At-Tabari · Tafsir · in Arabic
Adh-Dhariyat 51:22–24
51:22Page 521
وَفِي ٱلسَّمَآءِ رِزۡقُكُمۡ وَمَا تُوعَدُونَ ٢٢
And in the heaven is your provision and whatever you are promised.
وقوله ( وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ ) يقول تعالى ذكره: وفي السماء: المطر والثلج اللذان بهما تخرج الأرض رزقكم, وقوتكم من الطعام والثمار وغير ذلك.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال بعض أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك:
حدثني محمد بن عبد الله بن بزيع, قال: ثنا النضر, قال: ثنا جُوَيبر, عن الضحاك, في قوله ( وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ ) قال: المطر.
حدثنا أبو كُريب, قال: ثنا ابن يمان, عن أشعث, عن جعفر, عن سعيد, في قوله ( وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ ) قال: الثلج, وكلّ عين ذائبة من الثلج لا تنقص.
حدثنا يونس بن عبد الأعلى, قال: ثنا سفيان, عن عبد الكريم, عن الحسن, قال: في السحاب فيه والله رزقكم, ولكنكم تحرمونه بخطاياكم وأعمالكم.
قال أخبرنا سفيان, عن إسماعيل بن أمية, قال: أحسبه أو غيره " أن رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم سمع رجلا ومطروا, يقول: ومطرنا ببعض عثانين الأسد, فقال كَذَبْتَ, بَلْ هُوَ رِزقُ اللهِ" .
حدثنا ابن حُميد, قال: ثنا مهران, عن سفيان, عن مجاهد ( وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ ) قال: رزقكم المطر.
قال: ثنا مهران, عن سفيان ( وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ ) قال: رزقكم المطر.
وقال آخرون: بل معنى ذلك: ومن عند الله الذي في السماء رزقكم, وممن تأوّله كذلك واصل الأحدب.
حدثنا ابن حُميد, قال: ثنا هارون بن المُغيرة من أهل الرأي, عن سفيان الثوري, قال: قرأ واصل الأحدب هذه الآية ( وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ ) فقال: ألا إن رزقي في السماء وأنا أطلبه في الأرض, فدخل خرِبة فمكث ثلاثا لا يصيب شيئا, فلما كان اليوم الثالث إذا هو بدوخلَّة رطب, وكان له أخ أحسن نية منه, فدخل معه, فصارتا دوخلَّتين, فلم يزل ذلك دأبهما حتى فرّق الموت بينهما.
واختلف أهل التأويل في تأويل, قوله ( وَمَا تُوعَدُونَ ) فقال بعضهم: معنى ذلك: وما توعدون من خير, أو شرّ.
* ذكر من قال ذلك:
حدثنا ابن حُميد, قال: ثنا مهران, عن سفيان, عن مجاهد ( وَمَا تُوعَدُونَ ) قال: وما توعدون من خير أو شرّ.
حدثني الحارث, قال: ثنا الحسن, قال: ثنا ورقاء, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد ( وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ ) يقول: الجنة في السماء, وما توعدون من خير أو شرّ.
وقال آخرون: بل معنى ذلك: وما توعدون من الجنة والنار.
* ذكر من قال ذلك:
حدثني محمد بن عبد الله بن بزيع, قال: ثنا النضر, قال: أخبرنا جويبر, عن الضحاك, في قوله ( وَمَا تُوعَدُونَ ) قال: الجنة والنار.
حدثنا ابن حُميد, قال: ثنا مهران, عن سفيان ، ( وَمَا تُوعَدُونَ ) من الجنة.
وأولى القولين بالصواب في ذلك عندي, القول الذي قاله مجاهد, لأن الله عمّ الخبر بقوله ( وَمَا تُوعَدُونَ ) عن كلّ ما وعدنا من خير أو شرّ, ولم يخصص بذلك بعضا دون بعض, فهو على عمومه كما عمه الله جلّ ثناؤه.
51:23Page 521
فَوَرَبِّ ٱلسَّمَآءِ وَٱلۡأَرۡضِ إِنَّهُۥ لَحَقّٞ مِّثۡلَ مَآ أَنَّكُمۡ تَنطِقُونَ ٢٣
Then by the Lord of the heaven and earth, indeed, it is truth - just as [sure as] it is that you are speaking.
القول في تأويل قوله تعالى : فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ (23)
يقول تعالى ذكره مقسما لخلقه بنفسه: فوربّ السماء والأرض, إن الذي قلت لكم أيها الناس: إن في السماء رزقكم وما توعدون لحقّ, كما حقّ أنكم تنطقون.
وقد حدثنا محمد بن بشار, قال: ثنا ابن أبي عدي, عن عوف, عن الحسن, في قوله ( فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالأرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ ) قال: بلغني أن رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم قال: " قاتل الله أقواما أقسم لهم ربهم بنفسه فلم يصدّقوه " وقال الفرّاء: للجمع بين " ما " و " إنّ" في هذا الموضع وجهان: أحدهما: أن يكون ذلك نظير جمع العرب بين الشيئين من الأسماء والأدوات, كقول الشاعر في الأسماء:
مِــنَ النَّفَـرِ اللائِـي الَّـذِينَ إذَا هُـمُ
يَهـابُ اللِّئـامُ حَلْقَـةَ البـاب قَعْقَعُـوا (5)
فجمع بين اللائي والذين, وأحدهما مجزئ من الآخر; وكقول الآخر في الأدوات:
مــا إنْ رأيْــتُ وَلا سَــمِعْتُ بِـهِ
كــالْيَوْمِ طــالِيَ أيْنُــقٍ جُــرْبِ (6)
فجمع بين " ما " و بين " إن ", وهما جحدان يجزئ أحدهما من الآخر. وأما الآخر: فهو لو أن ذلك أفرد بما, لكان خبرا عن أنه حقّ لا كذب, وليس ذلك المعنيّ به. وإنما أُريد به: أنه لحقّ كما حقّ أن الآدميّ ناطق. ألا يرى أن قولك: أحق منطقك, معناه: أحقّ هو أم كذب, وأن قولك أحق أنك تنطق معناه للاستثبات لا لغيره, فأدخلت " أن " ليفرّق بها بين المعنيين, قال: فهذا أعجب الوجهين إليّ.
واختلفت القرّاء في قراءة قوله ( مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ ) فقرأ ذلك عامة قرّاء المدينة والبصرة ( مِثْلَ مَا ) نصبا بمعنى: إنه لحقّ حقا يقينا كأنهم وجهوها إلى مذهب المصدر. وقد يجوز أن يكون نصبها من أجل أن العرب تنصبها إذا رفعت بها الاسم, فتقول: مثل من عبد الله, وعبد الله مثلك, وأنت مثلُه, ومثلَهُ رفعا ونصبا. وقد يجوز أن يكون نصبها على مذهب المصدر, إنه لحقّ كنطقكم. وقرأ ذلك عامة قرّاء الكوفة, وبعض أهل البصرة رفعا " مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ " على وحه النعت للحقّ.
والصواب من القول في ذلك عندي أنهما قراءتان مستفيضتان في قراءة الأمصار, متقاربتا المعنى, فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب.
-----------------------
الهوامش :
(5) هذا البيت من شواهد الفراء في معاني القرآن ( الورقة 311 ) على أن العرب قد تجمع بين الشيئين من الأسماء والأدوات إذا اختلف لفظهما ، مثل اللائي والذين ، فإنهما بمعنى واحد ، وأحدهما يجزئ عن الآخر ، كما في قوله تعالى " إنه لحق مثل ما أنكم تنطقون " فقد جمع بين " ما " و " أن " . وقد نقل المؤلف بقية كلام الفراء في توجيه ذلك الجمع بين اللفظين . واستشهد به النحويون على مثل ما استشهد به الفراء . وانظر تفصيل الكلام على البيت في خزانة الأدب الكبرى للبغدادي ( 2 : 529 - 534 ) وقد نسب البيت لأبي الربيس الثعلبي . وروايته كما في شعره ( في الخزانة 532 ) :
مـن النفـر البيـض الـذين إذا انتموا
وهـاب الرجـال حلقـة الباب فعقعوا
يمدح عبد الله بن جعفر بن أبي طالب ، وهو صاحب الناقة التي سرقها أبو الربيس ومدح صاحبها وروى الجاحظ في البيان والتبيين أن الأبيات التي منها بيت الشاهد قالها شاعر يمدح بها أسيلم بن الأحنف الأسدي ، قال : وكان ذا بيان وأدب وعقل وجاه ، وهو الذي يقول فيه الشاعر ... الأبيات . وقال الزبير بن بكار في أنساب قريش : إن أبا الربيس عباد بن طهفة الثعلبي قال لعبد الله بن عمرو بن عثمان بن عفان ... الأبيات وفيها البيت :
مـن النفـر الشـم الـذين إذا ابتـدوا
وهـاب اللئـام حلقـة البـاب قعقعـوا
(6) هذا البيت من كلام دريد بن الصمة فارس جشم ، وكان جاء إلى عمرو بن الشريد السلمي يخطب إليه ابنته الخنساء ، وكانت تهنأ بالقطران إبلا لأبيها ، فلما رآها قال أبياتًا يصفها ، ومنها :
أخُنــاس قَــدْ هــامَ الفُـؤَاد بكُـمْ
وأصَابَـــهُ تَبْــلٌ مِــنَ الْحــبّ
فلما أخبرها أبوها بما جاء له فارس جشم ، رغبت عنه ، لكبر سنه ، ورغبت في بني أعمامها .
انظر القصة في ترجمة الخنساء في الأغاني لأبي الفرج ) والشاهد في هذا البيت كما قال الفراء في معاني القرآن : إن العرب قد تجمع بين الشيئين من الأسماء والأدوات . إذا اختلف لفظهما ، مثل جمع الشاعر بين " ما " و " إن " في هذا البيت ، للتوكيد . وكما في قوله تعالى : " إنه لحق مثل ما أنكم تنطقون " . فما مصدريه ، وكذلك إن حرف يؤول ما بعده مصدر ، وكان في أحدهما غنية عن الآخر .
51:24Page 521
هَلۡ أَتَىٰكَ حَدِيثُ ضَيۡفِ إِبۡرَٰهِيمَ ٱلۡمُكۡرَمِينَ ٢٤
Has there reached you the story of the honored guests of Abraham?1 -
القول في تأويل قوله تعالى : هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ (24)
يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم , يخبره أنه محلّ بمن تمادى في غيه, وأصرّ على كفره, فلم يتب منه من كفار قومه, ما أحلّ بمن قبلهم من الأمم الخالية, ومذكرا قومه من قريش بإخباره إياهم أخبارهم وقصصهم, وما فعل بهم, هل أتاك يا محمد حديث ضيف إبراهيم خليل الرحمن المكرمين.
يعني بقوله ( الْمُكْرَمِينَ ) أن إبراهيم عليه السلام وسارة خدماهم بأنفسهما.
وقيل: إنما قيل ( الْمُكْرَمِينَ ) كما حدثني محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن, قال: ثنا ورقاء جميعا, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, قوله ( ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ ) قال: أكرمهم إبراهيم, وأمر أهله لهم بالعجل حينئذ.
Text: through the Quran Foundation. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences