At-TabariAl‑An'am · 6:94–96

At-Tabari · Tafsir · in Arabic

Al-An'am 6:94–96

6:94Page 139

وَلَقَدۡ جِئۡتُمُونَا فُرَٰدَىٰ كَمَا خَلَقۡنَٰكُمۡ أَوَّلَ مَرَّةٖ وَتَرَكۡتُم مَّا خَوَّلۡنَٰكُمۡ وَرَآءَ ظُهُورِكُمۡۖ وَمَا نَرَىٰ مَعَكُمۡ شُفَعَآءَكُمُ ٱلَّذِينَ زَعَمۡتُمۡ أَنَّهُمۡ فِيكُمۡ شُرَكَٰٓؤُاْۚ لَقَد تَّقَطَّعَ بَيۡنَكُمۡ وَضَلَّ عَنكُم مَّا كُنتُمۡ تَزۡعُمُونَ ٩٤

[It will be said to them], "And you have certainly come to Us alone [i.e., individually] as We created you the first time, and you have left whatever We bestowed upon you behind you. And We do not see with you your 'intercessors' which you claimed that they were among you associates [of Allāh]. It has [all] been severed between you,1 and lost from you is what you used to claim."

القول في تأويل قوله : وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ

قال أبو جعفر: وهذا خبر من الله جل ثناؤه عما هو قائل يوم القيامة لهؤلاء العادلين به الآلهة والأنداد, يخبر عبادَه أنه يقول لهم عند ورودهم عليه: " لقد جئتمونا فرادى " .

ويعني بقوله: " فرادى "، وُحدانًا لا مال معهم، ولا إناث، ولا رقيق، (59) ولا شيء مما كان الله خوّلهم في الدنيا =" كما خلقناكم أوّل مرة "، عُرَاة غُلْفًا غُرْلا حُفاة، كما ولدتهم أمهاتهم, (60) وكما خلقهم جل ثناؤه في بطون أمهاتهم, لا شيء عليهم ولا معهم مما كانوا يتباهَوْن به في الدنيا.

* * *

و " فرادى "، جمع, يقال لواحدها: " فَرِد ", كما قال نابغة بني ذبيان:

مِـنْ وَحْـشِ وَجْـرَةَ مَوْشـيٍّ أَكَارِعُهُ

طَـاوِي المَصِـيرِ كَسَيْفِ الصَّيْقَلِ الفَرِدِ (61)

و " فَرَدٌ" و " فريد ", كما يقال: " وَحَد " و " وَحِد " و " وحيد " في واحد " الأوحاد ". وقد يجمع " الفَرَد "" الفُرَاد " كما يجمع " الوَحَد "،" الوُحَاد ", ومنه قول الشاعر: (62)

تَـرَى النَّعَـرَاتِ الـزُّرْقَ فَـوْقَ لَبَانِه

فُـرَادَى وَمَثْنًـى أَصْعَقَتْهَـا صَوَاهِلُـهْ (63)

وكان يونس الجرْميّ، (64) فيما ذكر عنه، يقول: " فُراد " جمع " فَرْد ", كما قيل: " تُؤْم " و " تُؤَام " للجميع. ومنه: " الفُرَادى "، و " الرُّدَافى " و " القُرَانى ". (65) يقال: " رجل فرد " و " امرأة فرد ", إذا لم يكن لها أخٌ." وقد فَرد الرجلُ فهو يفرُد فرودًا ", يراد به تفرَّد," فهو فارد ".

* * *

13570 - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، [قال ابن زيد قال] ، أخبرني عمرو: أن ابن أبي هلال حدثه: أنه سمع القرظيّ يقول: قرأت عائشةُ زوجُ النبي صلى الله عليه وسلم قولَ الله: " ولقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أول مرة "، فقالت: واسوأتاه, إن الرجال والنساء يحشرون جميعًا ينظر بعضهم إلى سوأة بعض! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ , لا ينظر الرجال إلى النساء، ولا النساء إلى الرجال, شغل بعضهم عن بعض. (66)

* * *

وأما قوله: " وتركتم ما خوّلناكم وراء ظهوركم "، فإنه يقول: خلفتم أيها القوم ما مكناكم في الدنيا مما كنتم تتباهون به فيها، خلفكم في الدنيا فلم تحملوه معكم.

وهذا تعيير من الله جل ثناؤه لهؤلاء المشركين بمباهاتهم التي كانوا يتباهون بها في الدنيا بأموالهم.

* * *

وكل ما ملكته غيرك وأعطيته: " فقد خوّلته ", (67) يقال منه: " خال الرجل يَخَال أشدّ الخِيال " بكسر الخاء =" وهو خائل ", ومنه قول أبي النجم:

أَعْطَــى فَلَــمْ يَبْخَـلْ وَلَـمْ يُبَخَّـلِ

كَـومَ الـذُّرَى مِـنْ خَـوَلِ المُخَــوِّلِ (68)

وقد ذكر أن أبا عمرو بن العلاء كان ينشد بيت زهير:

هُنَـالِكَ إِنْ يُسْـتَخْوَلُوا الْمَـالَ يُخـوِلُوا

وَإن يُسْـأَلُوا يُعطُـوا وَإِنْ يَيْسِرُوا يُغْلُوا (69)

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك :

13571 - حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط, عن السدي: " وتركتم ما خوّلناكم "، من المال والخدم =" وراء ظهوركم "، في الدنيا.

* * *

القول في تأويل قوله : وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره لهؤلاء العادلين بربهم الأنداد يوم القيامة: ما نرى معكم شفعاءكم الذين كنتم في الدنيا تزعمون أنهم يشفعون لكم عند ربكم يوم القيامة. (70)

* * *

وقد ذكر أن هذه الآية نـزلت في النضر بن الحارث، لقيله: إنّ اللات والعزى يشفعان لهُ عند الله يوم القيامة.

* * *

وقيل: إن ذلك كان قول كافة عَبَدة الأوثان.

* ذكر من قال ذلك:

13572 - حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط, عن السدي: أما قوله: " وما نرى معكم شفعاءكم الذين زعمتم أنهم فيكم شركاء "، فإن المشركين كانوا يزعمون أنهم كانوا يعبدُون الآلهة، لأنهم شفعاء يشفعون لهم عند الله، وأنّ هذه الآلهة شركاءُ لله.

13573- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج قال، قال ابن جريج، أخبرني الحكم بن أبان، عن عكرمة قال: قال النضر بن الحارث: " سوف تشفع لي اللات والعزَّى "! فنـزلت هذه الآية: وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ ، إلى قوله: " شركاء ".

* * *

القول في تأويل قوله : لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنْكُمْ مَا كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ (94)

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره، مخبرًا عن قيله يوم القيامة لهؤلاء المشركين به الأنداد: " لقد تقطع بينكم "، يعني تواصلَهم الذي كان بينهم في الدنيا, ذهب ذلك اليوم, فلا تواصل بينهم ولا توادّ ولا تناصر, وقد كانوا في الدنيا يتواصلون ويتناصرون، فاضمحلّ ذلك كله في الآخرة, فلا أحدَ منهم ينصر صاحبه، ولا يواصله. (71)

* * *

وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك:

13574 - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى , عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: " لقد تقطع بينكم "،" البين "، تواصلهم.

13575- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: " لقد تقطع بينكم "، قال: تواصلهم في الدنيا .

13576 - حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور, عن معمر, عن قتادة: " لقد تقطع بينكم "، قال: وصلكم.

13577- وحدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر, عن قتادة في قوله: " لقد تقطع بينكم "، قال: ما كان بينكم من الوصل.

13578 - حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية بن صالح, عن علي بن أبي طلحة , عن ابن عباس: " لقد تقطع بينكم وضلّ عنكم ما كنتم تزعمون "، يعني الأرحام والمنازل.

13579 - حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط, عن السدي: " لقد تقطع بينكم "، يقول: تقطع ما بينكم.

13580 - حدثنا أبو كريب قال، قال أبو بكر بن عياش: " لقد تقطع بينكم "، التواصل في الدنيا. (72)

* * *

واختلفت القرأة في [قراءة] قوله: " بينكم ".

فقرأته عامة قرأة أهل المدينة نصبًا، بمعنى: لقد تقطع ما بينكم.

* * *

وقرأ ذلك عامة قرأة مكة والعراقَيْن: (لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنُكُمْ) ، رفعًا, بمعنى: لقد تقطع وصلُكم.

* * *

قال أبو جعفر: والصواب من القول عندي في ذلك أن يقال: إنهما قراءتان مشهورتان باتفاق المعنى, فبأيتهما قرأ القارئ فمصيبٌ الصوابَ.

وذلك أن العرب قد تنصب " بين " في موضع الاسم. ذكر سماعًا منها: " أتاني نحَوك، ودونَك، وسواءَك ", (73) نصبًا في موضع الرفع. وقد ذكر عنها سماعًا الرفع في" بين "، إذا كان الفعل لها، وجعلت اسمًا، وينشد بيت مهلهل:

كَــأَنَّ رِمــاحَهُم أَشْــطَانُ بِــئْرٍ

بَعِيـــدٍ بَيْــنُ جَالَيْهَــا جَــرُورِ (74)

برفع " بين "، إذ كانت اسمًا، غير أن الأغلب عليهم في كلامهم النصبُ فيها في حال كونها صفة، وفي حال كونها اسمًا.

* * *

وأما قوله: " وضل عنكم ما كنتم تزعمون "، فإنه يقول: وحاد عن طريقكم ومنهاجكم ما كنتم من آلهتكم تزعمون أنه شريك ربكم, وأنه لكم شفيع عند ربكم, فلا يشفع لكم اليوم. (75)

* * *

---------------

الهوامش:

(59) في المطبوعة: "ولا أثاث ولا رفيق" ، والصواب ما في المخطوطة ، يعني نساءهم وخدمهم ، وانظر الأثر التالي رقم: 13571 ، وانظر تفسير البغوي (بهامش ابن كثير 3: 361) قال: "وحدانا لا مال معكم ، ولا زوج ، ولا ولد ، ولا خدم". فهذا صواب القراءة بحمد الله.

(60) "غلف جمع"أغلف" ، وهو الذي لم يختتن. و"الغرل" جمع"أغرل" ، وهو أيضًا الذي لم يختتن ، وهذا حديث مسلم في صحيحه من حديث عائشة: "يحشر الناس يوم القيامة حفة عراة غرلا" (17: 192 ، 193).

(61) ديوانه: 26 ، واللسان (فرد) ، وغيرهما كثير. من قصيدته المشهورة التي اعتذر بها إلى النعمان بن المنذر ، يقول قبله في صفة الثور:

كـأنّ رَحْـلِي وَقَـدْ زَالَ النَّهَـارُ بِنَـا

يَـوْمَ الجَـلِيلِ عَـلَى مُسْـتَأنِسٍ وَحَـدِ

و"وجرة" ، منزل بين مكة والبصرة ، مربة للوحوش والظباء."موشي أكارعه" ، في قوائمه نقط سود."طاوي المصير" ، ضامر البطن ، و"المصير" جمع"مصران". يصف بياض الثور والتماعه. كأنه سيف مصقول جديد الصقل.

(62) هو تميم بن أبي بن مقبل.

(63) مضى البيت وتخريجه وتفسيره 7: 543 ، بغير هذه الرواية ، فراجعه هناك.

(64) مضى في 10: 120 ، تعليق: 1 ، ذكر"يونس [الحرمري]" ، وقد أشكل على أمره ، كما ذكرت هناك ، وصح بهذا أنه"الجرمي" ، ولم أجد في قدماء النحاة من يقال له: "يونس الجرمي" ، وذكرت هناك أن"يونس بن حبيب" ، ضبي لا جرمي ، فعسى أن يهديني من يقرأ هذا إلى الصواب فيه ، متفضلا مشكورا.

(65) في المطبوعة: "والغواني" ، وفي المخطوطة: "والعواـي" غير منقوطة ، وصواب قراءتها ما أثبت ، يقال: جاءوا قرانى" أي مقترنين ، قال ذو الرمة:

قُــرَانَى وَأَشْــتَاتًا، وَحَـادٍ يَسُـوقُهَا

إلَـى المَـاءِ مِـنْ جَـوْزِ التَّنُوفَةِ مُطْلِقُ

(66) الأثر: 13570 -"عمرو بن الحارث بن يعقوب الأنصاري المصري" ، ثقة مضى برقم: 1387 ، 5973 ، 6889 ، 10330. وأما "ابن أبي هلال" ، فهو: "سعيد بن أبي هلال الليثي المصري" ، ثقة. مضى برقم: 1495 ، 5465.

وأما "القرظي" ، فقد بينه الحاكم في المستدرك في إسناده وأنه: "عثمان بن عبد الرحمن القرظي" ، ولكنه مع هذا البيان ، لم يزل مجهولا ، فإني لم أجد له ترجمة ولا ذكرًا في شيء من الكتب. وكان في المطبوعة والمخطوطة: "القرطبي" ، وهو خطأ. وهذا الخبر ، أخرجه الحاكم في المستدرك 4: 565 ، من طريق"عبد الله بن وهب ، عن عمرو بن الحارث" ، ليس فيه"قال ابن زيد" ، وقال الحاكم: "هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه" ، وعلق عليه الذهبي فقال: "صحيح ، فيه انقطاع". والذي في إسناد الطبري"قال ابن زيد قال" ، عندي أنه زيادة من الناسخ ، لأن عبد الله بن وهب ، يروي مباشرة عن"عمرو بن الحارث" ، كما يروي عن"عبد الرحمن بن زيد بن أسلم" ، ولما كثر إسناد أبي جعفر"حدثني يونس قال أخبرنا ابن وهب ، قال قال ابن زيد" ، أسرع قلم الناسخ بإثبات"ابن زيد" مقمحًا في هذا الإسناد ، كما دل عليه إسناد الحاكم. وانقطاع هذا الإسناد ، كما بينه الذهبي ، هو فيما أرجح ، أن"عثمان بن عبد الرحمن القرظي" لم يسمع من عائشة.

(67) في المطبوعة والمخطوطة: "وكل من ملكته غيرك . . ." ، وهو خطأ محض ، صوابه ما أثبت.

(68) لامية أبي النجم في كتاب (الطرائف) ، والمراجع هناك ، وسيأتي في التفسير 23: 127 (بولاق) ، وهو مطلع رجزه ، وقبله:

الَحْــمُد لِلــه الوَهُــوبِ المُجْـزِلُ

وقوله: "كوم الذرى" ، أي: عظام الأسمنة ، "كوم" جمع"كوماء" ، وهي الناقة العظيمة السنام. و"المخول" بكسر الواو ، الله الرَّزَّاق ذو القوة المتين. وانظر تعليقي على البيت في طبقات فحول الشعراء: 576 ، تعليق: 4.

(69) ديوانه" 112 ، واللسان (خبل) (خول) ، وسيأتي في التفسير 23: 127 (بولاق) ، وغيرها كثير. من قصيدته المشهورة في هرم بن سنان بن أبي حارثة ، والحارث بن عوف بن أبي حارثة المري ، يذكر قومهما بالكرم في زمن الجدب ، وقبله:

إذَا السَّـنَةُ الشَّهْبَاءِ بِالنَّـاسِ أجْحَـفَتْ

وَنَـالَ كِـرَامَ المَـالِ فِـي السَّنَةِ الأَكْلُ

رَأَيْـتُ ذَوِي الحَاجَـاتِ حَــوْلَ بُيُوتِهِمْ

قَطِينًـا لَهُـمْ، حَـتَّى إذَا أَنْبَـتَ البَقْـلُ

هُنَــالِكَ إِنْ يُسْـتَخْوَلوا . . . . . . .

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ورواية غير أبي عمرو بن العلاء: "إن يستخبلوا المال يخبلوا" ، يقال: "استخبل الرجل ناقة فأخبله" ، إذا استعاره ناقة لينتفع بألبانها وأوبارها فأعاره. و"الاستخوال" مثله. وروى الأصمعي عن أبي عمرو أنه قال: "ولو أنشدتها لأنشدتها: إن يستخولوا المال يخولوا" ، وقال: "الاختبال: المنيحة ، ولا أعرف الاستخبال ، وأراه: يستخولوا. والاستخوال أن يملكوهم إياه".

وقوله: "ييسروا" ، من"الميسر" الذي تقسم فيه الجزر. وقوله: "يغلوا" ، أي: يختاروا سمان الجزر للنحر ، فهم لا ينحرون إلا غالية.

(70) انظر تفسير"الشفيع" فيما سلف ص: 446 ، تعليق: 5 ، والمراجع هناك.

(71) انظر تفسير"البين" فيما سلف 8: 319.

(72) الأثر: 13580 - هذا إسناد منقطع كما أشرت إليه فيما سلف رقم: 1246 ، 2150 و"أبو بكر بن عياش بن سالم الأسدي" ، ثقة معروف ، مضى برقم: 1246 ، 2150 ، 3000 ، 5725 ، 8098.

(73) في المطبوعة: "إيابي نحوك . . ." وهو خطأ محض ، وهي في المخطوطة غير منقوطة ، والصواب في معاني القرآن للفراء 1: 345.

(74) أمالي القالي 2: 132 ، واللسان (بين) ، وغيرهما ، من قصيدته المشهورة التي قالها لما أدرك بثأر أخيه كليب وائل. وقبله:

فِــدًى لِبَنِـي الشَّـقِيقَةِ يَـوْمَ جَـاءوا

كَأُسْــدِ الغَـابِ لَجَّـتْ فِـي زَئِـيرِ

و"الأشطان" الحبال الشديدة الفتل ، التي يستقي بها ، واحدها"شطن". (بفتحتين) و"الجال" و"الجول" (بضم الجيم): ناحية البئر وجانبها وما يحبس الماء منها. و"جرور" صفة البئر البعيدة القعر ، لأن دلوها يجر على شفرها ، لبعد قعرها. يصف طول رماحهم ، وحركة أيديهم في الضرب بها ، ثم نزعها من بدن من أصابته.

(75) انظر تفسير"الضلال" فيما سلف من فهارس اللغة (ضلل).

6:95Page 140

۞ إِنَّ ٱللَّهَ فَالِقُ ٱلۡحَبِّ وَٱلنَّوَىٰۖ يُخۡرِجُ ٱلۡحَيَّ مِنَ ٱلۡمَيِّتِ وَمُخۡرِجُ ٱلۡمَيِّتِ مِنَ ٱلۡحَيِّۚ ذَٰلِكُمُ ٱللَّهُۖ فَأَنَّىٰ تُؤۡفَكُونَ ٩٥

Indeed, Allāh is the cleaver of grain and date seeds.1 He brings the living out of the dead and brings the dead out of the living. That is Allāh; so how are you deluded?

القول في تأويل قوله : إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى

قال أبو جعفر: وهذا تنبيهٌ من الله جل ثناؤه هؤلاء العادلين به الآلهة والأوثان على موضع حجّته عليهم, وتعريفٌ منه لهم خطأ ما هم عليه مقيمون من إشراك الأصنام في عبادتهم إياه. يقول تعالى ذكره: إن الذي له العبادة، أيها الناس، دون كل ما تعبدون من الآلهة والأوثان, هو الله الذي فَلق الحبَّ = يعني: شق الحبَّ من كل ما ينبت من النبات, فأخرج منه الزرع =" والنوى "، من كل ما يغرس مما له نَواة, فأخرج منه الشجر.

* * *

و " الحبّ" جمع " الحبة ", و " النوى " جمع " النواة ".

* * *

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال جماعة من أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك:

13581 - حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط, عن السدي: " إن الله فالق الحب والنوى "، أما " فالق الحب والنوى ": ففالق الحب عن السنبلة, وفالق النواة عن النخلة.

13582 - حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور, عن معمر, عن قتادة: " فالق الحب والنوى "، قال: يفلق الحب والنوى عن النبات.

13583- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال: قال ابن زيد في قوله: " فالق الحب والنوى "، قال: الله فالق ذلك, فلقه فأنبت منه ما أنبت. فلق النواة فأخرج منها نَبَات نخلة, وفلق الحبة فأخرج نبات الذي خلق.

* * *

وقال آخرون: معنى " فالق "، خالق.

* ذكر من قال ذلك:

13584 - حدثنا هناد بن السري قال، حدثنا مروان بن معاوية, عن جويبر, عن الضحاك في قوله: " إن الله فالق الحب والنوى "، قال: خالق الحب والنوى.

13585- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا المحاربي, عن جويبر, عن الضحاك, مثله .

13586 - حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس قوله: " إن الله فالق الحب والنوى "، قال: خالق الحب والنوى.

* * *

وقال آخرون: معنى ذلك: أنه فلق الشقّ الذي في الحبّة والنواة.

* ذكر من قال ذلك:

13587 - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد في قول الله: " فالق الحب والنوى "، قال: الشقان اللذان فيهما.

13588- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, مثله .

13589- حدثني المثنى قال، حدثنا معلى بن أسد قال، حدثنا خالد, عن حصين, عن أبي مالك في قول الله: " إن الله فالق الحب والنوى "، قال: الشق الذي يكون في النواة وفي الحنطة .

13590- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا حكام, عن عنبسة, عن محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى, عن القاسم بن أبي بزة, عن مجاهد: " فالق الحب والنوى "، قال: الشقان اللذان فيهما.

13591 - حدثت عن الحسين بن الفرج قال، سمعت أبا معاذ قال، حدثني عبيد بن سليمان قال، سمعت الضحاك يقول في قوله: " فالق الحب والنوى "، يقول: خالق الحب والنوى, يعني كلّ حبة .

* * *

قال أبو جعفر: وأولى الأقوال في ذلك بالصواب عندي، ما قدّمنا القول به. وذلك أن الله جل ثناؤه أتبع ذلك بإخباره عن إخراجه الحي من الميت والميت من الحي, فكان معلومًا بذلك أنه إنَّما عنى بإخباره عن نفسه أنّه فالق الحب عن النبات، والنوى عن الغُرُوس والأشجار, كما هو مخرج الحي من الميت، والميّت من الحي.

* * *

وأما القول الذي حكي عن الضحاك في معنى " فالق "، أنه خالق, فقولٌ = إن لم يكن أراد به أنّه خالق منه النبات والغُروس بفلقه إياه = لا أعرف له وجهًا, لأنه لا يعرف في كلام العرب: " فلق الله الشيء "، بمعنى: خلق .

* * *

القول في تأويل قوله : يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ ذَلِكُمُ اللَّهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ (95)

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: يخرج السنبل الحيّ من الحبّ الميت, ومخرج الحبِّ الميت من السنبل الحيّ, والشجرِ الحيّ من النوى الميت, والنوى الميِّت من الشجر الحيّ.

* * *

والشجر ما دام قائمًا على أصوله لم يجفّ، والنبات على ساقه لم ييبَس, فإن العرب تسميه " حَيًّا ", فإذا يبس وجفّ أو قطع من أصله، سمّوه " ميتًا ".

* * *

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال جماعة من أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك:

13592 - حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط, عن السدي: أما " يخرج الحي من الميت "، فيخرج السنبلة الحية من الحبة الميتة, ويخرج الحبة الميتة من السنبلة الحية, ويخرج النخلة الحية من النواة الميتة, ويخرج النواة الميتة من النخلة الحية.

13593 - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي, عن سفيان, عن السدي, عن أبي مالك: " يخرج الحي من الميت ومخرج الميت من الحي"، قال: النخلة من النواة، والنواة من النخلة, والحبة من السنبلة، والسنبلة من الحبة.

* * *

وقال آخرون بما:-

13594- حدثني به المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية بن صالح, عن علي بن أبي طلحة, عن ابن عباس قوله: (إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ) ، قال: يخرج النطفة الميتة من الحي, ثم يخرج من النطفة بشرًا حيًّا.

* * *

قال أبو جعفر: وإنما اخترنا التأويل الذي اخترنا في ذلك, لأنه عَقِيب قوله: إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى ، على أن قوله: " يخرج الحي من الميت ومخرج الميت من الحي"، وإن كان خبرًا من الله عن إخراجه من الحبّ السنبل ومن السنبل الحب, فإنه داخل في عمومه ما رُوي عن ابن عباس في تأويل ذلك. وكل ميّت أخرجه الله من جسمٍ حَيٍّ, وكل حيّ أخرجه الله من جسمٍ ميتٍ.

* * *

وأما قوله: " ذلكم الله "، فإنه يقول: فاعل ذلك كلِّه اللهُ جل جلاله =" فأنى تؤفكون "، يقول: فأيّ وجوه الصدّ عن الحقّ، أيها الجاهلون، تصدّون عن الصواب وتصرفون, (1) أفلا تتدبرون فتعلمون أنّه لا ينبغي أن يُجعل لمن أنعم عليكم بفلق الحب والنوى, فأخرج لكم من يابس الحب والنوى زروعًا وحُروثًا وثمارًا تتغذون ببعضه وتفكّهون ببعضه, شريكٌ في عبادته ما لا يضر ولا ينفع، ولا يسمع ولا يبصر؟

6:96Page 140

فَالِقُ ٱلۡإِصۡبَاحِ وَجَعَلَ ٱلَّيۡلَ سَكَنٗا وَٱلشَّمۡسَ وَٱلۡقَمَرَ حُسۡبَانٗاۚ ذَٰلِكَ تَقۡدِيرُ ٱلۡعَزِيزِ ٱلۡعَلِيمِ ٩٦

[He is] the cleaver of daybreak and has made the night for rest and the sun and moon for calculation.1 That is the determination of the Exalted in Might, the Knowing.

القول في تأويل قوله : فَالِقُ الإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا

قال أبو جعفر: يعني بقوله: " فالق الإصباح "، شاقٌّ عمود الصبح عن ظلمة الليل وسواده. (2)

* * *

و " الإصباح " مصدر من قول القائل: " أصبحنا إصباحًا ".

* * *

وبنحو ما قلنا في ذلك قال عامة أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك:

13595 - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا المحاربي, عن جويبر, عن الضحاك: " فالق الإصباح "، قال: إضاءة الصبح.

13596 - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى, عن ابن أبي, نجيح, عن مجاهد: " فالق الإصباح "، قال: إضاءة الفجر.

13597- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, مثله .

13598 - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر, عن قتادة في قوله: " فالق الإصباح "، قال: فالق الصُّبح.

13599 - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو صالح قال، حدثني معاوية بن صالح, عن علي بن أبي طلحة, عن ابن عباس في قوله: " فالق الإصباح "، يعني بالإصباح، ضوءَ الشمس بالنهار, وضوءَ القمر بالليل.

13600 - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا حكام قال، حدثنا عنبسة, عن محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى, عن القاسم بن أبي بزة, عن مجاهد: " فالق الإصباح "، قال: فالق الصبح.

13601- حدثنا به ابن حميد مرة بهذا الإسناد, عن مجاهد فقال في قوله: " فالق الإصباح "، قال إضاءة الصبح.

13602 - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد, في قوله: " فالق الإصباح "، قال: فلق الإصباح عن الليل.

13603 - حدثت عن الحسين بن الفرج قال، سمعت أبا معاذ يقول، حدثنا عبيد بن سليمان قال، سمعت الضحاك يقول في قوله: " فالق الإصباح "، يقول: خالق النور, نور النهار.

* * *

وقال آخرون: معنى ذلك: خالق الليل والنهار .

* ذكر من قال ذلك:

13604 - حدثنا محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس في قوله: (فَالِقُ الإصْبَاحِ وَجَاعِلُ اللَّيْلِ سَكَنًا) ، (3) يقول: خلق الليل والنهار.

* * *

وذكر عن الحسن البصري أنّه كان يقرأ: (فَالِقُ الأصْبَاحِ)، بفتح الألف، كأنه تأول ذلك بمعنى جمع " صبح ", كأنه أراد صبح كل يوم, فجعله " أصباحًا ", ولم يبلغنا عن أحد سواه أنه قرأ كذلك. والقراءة التي لا نستجيز تعدِّيها، بكسر الألف: (4) (فالِقُ الإصْبَاح) ، لإجماع الحجة من القرأة وأهل التأويل على صحة ذلك ورفضِ خلافه.

* * *

وأما قوله: " وجاعِلُ الليل سكنًا "، فإن القرأة اختلفت في قراءته.

فقرأ ذلك عامة قرأة الحجاز والمدينة وبعض البصريين: (5) (وَجَاعِلُ اللَّيْلِ) بالألف على لفظ الاسم، ورفعه عطفًا على " فالق ", وخفض " الليل " بإضافة " جاعل " إليه, ونصب " الشمس والقمر "، عطفًا على موضع " الليل "، لأن " الليل " وان كان مخفوضًا في اللفظ، فإنه في موضع النصب, لأنه مفعول " جاعل ". وحسن عطف ذلك على معنى " الليل " لا على لفظه, لدخول قوله: " سكنًا " بينه وبين " الليل "، قال الشاعر: (6)

قُعُـوداً لَـدَى الأبْـوَابِ طُـلابَ حاجَةٍ

عَـوَانٍ مِـنَ الْحَاجَـاتِ أَوْ حَاجَةً بِكْرًا (7)

فنصب " الحاجة " الثانية، عطفًا بها على معنى " الحاجة " الأولى, لا على لفظها، لأن معناها النصب، وإن كانت في اللفظ خفضًا. وقد يجيء مثل هذا أيضًا معطوفًا بالثاني على معنى الذي قبله لا على لفظه, وإن لم يكن بينهما حائل, كما قال بعضهم: (8)

بَيْنَـــا نَحْـــنُ نَنْظُــرْهُ أَتَانَــا

مُعلِّـــقَ شِـــكْوَةٍ وَزِنــادَ رَاعِ (9)

* * *

وقرأ ذلك عامة قرأة الكوفيين: (وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا وَالشَّمْسَ) ، على " فَعَلَ"، بمعنى الفعل الماضي، ونصب " الليل ".

* * *

قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك عندنا أن يقال: إنهما قراءتان مستفيضتان في قرأة الأمصار, متفقتا المعنى، غير مختلفتيه, فبأيتهما قرأ القارئ فهو مصيب في الإعراب والمعنى.

* * *

وأخبر جل ثناؤه أنه جعل الليل سكنًا, لأنه يسكن فيه كل متحرك بالنهار، ويهدأ فيه, فيستقر في مسكنه ومأواه.

* * *

القول في تأويل قوله : وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا

قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل في ذلك:

فقال بعضهم: معنى ذلك: وجعل الشمس والقمر يجريان في أفلاكهما بحساب.

* ذكر من قال ذلك:

13605 - حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية بن صالح, عن علي بن أبي طلحة, عن ابن عباس: " والشمس والقمر حسبانًا "، يعني: عدد الأيام والشهور والسنين .

13606 - حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس: " والشمس والقمر حسبانًا "، قال: يجريان إلى أجلٍ جُعل لهما.

13607 - حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط, عن السدي: " والشمس والقمر حسبانًا "، يقول: بحساب.

13608 - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله بن أبي جعفر, عن أبيه, عن الربيع في قوله: " والشمس والقمر حسبانًا "، قال: الشمس والقمر في حساب, فإذا خَلَتْ أيامهما فذاك آخرُ الدهر، وأول الفزع الأكبر =" ذلك تقدير العزيز العليم ".

13609- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر, عن قتادة في قوله: " والشمس والقمر حسبانًا "، قال: يدوران في حساب.

13610 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج, عن ابن جريج, عن مجاهد: " والشمس والقمر حسبانًا "، قال هو مثل قوله: كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ [سورة الأنبياء: 33] ، ومثل قوله: الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ [سورة الرحمن: 5].

* * *

وقال آخرون: معنى ذلك: وجعل الشمس والقمر ضياء.

* ذكر من قال ذلك:

13611- حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة: " والشمس والقمر حسبانًا "، أي ضياء.

* * *

قال أبو جعفر: وأولى القولين في تأويل ذلك عندي بالصواب، تأويل من تأوَّله: وجعل الشمس والقمرَ يجريان بحساب وعددٍ لبلوغ أمرهما ونهاية آجالهما, ويدوران لمصالح الخلق التي جُعِلا لها.

وإنما قلنا ذلك أولى التأويلين بالآية, لأن الله تعالى ذكره ذكَر قبلَه أياديه عند خلقه، وعظم سلطانه, بفلقه الإصباح لهم، وإخراج النبات والغِراس من الحب والنوى, وعقّب ذلك بذكره خلق النجوم لهدايتهم في البر والبحر. فكان وصفه إجراءه الشمس والقمرَ لمنافعهم، أشبه بهذا الموضع من ذكر إضاءتهما، لأنه قد وصف ذلك قبلُ بقوله: " فالق الإصباح "، فلا معنى لتكريره مرة أخرى في آية واحدة لغير معنى.

* * *

و " الحسبان " في كلام العرب جمع " حِساب ", كما " الشُّهبان " جمع شهاب. (10) وقد قيل إن " الحسبان "، في هذا الموضع مصدر من قول القائل: " حَسَبْتُ الحساب أحسُبُه حِسابًا وحُسْبانًا ". وحكي عن العرب: " على الله حُسْبان فلان وحِسْبته "، أي: حسابه.

* * *

وأحسب أن قتادة في تأويل ذلك بمعنى الضياء, ذهب إلى شيء يروى عن ابن عباس في قوله: وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَانًا مِنَ السَّمَاءِ [سورة الكهف: 40]. قال: نارًا, فوجه تأويل قوله: " والشمس والقمر حسبانًا "، إلى ذلك التأويل. وليس هذا من ذلك المعنى في شيء.

* * *

وأما " الحِسبان " بكسر " الحاء "، فإنه جمع " الحِسبانة "، (11) وهي الوسادة الصغيرة, وليست من الأوَّليين أيضًا في شيء. يقال: " حَسَّبته "، أجلستُه عليها.

* * *

ونصب قوله: " حسبانًا " بقوله: " وجعل ".

* * *

وكان بعض البصريين يقول: معناه: " والشمس والقمرَ حسبانًا "، أي: بحساب, فحذف " الباء "، كما حذفها من قوله: هُوَ أَعْلَمُ مَنْ يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ [سورة الأنعام: 117] ، أي: أعلم بمن يضل عن سبيله. (12)

* * *

القول في تأويل قوله : ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (96)

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: وهذا الفعل الذي وصفه أنه فعله, وهو فلقه الإصباح، وجعله الليل سكنًا والشمس والقمر حسبانًا, تقدير الذي عزّ سلطانه, فلا يقدر أحد أراده بسوء وعقاب أو انتقام، من الامتناع منه =" العليم "، بمصالح خلقه وتدبيرهم = لا تقديرُ الأصنام والأوثان التي لا تسمع ولا تبصر، ولا تفقه شيئًا ولا تعقله، ولا تضر ولا تنفع, وإن أريدت بسوء لم تقدر على الامتناع منه ممن أرادها. (13) يقول جل ثناؤه: وأخلصوا، أيها الجهلة، عبادتَكم لفاعل هذه الأشياء, ولا تشركوا في عبادته شيئًا غيره.

-------------------------

الهوامش :

(2) انظر تفسير"الفلق" فيما سلف قريبًا ص: 550.

(3) هذه قراءة أهل الحجاز كما سيذكر بعد ، وتركتها على قراءتهم في هذا الخبر.

(4) في المطبوعة: "لا نستجيز غيرها" ، يدل ما كان في المخطوطة وهو محض صواب.

(5) في المطبوعة: "عامة قراء الحجاز" ، وأثبت ما في المخطوطة.

(6) هو الفرزدق.

(7) سلف البيت وتخريجه وتفسيره فيما سلف 2: 195 ، وأزيد هنا مجاز القرآن لأبي عبيدة 1: 201 وروي هناك: "قعود" بالرفع ، كما أشرت إليه ثم.

(8) لرجل من قيس عيلان ، ونسب أيضا لنصيب

(9) سيبويه 1 : 87 ، معاني القرآن للفراء 1: 346 ، الصاحبي: 118 ، شرح شواهد المغني: 270 ، والذي هنا رواية الفراء وابن فارس. ورواية سيبويه"بيننا نحن نطلبه" ، وفي شرحه"نرقبه" ، وروايته أيضًا"معلق وفضة". وكان في المطبوعة هنا: "فبيننا" بالفاء ، وأثبت ما في المخطوطة. وفي المطبوعة: "شلوه" وهو خطأ.

"ننظره": نرقبه وننتظره. و"الشكوة": وعاء كالدلو أو القرية الصغيرة ، يبرد فيه الماء ، ويحبس فيه اللبن. وأما "الوفضة" ، فهي خريطة كالجعبة ، يحمل فيها الراعي أدلته وزاده.

ولم أجد بقية الشعر.

(10) انظر مجاز القرآن لأبي عبيدة 1: 201.

(11) هكذا قال أبو جعفر"بكسر الحاء" والذي أطبقت عليه كتب اللغة أنه بضم الحاء ، ولم يشيروا إلى كسر الحاء في هذه.

(12) قائل هذا هو الأخفش ، كما هو بين في لسان العرب (حسب) .

(13) انظر تفسير"العزيز" و"العليم" فيما سلف من فهارس اللغة.

Text: through the Quran Foundation. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском