At-Tabari · Tafsir · in Arabic
An-Naba 78:10–12
(وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا) يقول تعالى ذكره: وجعلنا الليل لكم غشاء يتغشاكم سواده، وتغطيكم ظلمته، كما يغطي الثوب لابسه لتسكنوا فيه عن التصرّف لما كنتم تتصرّفون له نهارا؛ ومنه قول الشاعر:
فلمَّـا لَبِسْـن اللَّيْـلَ أوْ حِـينَ نَصَّبَتْ
لـه مِـنْ خَـذا آذانِهـا وَهْـوَ دَالِـحُ (1)
يعني بقوله " لبسن الليل ": أدخلن في سواده فاستترن به.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك:
حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن قتادة (وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا) قال: سكنا.
--------------------------
الهوامش :
(1) تقدم استشهاد المؤلف بهذا البيت في الجزء ( 11 : 146 ) وهو في ديوان ذي الرمة . والرواية فيه " جانح " في موضع " دالح " . والدالح : الذي يمشي بحمله وقد أثقله . ( انظر ديوان ذي الرمة 108 ) .
وقوله: ( وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا ) يقول: وجعلنا النهار لكم ضياء لتنتشروا فيه لمعاشكم، وتتصرّفوا فيه لمصالح دنياكم، وابتغاء فضل الله فيه، وجعل جلّ ثناؤه النهار إذ كان سببا لتصرّف عباده لطلب المعاش فيه معاشا، كما في قول الشاعر:
وأخُـو الهمـومِ إذا الهُمُـومُ تَحَضرَتْ
جُــنْحَ الظَّــلامِ وِســادُهُ لا يَرْقُـدُ (2)
فجعل الوساد هو الذي لا يرقد، والمعنى لصاحب الوساد.
حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: ( النَّهَارَ مَعَاشًا ) قال: يبتغون فيه من فضل الله.
-----------------------
الهوامش :
(2) يقال : حضره الهم ، واحتضره وتحضره : نزل به . يقول الشاعر : إن أخا الهموم إذا كثرت عليه الهموم وازدحمت فإن وساده لا ينام ، يريد صاحب وساده ، يعني : نفسه .
78:12Page 582
وَبَنَيۡنَا فَوۡقَكُمۡ سَبۡعٗا شِدَادٗا ١٢
And constructed above you seven strong [heavens]
القول في تأويل قوله تعالى : وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعًا شِدَادًا (12)
يقول تعالى ذكره: (وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ) : وسقفنا فوقكم، فجعل السقف بناء، إذ كانت العرب تسمي سقوف البيوت - وهي سماؤها - بناءً وكانت السماء للأرض سقفا، فخاطبهم بلسانهم إذ كان التنـزيل بِلسانهم، وقال (سَبْعًا شِدَادًا) إذ كانت وثاقا محكمة الخلق، لا صدوع فيهنّ ولا فطور، ولا يبليهنّ مرّ الليالي والأيام.
Text: through the Quran Foundation. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences