At-Tabari · Tafsir · in Arabic
Al-Anfal 8:7–9
8:7Page 177
وَإِذۡ يَعِدُكُمُ ٱللَّهُ إِحۡدَى ٱلطَّآئِفَتَيۡنِ أَنَّهَا لَكُمۡ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيۡرَ ذَاتِ ٱلشَّوۡكَةِ تَكُونُ لَكُمۡ وَيُرِيدُ ٱللَّهُ أَن يُحِقَّ ٱلۡحَقَّ بِكَلِمَٰتِهِۦ وَيَقۡطَعَ دَابِرَ ٱلۡكَٰفِرِينَ ٧
[Remember, O believers], when Allāh promised you one of the two groups1 - that it would be yours - and you wished that the unarmed one would be yours. But Allāh intended to establish the truth by His words and to eliminate the disbelievers
القول في تأويل قوله : وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: واذكروا، أيها القوم=(إذ يعدكم الله إحدى الطائفتين)، يعني إحدى الفرقتين, (74) فرقة أبي سفيان بن حرب والعير, وفرقة المشركين الذين نَفَروا من مكة لمنع عيرهم.
* * *
وقوله: (أنها لكم)، يقول: إن ما معهم غنيمة لكم=(وتودون أنّ غير ذات الشوكة تكون لكم)، يقول: وتحبون أن تكون تلك الطائفة التي ليست لها شوكة= يقول: ليس لها حدٌّ، (75) ولا فيها قتال= أن تكون لكم. يقول: تودُّون أن تكون لكم العيرُ التي ليس فيها قتال لكم، دون جماعة قريش الذين جاءوا لمنع عيرهم، الذين في لقائهم القتالُ والحربُ.
* * *
وأصل " الشوكة " من " الشوك ".
* * *
وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك:
15719- حدثنا علي بن نصر, وعبد الوارث بن عبد الصمد قالا حدثنا عبد الصمد بن عبد الوارث قال، حدثنا أبان العطار قال، حدثنا هشام بن عروة, عن عروة: أن أبا سفيان أقبل ومن معه من رُكبان قريش مقبلين من الشأم, (76) فسلكوا طريق الساحل. فلما سمع بهم النبي صلى الله عليه وسلم، ندب أصحابه, وحدّثهم بما معهم من الأموال، وبقلة عددهم. فخرجوا لا يريدون إلا أبا سفيان والركب معه، لا يرونها إلا غنيمة لهم, لا يظنون أن يكون كبيرُ قتالٍ إذا رأوهم. وهي التي أنـزل الله فيها (77) (وتودون أن غير ذات الشوكة تكون لكم) . (78)
15720- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة, عن محمد بن إسحاق, عن محمد بن مسلم الزهري, وعاصم بن عمر بن قتادة, وعبد الله بن أبي بكر, ويزيد بن رومان, عن عروة بن الزبير وغيرهم من علمائنا, (79) عن عبد الله بن عباس, كُلٌّ قد حدثني بعض هذا الحديث، فاجتمع حديثهم فيما سُقت من حديث بدر, قالوا: لما سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بأبي سفيان مقبلا من الشأم، ندب المسلمين إليهم وقال: هذه عير قريش، فيها أموالهم, فاخرجوا إليها لعل الله أن ينفِّلكموها! فانتدب الناس, فخف بعضهم وثقل بعض, وذلك أنهم لم يظنوا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يلقى حربًا. وكان أبو سفيان يستيقن حين دنا من الحجاز ويتحسس الأخبار، (80) ويسأل من لقي من الركبان، تخوفًا على أموال الناس, (81) حتى أصاب خبرًا من بعض الركبان: " أن محمدًا قد استنفر أصحابه لك ولعِيرك "! (82) فحذر عند ذلك, واستأجر ضمضم بن عمرو الغِفاري, فبعثه إلى مكة, وأمره أن يأتي قريشًا يستنفرهم إلى أموالهم، ويخبرهم أن محمدًا قد عرض لها في أصحابه. فخرج ضمضم بن عمرو سريعًا إلى مكة. (83) وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في أصحابه حتى بلغ واديًا يقال له " ذَفِرَان ", فخرج منه, (84) حتى إذا كان ببعضه، نـزل، وأتاه الخبر عن قريش بمسيرهم ليمنعوا عِيرهم, فاستشار النبي صلى الله عليه وسلم الناسَ, وأخبرهم عن قريش. فقام أبو بكر رضوان الله عليه، فقال فأحسن. ثم قام عمر رضي الله عنه، فقال فأحسن. ثم قام المقداد بن عمرو فقال: يا رسول الله، امض إلى حيث أمرك الله، فنحن معك, والله، لا نقول كما قالت بنو إسرائيل لموسى: ( اذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ )، [سورة المائدة: 24]، ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون! فوالذي بعثك بالحق، لئن سرت بنا إلى بَرْك الغِمَاد = يعني: مدينة الحبشة (85) = لجالدنا معك مَن دونه حتى تبلغه! فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم خيرًا, ثم دعا له بخيرٍ, ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أشيروا عليّ أيها الناس!= وإنما يريد الأنصار, وذلك أنهم كانوا عَدَدَ الناس, وذلك أنهم حين بايعوه على العقبة قالوا: " يا رسول الله، إنا برآء من ذِمامك حتى تصل إلى ديارنا, فإذا وصلت إلينا فأنت في ذمتنا, (86) نمنعك مما نمنع منه أبناءنا ونساءنا "، فكأن رسول الله صلى الله عليه وسلم يتخوف أن لا تكون الأنصار ترى عليها نُصرته إلا ممن دهمه بالمدينة من عدوه, (87) وأن ليس عليهم أن يسير بهم إلى عدوٍّ من بلادهم= قال: فلما قال ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم , قال له سعد بن معاذ: لكأنك تريدنا يا رسول الله؟ قال: أجل! قال: فقد آمنا بك وصدَّقناك, وشهدنا أن ما جئت به هو الحق, وأعطيناك على ذلك عهودنا ومواثيقنا على السمع والطاعة، فامض يا رسول الله لما أردت, فوالذي بعثك بالحق إن استعرضتَ بنا هذا البحرَ فخضته لخُضناه معك، (88) ما تخلف منا رجل واحد, وما نكره أن تلقى بنا عدونا غدًا, (89) إنا لصُبُرٌ عند الحرب, صُدُقٌ عند اللقاء, (90) لعلّ الله أن يريك منا ما تَقرُّ به عينك, فسر بنا على بركة الله! فسُرَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم بقول سعد، ونشطه ذلك, ثم قال: سيروا على بركة الله وأبشروا, فإن الله قد وعدني إحدى الطائفتين, (91) والله لكأني أنظر الآن إلى مصارع القوم غدًا ". (92)
15721- حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط, عن السدي: أن أبا سفيان أقبل في عير من الشأم فيها تجارة قريش, وهي اللَّطيمة, (93) فبلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم أنها قد أقبلت، فاستنفر الناس, فخرجوا معه ثلثمائة وبضعة عشر رجلا. فبعث عينًا له من جُهَينة, حليفًا للأنصار، يدعى " ابن أريقط", (94) فأتاه بخبر القوم. وبلغ أبا سفيان خروج محمد صلى الله عليه وسلم , فبعث إلى أهل مكة يستعينهم, فبعث رجلا من بني غِفار يدعى ضمضم بن عمرو, فخرج النبي صلى الله عليه وسلم ولا يشعر بخروج قريش, فأخبره الله بخروجهم, فتخوف من الأنصار أن يخذلوه ويقولوا: " إنا عاهدنا أن نمنعك إن أرادك أحد ببلدنا "! فأقبل على أصحابه فاستشارهم في طلب العِير, فقال له أبو بكر رحمة الله عليه: إنّي قد سلكت هذا الطريق, فأنا أعلم به, وقد فارقهم الرجل بمكان كذا وكذا, فسكت النبي صلى الله عليه وسلم , ثم عاد فشاورهم, فجعلوا يشيرون عليه بالعير. فلما أكثر المشورة, تكلم سعد بن معاذ، فقال: يا رسول الله, أراك تشاور أصحابك فيشيرون عليك، وتعود فتشاورهم, فكأنك لا ترضى ما يشيرون عليك، وكأنك تتخوف أن تتخلف عنك الأنصار! أنت رسول الله, وعليك أنـزل الكتاب, وقد أمرك الله بالقتال، ووعدك النصر, والله لا يخلف الميعاد, امض لما أمرت به، فوالذي بعثك بالحق لا يتخلف عنك رجل من الأنصار! ثم قام المقداد بن الأسود الكندي فقال: يا رسول الله، إنا لا نقول لك كما قال بنو إسرائيل لموسى: ( اذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ )، [سورة المائدة: 24]، ولكنا نقول: أقدم فقاتل، إنا معك مقاتلون! ففرح رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك، وقال: إن ربي وعدني القوم، وقد خرجوا، فسيروا إليهم! فساروا.
15722- حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة قوله: (وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين أنها لكم وتودون أن غير ذات الشوكة تكون لكم)، قال: الطائفتان إحداهما أبو سفيان بن حرب إذ أقبل بالعير من الشأم, والطائفة الأخرى أبو جهل معه نفر من قريش. فكره المسلمون الشوكة والقتال, وأحبوا أن يلقوا العير, وأراد الله ما أراد.
15723- حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية, عن علي بن أبي طلحة, عن ابن عباس قوله: (وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين)، قال: أقبلت عير أهل مكة = يريد: من الشأم (95) = فبلغ أهل المدينة ذلك, فخرجوا ومعهم رسول الله صلى الله عليه وسلم يريدون العير. فبلغ ذلك أهل مكة, فسارعوا السير إليها، لا يغلب عليها النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه. فسبقت العير رسول الله صلى الله عليه وسلم , وكان الله وعدهم إحدى الطائفتين, فكانوا أن يلقوا العير أحبَّ إليهم، وأيسر شوكة، وأحضر مغنمًا. فلما سبقت العير وفاتت رسول الله صلى الله عليه وسلم , سار رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمسلمين يريد القوم, فكره القوم مسيرهم لشوكةٍ في القوم.
15724- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس قوله: (وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين أنها لكم وتودون أن غير ذات الشوكة تكون لكم)، قال: أرادوا العير. قال: ودخل رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة في شهر ربيع الأول, فأغار كُرْز بن جابر الفهري يريد سَرْح المدينة حتى بلغ الصفراء, (96) فبلغ النبي صلى الله عليه وسلم فركب في أثره, فسبقه كرز بن جابر. فرجع النبي صلى الله عليه وسلم , فأقام سنَتَه. ثم إن أبا سفيان أقبل من الشأم في عير لقريش, حتى إذا كان قريبًا من بدر, نـزل جبريل على النبي صلى الله عليه وسلم فأوحى إليه: (وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين أنها لكم وتودون أن غير ذات الشوكة تكون لكم)، فنفر النبي صلى الله عليه وسلم بجميع المسلمين, وهم يومئذ ثلاثمئة وثلاثة عشر رجلا منهم سبعون ومئتان من الأنصار, وسائرهم من المهاجرين. وبلغ أبا سفيان الخبر وهو بالبطم, (97) فبعث إلى جميع قريش وهم بمكة, فنفرت قريش وغضبت.
15725- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج, عن ابن جريج: (وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين أنها لكم وتودون أن غير ذات الشوكة تكون لكم)، قال: كان جبريل عليه السلام قد نـزل فأخبره بمسير قريش وهي تريد عيرها, ووعده إما العيرَ, وإما قريشًا وذلك كان ببدر, وأخذوا السُّقاة وسألوهم, فأخبروهم, فذلك قوله: (وتودون أن غير ذات الشوكة تكون لكم)، هم أهل مكة.
15726- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: (وتودون أن غير ذات الشوكة تكون لكم)، إلى آخر الآية، خرج النبي صلى الله عليه وسلم إلى بدر وهم يريدون يعترضون عِيرًا لقريش. قال: وخرج الشيطان في صورة سُرَاقة بن جعشم, حتى أتى أهل مكة فاستغواهم، وقال: إنّ محمدًا وأصحابه قد عرضوا لعيركم! وقال: لا غالبَ لكم اليوم من الناس من مثلكم, وإنّي جار لكم أن تكونوا على ما يكره الله! فخرجوا ونادوا أن لا يتخلف منا أحد إلا هدمنا داره واستبحناه! وأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه بالروحاء عينًا للقوم, فأخبره بهم, فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الله قد وعدكم العير أو القوم! فكانت العير أحبّ إلى القوم من القوم, كان القتال في الشوكة, والعير ليس فيها قتال, وذلك قول الله عز وجل: (وتودون أن غير ذات الشوكة تكون لكم)، قال: " الشوكة "، القتال, و " غير الشوكة "، العير.
15727- حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا يعقوب بن محمد الزهري قال، حدثنا عبد الله بن وهب, عن ابن لهيعة, عن ابن أبي حبيب, عن أبي عمران, عن أبي أيوب قال: أنـزل الله جل وعز: (وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين أنها لكم)، فلما وعدنا إحدى الطائفتين أنها لنا، طابت أنفسنا: و " الطائفتان "، عِير أبي سفيان, أو قريش. (98)
15728 - حدثني المثنى قال، حدثنا سويد بن نصر قال، أخبرنا ابن المبارك, عن ابن لهيعة, عن يزيد بن أبي حبيب, عن أسلم أبي عمران الأنصاري, أحسبه قال: قال أبو أيوب=: (وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين أنها لكم وتودون أن غير ذات الشوكة تكون لكم)، قالوا: " الشوكة " القوم و " غير الشوكة " العير، فلما وعدنا الله إحدى الطائفتين، إما العير وإما القوم, طابت أنفسنا. (99)
15729- حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثني يعقوب بن محمد قال، حدثني غير واحد في قوله: (وتودون أن غير ذات الشوكة تكون لكم)، إن " الشوكة "، قريش.
15730- حدثت عن الحسين بن الفرج قال، سمعت أبا معاذ قال، حدثنا عبيد بن سليمان قال، سمعت الضحاك يقول في قوله: (وتودون أن غير ذات الشوكة تكون لكم)، هي عير أبي سفيان, ودّ أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أن العير كانت لهم، وأن القتال صُرِف عنهم.
15731- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة, عن ابن إسحاق: (وتودون أن غير ذات الشوكة تكون لكم)، أي الغنيمة دون الحرب. (100)
* * *
وأما قوله: (أنها لكم)، ففتحت على تكرير " يعد ", وذلك أن قوله: (يعدكم الله)، قد عمل في " إحدى الطائفتين ".
فتأويل الكلام: (وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين)، يعدكم أن إحدى الطائفتين لكم, كما قال: هَلْ يَنْظُرُونَ إِلا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً . [سورة الزخرف : 66 ]. (101)
* * *
قال: (وتودون أن غير ذات الشوكة تكون لكم)، فأنث " ذات "، لأنه مراد بها الطائفة. (102) ومعنى الكلام: وتودون أن الطائفة التي هي غير ذات الشوكة تكون لكم, دون الطائفة ذات الشوكة.
القول في تأويل قوله : وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ (7)
* * *
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: ويريد الله أن يحق الإسلام ويعليه (103)
= " بكلماته ", يقول: بأمره إياكم، أيها المؤمنون، بقتال الكفار, وأنتم تريدون الغنيمة، والمال (104) وقوله: (ويقطع دابر الكافرين)، يقول: يريد أن يَجُبَّ أصل الجاحدين توحيدَ الله.
* * *
وقد بينا فيما مضى معنى " دابر ", وأنه المتأخر, وأن معنى: " قطعه "، الإتيان على الجميع منهم. (105)
* * *
وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك:
15731- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد, في قول الله: (ويريد الله أن يحق الحق بكلماته)، أن يقتل هؤلاء الذين أراد أن يقطع دابرهم, هذا خيرٌ لكم من العير.
15732- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة, عن ابن إسحاق: (ويريد الله أن يحق الحق بكلماته ويقطع دابر الكافرين)، أي: الوقعة التي أوقع بصناديد قريش وقادتهم يوم بدر. (106)
----------------------
الهوامش :
(74) انظر تفسير " الطائفة " فيما سلف 12 : 560 ، تعليق : 3 ، والمراجع هناك .
(75) " الحد " ( بفتح الحاء ) هو : الحدة ( بكسر الحاء ) ، والبأس الشديد ، والنكاية .
(76) " الركبان " و " الركب " ، أصحاب الإبل في السفر ، وهو اسم جمع لا واحد له .
(77) في المطبوعة : " وهي ما أنزل الله " ، وفي المخطوطة : " وهي أنزل الله " ، وأثبت ما في تاريخ الطبري .
(78) الأثر : 15719 - " علي بن نصر بن علي بن نصر بن علي الجهضي " ، الثقة الحافظ ، شيخ الطبري ، روى عنه مسلم ، وأبو داود ، والترمذي ، والنسائي ، وأبو زرعة ، وأبو حاتم ، والبخاري ، في غير الجامع الصحيح . مترجم في التهذيب ، وابن أبي حاتم 3 1 207 .
و " عبد الوارث بن عبد الصمد بن عبد الوارث العنبري " ، شيخ الطبري . ثقة ، مضى برقم : 2340 .
وأبوه : " عبد الصمد بن عبد الوارث بن سعيد العنبري " ، ثقة ، مضى مرارًا كثيرة .
و " أبان العطار " ، هو " أبان بن يزيد العطار " ، ثقة ، مضى برقم : 3832 ، 9656 .
وهذا الخبر رواه أبو جعفر ، بإسناده هذا في التاريخ 2 : 267 ، مطولا مفصلا ، وهو كتاب من عروة بن الزبير إلى عبد الملك بن مروان . وكتاب عروة إلى عبد الملك بن مروان كتاب طويل رواه الطبري مفرقًا في التاريخ ، وسأخرجه مجموعًا في تعليقي على الأثر 16083 .
(79) القائل " من علمائنا ... " إلى آخر السياق ، هو محمد بن إسحاق .
(80) في المطبوعة ، وفي تاريخ الطبري ، وفي سيرة ابن هشام : " وكان أبو سفيان حين دنا من الحجاز يتحسس " ، ليس فيها " يستقين " ، وليس فيها واو العطف في " يتحسس " ، ولكن المخطوطة واضحة ، فأثبتها .
وكان في المطبوعة : " يتجسس " بالجيم ، وإنما هي بالحاء المهملة ، و " تحسس الخبر " ، تسمعه بنفسه وتبحثه وتطلبه .
(81) في المطبوعة : " تخوفًا من الناس " ، وفي سيرة ابن هشام : " تخوفًا على أمر الناس " ، وأثبت ما في تاريخ الطبري .
(82) " استنفر الناس " ، استنجدهم واستنصرهم ، وحثهم على الخروج للقتال .
(83) عند هذا الموضع انتهي ما في سيرة ابن هشام 2 : 257 ، 258 ، وسيصله بالآتي في السيرة بعد 2 : 266 ، وعنده انتهي الخبر في تاريخ الطبري 2 : 270 ، وسيصله بالآتي في التاريخ أيضًا 2 : 273 .
وانظر التخريج في آخر هذا الخبر .
(84) في السيرة وحدها " فجزع فيه " ، وهي أحق بهذا الموضع ، ولكني أثبت ما في لمطبوعة والمخطوطة والتاريخ . و " جزع الوادي " ، قطعه عرضًا .
(85) " برك الغماد " ، " برك " ( بفتح الباء وكسرها ) ، و " الغماد " ، ( بكسر الغين وضمها " . قال الهمداني : " برك الغماد " ، في أقاصي اليمن ( معجم ما استعجم : 244 ) .
(86) " الذمام " و " الذمة " ، العهد والكفالة والحرمة .
(87) في المطبوعة " خاف أن لا تكون الأنصار " ، وأثبت ما في سيرة ابن هشام ، وتاريخ الطبري . و " يتخوف " ساقطة من المخطوطة .
و " دهمه " ( بفتح الهاء وكسرها ) : إذا فاجأه على غير استعداد .
(88) " استعرض البحر ، أو الخطر " : أقبل عليه لا يبالي خطره . وهذا تفسير للكلمة ، استخرجته ، لا تجده في المعاجم .
(89) في المطبوعة : " أن يلقانا عدونا غدًا " ، لم يحسن قراءة المخطوطة ، وهذا هو الموافق لما في سيرة ابن هشام ، وتاريخ الطبري .
(90) " صدق " ( بضمتين ) جمع " صدوق " ، مجازه : أن يصدق في قتاله أو عمله ، أي يجد فيه جدًا ، كالصدق في القول الذي لا يخالطه كذب ، أي ضعف .
(91) قوله في آخر الجملة الآتية " غدًا " ، ليست في سيرة ابن هشام ولا في التاريخ ، ولكنها ثابتة في المخطوطة .
(92) الأثر : 15720 - هذا الخبر ، روى صدر منه فيما سلف : 15710 . وهو في سيرة ابن هشام مفرق 2 : 257 ، 258 ، ثم 2 : 266 ، 267 .
وفي تاريخ الطبري 2 : 270 ثم 2 : 273 ، ثم تمامه أيضًا في : 273 .
(93) " اللطيمة " ، هو الطيب ، و " لطيمة المسك " ، وعاؤه ثم سموا العير التي تحمل الطيب والعسجد ، ونفيس بز التجار : " اللطيمة " .
(94) في المطبوعة : " ابن الأريقط " ، وأثبت ما في المخطوطة .
(95) في المخطوطة : " يريد الشأم " ، وما في المطبوعة هو الصواب .
(96) " السرح " ، المال يسام في المرعى ، من الأنعام والماشية ترعى . و " الصفراء " قرية فويق ينبع ، كثيرة المزارع والنخل ، وهي من المدينة على ست مراحل ، وكان يسكنها جهينة والأنصار ونهد .
(97) هكذا جاء في المطبوعة والمخطوطة ، ولم أجد مكانًا ولا شيئا يقال له " البطم " ، وأكاد أقطع أنه تحريف محض ، وأن صوابه ( بِإضَمٍ ) . و " إضم " واد بجبال تهامة ، وهو الوادي الذي فيه المدينة . يسمى عند المدينة " قناة " ، ومن أعلى منها عند السد يسمى " الشظاة " ، ومن عند الشظاة إلى أسفل يسمى " إضما " . وقال ابن السكيت : " إضم " ، واد يشق الحجاز حتى يفرغ في البحر ، وأعلى إضم " القناة " التي تمر دوين المدينة . و " إضم " من بلاد جهينة .
والمعروف في السير أن أبا سفيان في تلك الأيام ، نزل على ماء كان عليه مجدى بن عمير الجهني ، فلما أحس بخبر المسلمين ، ضرب وجه عيره ، فساحل بها ، وترك بدرًا بيسار . فهو إذن قد نزل بأرض جهينة ، و " إضم " من أرضهم ، وهو يفرغ إلى البحر ، فكأن هذا هو الطريق الذي سلكه . ولم أجد الخبر في مكان حتى أحقق ذلك تحقيقًا شافيًا .
(98) الأثر : 15727 - " يعقوب بن محمد الزهري " ، سلف قريبًا رقم : 15715 .
و" عبد الله بن وهب المصري " ، الثقة ، مضى برقم 6613 ، 10330 .
و " ابن لهيعة " ، مضى الكلام في توثيقه مرارًا .
و " ابن أبي حبيب " ، هو " يزيد بن أبي حبيب المصري " ، ثقة مضى مرارًا كثيرة .
و " أبو عمران " هو : " أسلم أبو عمران " ، " أسلم بن يزيد التجيبي " ، روى عن أبي أيوب ، تابعي ثقة ، وكان وجيهًا بمصر . مترجم في التهذيب ، والكبير 1 2 25 ، وابن أبي حاتم 1 1 307 . وسيأتي في هذا الخبر بإسناد آخر ، في الذي يليه .
ذكره الهيثمي في مجمع الزوائد 6 : 73 ، 74 مطولا ، وقال : " رواه الطبراني ، وإسناده حسن ".
(99) الأثر : 15728 - " أسلم ، أبو عمران الأنصاري " ، هو الذي سلف في الإسناد السابق ، وسلف تخريجه .
(100) الأثر : 15731 - سيرة ابن هشام 2 : 322 ، وهو تابع الأثريين السالفين ، رقم : 15713 ، 15718 .
(101) انظر معاني القرآن للفراء 1 : 404 ، وزاد " فأن ، في موضع نصب كما نصب الساعة " .
(102) انظر ما قاله آنفًا في " ذات بينكم " ص : 384 .
(103) انظر تفسير " حق " فيما سلف من فهارس اللغة ( حقق ) .
(104) انظر تفسير " كلمات الله " فيما سلف 11 : 335 ، وفهارس اللغة ( كلم ) .
(105) انظر تفسير " قطع الدابر " 11 : 363 ، 364 12 : 523 ، 524 .
(106) الأثر : 15731 - سيرة ابن هشام 2 : 322 ، وهو تابع الأثر السالف رقم : 15730.
8:8Page 177
لِيُحِقَّ ٱلۡحَقَّ وَيُبۡطِلَ ٱلۡبَٰطِلَ وَلَوۡ كَرِهَ ٱلۡمُجۡرِمُونَ ٨
That He should establish the truth and abolish falsehood, even if the criminals disliked it.
القول في تأويل قوله : لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ (8)
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: ويريد الله أن يقطع دابر الكافرين، كيما يحق الحق, كيما يُعبد الله وحده دون الآلهة والأصنام, ويعزّ الإسلام, وذلك هو " تحقيق الحق "=(ويبطل الباطل)، يقول ويبطل عبادة الآلهة والأوثان والكفر، ولو كره ذلك الذين أجرموا فاكتسبوا المآثم والأوزار من الكفار. (107)
15733- حدثنا بشر, قال: حدثنا يزيد, قال: حدثنا سعيد, عن قتادة: (ليحق الحق ويبطل الباطل ولو كره المجرمون)، هم المشركون.
* * *
وقيل: إن " الحق " في هذا الموضع، الله عز وجل.
------------------------
الهوامش:
(107) انظر تفسير " المجرم " فيما سلف ص : 70 ، تعليق : 2 ، والمراجع هناك .
8:9Page 178
إِذۡ تَسۡتَغِيثُونَ رَبَّكُمۡ فَٱسۡتَجَابَ لَكُمۡ أَنِّي مُمِدُّكُم بِأَلۡفٖ مِّنَ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةِ مُرۡدِفِينَ ٩
[Remember] when you were asking help of your Lord, and He answered you, "Indeed, I will reinforce you with a thousand from the angels, following one another."
القول في تأويل قوله : إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ (9)
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ ، حين تستغيثون ربكم= ف " إذْ" من صلة " يبطل ".
* * *
ومعنى قوله: (تستغيثون ربكم)، تستجيرون به من عدوكم, وتدعونه للنصر عليهم=" فاستجاب لكم " فأجاب دعاءكم، (1) بأني ممدكم بألف من الملائكة يُرْدِف بعضهم بعضًا، ويتلو بعضهم بعضًا. (2)
* * *
وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل، وجاءت الرواية عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم . * ذكر الأخبار بذلك:
15734- حدثني محمد بن عبيد المحاربي قال، حدثنا عبد الله بن المبارك, عن عكرمة بن عمار قال، حدثني سماك الحنفي قال، سمعت ابن عباس يقول: حدثني عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: لما كان يوم بدر، ونظرَ رَسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المشركين وعِدّتهم, ونظر إلى أصحابه نَيِّفا على ثلاثمئة, فاستقبل القبلة, فجعل يدعو يقول: " اللهم أنجز لي ما وعدتني! اللهم إن تهلك هذه العصابة من أهل الإسلام لا تُعبد في الأرض! "، فلم يزل كذلك حتى سقط رداؤه, وأخذه أبو بكر الصديق رضي الله عنه فوضع رداءه عليه, ثم التزمه من ورائه, (3) ثم قال: كفاك يا نبي الله، بأبي وأمي، مناشدتَك ربك, فإنه سينجز لك ما وعدك! فأنـزل الله: (إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم أني ممدكم بألف من الملائكة مردفين) . (4)
15735- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو صالح قال، حدثني معاوية, عن علي, عن ابن عباس قال: لما اصطفَّ القوم, قال أبو جهل: اللهم أولانا بالحق فانصره! ورفع رسول الله صلى الله عليه وسلم يده فقال: يا رب، إن تهلك هذه العصابة فلن تعبد في الأرض أبدا!
15736- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس قال: قام النبي صلى الله عليه وسلم فقال: اللهم ربنا أنـزلت علي الكتاب, وأمرتني بالقتال, ووعدتني بالنصر, ولا تخلف الميعاد! فأتاه جبريلُ عليه السلام, فأنـزل الله: أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُنْـزَلِينَ * بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُسَوِّمِينَ ، (5)
[سورة آل عمران: 124-125] .
15737- حدثني أبو السائب قال، حدثنا أبو معاوية, عن الأعمش, عن أبي إسحاق, عن زيد بن يُثَيْع قال: كان أبو بكر الصديق رضي الله عنه مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في العريش, فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يدعو يقول: اللهم انصر هذه العصابة, فإنك إن لم تفعل لن تعبد في الأرض! قال: فقال أبو بكر: بعضَ مناشدتك مُنْجِزَك ما وعدك. (6)
15738- حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط, عن السدي قال: أقبل النبي صلى الله عليه وسلم يدعو الله ويستغيثه ويستنصره, فأنـزل الله عليه الملائكة.
15739- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج, عن ابن جريج قوله: (إذ تستغيثون ربكم)، قال: دعاء النبي صلى الله عليه وسلم .
15740- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة, عن ابن إسحاق: (إذ تستغيثون ربكم)، أي: بدعائكم، حين نظروا إلى كثرة عدوهم وقلة عددهم= " فاستجاب لكم "، بدعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم ودعائكم معه. (7)
15741- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنا أبو بكر بن عياش, عن أبي حصين, عن أبي صالح قال: لما كان يوم بدر جعل النبي صلى الله عليه وسلم يناشد ربه أشد النِّشدة يدعو، (8) فأتاه عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال: يا رسول الله، بعض نِشْدَتك, فوالله ليفيَنَّ الله لك بما وعدك!
* * *
وأما قوله: (أني ممدكم بألف من الملائكة مردفين)، فقد بينا معناه. (9)
* * *
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك:
15742- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس: (أني ممدكم بألف من الملائكة مردفين)، يقول: المزيد, كما تقول: " ائت الرجل فزده كذا وكذا ".
15743- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أحمد بن بشير, عن هارون بن عنترة [عن أبيه]، عن أبيه, عن ابن عباس: (مردفين)، قال: متتابعين. (10)
15744- . . . . قال، حدثني أبي, عن سفيان, عن هارون بن عنترة, [عن أبيه]، عن ابن عباس, مثله. (11)
15745- حدثني سليمان بن عبد الجبار قال، حدثنا محمد بن الصلت قال، حدثنا أبو كدينة, عن قابوس, عن أبيه, عن ابن عباس: (ممدكم بألف من الملائكة مردفين)، قال: وراء كل ملك ملك. (12)
15746 - حدثني ابن وكيع قال، حدثنا أبو أسامة, عن أبي كدينة يحيى بن المهلب, عن قابوس, عن أبيه, عن ابن عباس: (مردفين)، قال: متتابعين. (13)
15747- . . . . قال، حدثنا هانئ بن سعيد, عن حجاج بن أرطأة, عن قابوس قال: سمعت أبا ظبيان يقول: (مردفين)، قال: الملائكة، بعضهم على إثر بعض. (14)
15748- . . . . قال، حدثنا المحاربي, عن جويبر, عن الضحاك قال: (مردفين)، قال: بعضهم على إثر بعض.
15749- حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله, عن ورقاء, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد مثله.
15750- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج, عن ابن جريج, عن مجاهد قوله: (مردفين)، قال: ممدِّين= قال ابن جريج, عن عبد الله بن كثير قال: (مردفين)، " الإرداف "، الإمداد بهم.
15751- حدثني بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة: (بألف من الملائكة مردفين)، أي متتابعين.
15752- حدثنا [محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور] قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط, عن السدي: (بألف من الملائكة مردفين)، يتبع بعضهم بعضًا. (15)
15753- حدثنا يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: (مردفين)، قال: " المردفين "، بعضهم على إثر بعض, يتبع بعضهم بعضًا.
15754- حدثت عن الحسين قال، سمعت أبا معاذ قال، حدثنا عبيد بن سليمان قال، سمعت الضحاك يقول في قوله: (بألف من الملائكة مردفين)، يقول: متتابعين، يوم بدر.
* * *
واختلفت القرأة في قراءة ذلك.
فقرأته عامة قرأة أهل المدينة: " مُرْدَفِينَ"، بنصب الدال.
* * *
وقرأه بعض المكيين وعامة قرأة الكوفيين والبصريين: (مُرْدِفِينَ) .
* * *
وكان أبو عمرو يقرؤه كذلك, ويقول فيما ذكر عنه: هو من " أردف بعضهم بعضًا ".
* * *
وأنكر هذا القول من قول أبي عمرو بعض أهل العلم بكلام العرب وقال: إنما " الإرداف "، أن يحمل الرجل صاحبه خلفه. قال: ولم يسمع هذا في نعت الملائكة يوم بدر.
* * *
واختلف أهل العلم بكلام العرب في معنى ذلك إذا قرئ بفتح الدال أو بكسرها.
فقال بعض البصريين والكوفيين: معنى ذلك إذا قرئ بالكسر: أن الملائكة جاءت يتبع بعضهم بعضًا، على لغة من قال: " أردفته ". وقالوا: العرب تقول: " أردفته ". و " رَدِفته ", بمعنى " تبعته " و " أتبعته "، واستشهد لصحة قولهم ذلك بما قال الشاعر: (16)
إِذَا الْجَـــوْزَاءُ أرْدَفَــتِ الثُّرَيَّــا
ظَنَنْــتُ بِــآلِ فَاطِمَــةَ الظُّنُونَـا (17)
قالوا: فقال الشاعر: " أردفت ", وإنما أراد " ردفت "، جاءت بعدها, لأن الجوزاء تجئ بعد الثريا.
وقالوا معناه إذا قرئ(مردَفين)، أنه مفعول بهم, كأن معناه: بألف من الملائكة يُرْدِف الله بعضهم بعضًا. (18)
* * *
وقال آخرون: معنى ذلك، إذا كسرت الدال: أردفت الملائكة بعضها بعضًا= وإذا قرئ بفتحها: أردف الله المسلمين بهم.
* * *
قال أبو جعفر: والصواب من القراءة في ذلك عندي، قراءة من قرأ: ( بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ )، بكسر الدال، لإجماع أهل التأويل على ما ذكرت من تأويلهم، أن معناه: يتبع بعضهم بعضًا، ومتتابعين= ففي إجماعهم على ذلك من التأويل، الدليلُ الواضح على أن الصحيح من القراءة ما اخترنا في ذلك من كسر الدال, بمعنى: أردف بعض الملائكة بعضًا, ومسموع من العرب: " جئت مُرْدِفًا لفلان "، أي: جئت بعده.
وأما قول من قال: معنى ذلك إذا قرئ " مردَفين " بفتح الدال: أن الله أردفَ المسلمين بهم= فقولٌ لا معنى له، إذ الذكر الذي في " مردفين " من الملائكة دون المؤمنين. وإنما معنى الكلام: أن يمدكم بألف من الملائكة يُرْدَف بعضهم ببعض. ثم حذف ذكر الفاعل, وأخرج الخبر غير مسمَّى فاعلُه, فقيل: (مردَفين)، بمعنى: مردَفٌ بعض الملائكة ببعض.
ولو كان الأمر على ما قاله من ذكرنا قوله، وجب أن يكون في " المردفين " ذكر المسلمين، لا ذكر الملائكة. وذلك خلاف ما دلّ عليه ظاهر القرآن.
وقد ذكر في ذلك قراءة أخرى, وهي ما:-
15755- حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، قال عبد الله بن يزيد: " مُرَدِّفِينَ" و " مُرِدِّفِينَ" و " مُرُدِّفِينَ", مثقَّل (19) على معنى: " مُرْتَدِفين ".
15756- حدثنا المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا يعقوب بن محمد الزهري قال، حدثني عبد العزيز بن عمران عن الزمعي, عن أبي الحويرث, عن محمد بن جبير, عن علي رضي الله عنه قال: نـزل جبريل في ألف من الملائكة عن ميمنة النبي صلى الله عليه وسلم وفيها أبو بكر رضي الله عنه, ونـزل ميكائيل عليه السلام في ألف من الملائكة عن ميسرة النبي صلى الله عليه وسلم , وأنا فيها. (20)
----------------------
الهوامش :
(1) انظر تفسير " استجاب " فيما سلف ص : 321 ، تعليق : 2 ، والمراجع هناك .
(2) انظر تفسير " الإمداد " فيما سلف 1 : 307 ، 308 7 : 181 .
(3) " التزمه " ، احتضنه أو اعتنقه .
(4) الأثر : 15734 - " عكرمة بن عمار اليمامي العجلي " ، ثقة ، مضى برقم : 849 ، 2185 ، 8224 ، 13832 .
و " سماك الحنفي " ، هو " سماك بن الوليد الحنفي " ، " أبو زميل " ، ثقة . مضى برقم : 13832 .
وهذا الخبر ، رواه مسلم في صحيحه 12 : 84 - 87 ، مطولا من طريق هناد بن السري ، عن عبد الله بن المبارك ، عن عكرمة .
رواه أحمد في مسنده رقم : 208 ، 221 ، من طريق أبي نوح قراد ، عن عكرمة ابن عمار . مطولا .
وروى بعضه أبو داود في سننه 3 : 82 .
ورواه الترمذي في كتاب التفسير ، مختصرًا ، من طريق محمد بن بشار ، عن عمر بن يونس اليمامي ، عن عكرمة ، وقال " هذا حديث حسن صحيح غريب ، لا نعرفه من حديث عمر ، إلا من حديث عكرمة بن عمار ، عن أبي زميل " .
ورواه أبو جعفر الطبري في تاريخه ، من الطريق نفسها 2 : 280 .
(5) الأثر : 15736 - هذا الخبر لم يذكره أبو جعفر في تفسير آية سورة آل عمران 7 : 173 - 190 .
(6) الأثر : 15737 - " أبو إسحاق " ، هو الهمداني السبيعي ، وكان في المطبوعة " ابن إسحاق " غير ما في المخطوطة ، فأساء .
و " زيد بن يثيع الهمداني " ، ويقال : " ... أثيع " و " أثيل " . آخره لام . روى عن أبي بكر الصديق ، وعلي ، وحذيفة ، وأبي ذر ، وعنه أبو إسحاق السبيعي فقط . ذكره ابن حبان في الثقات ، مترجم في التهذيب ، وابن سعد : 155 ، والكبير 2 1 373 ، وابن أبي حاتم 1 2 573 في " زيد بن نفيع الهمداني " ، وهو خطأ ، والصواب ما أثبتناه ، ولكن العجب أنه كان هناك في المطبوعة والمخطوطة ، " زيد بن نفيع " أيضًا .
و " يثيع " بالياء والثاء، مصغرًا ، هكذا ضبط . وقال ابن دريد في كتاب الاشتقاق : 249 : "يثيع" "يفعل" من "ثاع، يثيع" ، إذا اتسع وانبسط .
(7) الأثر : 15740 - سيرة ابن هشام 2 : 322 ، 323 ، وهو تابع الأثر السالف رقم : 15731 ، وليس في سيرة ابن هشام " معه " ، في آخر الخبر .
(8) " النشدة " ( بكسر فسكون ) مصدر : " نشدتك الله " ، أي سألتك به واستحلفتك .
(9) انظر ما سلف ص : 409 .
(10) الأثر : 15743 - " أحمد بن بشير الكوفي " ، مضى برقم 7819 ، 11084 .
و " هارون بن عنترة بن عبد الرحمن " ، مضى مرارًا كثيرة آخرها : 11084 .
وأبوه " عنترة بن عبد الرحمن " ، مضى أيضًا ، انظر رقم 11084 .
(11) الأثر : 15744 . زيادة " عن أبيه " بين قوسين ، هو ما أرجح أنه الصواب ، وأن إسقاطها من الناسخ . انظر الإسناد السالف .
(12) الأثر : 15745 - " سليمان بن عبد الجبار بن زريق الخياط " ، شيخ الطبري ، مضى برقم : 5994 ، 9745 .
و " محمد بن الصلت بن الحجاج الأسدي " ، مضى برقم : 3002 ، 5994 ، 9745 .
و " أبو كدينة " ، " يحيى بن المهلب البجلي " ، مضى برقم : 4193 ، 5994 ، 9745 .
و " قابوس بن أبي ظبيان الجنبي " ، مضى برقم : 9745 ، 10683 .
وأبوه " أبو ظبيان " ، هو : " حصين بن جندب الجنبي " ، مضى برقم : 9745 ، 10683 .
(13) الأثر : 15746 - انظر رجال الأثر السالف .
(14) الأثر : 15747 - " هانئ بن سعيد النخعي " ، شيخ ابن وكيع ، سلف برقم : 13159 ، 13965 ، 14836 .
(15) الأثر : 15752 - صدر هذا الإسناد خطأ لا شك فيه . وهو كما وضعته بين القوسين ، جاء في المطبوعة . أما المخطوطة ، فهو فيها هكذا : " حدثنا محمد بن عبد الله قال ، حدثنا محمد ابن ثور قال ، حدثنا بن عبد الأعلى قال حدثنا أحمد بن المفضل ... " ، وهو خلط لا ريب ، وهما إسنادان .
فالإسناد الأول ، هو : " حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال ، حدثنا محمد ثور ، عن معمر ... " ، وهو إسناد دائر في التفسير .
والإسناد الثاني ، وهو هذا كما يجب أن يكون :
" حدثنا محمد بن الحسين قال ، حدثنا أحمد بن المفضل ... " ، وهو إسناد دائر في التفسير ، أقربه رقم : 15738 .
وظاهر أنه قد سقط تمام إسناد " محمد بن عبد الأعلى " .
(16) هو : حزيمة بن نهد بن زيد بن ليث بن سود بن أسلم بن الحاف بن قضاعة ، من قدماء الشعراء في الجاهلية . و " حزيمة " بالحاء المهملة المفتوحة ، وكسر الزاي ، هكذا ضبطه في تاج العروس ، وقال : " وحزيمة بن نهد " في قضاعة . وهو في كتب كثيرة " خزيمة بن نهد " ، أو " خزيمة بن مالك بن نهد " ( اللسان : ردف ) . وقد قرأت في جمهرة الأنساب لابن حزم : 418 ، أن " نهد بن زيد " ، ولد " خزيمة " و " حزيمة " ، فهذا يقتضي التوقف والنظر في ضبطه ، وأيهما كان صاحب القصة والشعر . وإن كان الأرجح هو الأول .
(17) الأغاني 13 : 78 ، معجم ما استعجم : 19 ، سمط اللآلئ : 100 ، شرح ديوان أبي ذؤيب : 145 . المعارف لا بن قتيبة : 302 ، الأزمنة والأمكنة 2 : 130 ، جمهرة الأمثال : 31 ، الأمثال للميداني 1 : 65 ، اللسان ( ردف ) ، ( قرظ ) .
وسبب هذا الشعر : أن حزيمة بن نهد كان مشئومًا فاسدًا متعرضًا للنساء ، فعلق فاطمة بنت يذكر ابن عنزة بن أسد بن ربيعة بن نزار ، ( وهو أحد القارظين المضروب بهما المثل ) ، فاجتمع قومه وقومها في مربع ، فلما انقضى الربيع ، ارتحلت إلى منازلها فقيل له : يا حزيمة : لقد ارتحلت فاطمة ! قال : أما إذا كانت حية ففيها أطمع ! ثم قال في ذلك :
إِذَا الْجَـــوْزَاءُ أرْدَفَــتِ الثُّرَيَّــا
ظَنَنْــتُ بِـــآلِ فَاطِمَــةَ الظُّنُونَـا
ظَنَنْـتُ بِهَـا , وَظَـنُّ المـرء حُوبٌ
وَإنْ أَوْفَــى , وَإِنْ سَــكَنَ الحَجُونـا
وَحَــالَتْ دُونَ ذَلِـكَ مِـنْ هُمُـومِي
هُمُــومٌ تُخْــرِيُج الشَّـجَنَ الدَّفينَـا
أَرَى ابْنَـةَ يَذْكُــرٍ ظَعَنَـتْ فَحَـلَّتْ
جَـنُوبَ الْحَـزْنِ , يـا شَـحَطًا مُبِينَا !
فبلغ ذلك ربيعة ، فرصدوه ، حتى أخذوه فضربوه . فمكث زمانًا ، ثم أن حزيمة قال ليذكر ابن عنزة : أحب أن تخرج حتى نأتي بقرظ . فمرا بقليب فاستقيا ، فسقطت الدلو ، فنزل يذكر ليخرجها . فلما صار إلى البئر ، منعه حزيمة الرشاء ، وقال : زوجني فاطمة ! فقال : على هذه الحال ، اقتسارًا ! أخرجني أفعل ! قال : لا أخرجك ! فتركه حتى مات فيها . فلما رجع وليس هو معه ، سأله عنه أهله ، فقال : فارقني ، فلست أدري أين سلك ! فاتهمته ربيعة ، وكان بينهم وبين قومه قضاعة في ذلك شر ، ولم يتحقق أمر فيؤخذ به ، حتى قال حزيمة :
فَتَــاةٌ كَــأَنَّ رُضَــابَ العَبِــيرِ
بِفِيهَــا , يُعَــلُّ بِــهِ الزَّنْجَــبِيلُ
قَتَلْــتُ أَبَاهَــا عَــلَى حُبِّهَــا ,
فَتَبْخَـــلُ إنْ بَخِـــلَتْ أوْ تُنِيــلُ
عندئذ ، ثارت الحرب بين قضاعة وربيعة .
قال أبو بكر بن السراج في معنى بيت الشاهد : " إن الجوزاء تردف الثريا في اشتداد الحر ، فتتكبد السماء في آخر الليل ، وعند ذلك تنقطع المياه وتجف ، فيتفرق الناس في طلب المياه ، فتغيب عنه محبوبته ، فلا يدري أين مضت ، ولا أين نزلت " . وانظر أيضًا شرحه في الأزمنة والأمكنة 2 : 130 ، 131 .
(18) انظر معاني القرآن للفراء 1 : 404 ، ومجاز القرآن لأبي عبيدة 1 : 241 .
(19) ضبطها القرطبي في تفسيره 7 : 371 .
(20) الطبري : 15756 - " عبد العزيز بن عمران بن عبد العزيز بن عمر بن عبد الرحمن ابن عوف الزهري " ، الأعرج ، يعرف " بابن أبي ثابت " ، كان صاحب نسب وشعر ، ولم يكن صاحب حديث ، وكان يشتم الناس ويطعن في أحسابهم . قال البخاري " منكر الحديث ، لا يكتب حديثه " ، وقال ابن أبي حاتم : " منكر الحديث جدًا " . مضى برقم : 8012 .
و" الزمعي " ، هو " موسى بن يعقوب الزمعي القرشي " ، ثقة ، متكلم فيه مضى برقم : 9923 ، زكان في المطبوعة هناك " الربعي " ، وهي في المخطوطة غير منقوطة ، وهذا صوابه ، وهو الذي يروى عن أبي الحويرث .
و " أبو الحويرث " هو : " عبد الرحمن بن معاوية بن الحويرث الأنصاري الزرقي " ، ثقة ، متكلم فيه حتى قالوا : " لا يحتج بحديثه ، مترجم في التهذيب ، وابن أبي حاتم 2/2/284 ، و"محمد بن جبير بن مطعم" ، ثقة تابعي مضى برقم: 9269. وهو إسناد ضعيف جداً .
Text: through the Quran Foundation. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences