At-Tabari · Tafsir · in Arabic
Al-Ma'idah 5:16–18
5:16Page 110
يَهۡدِي بِهِ ٱللَّهُ مَنِ ٱتَّبَعَ رِضۡوَٰنَهُۥ سُبُلَ ٱلسَّلَٰمِ وَيُخۡرِجُهُم مِّنَ ٱلظُّلُمَٰتِ إِلَى ٱلنُّورِ بِإِذۡنِهِۦ وَيَهۡدِيهِمۡ إِلَىٰ صِرَٰطٖ مُّسۡتَقِيمٖ ١٦
By which Allāh guides those who pursue His pleasure to the ways of peace1 and brings them out from darknesses into the light, by His permission, and guides them to a straight path.
القول في تأويل قوله عز ذكره : يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلامِ
قال أبو جعفر: يعني عز ذكره: يهدي بهذا الكتاب المبين الذي جاء من الله جل جلاله= ويعني بقوله: " يهدي به الله "، يرشد به الله ويسدِّد به، (16) = و " الهاء " في قوله: " به " عائدة على " الكتاب "=" من اتبع رضوانه "، يقول: من اتبع رِضَى الله. (17)
* * *
واختلف في معنى " الرضى " من الله جل وعز.
فقال بعضهم: الرضى منه بالشيء "، القبول له والمدح والثناء. قالوا: فهو قابل الإيمان، ومُزَكّ له، ومثنٍ على المؤمن بالإيمان، وواصفٌ الإيمانَ بأنه نور وهُدًى وفصْل. (18)
* * *
وقال آخرون: معنى " الرضى " من الله جل وعز، معنى مفهوم، هو خلاف السخط، وهو صفة من صفاته على ما يعقل من معاني: " الرضى " الذي هو خلاف السخط، وليس ذلك بالمدح، لأن المدح والثناء قولٌ، وإنما يثنى ويمدح ما قد رُضِي. قالوا: فالرضا معنًى، و " الثناء " و " المدح " معنًى ليس به.
* * *
ويعني بقوله: " سُبُل السلام "، طرق السلام (19) = و " السلام "، هو الله عزَّ ذكره.
11612 - حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: " من اتبع رضوانه سبل السلام "، سبيل الله الذي شرعه لعباده ودعاهم إليه، وابتعث به رسله، وهو الإسلام الذي لا يقبل من أحد عملا إلا به، لا اليهودية، ولا النصرانية، ولا المجوسية.
* * *
القول في تأويل قوله عز ذكره : وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ
قال أبو جعفر: يقول عز ذكره: يهدي الله بهذا الكتاب المبين، من اتبع رضوان الله إلى سبل السلام وشرائع دينه=" ويخرجهم "، يقول: ويخرج من اتبع رضوانه= و " الهاء والميم " في: " ويخرجهم " إلى من ذُكر=" من الظلمات إلى النور "، يعني: من ظلمات الكفر والشرك، إلى نور الإسلام وضيائه (20) =" بإذنه "، يعني: بإذن الله جل وعز. و " إذنه في هذا الموضع: تحبيبه إياه الإيمان برفع طابَع الكفر عن قلبه، وخاتم الشرك عنه، وتوفيقه لإبصار سُبُل السّلام. (21)
* * *
القول في تأويل قوله عز ذكره : وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (16)
قال أبو جعفر: يعني عز ذكره بقوله: " ويهديهم "، ويرشدهم ويسددهم (22) =" إلى صراط مستقيم "، يقول: إلى طريق مستقيم، وهو دين الله القويم الذي لا اعوجاج فيه. (23)
----------------------
الهوامش :
(16) انظر تفسير"يهدي" فيما سلف من فهارس اللغة.
(17) انظر تفسير"الرضوان" فيما سلف 6: 262/9: 480.
(18) في المطبوعة والمخطوطة: "وفضل" بالضاد المعجمة ، و"الفصل" هنا هو حق المعنى ، لأنه يفصل بين الحق والباطل.
(19) انظر تفسير"سبيل" فيما سلف من فهارس اللغة.
(20) انظر تفسير"من الظلمات إلى النور" فيما سلف 5: 424-426.
(21) انظر تفسير"الإذن" فيما سلف 8: 516 ، تعليق: 1 ، والمراجع هناك.
(22) انظر تفسير"يهدي" في فهارس اللغة.
(23) انظر تفسير"الصراط المستقيم" فيما سلف 8: 529 ، تعليق: 3 ، والمراجع هناك.
5:17Page 110
لَّقَدۡ كَفَرَ ٱلَّذِينَ قَالُوٓاْ إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلۡمَسِيحُ ٱبۡنُ مَرۡيَمَۚ قُلۡ فَمَن يَمۡلِكُ مِنَ ٱللَّهِ شَيۡـًٔا إِنۡ أَرَادَ أَن يُهۡلِكَ ٱلۡمَسِيحَ ٱبۡنَ مَرۡيَمَ وَأُمَّهُۥ وَمَن فِي ٱلۡأَرۡضِ جَمِيعٗاۗ وَلِلَّهِ مُلۡكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَمَا بَيۡنَهُمَاۚ يَخۡلُقُ مَا يَشَآءُۚ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٞ ١٧
They have certainly disbelieved who say that Allāh is Christ, the son of Mary. Say, "Then who could prevent Allāh at all if He had intended to destroy Christ, the son of Mary, or his mother or everyone on the earth?" And to Allāh belongs the dominion of the heavens and the earth and whatever is between them. He creates what He wills, and Allāh is over all things competent.
القول في تأويل قوله عز ذكره : لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ
قال أبو جعفر: هذا ذمٌّ من الله عز ذكره للنصارى والنصرانية، الذين ضلُّوا عن سبل السلام= واحتجاجٌ منه لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم في فِرْيتهم عليه بادّعائهم له ولدًا.
يقول جل ثناؤه: أقسم، لقد كفر الذين قالوا: إن الله هو المسيح ابن مريم= و " كفرهم " في ذلك، تغطيتهم الحقّ في تركهم نفي الولد عن الله جل وعز، وادِّعائهم أن المسيح هو الله، فرية وكذبًا عليه. (24)
* * *
وقد بينا معنى: " المسيح " فيما مضى، بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع. (25) .
* * *
القول في تأويل قوله عز ذكره : قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الأَرْضِ جَمِيعًا
قال أبو جعفر: يقول جل ثناؤه، لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: قل، يا محمد، للنصارى الذين افتروا عليّ، وضلُّوا عن سواء السبيل بقيلهم: إنّ الله هو المسيح ابن مريم: " من يملك من الله شيئًا "، يقول: من الذي يطيق أن يدفع من أمر الله جل وعز شيئا، فيردّه إذا قضاه.
* * *
= من قول القائل: " ملكت على فلان أمره "، إذا صار لا يقدر أن ينفذ أمرًا إلا به. (26)
* * *
وقوله: " إن أراد أن يهلك المسيح ابن مريم وأمه ومن في الأرض جميعًا "، يقول: من ذا الذي يقدر أن يرد من أمر الله شيئًا، إن شاء أن يهلك المسيح ابن مريم، بإعدامه من الأرض وإعدام أمه مريم، وإعدام جميع من في الأرض من الخلق جميعا. (27)
* * *
يقول جل ثناؤه لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: قل لهؤلاء الجهلة من النصارى: لو كان المسيح كما تزعمون= أنّه هو الله، وليس كذلك= لقدر أن يردَّ أمرَ الله إذا جاءه بإهلاكه وإهلاك أمه. وقد أهلك أمَّه فلم يقدر على دفع أمره فيها إذْ نـزل ذلك. ففي ذلك لكم معتَبرٌ إن اعتبرتم، وحجة عليكم إن عقلتم: في أن المسيح، بَشَر كسائر بني آدم، وأن الله عز وجل هو الذي لا يغلب ولا يقهر ولا يردُّ له &; 10-148 &; أمر، بل هو الحيُّ الدائم القيُّوم الذي يحيي ويميت، وينشئ ويفني، وهو حي لا يموت.
* * *
القول في تأويل قوله عز ذكره : وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا يخْلُقُ مَا يَشَاءُ
قال أبو جعفر: يعني تبارك وتعالى بذلك: والله له تصريف ما في السماوات والأرض وما بينهما (28) = يعني: وما بين السماء والأرض= يهلك من يشاء من ذلك ويبقي ما يشاء منه، ويوجد ما أراد ويعدم ما أحبّ، لا يمنعه من شيء أراد من ذلك مانع، ولا يدفعه عنه دافع، يُنْفِذ فيهم حكمه، ويُمضي فيهم قضاءه= لا المسيح الذي إن أراد إهلاكه ربُّه وإهلاكَ أمّه، لم يملك دفع ما أراد به ربُّه من ذلك.
* * *
يقول جل وعز: كيف يكون إلهًا يُعبد من كان عاجزًا عن دفع ما أراد به غيره من السوء، وغير قادرٍ على صرف ما نـزل به من الهلاك؟ بل الإله المعبود، الذي له ملك كل شيء، وبيده تصريف كل من في السماءِ والأرض وما بينهما.
* * *
فقال جل ثناؤه: " وما بينهما "، وقد ذكر " السموات " بلفظ الجمع، ولم يقل: " وما بينهن "، لأن المعنى: وما بين هذين النوعين من الأشياء، كما قال الراعي:
طَرَقَــا, فَتِلْـكَ هَمَـاهِمِي, أَقْرِيهِمَـا
قُلُصًــا لَــوَاقِحَ كَالقِسِـيِّ وَحُـولا (29)
فقال: " طرقا "، مخبًرا عن شيئين، ثم قال: " فتلك هَمَاهمي"، فرجع إلى معنى الكلام.
* * *
وقوله: " يخلق ما يشاء "، يقول جل ثناؤه: وينشئ ما يشاء ويوجده، ويخرجُه من حال العدم إلى حال الوجود، ولن يقدر على ذلك غير الله الواحد القهَّار. وإنما يعني بذلك، أنّ له تدبير السموات والأرض وما بينهما وتصريفه، وإفناءه وإعدامه، وإيجادَ ما يشاء مما هو غير موجود ولا مُنْشأ. يقول: فليس ذلك لأحد سواي، فكيف زعمتم، أيها الكذبة، أنّ المسيح إله، وهو لا يطيق شيئا من ذلك، بل لا يقدر على دفع الضرَر عن نفسه ولا عن أمه، ولا اجتلابِ نفعٍ إليها إلا بإذني؟
* * *
القول في تأويل قوله عز ذكره : وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (17)
قال أبو جعفر: يقول عز ذكره: الله المعبودُ، هو القادر على كل شيء، والمالك كلَّ شيء، الذي لا يعجزُه شيء أراده، ولا يغلبه شيء طلبه، المقتدرُ على هلاك المسيح وأمه ومن في الأرض جميعًا = لا العاجز الذي لا يقدر على منع نفسه من ضُرّ نـزل به من الله، ولا منْعِ أمّه من الهلاك. (30)
* * *
-----------------------
الهوامش :
(24) انظر تفسير"الكفر" فيما سلف من فهارس اللغة.
(25) انظر تفسير"المسيح" فيما سلف 9: 417 ، تعليق: 1 ، والمراجع هناك.
(26) هذا بيان قلما تصيبه في كتب اللغة.
(27) انظر تفسير"الإهلاك" فيما سلف 4: 239 ، 240/9: 430.
(28) انظر تفسير"الملك" فيما سلف 8: 48 ، تعليق: 3 ، والمراجع هناك.
(29) من قصيدته في جمهرة أشعار العرب: 173 ، ومجاز القرآن لأبي عبيدة 1: 118 ، 160 ، يقول لابنته خليدة:
لَمَّــا رَأَتْ أَرَقِــي وَطُـولَ تَلَـدُّدِي
ذَاتَ الْعِشَــاء وَلَيْــلَيِ الْمَوْصُــولا
قَـالَتْ خُـلَيْدَةُ: مَـا عَـرَاكَ، وَلَمْ تَكُنْ
أَبَــدًا إِذَا عَــرَتِ الشُّـئُونُ سَـؤُولا
أَخُــلَيْدَ، إِنَّ أَبَــاكِ ضَـافَ وِسَـادَهُ
هَمَّــان باتَـــا جَنْبَــةً وَدَخِــيلا
طَرَقَــا، فَتِلْــكَ هَمَــا هِــي....
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
"الهماهم": الهموم. و"قلص" جمع"قلوص": الفتية من الإبل."لواقح": حوامل ، جمع"لاقح". و"الحول" ، جمع"حائل" ، وهي الناقة التي لم تحمل سنة أو سنتين أو سنوات ، وكذلك كل حامل ينقطع عنها الحمل. يقول: أجعل قرى هذه الهموم ، نوقًا هذه صفاتها ، كأنها قسى موترة من طول أسفارها ، فأضرب بها الفيافي.
والشاهد الذي أراده الطبري أنه قال: "فتلك هماهمي" ، وقد ذكر قبل"همان" ، ثم عاد بعد يقول: "أقريهما" ، وقد قال: "فتلك هماهمي" جمعًا. وانظر مجاز القرآن لأبي عبيدة 1: 118 ، 160.
(30) انظر تفسير"قدير" فيما سلف من فهارس اللغة.
5:18Page 111
وَقَالَتِ ٱلۡيَهُودُ وَٱلنَّصَٰرَىٰ نَحۡنُ أَبۡنَٰٓؤُاْ ٱللَّهِ وَأَحِبَّٰٓؤُهُۥۚ قُلۡ فَلِمَ يُعَذِّبُكُم بِذُنُوبِكُمۖ بَلۡ أَنتُم بَشَرٞ مِّمَّنۡ خَلَقَۚ يَغۡفِرُ لِمَن يَشَآءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَآءُۚ وَلِلَّهِ مُلۡكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَمَا بَيۡنَهُمَاۖ وَإِلَيۡهِ ٱلۡمَصِيرُ ١٨
But the Jews and the Christians say, "We are the children of Allāh and His beloved." Say, "Then why does He punish you for your sins?" Rather, you are human beings from among those He has created. He forgives whom He wills, and He punishes whom He wills. And to Allāh belongs the dominion of the heavens and the earth and whatever is between them, and to Him is the [final] destination.
القول في تأويل قوله عز ذكره : وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ
قال أبو جعفر: وهذا خبر من الله جل وعز عن قوم من اليهود والنصارى أنهم قالوا هذا القول.
* * *
وقد ذكر عن ابن عباس تسمية الذين قالوا ذلك من اليهود.
11613 - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا يونس بن بكير، عن محمد بن إسحاق قال، حدثني محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت قال، حدثني سعيد بن جبير أو عكرمة، عن ابن عباس قال: أتى رسولَ الله صلى الله عليه وسلم نعمانُ بن أضَاء (1) وبحريّ بن عمرو، وشأس بن عدي، فكلموه، فكلّمهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، ودعاهم إلى الله وحذّرهم نقمته، فقالوا: ما تُخَوّفنا، &; 10-151 &; يا محمد!! نحن والله أبناء الله وأحبَّاؤه!! (2) = كقول النصارى، فأنـزل الله جل وعز فيهم: " وقالت اليهودُ والنصارى نحن أبناء الله وأحباؤه "، إلى آخر الآية. (3)
* * *
وكان السدي يقول في ذلك بما:
11614 - حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: " وقالت اليهود والنصارى نحن أبناء الله وأحباؤه "، أما " أبناء الله "، فإنهم قالوا: إن الله أوحى إلى إسرائيل أن ولدًا من ولدك، (4) أدخلهم النار، فيكونون فيها أربعين يومًا حتى تطهرهم وتأكل خطاياهم، ثم ينادي منادٍ: أن أخرجوا كل مختون من ولدِ إسرائيل، فأخرجهم. فذلك قوله: لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ [سورة آل عمران: 24]. وأما النصارى، فإن فريقًا منهم قال للمسيح: ابن الله. (5)
* * *
والعرب قد تخرج الخبرَ، إذا افتخرت، مخرجَ الخبر عن الجماعة، وإن كان ما افتخرت به من فعل واحد منهم، فتقول: " نحن الأجواد الكرام "، وإنما الجواد فيهم واحدٌ منهم، وغير المتكلِّم الفاعلُ ذلك، كما قال جرير:
نَدَسْــنَا أَبَـا مَنْدُوسَـةَ القَيْـنَ بِالقَنَـا
وَمَــارَ دَمٌ مِـنْ جَـارِ بَيْبَـةَ نَـاقعُ (6)
&; 10-152 &; فقال: " نَدَسْنَا "، وإنما النادس رجل من قوم جريرٍ غيرُه، فأخرج الخبر مخرج الخبر عن جماعة هو أحدهم. فكذا أخبر الله عزّ ذكره عن النصارى أنها قالت ذلك، على هذا الوجه إن شاء الله.
* * *
وقوله: " وأحباؤه "، وهو جمع " حبيب ".
* * *
يقول الله لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: " قل " لهؤلاء الكذبة المفترين على ربهم=" فلم يعذبكم " ربكم، يقول: فلأي شيء يعذبكم ربكم بذنوبكم، إن كان الأمر كما زعمتم أنكم أبناؤه وأحبّاؤه، فإن الحبيب لا يعذِّب حبيبه، وأنتم مقرُّون أنه معذبكم؟ وذلك أن اليهود قالت: إن الله معذبنا أربعين يومًا عَدَد الأيام التي عبدنا فيها العجل، (7) ثم يخرجنا جميعًا منها، فقال الله لمحمد صلى الله عليه وسلم: قل لهم: إن كنتم، كما تقولون، أبناءُ الله وأحباؤه، فلم يعذبكم بذنوبكم؟ يعلمهم عز ذكره أنَّهم أهل فرية وكذب على الله جل وعز.
* * *
القول في تأويل قوله جل ثناؤه : بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ
قال أبو جعفر: يقول جل ثناؤه لنبيه محمّدٍ صلى الله عليه وسلم، قل لهم: ليس الأمر كما زعمتم أنكم أبناء الله وأحباؤه=" بل أنتم بشر ممن خلق "، يقول: خلق من بني آدم، خلقكم الله مثل سائر بني آدم، (8) إن أحسنتم جُوزيتم بإحسانكم، كما سائر بني آدم مجزيُّون بإحسانهم، وإن أسأتم جوزيتم بإساءتكم، كما غيركم مجزيٌّ بها، ليس لكم عند الله إلا ما لغيركم من خلقه، فإنه يغفر لمن يشاء من أهل الإيمان به ذنوبَه، فيصفح عنه بفضله، ويسترها عليه برحمته، فلا يعاقبه بها.
* * *
وقد بينا معنى " المغفرة "، في موضع غير هذا بشواهده، فأغنى ذلك عن إعادته في هذا الموضع. (9) .
* * *
=" ويعذب من يشاء " يقول: ويعدل على من يشاء من خلقه فيعاقبه على ذنوبه، ويفضَحه بها على رءوس الأشهاد فلا يسترها عليه.
* * *
وإنما هذا من الله عز وجل وعيد لهؤلاء اليهود والنصارى المتّكلين على منازل سَلَفهم الخيارِ عند الله، الذين فضلهم الله جل وعز بطاعتهم إياه، واجتباهم لمسارعتهم إلى رضاه، (10) واصطبارهم على ما نابهم فيه. (11) يقول لهم: لا تغتروا بمكان أولئك مني ومنازلهم عندي، فإنهم إنما نالوا ما نالوا منّي بالطاعة لي، وإيثار رضاي على محابِّهم= (12) لا بالأماني، فجدُّوا في طاعتي، وانتهوا إلى أمري، وانـزجروا عما نهيتُهم عنه، فإني إنما أغفر ذنوب من أشاء أن أغفر ذنوبه من أهل طاعتي، وأعذّب من أشاء تعذيبه من أهل معصيتي= (13) لا لمن قرَّبتْ زُلْفَةُ آبائه مني، وهو لي عدوّ، ولأمري ونهيي مخالفٌ.
* * *
وكان السدي يقول في ذلك بما:-
11615 - حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي قوله: " يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء "، يقول: يهدي منكم من يشاء في الدنيا فيغفر له، ويميت من يشاء منكم على كفره فيعذِّبه.
* * *
القول في تأويل قوله جل ثناؤه : وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ (18)
قال أبو جعفر يقول: لله تدبيرُ ما في السموات وما في الأرض وما بينهما، وتصريفُه، وبيده أمره، وله ملكه، (14) يصرفه كيف يشاء، ويدبره كيف أحبّ، (15) لا شريك له في شيء منه، ولا لأحدٍ معهُ فيه ملك. فاعلموا أيها القائلون: نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ ، أنه إن عذبكم بذنوبكم، لم يكن لكم منه مانع، ولا لكم عنه دافع، لأنه لا نسب بين أحد وبينه فيحابيه لسبب ذلك، ولا لأحد في شيء دونه ملك، فيحول بينه وبينه إن أراد تعذيبه بذنوبه، (16) وإليه مصير كل شيء ومرجعه. فاتَّقوا أيها المفترون، عقابَه إياكم على ذنوبكم بعد مرجعكم إليه، ولا تغتروا بالأمانيّ وفضائل الآباء والأسلاف.
-------------------------
الهوامش :
(1) في المطبوعة: "نعمان بن أحي ، ويحرى بن عمرو.." ، وفي المخطوطة: "عثمان بن أصار ويحوى بن عمرو..." ، وكلاهما خطأ ، وصوابه من سيرة ابن هشام.
(2) في المخطوطة: "نحن أبناء الله وأحباءه ، بل أنتم بشر ممن خلق" ، وهو من عجلة الناسخ لا شك في ذلك.
(3) الأثر: 11613- سيرة ابن هشام 2: 212 ، وهو تابع الأثر السالف رقم: 11557.
(4) في المخطوطة: "إلى بني إسرائيل إن ولدك من الولد فأدخلهم النار" ، وهو خلط بلا معنى ، صوابه ما في المطبوعة على الأرجح.
(5) الأثر: 11614- لم يمض هذا الأثر في تفسير آية سورة البقرة: 80 (2: 274-278) ، ولا آية سورة آل عمران: 24 (6: 292 ، 293). وهذا أيضا من الأدلة على اختصار أبي جعفر تفسيره.
(6) ديوانه: 372 ، والنقائض: 693 ، واللسان (بيب) (مور) (ندس). و"ندس": طعن طعنًا خفيفًا. و"أبو مندوسة" ، هو مرة بن سفيان بن مجاشع ، جد الفرزذق. قتلته بنو يربوع -قوم جرير- في يوم الكلاب الأول. و"القين" لقب لرهط الفرزدق ، يهجون به. و"جاربيبة" ، هو الصمة بن الحارث الجشمي ، قتله ثعلبة بن حصبة ، وهو في جوار الحارث بن بيبة بن قرط بن سفيان بن مجاشع ، من رهط الفرزدق. و"مار الدم على وجه الأرض": جرى وتحرك فجاء وذهب. و"دم ناقع" ، أي: طري لم ييبس.
(7) انظر ما سلف 6: 292.
(8) انظر تفسير"بشر" فيما سلف 6: 538.
(9) انظر ما سلف 2: 109 ، 110 ، ثم سائر فهارس اللغة.
(10) في المطبوعة: "واجتنابهم معصيته لمسارعتهم" ، لم يحسن قراءة المخطوطة ، لأنها غير منقوطة ، وزاد"معصيته" لتستقيم له قراءته. و"الاجتباء": الاصطفاء والاختيار.
(11) في المخطوطة: "إلى ما نابهم فيه" ، والجيد ما في المطبوعة.
(12) يقول: "نالوا ما نالوا مني بالطاعة لي.. لا بالأماني". هكذا السياق.
(13) يقول: "فإني أغفر ذنوب من أشاء.. لا لمن قربت زلفة آبائه مني" ، هكذا السياق.
(14) انظر تفسير نظيرة هذه الآية فيما سلف قريبا ص: 148 ، تعليق: 1 ، والمراجع هناك.
(15) في المطبوعة: "كيف أحبه" ، وأثبت الجيد من المخطوطة.
(16) في المطبوعة: "بذنبه" ، وفي المخطوطة: "بدونه" ، ورجحت ما أثبت.
Text: through the Quran Foundation. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences