At-TabariAsh‑Shuraa · 42:25–27

At-Tabari · Tafsir · in Arabic

Ash-Shuraa 42:25–27

42:25Page 486

وَهُوَ ٱلَّذِي يَقۡبَلُ ٱلتَّوۡبَةَ عَنۡ عِبَادِهِۦ وَيَعۡفُواْ عَنِ ٱلسَّيِّـَٔاتِ وَيَعۡلَمُ مَا تَفۡعَلُونَ ٢٥

And it is He who accepts repentance from His servants and pardons misdeeds, and He knows what you do.

القول في تأويل قوله تعالى : وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ (25)

يقول تعالى ذكره: والله الذي يقبل مراجعة العبد إذا رجع إلى توحيد الله وطاعته من بعد كفره ( وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ ) يقول: ويعفو له أن يعاقبه على سيئاته من الأعمال, وهي معاصيه التي تاب منها( وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ ) اختلف القرّاء في قراءة ذلك, فقرأته عامة قرّاء المدينة والبصرة " يَفْعَلُونَ" بالياء, بمعنى: ويعلم ما يفعل عباده, وقرأته عامة قراء الكوفة ( تَفْعَلُونَ ) بالتاء على وجه الخطاب.

والصواب من القول في ذلك عندي أنهما قراءتان مشهورتان في قراءة الأمصار متقاربتا المعنى, فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب, غير أن الياء أعجب إلي, لأن الكلام من قبل ذلك جرى على الخبر, وذلك قوله: ( وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ ) ويعني جلّ ثناؤه بقوله: ( وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ ) ويعلم ربكم أيها الناس ما تفعلون من خير وشر, لا يخفى عليه من ذلك شيء, وهو مجازيكم على كل ذلك جزاءه, فاتقوا الله في أنفسكم, واحذروا أن تركبوا ما تستحقون به منه العقوبة.

حدثنا تميم بن المنتصر, قال: أخبرنا إسحاق بن يوسف, عن شريك عن إبراهيم بن مهاجر, عن إبراهيم النخعي, عن همام بن الحارث, قال: أتينا عبد الله نسأله عن هذه الآية: ( وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ ) قال: فوجدنا عنده أناسا أو رجالا يسألونه عن رجل أصاب من امرأة حراما, ثم تزوجها, فتلا هذه الآية ( وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ ).

42:26Page 486

وَيَسۡتَجِيبُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ وَيَزِيدُهُم مِّن فَضۡلِهِۦۚ وَٱلۡكَٰفِرُونَ لَهُمۡ عَذَابٞ شَدِيدٞ ٢٦

And He answers [the supplication of] those who have believed and done righteous deeds and increases [for] them from His bounty. But the disbelievers will have a severe punishment.

القول في تأويل قوله تعالى : وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَالْكَافِرُونَ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ (26)

يقول تعالى ذكره: ويجيب الذين آمنوا بالله ورسوله, وعملوا بما أمرهم الله به, وانتهوا عما نهاهم عنه لبعضهم دعاء بعض.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك:

حدثنا أبو كريب, قال: ثنا عثام, قال: ثنا الأعمش, عن شقيق بن سلمة, عن سلمة بن سبرة, قال: خطبنا معاذ, فقال: أنتم المؤمنون, وأنتم أهل الجنة, والله إني لأرجو أن من تصيبون من فارس والروم يدخلون الجنة, ذلك بأن أحدهم إذا عمل لأحدكم العمل قال: أحسنت رحمك الله, أحسنت غفر الله لك, ثم قرأ: ( وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ ).

وقوله: ( وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ ) يقول تعالى ذكره: ويزيد الذين آمنوا وعملوا الصالحات مع إجابته إياهم دعاءهم, وإعطائه إياهم مسألتهم من فضله على مسألتهم إياه, بأن يعطيهم ما لم يسألوه. وقيل: إن ذلك الفضل الذي ضمن جلّ ثناؤه أن يزيدهموه, هو أن يشفعهم في إخوان إخوانهم إذا هم شفعوا في إخوانهم, فشفعوا فيهم.

* ذكر من قال ذلك:

حدثنا عبيد الله بن محمد الفريابي, قال: ثنا عمرو بن أبي سلمة, عن سعيد بن بشير, عن قتادة, عن إبراهيم النخعيّ في قول الله عزّ وجلّ: ( وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ) قال: يُشَفَّعُون في إخوانهم, ويزيدهم من فضله, قال: يشفعون في إخوان إخوانهم.

وقوله: ( وَالْكَافِرُونَ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ ) يقول جلّ ثناؤه: والكافرون بالله لهم يوم القيامة عذاب شديد على كفرهم به.

واختلف أهل العربية في معنى قوله ( وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا ) فقال بعضهم: أي استجاب فجعلهم هم الفاعلين, فالذين في قوله رفع والفعل لهم. وتأويل الكلام على هذا المذهب: واستجاب الذين آمنوا وعملوا الصالحات لربهم إلى الإيمان به, والعمل بطاعته إذا دعاهم إلى ذلك.

وقال آخر منهم: بل معنى ذلك: ويجيب الذين آمنوا. وهذا القول يحتمل وجهين: أحدهما الرفع، بمعنى ويجيب الله الذين آمنوا. والآخر ما قاله صاحب القول الذي ذكرنا.

وقال بعض نحوي الكوفة ( وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا ) يكون " الَّذِينَ" في موضع نصب بمعنى: ويجيب الله الذين آمنوا. وقد جاء في التنـزيل فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ والمعنى: فأجاب لهم ربهم, إلا أنك إذا قلت استجاب, أدخلت اللام في المفعول؛ وإذا قلت أجاب حذفت اللام, ويكون استجابهم بمعنى: استجاب لهم، كما قال جلّ ثناؤه: وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ والمعنى والله أعلم: وإذا كالوا لهم, أو وزنوا لهم يُخْسِرُونَ . قال: ويكون " الَّذِينَ" في موضع رفع إن يجعل الفعل لهم, أي الذين آمنوا يستجيبون لله, ويزيدهم على إجابتهم, والتصديق به من فضله. وقد بيَّنا الصواب في ذلك من القول على ما تأوّله معاذ ومن ذكرنا قوله فيه.

42:27Page 486

۞ وَلَوۡ بَسَطَ ٱللَّهُ ٱلرِّزۡقَ لِعِبَادِهِۦ لَبَغَوۡاْ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَلَٰكِن يُنَزِّلُ بِقَدَرٖ مَّا يَشَآءُۚ إِنَّهُۥ بِعِبَادِهِۦ خَبِيرُۢ بَصِيرٞ ٢٧

And if Allāh had extended [excessively] provision for His servants, they would have committed tyranny throughout the earth. But He sends [it] down in an amount which He wills. Indeed He is, of His servants, Aware and Seeing.

القول في تأويل قوله تعالى : وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الأَرْضِ وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ (27)

ذكر أن هذه الآية نـزلت من أجل قوم من أهل الفاقة من المسلمين تمنوا سعة الدنيا والغنى, فمال جلّ ثناؤه: ولو بسط الله الرزق لعباده, فوسعه وكثره عندهم لبغوا, فتجاوزوا الحدّ الذي حدّه الله لهم إلى غير الذي حدّه لهم في بلاده بركوبهم في الأرض ما حظره عليهم, ولكنه ينـزل رزقهم بقدر لكفايتهم الذي يشاء منه.

* ذكر من قال ذلك:

يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال أبو هانئ: سمعت عمرو بن حريث وغيره يقولون: إنما أزلت هذه الآية في أصحاب الصُّفَّة ( وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الأرْضِ وَلَكِنْ يُنـزلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ ) ذلك بأنهم قالوا: لو أن لنا, فتمنوا.

* حدثنا محمد بن سنان القزاز, قال: ثنا أبو عبد الرحمن المقري, قال: ثنا حيوة, قال: أخبرني أبو هانئ, أنه سمع عمرو بن حريث يقول: إنما نـزلت هذه الآية, ثم ذكر مثله.

حدثنا بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قتادة ( وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الأرْضِ ) ... الآية قال: كان يقال: خير الرزق ما لا يُطغيك ولا يُلهيك.

وذُكر لنا أن نبيّ الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم قال: " أخْوَفُ ما أخافُ على أمَّتِي زَهْرَةُ الدُّنْيا وكَثْرَتُها ". فقال له قاتل: يا نبيّ الله هل يأتي الخير بالشرّ؟ فقال النبيّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم: " وهَلْ يَأتِي الخَيْرُ بالشَّرِّ؟" فأنـزل الله عليه عند ذلك, وكان إذا نـزل عليه كرب (1) لذلك, وتربَّد وجهه, حتى إذا سرّي عن نبيّ الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم قال: " هَلْ يَأْتِي الخَيْرُ بالشَّرِّ" يقولها ثلاثا: " إنَّ الخَيْرَ لا يأتِي إلا بالخَيْرِ", يقولها ثلاثا. وكان صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم وتر الكلام: ولكنه والله ما كان ربيع قط إلا أحبط أو ألمّ فأما عبد أعطاه الله مالا فوضعه فى سبيل الله التي افترض وارتضى, فذلك عبد أريد به خير, وعزم له على الخير, وأما عبد أعطاه الله مالا فوضعه في شهواته ولذّاته, وعدل عن حقّ الله عليه, فذلك عبد أريد به شرّ, وعزم له على شرّ.

وقوله: ( إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ ) يقول تعالى ذكره: إن الله بما يصلح عباده ويفسدهم من غنى وفقر وسعة وإقتار, وغير ذلك من مصالحهم ومضارهم, ذو خبرة, وعلم, بصير بتدبيرهم, وصرفهم فيما فيه صلاحهم.

------------------------

الهوامش:

(1) في ( اللسان : كرب ) : وفي الحديث : كان إذا أتاه الوحي كرب له ، أي أصابه الكرب فهو مكروب .

Text: through the Quran Foundation. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском