارس اللغة"جزى".
(12) في المخطوطة والمطبوعة: "أن حل بهم" ، فعل ماض ، والسياق يقتضي المضارع.
(13) في المخطوطة والمطبوعة: "ومن الملائكة والناس إلا مما يسوءهم..." ، وهو كلام غير مستقيم ، وهو تصحيف لما كتبت ، كان في الأصل"الدعاما يسوءهم" بغير همزة"الدعاء" ، وبغير نقط"بما" ، فاشتبهت الحروف على الناسخ ، فحرفها إلى ما ترى.
(14) انظر ما سلف 2: 328 ، 329 / ثم 3: 254-258 ، 261-263 ، وفيها نظير ما في هذه الآية.
Text: through the Quran Foundation. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences