At-Tabari · Tafsir · in Arabic
Fussilat 41:22–24
41:22Page 479
وَمَا كُنتُمۡ تَسۡتَتِرُونَ أَن يَشۡهَدَ عَلَيۡكُمۡ سَمۡعُكُمۡ وَلَآ أَبۡصَٰرُكُمۡ وَلَا جُلُودُكُمۡ وَلَٰكِن ظَنَنتُمۡ أَنَّ ٱللَّهَ لَا يَعۡلَمُ كَثِيرٗا مِّمَّا تَعۡمَلُونَ ٢٢
And you were not covering [i.e., protecting] yourselves,1 lest your hearing testify against you or your sight or your skins, but you assumed that Allāh does not know much of what you do.
( وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ ) في الدنيا( أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ ) يوم القيامة ( سَمْعُكُمْ وَلا أَبْصَارُكُمْ وَلا جُلُودُكُمْ ).
واختلف أهل التأويل في معنى قوله: ( وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ ), فقال بعضهم: معناه: وما كنتم تستخفون.
* ذكر من قال ذلك:
حدثنا محمد بن الحسين, قال: ثنا أحمد بن المفضل, قال: ثنا أسباط, عن السديّ( وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ ) : أي تَسْتَخْفُونَ منها.
وقال آخرون: معناه: وما كنتم تتقون.
* ذكر من قال ذلك:
حدثني محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم ثنا عيسى; وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن, قال: ثنا ورقاء جميعا, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, قوله: ( وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ ) قال: تتقون.
وقال آخرون: بل معنى ذلك: وما كنتم تظنون.
* ذكر من قال ذلك:
حدثنا بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قتادة ( وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ ) يقول: وما كنتم تظنون ( أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلا أَبْصَارُكُمْ ) حتى بلغ ( كَثِيرًا مِمَّا ) كنتم ( تَعْمَلُونَ ), والله إن عليك يا ابن آدم لشهودا غير متهمة من بدنك, فراقبهم واتق الله في سر أمرك وعلانيتك, فإنه لا يخفي عليه خافية, الظلمة عنده ضوء, والسر عنده علانية, فمن استطاع أن يموت وهو بالله حسن الظنّ فليفعل, ولا قوّة إلا بالله.
وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال: معنى ذلك: وما كنتم تَستَخْفُون, فتتركوا ركوب محارم الله في الدنيا حذرا أن يشهد عليكم سمعكم وأبصاركم اليوم.
وإنما قلنا ذلك أولى الأقوال في ذلك بالصواب, لأن المعروف من معاني الاستتار الاستخفاء.
فإن قال قائل: وكيف يستخفي الإنسان عن نفسه مما يأتي؟ قيل: قد بيَّنا أن معنى ذلك إنما هو الأماني, وفي تركه إتيانه إخفاؤه عن نفسه.
وقوله: ( وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمَّا ) كنتم ( تَعْمَلُونَ ) يقول جلّ ثناؤه: ولكن حسبتم حين ركبتم في الدنيا من معاصي الله أن الله لا يعلم كثيرا مما تعملون من أعمالكم الخبيثة, فلذلك لم تستتروا أن يشهد عليكم سمعكم وأبصاركم وجلودكم, فتتركوا ركوب ما حرّم الله عليكم.
وذُكر أن هذه الآية نـزلت من أجل نفر تدارَءُوا بينهم في علم الله بما يقولونه ويتكلمون سرًا.
* ذكر الخبر بذلك.
حدثني ابن يحيى القطعي, قال: ثنا أبو داود, قال: ثنا قيس, عن منصور, عن مجاهد, عن أبي معمر الأزدي, عن عبد الله بن مسعود, قال: كنت مستترا بأستار الكعبة, فدخل ثلاثة نفر, ثَقَفيان وقُرشيّ, أو قُرشيان وثَقَفي, كثير شحوم بطونهما, قليل فقه قلوبهما, فتكلموا بكلام لم أفهمه, فقال أحدهم: أترون أن الله يسمع ما نقول؟ فقال الرجلان: إذا رفعنا أصواتنا سمع, وإذا لم نرفع لم يسمع, فأتيت رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم, فذكرت له ذلك, فنـزلت هذه الآية: ( وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلا أَبْصَارُكُمْ )... إلى آخر الآية.
حدثنا محمد بن بشار, قال: ثنا يحيى بن سعيد, قال: ثنا سفيان, قال: ثني الأعمش, عن عمارة بن عمير, عن وهب بن ربيعة, عن عبد الله بن مسعود, قال: إني لمستتر بأستار الكعبة, إذ دخل ثلاثة نفر, ثقفي وختناه قرشيان, قليل فقه قلوبهما, كثير شحوم بطونهما, فتحدثوا بينهم بحديث, فقال أحدهم: أترى الله يسمع ما قلنا؟ فقال الآخر: إنه يسمع إذا رفعنا, ولا يسمع إذا خفضنا. وقال الآخر: إذا كان يسمع منه شيئا فهو يسمعه كله, قال: فأتيت رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم, فذكرت ذلك له, فنـزلت هذه الآية: ( وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلا أَبْصَارُكُمْ )... حتى بلغ وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا فَمَا هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ .
حدثنا ابن بشار, قال: ثنا يحيى, قال: ثنا سفيان, قال: ثني منصور, عن مجاهد, عن أبي معمر, عن عبد الله بنحوه.
41:23Page 479
وَذَٰلِكُمۡ ظَنُّكُمُ ٱلَّذِي ظَنَنتُم بِرَبِّكُمۡ أَرۡدَىٰكُمۡ فَأَصۡبَحۡتُم مِّنَ ٱلۡخَٰسِرِينَ ٢٣
And that was your assumption which you assumed about your Lord. It has brought you to ruin, and you have become among the losers."
القول في تأويل قوله تعالى : وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ (23)
يقول تعالى ذكره: وهذا الذي كان منكم في الدنيا من ظنكم أن الله لا يعلم كثيرا مما تعملون من قبائح أعمالكم ومساويها, هو ظنكم الذي ظننتم بربكم في الدنيا أرداكم, يعني أهلككم. يقال منه: أردى فلانا كذا وكذا: إذا أهلكه, وردي هو: إذا هلك, فهو يردى ردى; ومنه قول الأعشى:
أفِـي الطَّـوْفِ خِـفْتِ عَـليَّ الـرَّدَى
وكَــمْ مِــنْ ردًى أهْلَـهُ لَـمْ يَـرِمْ (1)
يعني: وكم من هالك أهله لم يرم.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك:
حدثنا محمد, قال: ثنا أحمد, قال: ثنا أسباط, عن السديّ, قوله: ( أَرْدَاكُمْ ) قال: أهلككم.
حدثنا ابن عبد الأعلى, قال: ثنا محمد بن ثور, عن معمر, قال: تلا الحسن: ( وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ ) فقال: إنما عمل الناس على قدر ظنونهم بربهم; فأما المؤمن فأحسن بالله الظن, فأحسن العمل; وأما الكافر والمنافق, فأساءا الظن فأساءا العمل, قال ربكم: وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلا أَبْصَارُكُمْ ... حتى بلغ : ( الخاسرين ) . قال معمر: وحدثني رجل: أنه يؤمر برجل إلى النار, فيلتفت فيقول: يا ربّ ما كان هذا ظني بك, قال: وما كان ظنك بي؟ قال: كان ظني أن تغفر لي ولا تعذّبني, قال: فإني عند ظنك بي".
حدثنا بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قتادة, قال: الظنّ ظنان, فظنّ منج, وظنّ مُرْدٍ قال: الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُو رَبِّهِمْ قال إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسَابِيَهْ , وهذا الظنّ المنجي ظنا يقينا, وقال ها هنا: ( وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ ) هذا ظنّ مُرْدٍ.
وقوله: وقال الكافرون إِنْ نَظُنُّ إِلا ظَنًّا وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ وذُكر لنا أن نبيّ الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم كان يقول ويروي ذلك عن ربه: " عَبْدِي عِنْدَ ظنِّه بِي, وأنا مَعَهُ إذَا دَعانِي". وموضع قوله: ( ذَلِكُمْ ) رفع بقوله ظنكم. وإذا كان ذلك كذلك, كان قوله: ( أَرْدَاكُمْ ) في موضع نصب بمعنى: مرديا لكم. وقد يُحتمل أن يكون في موضع رفع بالاستئناف, بمعنى: مردٍ لكم, كما قال: تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ * هُدًى وَرَحْمَةً في قراءة من قرأه بالرفع. فمعنى الكلام: هذا الظنّ الذي ظننتم بربكم من أنه لا يعلم كثيرا مما تعملون هو الذي أهلككم, لأنكم من أجل هذا الظنّ اجترأتم على محارم الله فقدمتم عليها, وركبتم ما نهاكم الله عنه, فأهلككم ذلك وأرداكم. يقول: فأصبحتم اليوم من الهالكين, قد غبنتم ببيعكم منازلكم من الجنة بمنازل أهل الجنة من النار.
------------------------
الهوامش:
(1) هذا البيت للأعشى يخاطب ابنته . وقد سبق القول فيه مفصلا في الجزء ( 23 : 62 ) وموضع الشاهد هنا هو ( الردى ) بمعنى الهلاك . وهو مصدر ردي ( كفرح ) يردى ردى . ومنه قوله تعالى :" وذلكم ظنكم الذي ظننتم الذي بربكم أرداكم" .
41:24Page 479
فَإِن يَصۡبِرُواْ فَٱلنَّارُ مَثۡوٗى لَّهُمۡۖ وَإِن يَسۡتَعۡتِبُواْ فَمَا هُم مِّنَ ٱلۡمُعۡتَبِينَ ٢٤
So [even] if they are patient, the Fire is a residence for them; and if they ask to appease [Allāh], they will not be of those who are allowed to appease.
القول في تأويل قوله تعالى : فَإِنْ يَصْبِرُوا فَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا فَمَا هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ (24)
يقول تعالى ذكره: فإن يصبر هؤلاء الذين يحشرون إلى النار على النار, فالنار مسكن لهم ومنـزل. يقول: وإن يسألوا العُتبى, وهي الرجعة لهم إلى الذي يحبون بتخفيف العذاب عنهم. يقول: فليسوا بالقوم الذين يرجع بهم إلى الجنة, فيخفف عنهم ما هم فيه من العذاب, وذلك كقوله جلّ ثناؤه مخبرا عنهم: قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا ... إلى قوله وَلا تُكَلِّمُونِ وكقولهم لخزنة جهنم: ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِنَ الْعَذَابِ ... إلى قوله: وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلا فِي ضَلالٍ .
Text: through the Quran Foundation. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences