At-Tabari · Tafsir · in Arabic
Al-Anfal 8:49–51
8:49Page 183
إِذۡ يَقُولُ ٱلۡمُنَٰفِقُونَ وَٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ غَرَّ هَٰٓؤُلَآءِ دِينُهُمۡۗ وَمَن يَتَوَكَّلۡ عَلَى ٱللَّهِ فَإِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٞ ٤٩
[Remember] when the hypocrites and those in whose hearts was disease [i.e., arrogance and disbelief] said, "Their religion has deluded those [Muslims]." But whoever relies upon Allāh - then indeed, Allāh is Exalted in Might and Wise.
القول في تأويل قوله : إِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ غَرَّ هَؤُلاءِ دِينُهُمْ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (49)
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ ، في هذه الأحوال =(وإذ يقول المنافقون)، وكرّ بقوله: (إذ يقول المنافقون)، على قوله: إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلا =(والذين في قلوبهم مرض)، يعني: شك في الإسلام، لم يصحَّ يقينهم، ولم تُشرح بالإيمان صدورهم (40) =(غر هؤلاء دينهم)، يقول: غر هؤلاء الذين يقاتلون المشركين من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم من أنفسهم، دينُهم (41) = وذلك الإسلام.
* * *
وذُكر أن الذين قالوا هذا القول، كانوا نفرًا ممن كان قد تكلم بالإسلام من مشركي قريش، ولم يستحكم الإسلام في قلوبهم.
* ذكر من قال ذلك:
16193- حدثنا محمد بن المثنى قال، حدثنا عبد الأعلى قال، حدثنا داود، عن عامر في هذه الآية: (إذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض غر هؤلاء دينهم)، قال: كان ناسٌ من أهل مكة تكلموا بالإسلام, فخرجوا مع المشركين يوم بدر, فلما رأوا قلة المسلمين قالوا: (غر هؤلاء دينهم).
16194- حدثني إسحاق بن شاهين قال، حدثنا خالد, عن داود, عن عامر, مثله. (42)
16195- حدثني الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا يحيى بن زكريا, عن ابن جريج, عن مجاهد في قوله: (إذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض غرّ هؤلاء دينهم)، قال: فئة من قريش: أبو قيس بن الوليد بن المغيرة, (43) وأبو قيس بن الفاكه بن المغيرة, والحارث بن زمعة بن الأسود بن المطلب, وعلي بن أمية بن خلف, والعاصي بن منبّه بن الحجاج; خرجوا مع قريش من مكة وهم على الارتياب، فحبسهم ارتيابهم. فلما رأوا قلة أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا: (غرّ هؤلاء دينهم)، حتى قدموا على ما قدموا عليه، مع قلة عددهم وكثرة عدوهم، فشرَّد بهم من خلفهم. (44)
16196- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور, عن معمر, عن الحسن: (إذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض غر هؤلاء دينهم)، قال: هم قوم لم يشهدوا القتال يوم بدر, فسموا " منافقين " =قال معمر: وقال بعضهم: قوم كانوا أقرُّوا بالإسلام وهم بمكة، فخرجوا مع المشركين يوم بدر, فلما رأوا قلة المسلمين قالوا: (غر هؤلاء دينهم).
16197- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة قوله: (إذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض) إلى قوله: (فإن الله عزيز حكيم)، قال: رأوا عصابة من المؤمنين تشرّدت لأمر الله. (45) وذكر لنا أن أبا جهل عدو الله لما أشرف على محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه قال: " والله لا يُعبد الله بعد اليوم!" ، قسوة وعُتُوًّا.
16198- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج قال، قال ابن جريج في قوله: (إذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض)، قال: ناس كانوا من المنافقين بمكة, قالوه يوم بدر, وهم يومئذ ثلاث مئة وبضعة عشر رجلا.
16199- ... قال حدثني حجاج, عن ابن جريج في قوله: (إذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض)، قال: لما دنا القوم بعضهم من بعض, فقلَّل الله المسلمين في أعين المشركين, وقلَّل المشركين في أعين المسلمين, فقال المشركون: (غر هؤلاء دينهم)، وإنما قالوا ذلك من قلتهم في أعينهم, وظنوا أنهم سيهزمونهم لا يشكون في ذلك, فقال الله: (ومن يتوكل على الله فإنّ الله عزيز حكيم).
* * *
وأما قوله: (ومن يتوكل على الله)، فإن معناه: ومن يسلم أمره إلى الله، ويثق به، ويرض بقضائه, فإن الله حافظه وناصره (46) =لأنه " عزيز "، لا يغلبه شيء، ولا يقهره أحد, فجارُه منيع، ومن يتوكل عليه مكفيٌّ. (47)
وهذا أمرٌ من الله جل ثناؤه المؤمنين به من أصحاب رسول الله وغيرهم، أن يفوِّضوا أمرهم إليه، ويسلموا لقضائه, كيما يكفيهم أعداءهم, ولا يستذلهم من ناوأهم, لأنه " عزيز " غير مغلوب, فجاره غير مقهور = " حكيم "، يقول: هو فيما يدبر من أمر خلقه حكيم، لا يدخل تدبيره خلل. (48)
--------------
الهوامش :
(40) انظر تفسير " مرض " فيما سلف 1 : 278 - 281 10 : 404 .
(41) انظر تفسير " الغرور " فيما سلف 12 : 475 ، تعليق : 1 ، والمراجع هناك .
(42) الأثر : 16194 - " إسحاق بن شاهين الواسطي " ، شيخ الطبري مضى برقم : 7211 ، 9788 . وكان في المخطوطة " أبو إسحاق بن شاهين " ، وهو خطأ ، صوابه ما في المطبوعة . وكنيته " أبو بشر " .
(43) مكان " أبو قيس بن " ، بياض في المخطوطة ، وفوق البياض حرف ( ط ) دلالة على الخطأ ، وبعدها " الوليد بن المغيرة " ، فكتب ناشر المطبوعة : " قيس بن الوليد بن المغيرة " ، وأخطأ ، إنما هو " أبو قيس بن الوليد " ، وهو الذي شهد بدرًا ، وقتله حمزة بن عبد المطلب . فأثبته . والظاهر أن البياض لا يراد به إلا هذا الذي أثبته ، لا زيادة عليه .
(44) في المطبوعة ، حذف " فشرد بهم من خلفهم " ، وهي ثابتة في المخطوطة .
(45) في المطبوعة : " تشددت " ، وفي المخطوطة : " تسردت " ، وكأن صواب قراءتها ما أثبت ، " تشرد في الأرض " هرب ونفر ، وكأنه يعني هجرتهم إلى الله ورسوله . هكذا اجتهدت ، والله أعلم .
(46) انظر تفسير " التوكل " فيما سلف 13 : 385 ، تعليق : 3 ، والمراجع هناك .
(47) في المطبوعة : " . . . عليه يكفه " ، غير ما في المخطوطة ، وهو محض الصواب .
(48) انظر تفسير " عزيز " ، و " حكيم " فيما سلف من فهارس اللغة ( عزز ) ، ( حكم ) .
8:50Page 183
وَلَوۡ تَرَىٰٓ إِذۡ يَتَوَفَّى ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ يَضۡرِبُونَ وُجُوهَهُمۡ وَأَدۡبَٰرَهُمۡ وَذُوقُواْ عَذَابَ ٱلۡحَرِيقِ ٥٠
And if you could but see when the angels take the souls of those who disbelieved...1 They are striking their faces and their backs and [saying], "Taste the punishment of the Burning Fire.
القول في تأويل قوله : وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ (50)
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: ولو تعاين، يا محمد، حين يتوفى الملائكةُ أرواحَ الكفار، فتنـزعها من أجسادهم, تضرب الوجوه منهم والأستاه, ويقولون لهم: ذوقوا عذاب النار التي تحرقكم يوم ورودكم جهنم. (49)
* * *
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك:
16200- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد قوله: (إذ يتوفى الذين كفروا الملائكة يضربون وجوههم وأدبارهم)، قال: يوم بدر.
16201- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا يحيى بن سليم, عن إسماعيل بن كثير, عن مجاهد: (يضربون وجوههم وأدبارهم)، قال: وأستاههم، ولكن الله كريم يَكْنِي. (50)
16202- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي, حدثنا سفيان, عن أبي هاشم, عن مجاهد, في قوله: (يضربون وجوههم وأدبارهم)، قال: وأستاههم، ولكنه كريم يَكْنِي. (51)
16203- حدثني محمد بن المثنى قال، حدثنا وهب بن جرير قال، أخبرنا شعبة, عن يعلى بن مسلم, عن سعيد بن جبير في قوله: (يضربون وجوههم وأدبارهم)، قال: إن الله كنى, ولو شاء لقال: " أستاههم ", وإنما عنى ب " أدبارهم "، أستاههم.
16204- حدثنا القاسم قال: حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج, عن ابن جريج, عن مجاهد قال: أستاههم، يوم بدر =قال ابن جريج، قال ابن عباس: إذا أقبل المشركون بوجوههم إلى المسلمين، ضربوا وجوههم بالسيوف. وإذا ولّوا، أدركتهم الملائكة فضربوا أدبارهم.
16205- حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن قال، حدثنا عباد بن راشد, عن الحسن قال: قال رجل: يا رسول الله، إني رأيت بظهر أبي جهل مثل الشراك! (52) قال: ما ذاك؟ قال: ضربُ الملائكة.
16206- حدثنا محمد قال، حدثنا عبد الرحمن قال، حدثنا إسرائيل, عن منصور, عن مجاهد: أن رجلا قال للنبي صلى الله عليه وسلم: إني حملت على رجل من المشركين فذهبت لأضربه, (53) فنَدرَ رأسُه؟ (54) فقال: سبقك إليه الملك.
16207- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال: حدثني حرملة: أنه سمع عمر مولى غفرة يقول: إذا سمعت الله يقول: (يضربون وجوههم وأدبارهم)، فإنما يريد: أستاههم. (55)
* * *
قال أبو جعفر: وفي الكلام محذوف، استغني بدلالة الظاهر عليه من ذكره, وهو قوله: " ويقولون "، (ذوقوا عذاب الحريق)، حذفت " يقولون ", كما حذفت من قوله: وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا [سورة السجدة: 12]، بمعنى: يقولون: ربنا أبصرنا. (56)
-----------------------
الهوامش :
(49) انظر تفسير " التوفي " فيما سلف 13 : 35 ، تعليق 5 ، والمراجع هناك .
وتفسير " الأدبار " فيما سلف 13 : 435 ، تعليق 2 ، والمراجع هناك .
وتفسير " الذوق " فيما سلف 13 : 528 ، تعليق 2 ، والمراجع هناك .
وتفسير " الحريق " فيما سلف 7 : 446 ، 447 .
(50) الأثر : 16201 - " يحيى بن سليم الطائفي " ، ثقة ، مضى برقم : 4894 ، 9788 ، وكان في المطبوعة : " يحيى بن أسلم " ، وهو خطأ محض ، والمخطوطة مضطربة الكتابة . و " إسماعيل بن كثير الحجازي " ، ثقة ، مضى برقم : 8929 .
(51) في المطبوعة : " ولكن الله " ، وأثبت ما في المخطوطة .
(52) " الشراك " ، سير النعل الذي يكون على ظهرها .
(53) انظر ما أسلفت في تفسير " ذهب يفعل " ، فيما سلف 11 : 128 ، تعليق : 1 ، ثم 11 : 250 ، 251 ، وص 250 تعليق : 1 .
(54) " ندر الشيء " سقط . يقال : " ضرب يده بالسيف فأندرها " ، أي قطعها فسقطت .
(55) الأثر : 16207 - " حرملة بن عمران التجيبي " ، ثقة ، مضى برقم : 6890 ، 13240 . و " عمر ، مولى غفرة " ، هو " عمر بن عبد الله المدني " ، أبو حفص ، ليس به بأس ، كان صاحب مرسلات ورقائق . مترجم في التهذيب وابن أبي حاتم 3 1 119 .
(56) انظر معاني القرآن للفراء 1 : 413 .
8:51Page 183
ذَٰلِكَ بِمَا قَدَّمَتۡ أَيۡدِيكُمۡ وَأَنَّ ٱللَّهَ لَيۡسَ بِظَلَّٰمٖ لِّلۡعَبِيدِ ٥١
That is for what your hands have put forth [of evil] and because Allāh is not ever unjust to [His] servants."
القول في تأويل قوله : ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلامٍ لِلْعَبِيدِ (51)
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره مخبرًا عن قيل الملائكة لهؤلاء المشركين الذين قتلوا ببدر، أنهم يقولون لهم وهم يضربون وجوههم وأدبارهم: " ذوقوا عذاب الله الذي يحرقكم ", هذا العذاب لكم =(بما قدمت أيديكم)، أي: بما كسبت أيديكم من الآثام والأوزار، واجترحتم من معاصي الله أيام حياتكم, (57) فذوقوا اليوم العذابَ، وفي معادكم عذابَ الحريق; وذلك لكم بأن الله (ليس بظلام للعبيد), لا يعاقب أحدًا من خلقه إلا بجرم اجترمه, ولا يعذبه إلا بمعصيته إياه, لأن الظلم لا يجوز أن يكون منه.
وفي فتح " أن " من قوله: (وأن الله)، وجهان من الإعراب:
أحدهما: النصبُ, وهو للعطف على " ما " التي في قوله: (بما قدمت)، بمعنى: (ذلك بما قدمت أيديكم), وبأن الله ليس بظلام للعبيد، في قول بعضهم, والخفض، في قول بعضٍ.
والآخر: الرفع، على (ذلك بما قدمت)، وذلك أن الله. (58)
-------------------
الهوامش :
(57) انظر تفسير " قدمت أيديكم " فيما سلف 2 : 368 7 : 447 8 : 514 10 : 497 .
(58) انظر معاني القرآن للفراء 1 : 413 .
Text: through the Quran Foundation. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences