At-Tabari · Tafsir · in Arabic
An-Naba 78:28–30
وقوله: (وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كِذَّابًا) يقول تعالى ذكره: وكذّب هؤلاء الكفار بحُججِنا وأدلتنا تكذيبا. وقيل: (كِذَّابًا) ، ولم يقل تكذيبا تصديرا على فعله.
وكان بعض نحويِّي البصرة يقول: قيل ذلك لأن فعل منه على أربعة فأراد أن يجعله مثل باب أفعلت، ومصدر أفعلت إفعالا فقال: كذّابا، فجعله على عدد مصدره، قال: وعلى هذا القياس تقول: قاتل قتالا قال: وهو من كلام العرب. وقال بعض نحويِّي الكوفة: هذه لغة يمانية فصيحة، يقولون: كذّبت به كذّابا، وخَرَّقت القميص خِرَّاقا، وكلٌّ فَعَّلْت فمصدرها فِعَّال بلغتهم مشدّدة. قال: وقال لي أعرابي مرّة على المروة يستفتيني: ألحلق أحبّ إليك أم القِصَّار؟ قال: وأنشدني بعض بنِي كلاب:
لَقَـدْ طـالَ مـا ثَبَّطَتْنِي عَنْ صَحَابَتِي
وَعَـنْ حِـوَجٍ قِضَّاؤُهـا مِـنْ شِفائِيَا (9)
وأجمعت القرّاء على تشديد الذال من الكِذّاب في هذا الموضع. وكان الكسائي خاصة يخفِّف الثانية، وذلك في قوله: لا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلا كِذَّابًا ويقول: هو من قولهم: كاذبته كِذّابا ومكاذبة، ويشدّد هذه، ويقول قوله: (كَذَّبُوا) يقيد الكذّاب بالمصدر.
----------------------
الهوامش :
(9) البيت من شواهد الفراء في معاني القرآن ( الورقة 355 ) قال : وقوله : { وكذبوا بآياتنا كذابا } : خففها علي بن أبي طالب ( كذابا ) ، وثقلها عاصم والأعمش وأهل المدينة والحسن البصري ، وهي لغة يمانية فصيحة ، يقولون : كذبت به كذابا ، وخرقت القميص خراقا ، وكل فعلت ( بتشديد العين ) فمصدره فعال في لغتهم مشدد ، وأنشدني بعض بني كلاب : " لقد طال ما ثبطتني ... " البيت . وكان الكسائي يخفف { لا يسمهون فيها لغوا ولا كذابا } ؛ لأنها ليست مقيدة بفعل يصيرها مصدرا ، ويشدد في { وكذبوا بآياتنا كذابا } ؛ لأن كذبوا يقيد الكذاب بالمصدر ، والذي قال حسن ، ومعناه : { لا يسمعون فيها لغوا } يقول : باطلا ، { ولا كذابا } لا يكذب بعضهم بعضا . وفي ( اللسان : قضي ) وقوله : أنشده أبو زيد : " لقد طالما لبثتني ... " البيت . قال ابن سيده : هو عندي من قضي ( بالتشديد ) ككذاب من كذب . قال : ويحتمل أن يريد : اقتضاؤها ، فيكون من باب قتال ( بتشديد التاء ) كما حكاه سيبويه في اقتتال . ا هـ .
وقوله: (وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ كِتَابًا) يقول تعالى ذكره: وكلّ شيء أحصيناه فكتبناه كتابا، كتبنا عدده ومبلغه وقدره، فلا يعزُب عنا علم شيء منه، ونصب كتابا، لأن في قوله: (أَحْصَيْنَاهُ) مصدر أثبتناه وكتبناه، كأنه قيل: وكلّ شيء كتبناه كتابا.
78:30Page 582
فَذُوقُواْ فَلَن نَّزِيدَكُمۡ إِلَّا عَذَابًا ٣٠
"So taste [the penalty], and never will We increase you except in torment."1
وقوله: ( فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلا عَذَابًا ) يقول جلّ ثناؤه: يقال لهؤلاء الكفار في جهنم إذا شربوا الحميم والغَسَّاق: ذوقوا أيها القوم من عذاب الله الذي كنتم به في الدنيا تكذّبون، فلن نـزيدكم إلا عذابًا على العذاب الذي أنتم فيه، لا تخفيفا منه، ولا ترفُّها.
وقد حدثنا ابن بشار، قال: ثنا ابن أبي عديّ، عن سعيد، عن قتادة، عن أبي أيوب الأزدي، عن عبد الله بن عمرو، قال: لم تنـزل على أهل النار آية أشد من هذه: ( فَذُوقُوا فَلَنْ نـزيدَكُمْ إِلا عَذَابًا ) قال: فهم في مزيد من العذاب أبدا.
حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ( فَذُوقُوا فَلَنْ نـزيدَكُمْ إِلا عَذَابًا ) ذُكر لنا أن عبد الله بن عمرو كان يقول: ما نـزلت على أهل النار آية أشدّ منها( فَذُوقُوا فَلَنْ نـزيدَكُمْ إِلا عَذَابًا ) فهم في مزيد من الله أبدا.
Text: through the Quran Foundation. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences