At-TabariAl‑An'am · 6:88–90

At-Tabari · Tafsir · in Arabic

Al-An'am 6:88–90

6:88Page 138

ذَٰلِكَ هُدَى ٱللَّهِ يَهۡدِي بِهِۦ مَن يَشَآءُ مِنۡ عِبَادِهِۦۚ وَلَوۡ أَشۡرَكُواْ لَحَبِطَ عَنۡهُم مَّا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ ٨٨

That is the guidance of Allāh by which He guides whomever He wills of His servants. But if they had associated others with Allāh, then worthless for them would be whatever they were doing.

القول في تأويل قوله : ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (88)

قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بقوله: " ذلك هدى الله "، هذا الهدي الذي هديت به من سميت من الأنبياء والرسل، فوفقتهم به لإصابة الدين الحقّ الذي نالوا بإصابتهم إياه رضا ربهم، وشرفَ الدنيا، وكرامة الآخرة, هو " هدى الله ", يقول: هو توفيق الله ولطفه, الذي يوفق به من يشاء، ويلطف به لمن أحب من خلقه, حتى ينيب إلى طاعة الله، وإخلاص العمل له، وإقراره بالتوحيد، ورفضِ الأوثان والأصنام (57) =" ولو أشركوا لحبط عنهم ما كانوا يعملون "، يقول: ولو أشرك هؤلاء الأنبياء الذين سميناهم، بربهم تعالى ذكره, فعبدوا معه غيره =" لحبط عنهم "، يقول: لبطل فذهبَ عنهم أجرُ أعمالهم التي كانوا يعملون, (58) لأن الله لا يقبل مع الشرك به عملا .

--------------------

الهوامش :

(57) انظر تفسير"الهدى" فيما سلف من فهارس اللغة (هدى).

6:89Page 138

أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ ءَاتَيۡنَٰهُمُ ٱلۡكِتَٰبَ وَٱلۡحُكۡمَ وَٱلنُّبُوَّةَۚ فَإِن يَكۡفُرۡ بِهَا هَٰٓؤُلَآءِ فَقَدۡ وَكَّلۡنَا بِهَا قَوۡمٗا لَّيۡسُواْ بِهَا بِكَٰفِرِينَ ٨٩

Those are the ones to whom We gave the Scripture and authority and prophethood. But if they [i.e., the disbelievers] deny it, then We have entrusted it to a people who are not therein disbelievers.

القول في تأويل قوله : أُولَئِكَ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ

قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بقوله: " أولئك "، هؤلاء الذين سميناهم من أنبيائه ورسله، نوحًا وذريته الذين هداهم لدين الإسلام، واختارهم لرسالته إلى خلقه, هم " الذين آتيناهم الكتاب "، يعني بذلك: صحفَ إبراهيم وموسى، وزبور داود، وإنجيل عيسى صلوات الله عليهم أجمعين =" والحكم "، يعني: الفهم بالكتاب، ومعرفة ما فيه من الأحكام. وروي عن مجاهد في ذلك ما:-

13518 - حدثني المثنى قال، حدثنا مسلم بن إبراهيم قال، حدثنا أبان قال، حدثنا مالك بن شداد, عن مجاهد: " والحكم والنبوة "، قال: " الحكم "، هو اللبُّ. (59)

وعنى بذلك مجاهد، إن شاء الله، ما قلت، لأن " اللب " هو " العقل ", فكأنه أراد: أن الله آتاهم العقل بالكتاب, وهو بمعنى ما قلنا أنه الفهم به.

* * *

وقد بينا معنى " النبوة " و " الحكم "، فيما مضى بشواهدهما, فأغنى ذلك عن إعادته. (60)

* * *

القول في تأويل قوله : فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلاءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ (89)

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: فإن يكفر: يا محمد، بآيات كتابي الذي أنـزلته إليك فيجحد هؤلاء المشركون العادلون بربهم, كالذي:-

13519 - حدثني علي بن داود قال، حدثنا أبو صالح قال، حدثني معاوية بن صالح, عن علي بن أبي طلحة, عن ابن عباس: " فإن يكفر بها هؤلاء "، يقول: إن يكفروا بالقرآن.

* * *

ثم اختلف أهل التأويل في المعنيّ ب " هؤلاء ".

فقال بعضهم: عُني بهم كفار قريش = وعنى بقوله: " فقد وكلنا بها قومًا ليسوا بها بكافرين "، الأنصار.

* ذكر من قال ذلك:

13520 - حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا سليمان قال، حدثنا أبو هلال, عن قتادة في قول الله تعالى ذكره: " فإن يكفر بها هؤلاء "، قال: أهل مكة =" فقد وكلنا بها "، أهل المدينة.

13521 - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا عبدة بن سليمان, عن جويبر, عن الضحاك،" فقد وكلنا بها قومًا ليسوا بها بكافرين "، قال : الأنصار.

13522- حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الرحمن بن مغراء, عن جويبر, عن الضحاك: " فإن يكفر بها هؤلاء "، قال: إن يكفر بها أهل مكة =" فقد وكلنا بها "، أهل المدينة الأنصار=" ليسوا بها بكافرين " .

13523 - حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط, عن السدي: " فإن يكفر بها هؤلاء "، يقول: إن تكفر بها قريش =" فقد وكلنا بها "، الأنصار.

13524 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج, عن ابن جريج: " فإن يكفر بها هؤلاء "، أهل مكة =" فقد وكلنا بها قومًا ليسوا بها بكافرين "، أهلَ المدينة.

13525 - حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس قوله: " فإن يكفر بها هؤلاء فقد وكلنا بها قومًا ليسوا بها بكافرين "، قال: كان أهل المدينة قد تبوءوا الدار والإيمان قبل أن يقدم عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم. فلما أنـزل الله عليهم الآيات، جحد بها أهل مكة. فقال الله تعالى ذكره: " فإن يكفر بها هؤلاء فقد وكلنا بها قومًا ليسوا بها بكافرين ". قال عطية: ولم أسمع هذا من ابن عباس, ولكن سمعته من غيره. (61)

13526- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو صالح قال، حدثني معاوية, عن علي بن أبي طلحة, عن ابن عباس: " فإن يكفر بها هؤلاء "، يعني أهل مكة. يقول: إن يكفروا بالقرآن =" فقد وكلنا بها قومًا ليسوا بها بكافرين "، يعني أهلَ المدينة والأنصار.

* * *

وقال آخرون: معنى ذلك: فإن يكفر بها أهل مكة, فقد وكلنا بها الملائكة.

* ذكر من قال ذلك:

13527 - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبو أسامة, عن عوف, عن أبي رجاء: " فإن يكفر بها هؤلاء فقد وكلنا بها قومًا ليسوا بها بكافرين "، قال: هم الملائكة .

13528- حدثنا ابن بشار قال، حدثنا محمد بن جعفر وابن أبي عدي وعبد الوهاب, عن عوف, عن أبي رجاء, مثله .

* * *

وقال آخرون: عنى بقوله: " فإن يكفر بها هؤلاء "، يعني قريشًا= وبقوله: " فقد وكلنا بها قومًا "، الأنبياء الذين سماهم في الآيات التي مضت قبلَ هذه الآية.

* ذكر من قال ذلك:

13529- حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد بن زريع قال، حدثنا سعيد, عن قتادة قوله: " فإن يكفر بها هؤلاء "، يعني أهل مكة =" فقد وكلنا بها قومًا ليسوا بها بكافرين "، وهم الأنبياء الثمانية عشر الذين قال الله: أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ .

13530- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور, عن معمر, عن قتادة: " فإن يكفر بها هؤلاء "، قال: يعني قوم محمد. ثم قال: " فقد وكلنا بها قومًا ليسوا بها بكافرين "، يعني: النبيين الذين قص قبل هذه الآية قصصهم. ثم قال: " أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده ".

* * *

قال أبو جعفر: وأولى هذه الأقوال في تأويل ذلك بالصواب, قولُ من قال: عنى بقوله: " فإن يكفر بها هؤلاء "، كفار قريش =" فقد وكلنا بها قومًا ليسوا بها بكافرين "، يعني به الأنبياء الثمانية عشر الذين سماهم الله تعالى ذكره في الآيات قبل هذه الآية. وذلك أن الخبر في الآيات قبلها عنهم مضى، وفي التي بعدها عنهم ذكر, فما بينها بأن يكون خبرًا عنهم، (62) أولى وأحق من أن يكون خبرًا عن غيرهم.

* * *

فتأويل الكلام، إذ كان ذلك كذلك: فإن كفر قومك من قريش، يا محمد، بآياتنا, (63) وكذبوا وجحدوا حقيقتها, فقد استحفظناها واسترعينا القيام بها رُسلَنا وأنبياءنا من قبلك، الذين لا يجحدون حقيقتها، ولا يكذبون بها, ولكنهم يصدقون بها ويؤمنون بصحتها.

* * *

وقد قال بعضهم: معنى قوله: " فقد وكّلنا بها قومًا "، رزقناها قومًا.

------------------

الهوامش :

(58) انظر تفسير"حبط" فيما سلف 4: 317/6 : 287/9 : 592/10 : 409.

(59) الأثر: 13518 -"مسلم بن إبراهيم الأزدي الفراهيدي" ، مضى مرارًا آخرها رقم: 7487.

و"أبان" هو: "أبان بن يزيد العطار" ، مضى برقم: 3832 ، 9656.

"مالك بن شداد" هكذا هو في المطبوعة والمخطوطة ، ولم أجد له ذكرًا فيما بين يدي في الكتب ، ولعله محرف عن شيء لا أعرفه.

(60) انظر تفسير"النبوة" فيما سلف: 2: 140 - 142/6 : 284 ، 380 .

= وتفسير"الحكم" فيما سلف 3: 86 - 88 ، 211/6 : 538.

(61) الأثر: 13525 -"عطية" ، هو"عطية بن سعد العوفي" ، جد"محمد بن سعد" الأعلى ، وهو مفسر في شرح هذا الإسناد رقم: 305.

(62) في المطبوعة: "ففيما بينها" ، وفي المخطوطة""فما بينهم" ، والصواب بينهما ما أثبت .

(63) في المطبوعة: "فإن يكفر قومك من قريش" ، وفي المخطوطة: "فإن يكفر بها قومك" والكلام لا يستقيم إلا بحذف"بها" ولكن الجملة لا تستقيم أيضًا في العطوف المتتابعة حتى تكون"فإن كفر قومك" ، فعلا ماضيًا كالذي عطف عليه.

6:90Page 138

أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ هَدَى ٱللَّهُۖ فَبِهُدَىٰهُمُ ٱقۡتَدِهۡۗ قُل لَّآ أَسۡـَٔلُكُمۡ عَلَيۡهِ أَجۡرًاۖ إِنۡ هُوَ إِلَّا ذِكۡرَىٰ لِلۡعَٰلَمِينَ ٩٠

Those are the ones whom Allāh has guided, so from their guidance take an example. Say, "I ask of you for it [i.e., this message] no payment. It is not but a reminder for the worlds."

القول في تأويل قوله : أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: " أولئك "، هؤلاء القوم الذين وكلنا بآياتنا وليسوا بها بكافرين, هم الذين هداهم الله لدينه الحق, وحفظ ما وكلوا بحفظه من آيات كتابه، والقيام بحدوده، واتباع حلاله وحرامه، والعمل بما فيه من أمر الله، والانتهاء عما فيه من نهيه, فوفقهم جل ثناؤه لذلك =" فبهداهم اقتده "، يقول تعالى ذكره: فبالعمل الذي عملوا، والمنهاج الذي سلكوا، وبالهدى الذي هديناهم، والتوفيق الذي وفقناهم =" اقتده "، يا محمد، أي: فاعمل، وخذ به واسلكه, فإنه عمل لله فيه رضًا، ومنهاجٌ من سلكه اهتدى.

* * *

وهذا التأويل على مذهب من تأوّل قوله: فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ ، أنهم الأنبياء المسمون في الآيات المتقدمة. وهو القول الذي اخترناه في تأويل ذلك.

* * *

وأما على تأويل من تأول ذلك: أن القوم الذين وكّلوا بها هم أهل المدينة = أو: أنهم هم الملائكة = فإنهم جعلوا قوله: فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلاءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ ، اعتراضًا بين الكلامين, ثم ردّوا قوله: " أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده "، على قوله: " أولئك الذين آتيناهم الكتاب والحكم والنبوّة ".

* ذكر من قال ذلك:

13531 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج, عن ابن جريج قوله: وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ إلى قوله: " أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده "، يا محمد .

13532- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: " أولئك الذين هدى الله "، يا محمد," فبهداهم اقتده "، ولا تقتد بهؤلاء.

13533 - حدثني محمد بن الحسين قال، حدثني أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط, عن السدي قال: ثم رجع إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: " أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده " .

13534 - حدثنا علي بن داود قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية بن صالح, عن علي بن أبي طلحة, عن ابن عباس قال: ثم قال في الأنبياء الذين سماهم في هذه الآية: " فبهداهم اقتده ".

* * *

ومعنى: " الاقتداء " في كلام العرب، بالرجل: اتباع أثره، والأخذ بهديه. يقال: " فلان يقدو فلانًا "، إذا نحا نحوه، واتبع أثره," قِدَة، وقُدوة وقِدوة وقِدْيَة ". (64)

* * *

القول في تأويل قوله : قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ هُوَ إِلا ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ (90)

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: " قل " لهؤلاء الذين أمرتك أن تذكّرهم بآياتي، أن تبسَل نفس بما كسبت، من مشركي قومك يا محمد: " لا أسألكم "، على تذكيري إياكم، والهدى الذي أدعوكم إليه، والقرآن الذي جئتكم به, عوضًا أعتاضه منكم عليه، وأجرًا آخذه منكم, (65) وما ذلك مني إلا تذكير لكم، ولكل من كان مثلكم ممن هو مقيم على باطل، بَأسَ الله أن يَحُلّ بكم، وسَخَطه أن ينـزل بكم على شرككم به وكفركم = وإنذارٌ لجميعكم بين يدي عذاب شديد, لتذكروا وتنـزجروا. (66)

* * *

------------------

الهوامش :

(64) في المطبوعة: "كتب مكان"وقدية""وقدوة" ، وهو خطأ صرف ، خالف ما في المخطوطة وهو الصواب.

(65) انظر تفسير"الأجر فيما سلف من فهارس اللغة (أجر).

(66) انظر تفسير"ذكرى" فيما سلف ص: 439.

Text: through the Quran Foundation. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском