At-Tabari · Tafsir · in Arabic
An-Najm 53:10–12
53:10Page 526
فَأَوۡحَىٰٓ إِلَىٰ عَبۡدِهِۦ مَآ أَوۡحَىٰ ١٠
And he revealed to His Servant1 what he revealed [i.e., conveyed].
وقوله ( فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى ) اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك, فقال بعضهم: معناه: فأوحى الله إلى عبده محمد وحيه, وجعلوا قوله: ( مَا أَوْحَى ) بمعنى المصدر.
* ذكر من قال ذلك:
حدثنا ابن بشار, قال: ثنا معاذ بن هشام, قال: ثنا أبي, عن قتادة, عن عكرمة, عن ابن عباس, في قوله ( فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى ) قال: عبده محمد صلى الله عليه وسلم ما أوحى إليه ربه.
وقد يتوجه على هذا التأويل " مَا " للوجهين: أحدهما: أن تكون بمعنى " الذي"، فيكون معنى الكلام فأوحى إلى عبده الذي أوحاه إليه ربه. والآخر: أن يكون بمعنى المصدر.
* ذكر من قال ذلك:
حدثنا ابن بشار, قال: ثنا معاذ بن هشام قال: ثني أبي, عن قتادة ( فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى ) , قال الحسن: جبريل.
حدثنا ابن حُميد, قال: ثنا مهران, عن أبي جعفر, عن الربيع ( فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى ) قال: على لسان جبريل.
حدثنا ابن حُميد, قال: ثنا حكام, عن أبى جعفر, عن الربيع, مثله.
حدثني يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, في قوله ( فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى ) قال: أوحى جبريل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أوحى الله إليه.
وأولى القولين في ذلك عندنا بالصواب قول من قال: معنى ذلك: فأوحى جبريل إلى عبده محمد صلى الله عليه وسلم ما أوحى إليه ربه, لأن افتتاح الكلام جرى في أوّل السورة بالخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم , وعن جبريل عليه السلام , وقوله ( فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى ) في سياق ذلك ولم يأت ما يدلّ على انصراف الخبر عنهما, فيوجه ذلك إلى ما صرف إليه.
وقوله ( مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى ) يقول تعالى ذكره: ما كذب فؤاد محمد محمدا الذي رأى, ولكنه صدّقه.
واختلف أهل التأويل في الذي رآه فؤاده فلم يكذبه, فقال بعضهم: الذي رآه فؤاده رب العالمين, وقالوا جعل بصره في فؤاده, فرآه بفؤاده, ولم يره بعينه.
* ذكر من قال ذلك:
حدثنا سعيد بن يحيى, قال: ثني عمي سعيد عبد الرحمن بن سعيد, عن إسرائيل بن يونس بن أبي إسحاق السبيعي, عن سماك بن حرب, عن عكرمة, عن ابن عباس, في قوله ( مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى ) قال: رآه بقلبه صلى الله عليه وسلم .
حدثنا خلاد بن أسلم, قال: أخبرنا النضر بن شميل, قال: أخبر عباد, يعني ابن منصور, قال: سألت عكرمة, عن قوله: ( مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى ) قال: أتريد أن أقول لك قد رآه, نعم قد رآه, ثم قد رآه, ثم قد رآه حتى ينقطع النفس.
حدثنا ابن حُميد, قال: ثنا يحيى بن واضح, قال: ثنا عيسى بن عبيد, قال: سمعت عكرِمة, وسُئل هل رأى محمد ربه, قال نعم, قد رأى ربه.
قال: ثنا يحيى بن واضح, قال: ثنا سالم مولى معاوية, عن عكرمة, مثله.
حدثنا أحمد بن عيسى التميمي, قال: ثنا سليمان بن عمرو بن سيار, قال: ثني أبي, عن سعيد بن زربى عن عمرو بن سليمان, عن عطاء, عن ابن عباس, قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " رَأَيْتُ ربِّي فِي أَحْسَن صُورَةٍ، فَقالَ لي: يا مُحَمَّدُ هَلْ تَدْرِي فِيمَ يَخْتَصِمُ المَلأ الأعْلَى؟ فَقُلْتُ: لا يا رَبّ فَوضَعَ يَدَهُ بَيْنَ كَتِفيَّ, فَوَجَدْتُ بَرْدَهَا بَيْنَ ثَدْيَّ فَعَلِمْت ما في السَّماء والأرض فَقُلْتُ: يا رَبِّ فِي الدَّرَجَاتِ والكَفَّارَاتِ وَنَقْلِ الأقْدَامِ إلى الجُمُعات, وَانْتَظارِ الصَّلاة بعْد الصَّلاة, فَقُلْتُ: يَا رَبّ إِنَّكَ اتَّخَذْتَ إبْراهيم خَليلا وكَلَّمْتَ مُوسَى تَكليما, وفَعَلْتَ وفَعَلْتَ؟ فقال: ألمْ أشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ؟ ألَمْ أضَعْ عَنْكَ وِزْرَكَ؟ ألَمْ أَفْعَلْ بِكَ؟ ألم أفْعَلْ. قال: " فَأفْضَى إليًّ بأشْياءَ لَمْ يُؤذَنْ لي أنْ أُحَدّثكُمُوها; قال: فَذلكَ قَوْلُهُ فِي كِتَابِهِ يُحدّثْكُمُوهُ : ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى ," فَجَعَل نُورَ بَصَري فِي فُؤَادِي, فَنَظَرْتُ إلَيْهِ بفُؤَادِي ".
حدثني محمد بن عمارة وأحمد بن هشام, قالا ثنا عبيد الله بن موسى, قال: أخبرنا إسرائيل, عن السديّ, عن أبي صالح ( مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى ) قال: رآه مرّتين بفؤاده.
حدثنا أبو كُرَيب, قال: ثنا ابن عطية, عن قيس, عن عاصم الأحول, عن عكرمة, عن ابن عباس, قال: إن الله اصطفى إبراهيم بالخُلَّة, واصطفى موسى بالكلام, واصطفى محمدا بالرؤية صلوات الله عليهم.
حدثنا ابن حُميد, قال: ثنا مهران, عن سفيان عن الأعمش, عن زياد بن الحصين, عن أبي العالية عن ابن عباس ( مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى ) قال: رآه بفؤاده.
قال: ثنا مهران, عن سفيان, عن أبي إسحاق عمن سمع ابن عباس يقول ( مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى ) قال: رأى محمد ربه.
قال ثنا حكام, عن أبي جعفر, عن الربيع ( مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ ) فلم يكذّبه ( مَا رَأَى ) قال: رأى ربه.
قال: ثنا مهران, عن أبي جعفر, عن الربيع ( مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى ) قال رأى محمد ربه بفؤاده.
وقال آخرون: بل الذي رآه فؤاده فلم يكذبه جبريل عليه السلام .
* ذكر من قال ذلك:
حدثني ابن بزيع البغدادي, قال: ثنا إسحاق بن منصور, قال: ثنا إسرائيل, عن أبي إسحاق, عن عبد الرحمن بن يزيد, عن عبد الله ( مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى ) قال: رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم جبريل عليه حلتا رفرف قد ملأ ما بين السماء والأرض .
حدثنا إبراهيم بن يعقوب الجوزجانيّ, قال: ثنا عمرو بن عاصم, قال: ثنا حماد بن سلمة, عن عاصم عن زرّ, عن عبد الله, أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " رأيْتُ جِبْريلَ عِنْدَ سِدْرَةِ المُنْتَهَى, لَهُ سِتُّ مئَة جنَاح, يَنْفضُ مِنْ رِيشهِ التَّهاويلَ الدُّرَّ والياقُوتَ ".
حدثنا أبو هشام الرفاعي, وإبراهيم بن يعقوب, قالا ثنا زيد بن الحباب, أن الحسين بن واقد, حدثه قال: حدثني عاصم بن أبي النجود, عن أبي وائل, عن عبد الله, قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " رأيْتُ جِبْريلَ عِنْدَ سِدْرَةِ المُنْتَهَى لَهُ سِتُّ مئَة جنَاح " زاد الرفاعيّ في حديثه, فسألت عاصما عن الأجنحة, فلم يخبرني, فسألت أصحابي, فقالوا: كلّ جناح ما بين المشرق والمغرب .
حدثنا ابن عبد الأعلى, قال: ثنا ابن ثور, عن معمر, عن قتادة, في قوله ( مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى ) قال: رأى جبريل في صورته التي هي صورته, قال: وهو الذي رآه نـزلة أخرى.
واختلفت القرّاء في قراءة قوله ( مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى ) فقرأ ذلك عامة قرّاء المدينة ومكة والكوفة والبصرة ( كَذبَ ) بالتخفيف, غير عاصم الجحدري وأبي جعفر القارئ والحسن البصري فإنهم قرءوه " كذب " بالتشديد, بمعنى: أن الفؤاد لم يكذب الذي رأى, ولكنه جعله حقا وصدقا, وقد يحتمل أن يكون معناه إذا قرئ كذلك: ما كذّب صاحب الفؤاد ما رأى. وقد بيَّنا معنى من قرأ ذلك بالتخفيف.
والذي هو أولى القراءتين في ذلك عندي بالصواب قراءة من قرأه بالتخفيف لإجماع الحجة من القرّاء عليه, والأخرى غير مدفوعة صحتها لصحة معناها.
القول في تأويل قوله تعالى : أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى (12)
اختلفت القرّاء في قراءة ( أَفَتُمَارُونَهُ ) , فقرأ ذلك عبد الله بن مسعود وعامة أصحابه " أفَتَمْرُونهُ" بفتح التاء بغير ألف, وهي قراءة عامة أهل الكوفة, ووجهوا تأويله إلى أفتجحدونه.
حدثني يعقوب بن إبراهيم, قال: ثنا هشيم, قال: أخبرنا مغيرة, عن إبراهيم أنه كان يقرأ: " أفَتَمْرُونَهُ" بفتح التاء بغير ألف, يقول: أفتجحدونه; ومن قرأ ( أَفَتُمَارُونَهُ ) قال: أفتجادلونه. وقرأ ذلك عامة قرّاء المدينة ومكة والبصرة وبعض الكوفيين ( أَفَتُمَارُونَهُ ) بضم التاء والألف, بمعنى: أفتجادلونه.
والصواب من القول في ذلك: أنهما قراءتان معروفتان صحيحتا المعنى, وذلك أن المشركين قد جحدوا أن يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى ما أراه الله ليلة أُسري به وجادلوا في ذلك, فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب.
وتأويل الكلام: أفتجادلون أيها المشركون محمدا على ما يرى مما أراه الله من آياته.
Text: through the Quran Foundation. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences