At-Tabari · Tafsir · in Arabic
Al-Hujurat 49:13–15
49:13Page 517
يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّا خَلَقۡنَٰكُم مِّن ذَكَرٖ وَأُنثَىٰ وَجَعَلۡنَٰكُمۡ شُعُوبٗا وَقَبَآئِلَ لِتَعَارَفُوٓاْۚ إِنَّ أَكۡرَمَكُمۡ عِندَ ٱللَّهِ أَتۡقَىٰكُمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٞ ١٣
O mankind, indeed We have created you from male and female and made you peoples and tribes that you may know one another. Indeed, the most noble of you in the sight of Allāh is the most righteous1 of you. Indeed, Allāh is Knowing and Aware.
القول في تأويل قوله تعالى : يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (13)
يقول تعالى ذكره: يا أيها الناس إنا أنشأنا خلقكم من ماء ذكر من الرجال, وماء أنثى من النساء.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك:
حدثنا أبو هشام, قال: ثنا عبيد الله بن موسى, قال: أخبرنا عثمان بن الأسود, عن مجاهد, قال: خلق الله الولد من ماء الرجل وماء المرأة, وقد قال تبارك وتعالى ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى ).
حدثنا ابن حُمَيد, قال: ثنا مهران, قال: ثنا عثمان بن الأسود, عن مجاهد, قوله ( إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى ) قال: ما خلق الله الولد إلا من نطفة الرجل والمرأة جميعا, لأن الله يقول ( خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى ).
وقوله ( وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ ) يقول: وجعلناكم متناسبين, فبعضكم يناسب بعضا نسبا بعيدا, وبعضكم يناسب بعضا نسبا قريبًا; فالمناسب النسب البعيد من لم ينسبه أهل الشعوب, وذلك إذا قيل للرجل من العرب: من أيّ شعب أنت؟ قال: أنا من مضر, أو من ربيعة. وأما أهل المناسبة القريبة أهل القبائل, وهم كتميم من مضر, وبكر من ربيعة, وأقرب القبائل الأفخاذ وهما كشيبان من بكر ودارم من تميم, ونحو ذلك, ومن الشَّعْب قول ابن أحمر الباهلي:
مِـن شَـعْبِ هَمْدانَ أوْ سَعْدِ العَشِيرَة أوْ
خَـوْلانَ أو مَذْحِـجٍ هَـاجُوا لَـهُ طَرَبا (1)
وبنحو الذي قلنا في معنى قوله ( وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ ) قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك:
حدثنا أبو كُرَيب, قال: ثنا أبو بكر بن عياش, قال: ثنا أبو حُصين, عن سعيد بن جبير, عن ابن عباس ( وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ ) قال: الشعوب: الجُمَّاع والقبائل: البطون.
حدثنا خلاد بن أسلم, قال: ثنا أبو بكر بن عياش, عن أبي حصين, عن سعيد بن جُبَير, عن ابن عباس, في قوله ( وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ ) قال: الشعوب: الجُمَّاع. قال خلاد, قال أبو بكر: القبائل العظام, مثل بني تميم, والقبائل: الأفخاذ.
حدثنا أبو كُرَيب, قال: ثنا ابن عطية, قال: ثنا إسرائيل, عن أبي حصين, عن سعيد بن جُبَير ( وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ ) قال: الشعوب: الجمهور, والقبائل: الأفخاذ.
حدثني محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن, قال: ثنا ورقاء جميعا, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, قوله ( شُعُوبًا ) قال: النسب البعيد.( وَقَبَائِلَ ) دون ذلك.
حدثنا بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قتادة ( وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ ) قال: الشعوب: النسب البعيد, والقبائل كقوله: فلان من بني فلان, وفلان من بني فلان.
حدثنا ابن عبد الأعلى, قال: ثنا محمد بن ثور, عن معمر, عن قتادة.( وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا ) قال: هو النسب البعيد. قال: والقبائل: كما تسمعه يقال: فلان من بني فلان.
حُدثت عن الحسين, قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد, قال: سمعت الضحاك يقول في قوله ( وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا ) قال: أما الشعوب: فالنسب البعيد.
وقال بعضهم: الشعوب: الأفخاذ.
* ذكر من قال ذلك:
حدثنا ابن بشار, قال: ثنا عبد الرحمن, قال: ثنا سفيان, عن أبي حصين, عن سعيد بن جُبير ( وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ ) قال: الشعوب: الأفخاذ, والقبائل: القبائل.
وقال آخرون: الشعوب: البطون, والقبائل: الأفخاذ.
* ذكر من قال ذلك:
حدثني يحيى بن طلحة, قال: ثنا أبو بكر بن عياش, عن أبي حصين, عن سعيد بن جُبير, عن ابن عباس ( وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ ) قال: الشعوب: البطون, والقبائل: الأفخاذ الكبار.
وقال آخرون: الشعوب: الأنساب.
* ذكر من قال ذلك:
حدثني محمد بن سعد, قال: ثنى أبي, قال: ثني عمي, قال: ثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس : ( وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ ) قال: الشعوب: الأنساب.
وقوله ( لِتَعَارَفُوا ) يقول: ليعرف بعضكم بعضا في النسب, يقول تعالى ذكره: إنما جعلنا هذه الشعوب والقبائل لكم أيها الناس, ليعرف بعضكم بعضا في قرب القرابة منه وبعده, لا لفضيلة لكم في ذلك, وقُربة تقرّبكم إلى الله, بل أكرمكم عند الله أتقاكم.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك:
حدثني محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن, قال: ثنا ورقاء جميعا, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد ( وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ) قال: جعلنا هذا لتعارفوا, فلان بن فلان من كذا وكذا.
وقوله ( إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ) يقول تعالى ذكره: إن أكرمكم أيها الناس عند ربكم, أشدّكم اتقاء له بأداء فرائضه واجتناب معاصيه, لا أعظمكم بيتا ولا أكثركم عشيرة.
حدثني يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: ثني ابن لهيعة, عن الحارث بن يزيد, عن عليّ بن رباح, عن عقبة بن عامر, عن رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم قال: " النَّاسُ لآدَمَ وَحَوَّاءَ كَطَفِّ الصَّاعِ لَمْ يَمْلأوهُ, إنَّ اللّهُ لا يسألُكُمْ عَنْ أحْسابِكُمْ وَلا عَنْ أنْسابِكُمْ يَوْمَ القِيامَةِ, إن أكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللّهِ أتْقاكُمْ".
حدثني يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: ثني ابن لهيعة, عن الحارث بن يزيد, عن عليّ بن رباح, عن عقبة بن عامر, أن رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم قال: " إنَّ أنْسابَكُمْ هَذِهِ لَيْسَتْ بِمَسابٍّ عَلى أحَدٍ, وإنَّمَا أنْتُمْ وَلَدُ آدَمَ طَفَّ الصَّاعِ لَمْ تَمْلأوهُ, لَيْسَ لأحَدٍ على أحَدٍ فضْلٌ إلا بِدينٍ أوْ عَمَلٍ صالِحٍ حَسْبُ الرَّجُل أنْ يَكُونَ فاحِشا بَذيًّا بَخِيلا جَبانا ".
حدثني يعقوب بن إبراهيم, قال: ثنا ابن علية, عن ابن جُرَيْج, قال: سمعت عطاء يقول: قال ابن عباس: " ثلاث آيات جحدهنّ الناس: الإذن كله, وقال : ( إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ) وقال الناس أكرمكم: أعظمكم بيتا; وقال عطاء: نسيت الثالثة ".
وقوله ( إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ ) يقول تعالى ذكره: إن الله أيها الناس ذو علم بأتقاكم عند الله وأكرمكم عنده, ذو خبرة بكم وبمصالحكم, وغير ذلك من أموركم, لا تخفى عليه خافية.
--------------------------------------------------------------------------------
الهوامش:
(1) البيت لابن أحمر الباهلي ، كما نسبه المؤلف . والشاهد فيه كلمة " الشعب " ، وهو الفرع الكبير من الأصل ، يجمع عددا من القبائل ، كما أوضحه المؤلف . وقال النويري في ( نهاية الأرب 2 : 284 ) الشعب : هو الذي يجمع القبائل ، وتتشعب منه . وفي مجاز القرآن لأبي عبيد ( الورقة 225 - 1 ) : " وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا " : يقال : من أي شعب أنت ؟ فتقول : من مضر ، من ربيعة ، والقبائل دون ذلك . قال ابن أحمر " من شعب همدان ... البيت " .
49:14Page 517
۞ قَالَتِ ٱلۡأَعۡرَابُ ءَامَنَّاۖ قُل لَّمۡ تُؤۡمِنُواْ وَلَٰكِن قُولُوٓاْ أَسۡلَمۡنَا وَلَمَّا يَدۡخُلِ ٱلۡإِيمَٰنُ فِي قُلُوبِكُمۡۖ وَإِن تُطِيعُواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ لَا يَلِتۡكُم مِّنۡ أَعۡمَٰلِكُمۡ شَيۡـًٔاۚ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٌ ١٤
The bedouins say, "We have believed." Say, "You have not [yet] believed; but say [instead], 'We have submitted,' for faith has not yet entered your hearts. And if you obey Allāh and His Messenger, He will not deprive you from your deeds1 of anything. Indeed, Allāh is Forgiving and Merciful."
القول في تأويل قوله تعالى : قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (14)
يقول تعالى ذكره: قالت الأعراب: صدّقنا بالله ورسوله, فنحن مؤمنون, قال الله لنبيه محمد صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم: قل يا محمد لهم ( لَمْ تُؤْمِنُوا ) ولستم مؤمنين ( وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا ).
وذُكر أن هذه الآية نـزلت في أعراب من بني أسد.
* ذكر من قال ذلك:
حدثني محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن, قال: ثنا ورقاء، جميعا, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, في قوله ( قَالَتِ الأعْرَابُ آمَنَّا ) قال: أعراب بنى أسد بن خُزَيمة.
واختلف أهل التأويل في السبب الذي من أجله قيل للنبيّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم: قل لهؤلاء الأعراب: قولوا أسلمنا, ولا تقولوا آمنا, فقال بعضهم: إنما أمر النبيّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم بذلك, لأن القوم كانوا صدّقوا بألسنتهم, ولم يصدّقوا قولهم بفعلهم, فقيل لهم: قولوا أسلمنا, لأن الإسلام قول, والإيمان قول وعمل.
* ذكر من قال ذلك:
حدثنا ابن عبد الأعلى, قال: ثنا ابن ثور, عن معمر, عن الزهري ( قَالَتِ الأعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا ) قال: إن الإسلام: الكلمة, والإيمان: العمل.
حدثنا ابن عبد الأعلى, قال: ثنا ابن ثور, عن معمر, وأخبرني الزهريّ, عن عامر بن سعد, عن أبيه, قال: أعطى النبيّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم رجالا ولم يعط رجلا منهم شيئا, فقال سعد: يا رسول الله أعطيت فلانا وفلانا, ولم تعط فلانا شيئا, وهو مؤمن, فقال النبيّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم: أو مُسْلِمٌ؟ حتى أعادها سعد ثلاثا, والنبيّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم يقول: أوْ مُسْلِمٌ, ثم قال النبي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم إني أُعْطِي رِجالا وأَدَعُ مَنْ هُوَ أحَبُّ إليَّ مِنْهُمْ, لا أُعْطِيه شَيْئا مَخافَةَ أنْ يُكَبُّوا فِي النَّارِ عَلى وُجُوهِهِمْ".
حدثني يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, في قوله ( قَالَتِ الأعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا ) قال: لم يصدّقوا إيمانهم بأعمالهم, فردّ الله ذلك عليهم ( قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا ) , وأخبرهم أن المؤمنين الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا, وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله, أولئك هم الصادقون, صدّقوا إيمانهم بأعمالهم; فمن قال منهم: أنا مؤمن فقد صدق; قال: وأما من انتحل الإيمان بالكلام ولم يعمل فقد كذب, وليس بصادق.
حدثنا ابن حُمَيد, قال: ثنا مهران, عن سفيان, عن مُغيرة, عن إبراهيم ( وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا ) قال: هو الإسلام.
وقال آخرون: إنما أمر النبيّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم بقيل ذلك لهم, لأنهم أرادوا أن يتسموا بأسماء المهاجرين قبل أن يهاجروا, فأعلمهم الله أن لهم أسماء الأعراب, لا أسماء المهاجرين.
* ذكر من قال ذلك:
حدثني محمد بن سعد, قال: ثنى أبي, قال: ثني عمي, قال: ثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس, قوله ( قَالَتِ الأعْرَابُ آمَنَّا )... الآية, وذلك أنهم أرادوا أن يتسَمَّوا باسم الهجرة, ولا يتسَمَّوا بأسمائهم التي سماهم الله, وكان ذلك في أول الهجرة قبل أن تنـزل المواريث لهم.
وقال آخرون: قيل لهم ذلك لأنهم منوا على رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم بإسلامهم, فقال الله لنبيه صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم: قل لهم لم تؤمنوا, ولكن استسلمتم خوف السباء والقتل.
* ذكر من قال ذلك:
حدثنا بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قتادة, قوله ( قَالَتِ الأعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا ) ولعمري ما عمت هذه الآية الأعراب, إن من الأعراب من يؤمن بالله واليوم الآخر, ولكن إنما أنـزلت في حيّ من أحياء الأعراب امتنوا بإسلامهم على نبيّ الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم, فقالوا: أسلمنا, ولم نقاتلك, كما قاتلك بنو فلان وبنو فلان, فقال الله: ( لا تقولوا آمنا. . . ) ,( وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا ) حتى بلغ ( فِي قُلُوبِكُمْ ) .
حدثنا ابن عبد الأعلى, قال: ثنا محمد بن ثور, عن معمر, عن قتادة ( لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا ) قال: لم تعمّ هذه الآية الأعراب, إن من الأعراب من يؤمن بالله واليوم الآخر, ويتخذ ما ينفق قربات عند الله, ولكنها في طوائف من الأعراب.
حدثنا ابن حُمَيد, قال: ثنا مهران, عن سفيان, عن رَباح, عن أبي معروف, عن سعيد بن جُبَير ( قَالَتِ الأعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا ) قال: استسلمنا لخوف السباء والقتل.
حدثنا ابن حُمَيد, قال: ثنا مهران, عن سفيان, عن رجل, عن مجاهد ( قُولُوا أَسْلَمْنَا ) قال: استسلمنا.
حدثنا يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, وقرأ قول الله ( قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا ) استسلمنا: دخلنا في السلم, وتركنا المحاربة والقتال بقولهم: لا إله إلا الله, وقال قال رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم: " أُمِرْتُ أنْ أُقاتِل النَّاس حتى يَقُولُوا لا إلَهَ إلا اللّهُ, فإذَا قالُوا لا إلَهَ إلا اللّهُ, عَصَمُوا مِنِّي دِماءَهُمْ وأمْوَالهُمْ إلا بِحَقِّها وَحِسابُهُمْ على اللّهِ".
وأولى الأقوال بالصواب في تأويل ذلك القول الذي ذكرناه عن الزهريّ, وهو أن الله تقدّم إلى هؤلاء الأعراب الذين دخلوا في الملة إقرارا منهم بالقول, ولم يحققوا قولهم بعملهم أن يقولوا بالإطلاق آمنا دون تقييد قولهم بذلك بأن يقولوا آمنا بالله ورسوله, ولكن أمرهم أن يقولوا القول الذي لا يشكل على سامعيه والذي قائله فيه محقّ, وهو أن يقولوا أسلمنا, بمعنى: دخلنا في الملة والأموال, والشهادة الحق (2) .
قوله ( وَلَمَّا يَدْخُلِ الإيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ ) يقول تعالى ذكره: ولما يدخل العلم بشرائع الإيمان, وحقائق معانيه في قلوبكم.
وقوله ( وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا ) يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم: قل لهؤلاء الأعراب القائلين آمنا ولما يدخل الإيمان في قلوبهم, إن تطيعوا الله ورسوله أيها القوم, فتأتمروا لأمره وأمر رسوله, وتعملوا بما فرض عليكم, وتنتهوا عما نهاكم عنه,( لا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا ) يقول: لا يظلمكم من أجور أعمالكم شيئا ولا ينقصكم من ثوابها شيئا.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك:
حدثني محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن, قال: ثنا ورقاء جميعا, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, قوله ( لا يَلِتْكُمْ ) لا ينقصكم.
حدثنا بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قتادة, قوله ( لا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا ) يقول: لن يظلمكم من أعمالكم شيئا.
حدثني يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد في ( وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ ) قال: إن تصدقوا إيمانكم بأعمالكم يقبل ذلك منكم.
وقرأت قرّاء الأمصار ( لا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ ) بغير همز ولا ألف, سوى أبي عمرو, فإنه قرأ ذلك ( لا يَأْلَتْكُمْ ) بألف اعتبارا منه في ذلك بقوله وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ فمن قال: ألت, قال: يألت.
وأما الآخرون فإنهم جعلوا ذلك من لات يليت, كما قال رُؤبةُ بن العجاج:
وَلَيْلَـــةٍ ذَاتِ نَـــدًى سَـــرَيت
ولَــمْ يَلِتْنِــي عَـنْ سُـرَاها لَيْـتُ (3)
والصواب من القراءة عندنا في ذلك, ما عليه قرّاء المدينة والكوفة ( لا يَلِتْكُمْ ) بغير ألف ولا همز, على لغة من قال: لات يليت, لعلتين: إحداهما: إجماع الحجة من القرّاء عليها. والثانية أنها في المصحف بغير ألف, ولا تسقط الهمزة في مثل هذا الموضع, لأنها ساكنة, والهمزة إذا سكنت ثبتت, كما يقال: تأمرون وتأكلون, وإنما تسقط إذا سكن ما قبلها, ولا يحمل حرف في القرآن إذا أتى بلغة على آخر جاء بلغة خلافها إذا كانت اللغتان معروفتين في كلام العرب. وقد ذكرنا أن ألت ولات لغتان معروفتان من كلامهم.
وقوله ( إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ) يقول تعالى ذكره: إن الله ذو عفو أيها الأعراب لمن أطاعه, وتاب إليه من سالف ذنوبه, فأطيعوه, وانتهوا إلى أمره ونهيه, يغفر لكم ذنوبكم, رحيم بخلقه التائبين إليه أن يعاقبهم بعد توبتهم من ذنوبهم على ما تابوا منه, فتوبوا إليه يرحمكم.
كما حدثنا بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قتادة ( إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ) غفور للذنوب الكثيرة أو الكبيرة, شكّ يزيد, رحيم بعباده.
--------------------------------------------------------------------------------
الهوامش:
(2) لعله دخلنا في الملة لحفظ الأنفس والأموال بالشهادة ... إلخ .
(3) البيتان نسبهما المؤلف إلى رؤبة بن العجاج ، ولم أجدهما في ديوانه ولا في ديوان أبيه العجاج . وأوردهما صاحب اللسان في ( حنن ) محمد ونسبهما على أبي الفقعسي . وقد استشهد بهما المؤلف مرة قبل هذه في ( 15 : 2 ) من هذه المطبوعة ، عند أول سورة الإسراء . وشرحناهما شرحًا مفصلا يناسب هذه المقام ، فراجعهما ثمة .
49:15Page 517
إِنَّمَا ٱلۡمُؤۡمِنُونَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ ثُمَّ لَمۡ يَرۡتَابُواْ وَجَٰهَدُواْ بِأَمۡوَٰلِهِمۡ وَأَنفُسِهِمۡ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِۚ أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلصَّٰدِقُونَ ١٥
The believers are only the ones who have believed in Allāh and His Messenger and then doubt not but strive with their properties and their lives in the cause of Allāh. It is those who are the truthful.
القول في تأويل قوله تعالى : إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (15)
يقول تعالى ذكره للأعراب الذين قالوا آمنا ولما يدخل الإيمان في قلوبهم: إنما المؤمنون أيها القوم الذين صدّقوا الله ورسوله, ثم لم يرتابوا, يقول: ثم لم يشكوا في وحدانية الله, ولا في نبوّة نبيه صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم, وألزم نفسه طاعة الله وطاعة رسوله, والعمل بما وجب عليه من فرائض الله بغير شكّ منه في وجوب ذلك عليه ( وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ) يقول: جاهدوا المشركين بإنفاق أموالهم, وبذل مُهجِهم في جهادهم, على ما أمرهم الله به من جهادهم, وذلك سبيله لتكون كلمة الله العليا, وكلمة الذين كفروا السفلى.
وقوله ( أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ ) يقول: هؤلاء الذين يفعلون ذلك هم الصادقون في قولهم: إنا مؤمنون, لا من دخل في الملة خوف السيف ليحقن دمه وماله.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك:
حدثني يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, في قوله ( أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ ) قال: صدّقوا إيمانهم بأعمالهم.
Text: through the Quran Foundation. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences