At-Tabari · Tafsir · in Arabic
Al-An'am 6:31–33
6:31Page 131
قَدۡ خَسِرَ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِلِقَآءِ ٱللَّهِۖ حَتَّىٰٓ إِذَا جَآءَتۡهُمُ ٱلسَّاعَةُ بَغۡتَةٗ قَالُواْ يَٰحَسۡرَتَنَا عَلَىٰ مَا فَرَّطۡنَا فِيهَا وَهُمۡ يَحۡمِلُونَ أَوۡزَارَهُمۡ عَلَىٰ ظُهُورِهِمۡۚ أَلَا سَآءَ مَا يَزِرُونَ ٣١
Those will have lost who deny the meeting with Allāh, until when the Hour [of resurrection] comes upon them unexpectedly, they will say, "Oh, [how great is] our regret over what we neglected concerning it [i.e., the Hour]," while they bear their burdens [i.e., sins] on their backs. Unquestionably, evil is that which they bear.
القول في تأويل قوله : قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً قَالُوا يَا حَسْرَتَنَا عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيهَا
قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بقوله: " قد خسر الذين كذبوا بلقاء الله " ، قد هلك ووُكس، في بيعهم الإيمان بالكفر (6) =" الذين كذبوا بلقاء الله ", يعني: الذين أنكروا البعثَ بعد الممات، والثواب والعقابَ، والجنةَ والنارَ, من مشركي قريش ومَنْ سلك سبيلهم في ذلك =" حتى إذا جاءَتهم الساعة "، يقول: حتى إذا جاءتهم السَّاعة التي يَبْعث الله فيها الموتى من قبورهم.
* * *
وإنما أدخلت " الألف واللام " في" الساعة ", لأنها معروفة المعنى عند المخاطبين بها, وأنها مقصود بها قصدُ الساعة التي وصفت.
* * *
ويعني بقوله: " بغتة " ، فجأةً، من غير علم من تفجؤه بوقت مفاجأتها إيّاه.
* * *
يقال منه: " بغتُّه أبغته بَغْتةً"، إذا أخذته كذلك:
* * *
=" قالوا يا حَسْرتَنا على ما فرّطنا فيها " ، يقول تعالى ذكره: وُكس الذين كذبوا بلقاء الله ببيعهم منازلهم من الجنة بمنازل من اشتروا منازله من أهل الجنة من النار, فإذا جاءتهم الساعة بغتةً قالوا إذا عاينوا ما باعوا وما اشتروا، وتبيَّنوا خسارة صفقة بَيْعهم التي سلفت منهم في الدنيا، تندُّمًا وتلهُّفًا على عظيم الغَبْن الذي غبنوه أنفسهم، وجليلِ الخسران الذي لا خسرانَ أجلَّ منه =" يا حسرتنا على ما فرطنا فيها " ، يقول: يا ندامتنا على ما ضيّعنا فيها، يعني: صفقتهم تلك. (7)
* * *
و " الهاء والألف " في قوله: " فيها " ، من ذكر " الصفقة ", ولكن اكتفى بدلالة قوله: " قد خسر الذين كذّبوا بلقاء الله " عليها من ذكرها, إذ كان معلومًا أن " الخسران " لا يكون إلا في صفقة بيع قد جرت. (8)
* * *
وإنما معنى الكلام: قد وُكس الذين كذبوا بلقاء الله, ببيعهم الإيمان الذي يستوجبون به من الله رضوانَه وجنته، بالكفر الذي يستوجبون به منه سَخَطه وعقوبته, ولا يشعرون ما عليهم من الخسران في ذلك، حتى تقوم الساعة, فإذا جاءتهم الساعة بغتةً فرأوا ما لحقهم من الخسران في بيعهم، قالوا حينئذ، تندمًا: " يا حسرتنا على ما فرطنا فيها ".
* * *
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل .
* ذكر من قال ذلك:
13185 - حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط, عن السدي قوله: " يا حسرتنا على ما فرطنا فيها " ، أمّا " يا حسرتنا "، فندامتنا =" على ما فرطنا فيها "، فضيعنا من عمل الجنة .
13186 - حدثنا محمد بن عمارة الأسدي قال، حدثنا يزيد بن مهران قال، حدثنا أبو بكر بن عياش, عن الأعمش, عن أبي صالح, عن أبي سعيد, عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: " يا حسرتنا " ، قال: " يرى أهلُ النار منازلهم من الجنة فيقولون: يا حسرتنا ". (9)
* * *
القول في تأويل قوله : وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ أَلا سَاءَ مَا يَزِرُونَ (31)
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: وهؤلاء الذين كذَّبوا بلقاء الله،" يحملون أوزارهم على ظهورهم ". وقوله: " وهم " من ذكرهم =" يحملون أوزارهم "، يقول: آثامهم وذنوبهم.
* * *
واحدها " وِزْر ", يقال منه: " وَزَر الرجل يزِر "، إذا أثم, قال الله: " ألا ساء ما يزرون ". (10) فإن أريد أنهم أُثِّموا، (11) قيل: " قد وُزِر القوم فهم يُوزَرُون، وهم موزورون ".
* * *
قد زعم بعضهم أن " الوِزْر " الثقل والحمل. ولست أعرف ذلك كذلك في شاهد، ولا من رواية ثِقة عن العرب.
* * *
وقال تعالى ذكره: " على ظهورهم " ، لأن الحمل قد يكون على الرأس والمنكِب وغير ذلك, فبيَّن موضع حملهم ما يحملون منْ ذلك.
* * *
وذكر أنّ حملهم أوزارهم يومئذ على ظهورهم، نحو الذي:-
13187 - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا الحكم بن بشير بن سَلْمان قال، حدثنا عمرو بن قيس الملائي قال: إن المؤمن إذا خرج من قبره استقبله أحسن شيء صورة وأطيبُه ريحًا, (12) فيقول له: هل تعرفني؟ فيقول: لا إلا أن الله قد طيَّب ريحك وحسَّن صورتك ! فيقول: كذلك كنت في الدنيا, أنا عملك الصالح, طالما ركبتك في الدنيا، فاركبني أنت اليوم! وتلا يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا ، [سورة مريم: 85]. وإن الكافر يستقبله أقبح شيء صورة وأنتنُه ريحًا, فيقول، هل تعرفني؟ فيقول: لا إلا أن الله قد قَبّح صورتك وأنتن ريحك ! فيقول: كذلك كنتُ في الدنيا, أنا عملك السيئ، طالما ركبتني في الدنيا، فأنا اليوم أركبك = وتلا " وهم يحملون أوزارهم على ظُهورهم ألا ساء ما يزرون ". (13)
13188 - حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط, عن السدي: " وهم يحملون أوزارهم على ظهورهم " ، فإنه ليس من رجل ظالم يموت فيدخل قبره، (14) إلا جاء رجل قبيح الوجه، أسودُ اللون، مُنتن الريح، عليه ثياب دَنِسة, حتى يدخل معه قبره, فإذا رآه قال له: ما أقبح وجهك! قال: كذلك كان عملك قبيحًا! قال: ما أنتن ريحك! قال: كذلك كان عملك منتنًا! قال: ما أدْنس ثيابك! قال فيقول: إن عملك كان دنسًا. قال: من أنت؟ قال: أنا عملك! قال: فيكون معه في قبره، فإذا بعث يوم القيامة قال له: إني كنت أحملك في الدنيا باللذَّات والشهوات, فأنت اليوم تحملني. قال: فيركب على ظهره فيسوقه حتى يدخلَه النار، فذلك قوله: " يحملون أوزارهم على ظهورهم ".
* * *
وأما قوله تعالى ذكره: " ألا ساء ما يزرون " ، فإنه يعني: ألا ساء الوزر الذي يزرون - أي: الإثم الذي يأثمونه بربهم، (15) كما:-
13189 - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر, عن قتادة في قوله: " ألا ساء ما يزرون " ، قال: ساء ما يعملون .
-----------------------
الهوامش :
(6) انظر تفسير"خسر" فيما سلف ص: 294 ، تعليق: 1 ، والمراجع هناك.
(7) انظر تفسير"الحسرة" فيما سلف 3: 295/7 : 335.
(8) في المطبوعة: "قد خسرت" ، وأثبت ما في المخطوطة ، وهو الصواب.
(9) الأثر: 13186 -"يزيد بن مهران الأسدي" ، الخباز ، أبو خالد. صدوق ، وذكره ابن حبان في الثقات وقال: "يغرب". مترجم في التهذيب ، وابن أبي حاتم 4/2/290.
وهذا الخبر خرجه السيوطي في الدر المنثور 3: 9 ، وقال: "أخرج ابن جرير ، وابن أبي حاتم ، والطبراني ، وأبو الشيخ ، وابن مردويه ، والخطيب بسند صحيح ، عن أبي سعيد الخدري" ، وذكر الخبر.
(10) في المطبوعة ، حذف قوله: "قال الله: ألا ساء ما يزرون".
(11) "أثموا" بضم الهمزة وتشديد الثاء المكسورة ، بالبناء للمجهول أي: رموا بالإثم.
(12) في المطبوعة: "استقبله عمله في أحسن صورة وأطيبه ريحًا" ، وهو كلام غث غير مستقيم ، وكان في المخطوطة: "استقبله أحسن صورة وأطيبه ريحًا" ، سقط من الناسخ ما أثبته"شيء" ، واستظهرته من قوله بعد: "يستقبله أقبح شيء صورة وأنتنه ريحًا".
(13) الأثر: 13187 -"الحكم بن بشير بن سلمان النهدي" ، ثقة ، مضى مرارًا رقم: 1497 ، 2872 ، 3014 ، 6171 ، 9646. وكان في المطبوعة هنا"سليمان" وهو خطأ ، صححته في المخطوطة ، والمراجع ، كما سلف أيضًا.
و"عمرو بن قيس الملائي" ، مضى مرارًا ، رقم: 886 ، 1497 ، 3956 ، 6171 ، 9646.
وهذا الخبر خرجه السيوطي في الدر المنثور 3: 9 ، وزاد نسبته لابن أبي حاتم. وإسناد أبي حاتم فيما رواه ابن كثير في تفسيره 3: 303: "حدثنا أبو سعيد الأشج ، قال حدثنا أبو خالد الأحمر ، عن عمرو بن قيس ، عن أبي مرزوق" ، وساق الخبر مختصرًا بغير هذا اللفظ.
(14) في المطبوعة: "قال ليس من رجل ظالم يموت" ، وأثبت ما في المخطوطة.
(15) كان في المطبوعة: "الذي يأثمونه كفرهم بربهم" ، زاد"كفرهم" ، وأفسد الكلام.
وأثبت ما في المخطوطة ، وهو الصواب المحض. وقد بينت آنفا معنى قوله"أثم فلان بربه" 4: 530 ، تعليق: 3/6: 92/11: 180 ، تعليق: 3.
6:32Page 131
وَمَا ٱلۡحَيَوٰةُ ٱلدُّنۡيَآ إِلَّا لَعِبٞ وَلَهۡوٞۖ وَلَلدَّارُ ٱلۡأٓخِرَةُ خَيۡرٞ لِّلَّذِينَ يَتَّقُونَۚ أَفَلَا تَعۡقِلُونَ ٣٢
And the worldly life is not but amusement and diversion; but the home of the Hereafter is best for those who fear Allāh, so will you not reason?
القول في تأويل قوله : وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَلَلدَّارُ الآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلا تَعْقِلُونَ (32)
قال أبو جعفر: وهذا تكذيب من الله تعالى ذكره هؤلاء الكفارَ المنكرين البعثَ بعد الممات في قولهم: إِنْ هِيَ إِلا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ , [سورة الأنعام : 29].
يقول تعالى ذكره، مكذبًا لهم في قبلهم ذلك: " ما الحياة الدنيا " ، أيها الناس =" إلا لعب ولهو " ، يقول : ما باغي لذاتِ الحياة التي أدْنيت لكم وقرّبت منكم في داركم هذه، (16) ونعيمَها وسرورَها، فيها، (17) والمتلذذُ بها، والمنافسُ عليها, إلا في لعب ولهو، لأنها عما قليل تزول عن المستمتع بها والمتلذذِ فيها بملاذّها, أو تأتيه الأيام بفجائعها وصروفها، فَتُمِرُّ عليه وتكدُر، (18) كاللاعب اللاهي الذي يسرع اضمحلال لهوه ولعبه عنه, ثم يعقبه منه ندمًا، ويُورثه منه تَرحًا. يقول: لا تغتروا، أيها الناس، بها, فإن المغتر بها عمّا قليل يندم =" وللدار الآخرة خير للذين يتقون " ، يقول: وللعمل بطاعته، والاستعدادُ للدار الآخرة بالصالح من الأعمال التي تَبقى منافعها لأهلها، ويدوم سرورُ أهلها فيها, خيرٌ من الدار التي تفنى وشيكًا، (19) فلا يبقى لعمالها فيها سرور، ولا يدوم لهم فيها نعيم =" للذين يتقون " ، يقول: للذين يخشون الله فيتقونه بطاعته واجتناب معاصيه، والمسارعة إلى رضاه =" أفلا تعقلون " ، يقول: أفلا يعقل هؤلاء المكذّبون بالبعث حقيقةَ ما نخبرهم به، من أن الحياة الدنيا لعب ولهوٌ, وهم يرون من يُخْتَرم منهم، (20) ومن يهلك فيموت، ومن تنوبه فيها النوائب وتصيبُه المصائب وتفجعه الفجائع. ففي ذلك لمن عقل مدَّكر ومزدجر عن الركون إليها، واستعباد النفس لها = ودليلٌ واضح على أن لها مدبِّرًا ومصرفًا يلزم الخلقَ إخلاصُ العبادة له، بغير إشراك شيءٍ سواه معه .
------------------------
الهوامش :
(16) انظر تفسير"الحياة الدنيا" فيما سلف 1: 245.
(17) سياق الجملة: "ما باغي لذات الحياة . . . ونعيمها وسرورها" ، بالعطف ثم قوله: "فيها" ، سياقه: "ما باغي لذات الحياة . . . فيها". وقوله بعد: "والمتلذذ بها" مرفوع معطوف على قوله: "ما باغي لذات الحياة".
(18) في المطبوعة: "فتمر عليه وتكر" غير ما في المخطوطة ، وهو ما أثبته ، وهو الصواب"تمر" من"المرارة" ، أي: تصير مرة بعد حلاوتها ، وكدرة بعد صفائها.
(19) في المطبوعة ، حذف قوله"وشيكا" ، كأنه لم يحسن قراءتها."وشيكا": سريعًا.
(20) "اخترم الرجل" (بالبناء للمجهول) و"اخترمته المنية من بين أصحابه" ، أخذته من بينهم وخلا منه مكانه ، كأن مكانه صار خرمًا في صفوفهم.
6:33Page 131
قَدۡ نَعۡلَمُ إِنَّهُۥ لَيَحۡزُنُكَ ٱلَّذِي يَقُولُونَۖ فَإِنَّهُمۡ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَٰكِنَّ ٱلظَّٰلِمِينَ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ يَجۡحَدُونَ ٣٣
We know that you, [O Muḥammad], are saddened by what they say. And indeed, they do not call you untruthful, but it is the verses of Allāh that the wrongdoers reject.
القول في تأويل قوله : قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ (33)
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: " قد نعلم "، يا محمد، إنه ليحزنك الذي يقول المشركون, وذلك قولهم له: إنه كذّاب =" فإنهم لا يكذبونك " .
* * *
واختلفت القرأة في قراءة ذلك
[فقرأته جماعة من أهل الكوفة: (فَإنَّهُمْ لا يُكْذِبونَكَ) بالتخفيف]، (21) بمعنى: إنهم لا يُكْذِبونك فيما أتيتهم به من وحي الله, ولا يدفعون أن يكون ذلك صحيحًا، بل يعلمون صحته, ولكنهم يجحَدون حقيقته قولا فلا يؤمنون به.
* * *
وكان بعض أهل العلم بكلام العرب يحكي عن العرب أنهم يقولون: " أكذبت الرجل "، إذا أخبرت أنه جاءَ بالكذب ورواه. قال: ويقولون: " كذَّبْتُه " ، إذا أخبرت أنه كاذبٌ. (22)
* * *
وقرأته جماعة من قرأة المدينة والعراقيين والكوفة والبصرة: فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ بمعنى: أنهم لا يكذّبونك علمًا, بل يعلمون أنك صادق = ولكنهم يكذبونك قولا عنادًا وحسدًا .
* * *
قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك عندي أن يقال: إنهما قراءتان مشهورتان، قد قرأ بكل واحدة منهما جماعة من القرأة, ولكل واحدة منهما في الصحة مخرج مفهوم.
وذلك أن المشركين لا شكَّ أنه كان منهم قوم يكذبون رسولَ الله صلى الله عليه وسلم، ويدفعونه عما كان الله تعالى ذكره خصه به من النبوّة، فكان بعضهم يقول: " هو شاعر ", وبعضهم يقول: " هو كاهن ", وبعضهم يقول: " هو مجنون "، وينفي جميعُهم أن يكون الذي أتَاهم به من وحي السماء، ومن تنـزيل رب العالمين، قولا. وكان بعضهم قد تبين أمرَه وعلم صحة نبوّته, وهو في ذلك يعاند ويجحد نبوّته حسدًا له وبغيًا.
* * *
فالقارئ: (فَإنَّهُمْ لا يُكْذِبونَكَ) = بمعنى (23) أن الذين كانوا يعرفون حقيقة نبوّتك وصدق قولك فيما تقول, يجحدونَ أن يكون ما تتلوه عليهم من تنـزيل الله ومن عند الله، قولا - وهم يعلمون أن ذلك من عند الله علمًا صحيحًا = مصيبٌ، (24) لما ذكرنا من أنه قد كان فيهم من هذه صفته.
وفي قول الله تعالى في هذه السورة: الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمُ [سورة الأنعام : 20] ، أوضح الدليل على أنه قد كان فيهم المعاند في جحود نبوّته صلى الله عليه وسلم, مع علمٍ منهم به وبصحة نبوّته. (25)
* * *
وكذلك القارئ: (فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ) = (26) بمعنى: أنهم لا يكذبون رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا عنادًا، لا جهلا بنبوّته وصدق لَهْجته = مصيب، (27) لما ذكرنا من أنه قد كان فيهم مَنْ هذه صفته.
وقد ذَهب إلى كل واحد من هذين التأويلين جماعة من أهل التأويل .
* * *
* ذكر من قال: معنى ذلك: فإنهم لا يكذبونك ولكنهم يجحدون الحقّ على علم منهم بأنك نبيٌّ لله صادق .
13190 - حدثنا هناد قال، حدثنا أبو معاوية عن إسماعيل بن أبي خالد, عن أبي صالح في قوله: " قد نعلم إنه ليحزنك الذي يقولون فإنهم لا يكذبونك " ، قال: جاء جبريل إلى النبي صلى الله عليه وسلم ذات يوم وهو جالس حزينٌ, فقال له: ما يُحزنك؟ فقال: كذَّبني هؤلاء! قال فقال له جبريل: إنهم لا يكذبونك، هم يعلمون أنك صادق," ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون " .
13191- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبو معاوية, عن إسماعيل, عن أبي صالح قال: جاء جبريل إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو جالس حزين, فقال له: ما يحزنك؟ . فقال: كذَّبني هؤلاء! فقال له جبريل: إنهم لا يكذبونك, إنهم ليعلمون أنك صادق," ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون " .
13192 - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر, عن قتادة في قوله: " ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون " ، قال: يعلمون أنك رسول الله ويجحدون .
13193 - حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط: عن السدي في قوله: " قد نعلم إنه ليحزنك الذي يقولون فإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون " ، لما كان يوم بدر قال الأخنس بن شريق لبني زهرة: يا بني زهرة, إن محمدًا ابن أختكم, فأنتم أحقُّ مَنْ كَفَّ عنه، (28) فإنه إن كان نبيًّا لم تقاتلوهُ اليوم، وإن كان كاذبًا كنتم أحق من كف عن ابن أخته! قفوا ههنا حتى ألقى أبا الحكم فإن غُلب محمدٌ [صلى الله عليه وسلم] رجعتم سالمين, وإن غَلَب محمدٌ فإن قومكم لا يصنعون بكم شيئًا = فيومئذ سمّي" الأخنس ", وكان اسمه " أبيّ" = (29) فالتقى الأخنس وأبو جهل, فخلا الأخنس بأبي جهل, فقال: يا أبا الحكم, أخبرني عن محمد، أصادق هو أم كاذب؟ فإنه ليس ههنا من قريش أحد غيري وغيرك يسمع كلامنا! فقال أبو جهل: وَيْحك, والله إن محمدًا لصادق, وما كذب محمّد قط, ولكن إذا ذهب بنو قُصَيِّ باللواء والحجابة والسقاية والنبوة, فماذا يكون لسائر قريش؟ فذلك قوله: " فإنهم لا يكذّبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون " ،" فآيات الله "، محمدٌ صلى الله عليه وسلم .
13194- حدثني الحارث بن محمد قال، حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا قيس, عن سالم الأفطس, عن سعيد بن جبير: " فإنهم لا يكذبونك " ، قال: ليس يكذّبون محمدًا, ولكنهم بآيات الله يجحدون .
* * *
* ذكر من قال: ذلك بمعنى: فإنهم لا يكذّبونك، ولكنهم يكذِّبون ما جئت به.
13195 - حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن بن مهدي قال، حدثنا سفيان, عن أبي إسحاق, عن ناجية قال: قال أبو جهل للنبي صلى الله عليه وسلم: ما نتهمك, ولكن نتَّهم الذي جئت به! فأنـزل الله تعالى ذكره: " فإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون " .
13196- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا يحيى بن آدم, عن سفيان, عن أبي إسحاق, عن ناجية بن كعب: أنّ أبا جهل قال للنبي صلى الله عليه وسلم: إنّا لا نكذبك, ولكن نكذب الذي جئت به! فأنـزل الله تعالى ذكره: " فإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون " .
* * *
وقال آخرون: معنى ذلك، فإنهم لا يبطلون ما جئتهم به .
* ذكر من قال ذلك:
13197 - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا إسحاق بن سليمان, عن أبي معشر, عن محمد بن كعب: " فإنهم لا يكذبونك " ، قال: لا يبطلون ما في يديك .
* * *
وأما قوله: " ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون " ، فإنه يقول: ولكن المشركين بالله، بحجج الله وآي كتابه ورسولِه يجحدون, فينكرون صحَّة ذلك كله.
* * *
وكان السدي يقول: " الآيات " في هذا الموضع، معنيٌّ بها محمّد صلى الله عليه وسلم. وقد ذكرنا الرواية بذلك عنه قبلُ. (30)
----------------------
الهوامش :
(21) هذه الزيادة بين القوسين ، ساقطة من المخطوطة والمطبوعة ، ولكن زيادتها لا بد منها ، واستظهرتها من نسبة هذه القراءة ، فهي قراءة علي ونافع والكسائي. انظر معاني القرآن للفراء 1: 331 ، وتفسير أبي حيان 4: 111 ، وغيرهما.
(22) انظر معاني القرآن للفراء 1: 331.
(23) في المطبوعة: "يعني به" وفي المخطوطة: "معنى أن الذين . . ." ، وصواب قراءتها ما أثبت.
(24) السياق: "فالقارئ . . . مصيب".
(25) في المطبوعة: " . . . على أنه قد كان فيهم العناد في جحود نبوته . . . مع علم منهم به وصحة نبوته" ، وأثبت ما في المخطوطة ، وهو صواب ، إلا أنه في المخطوطة أيضًا"به وصحة نبوته" ، فرأيت السياق يقتضي أن تكون"وبصحة" ، فأثبتها.
(26) في المطبوعة: "يعني أنهم . . ." ، وأثبت ما في المخطوطة.
(27) السياق: "وكذلك القارئ . . . مصيب".
(28) في تفسير ابن كثير 3: 305 ، في هذا الموضع: "فأنتم أحق من ذب عنه".
(29) سمى"الأخنس" ، لأنه من"خنس يخنس خنوسا" ، إذا انقبض عن الشيء وتأخر ورجع.
(30) انظر آخر الأثر السالف رقم: 13193.
Text: through the Quran Foundation. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences