At-TabariAl‑Anfal · 8:70–72

At-Tabari · Tafsir · in Arabic

Al-Anfal 8:70–72

8:70Page 186

يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ قُل لِّمَن فِيٓ أَيۡدِيكُم مِّنَ ٱلۡأَسۡرَىٰٓ إِن يَعۡلَمِ ٱللَّهُ فِي قُلُوبِكُمۡ خَيۡرٗا يُؤۡتِكُمۡ خَيۡرٗا مِّمَّآ أُخِذَ مِنكُمۡ وَيَغۡفِرۡ لَكُمۡۚ وَٱللَّهُ غَفُورٞ رَّحِيمٞ ٧٠

O Prophet, say to whoever is in your hands of the captives, "If Allāh knows [any] good in your hearts, He will give you [something] better than what was taken from you, and He will forgive you; and Allāh is Forgiving and Merciful."

القول في تأويل قوله : يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الأَسْرَى إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (70)

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: يا أيها النبي، قل لمن في يديك وفي يدي أصحابك من أسرى المشركين الذين أخذ منهم من الفداء ما أخذ: (إن يعلم الله في قلوبكم خيرا)، يقول: إن يعلم الله في قلوبكم إسلامًا =(يؤتكم خيرًا مما أخذ منكم)، من الفداء =(ويغفر لكم)، يقول: ويصفح لكم عن عقوبة جُرْمكم الذي اجترمتموه بقتالكم نبي الله وأصحابه وكفركم بالله =(والله غفور)، لذنوب عباده إذا تابوا =(رحيم)، بهم، أن يعاقبهم عليها بعد التوبة. (1)

* * *

وذكر أن العباس بن عبد المطلب كان يقول: فيّ نـزلت هذه الآية.

* ذكر من قال ذلك:

16321- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا ابن إدريس, عن ابن إسحاق, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, عن ابن عباس, قال: قال العباس: فيّ نـزلت: مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ , فأخبرت النبي صلى الله عليه وسلم بإسلامي, وسألته أن يحاسبني بالعشرين الأوقية التي أخذ مني فأبى, فأبدلني الله بها عشرين عبدًا، كلهم تاجر, مالي في يديه. (2)

* * *

وقد:-

16322- حدثنا بهذا الحديث ابن حميد قال، حدثنا سلمة قال، قال محمد, حدثني الكلبي, عن أبي صالح, عن ابن عباس, عن جابر بن عبد الله بن رئاب قال: كان العباس بن عبد المطلب يقول: فيّ والله نـزلت، حين ذكرتُ لرسول الله صلى الله عليه وسلم إسلامي = ثم ذكر نحو حديث ابن وكيع. (3)

16323- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة قوله: (قل لمن في أيديكم من الأسرى) الآية, قال: ذكر لنا أن نبيّ الله صلى الله عليه وسلم لما قدم عليه مالُ البحرين ثمانون ألفًا, وقد توضأ لصلاة الظهر, فما أعطى يومئذ شاكيًا ولا حرم سائلا وما صلى يومئذ حتى فرّقه, وأمر العباس أن يأخذ منه ويحتثي, فأخذ. قال: وكان العباس يقول: هذا خير مما أخذ منا، وأرجو المغفرة.

16324- حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية, عن علي, عن ابن عباس قوله: (يا أيها النبي قل لمن في أيديكم من الأسرى) الآية, وكان العباس أسر يوم بدر, فافتدى نفسه بأربعين أوقية من ذهب, فقال العباس حين نـزلت هذه الآية: لقد أعطاني الله خَصلتين، ما أحب أن لي بهما الدنيا: أني أسرت يوم بدر ففديت نفسي بأربعين أوقية, فآتاني أربعين عبدًا، وأنا أرجو المغفرة التي وعدنا الله.

16325- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس قوله: (يا أيها النبي قل لمن في أيديكم من الأسرى) إلى قوله: (والله غفور رحيم)، يعني بذلك: من أسر يوم بدر. يقول: إن عملتم بطاعتي ونصحتم لرسولي, آتيتكم خيرًا مما أخذ منكم، وغفرت لكم.

16326- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج, عن ابن جريج, عن عطاء الخراساني. عن ابن عباس: (يا أيها النبي قل لمن في أيديكم من الأسرى)، عباس وأصحابه, قال: قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: آمنا بما جئت به, ونشهد إنك لرسول الله, لننصحن لك على قومنا. فنـزل: (إن يعلم الله في قلوبكم خيرًا يؤتكم خيرًا مما أخذ منكم)، إيمانًا وتصديقًا, يخلف لكم خيرًا مما أصيب منكم =(ويغفر لكم)، الشرك الذي كنتم عليه. قال: فكان العباس يقول: ما أحب أن هذه الآية لم تنـزل فينا، وأن لي الدنيا, لقد قال: (يؤتكم خيرًا مما أخذ منكم) فقد أعطاني خيرًا مما أخذ مني مئة ضعف, وقال: (ويغفر لكم)، وأرجو أن يكون قد غُفِر لي.

16327- حدثت عن الحسين بن الفرج قال، سمعت أبا معاذ قال، حدثنا عبيد بن سليمان قال، سمعت الضحاك يقول في قوله: (يا أيها النبي قل لمن في أيديكم من الأسرى) الآية, يعني العباسَ وأصحابه، أسروا يوم بدر. يقول الله: إن عملتم بطاعتي ونصحتم لي ولرسولي، أعطيتكم خيرًا مما أخذ منكم وغفرت لكم. وكان العباس بن عبد المطلب يقول: لقد أعطانا الله خصلتين، ما شيء هو أفضل منهما: عشرين عبدًا. وأما الثانية: فنحن في موعود الصادق ننتظر المغفرة من الله سبحانه.

---------------------

الهوامش :

(1) انظر تفسير ألفاظ هذه الآية فيما سلف من فهارس اللغة .

(2) الأثر : 16321 - في المطبوعة : " أبي إسحاق " ، والصواب من المخطوطة ، وانظر التعليق التالي .

(3) الأثر : 16322 - هذا الخبر والذي قبله ، ذكرهما الهيثمي في مجمع الزوائد 7 : 8 ، مطولا ، وقال : " رواه الطبراني في الأوسط والكبير باختصار ، ورجال الأوسط رجال الصحيح ، غير ابن إسحاق ، وقد صرح بالسماع " .

وظاهر أنه يعني إسنادًا غير هذين الإسنادين ، فإن الأول لم يصرح فيه السماع ، والثاني فيه " الكلبي " .

وذكره الواحدي في أسباب النزول ، عن الكلبي ، مطولا : 180 ، 181 .

وكان في المطبوعة والمخطوطة : " جابر بن عبد الله بن رباب " ، وهو خطأ ، صوابه ما أثبت .

8:71Page 186

وَإِن يُرِيدُواْ خِيَانَتَكَ فَقَدۡ خَانُواْ ٱللَّهَ مِن قَبۡلُ فَأَمۡكَنَ مِنۡهُمۡۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ٧١

But if they intend to betray you - then they have already betrayed Allāh before, and He empowered [you] over them. And Allāh is Knowing and Wise.

القول في تأويل قوله : وَإِنْ يُرِيدُوا خِيَانَتَكَ فَقَدْ خَانُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (71)

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره لنبيه: وإن يرد هؤلاء الأسارى الذين في أيديكم =(خيانتك)، أي الغدر بك والمكرَ والخداع, بإظهارهم لك بالقول خلافَ ما في نفوسهم (4) =(فقد خانوا الله من قبل)، يقول: فقد خالفوا أمر الله من قبل وقعة بدر, وأمكن منهم ببدر المؤمنين (5) =(والله عليم)، بما يقولون بألسنتهم ويضمرونه في نفوسهم =(حكيم)، في تدبيرهم وتدبير أمور خلقه سواهم. (6)

* * *

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك:

16328- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنا حجاج, عن ابن جريج, عن عطاء الخراساني, عن ابن عباس: (وإن يريدوا خيانتك)، يعني: العباس وأصحابه في قولهم: آمنا بما جئت به, ونشهد إنك رسول الله, لننصحن لك على قومنا "، يقول: إن كان قولهم خيانة =(فقد خانوا الله من قبل فأمكن منهم)، يقول: قد كفروا وقاتلوك, فأمكنك الله منهم.

16329- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة قوله: (وإن يريدوا خيانتك) الآية، قال: ذكر لنا أن رجلا كتب لنبي الله صلى الله عليه وسلم , ثم عمد فنافق, فلحق بالمشركين بمكة, ثم قال: " ما كان محمد يكتب إلا ما شئت!" فلما سمع ذلك رجل من الأنصار, نذر لئن أمكنه الله منه ليضربنه بالسيف. فلما كان يوم الفتح، أمَّن رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس إلا عبد الله بن سعد بن أبي سرح, ومِقْيَس بن صُبابة, (7) وابن خطل, وامرأة كانت تدعو على النبيّ صلى الله عليه وسلم كل صباح. فجاء عثمان بابن أبي سرح, وكان رضيعه = أو: أخاه من الرضاعة = فقال: يا رسول الله، هذا فلان أقبل تائبًا نادمًا! فأعرض نبي الله صلى الله عليه وسلم . فلما سمع به الأنصاريّ أقبل متقلدًا سيفه, فأطاف به, (8) وجعل ينظر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم رجاء أن يومئ إليه. ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قدّم يده فبايعه, فقال: أما والله لقد تلوَّمتك فيه لتوفي نذرك! (9) فقال: يا نبيّ الله إنّي هِبْتك, فلولا أوْمضت إليّ! (10) فقال: إنه لا ينبغي لنبيٍّ أن يومض. (11)

16330- حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط, عن السدي: (وإن يريدوا خيانتك فقد خانوا الله من قبل فأمكن منهم)، يقول: قد كفروا بالله ونقضوا عهده, فأمكن منهم ببدر.

----------------------------

الهوامش :

(4) انظر تفسير " الخيانة " فيما سلف ص : 25 ، تعليق : 1 ، والمراجع هناك .

(5) انظر تفسير " أمكن " فيما سلف 11 : 263 12 : 315 .

(6) انظر تفسير " عليم " و " حكيم " فيما سلف من فهارس اللغة ( علم ) ، ( حكم ) .

(7) في المطبوعة : " بن ضبابة " ، وهو خطأ محض .

(8) يقال : " طاف بالقوم ، وأطاف بهم " ، إذا استدار ، وجاء من نواحيهم وهو يحوم حولهم .

(9) " تلوم في الأمر " و " تلوم به " ، انتظر وتلبث وتأنى ، وتعدية مثل هذا الفعل من صريح العربية .

(10) " أومض إليه " ، أشار إشارة خفية ، من " إيماض البرق " ، إذا لمع لمعًا خفيًا ، ثم يخفى .

(11) الأثر : 16329 - انظر مسند أحمد 3 : 151 ، حديث أنس ، بغير هذا اللفظ .

8:72Page 186

إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَٰهَدُواْ بِأَمۡوَٰلِهِمۡ وَأَنفُسِهِمۡ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَٱلَّذِينَ ءَاوَواْ وَّنَصَرُوٓاْ أُوْلَٰٓئِكَ بَعۡضُهُمۡ أَوۡلِيَآءُ بَعۡضٖۚ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَلَمۡ يُهَاجِرُواْ مَا لَكُم مِّن وَلَٰيَتِهِم مِّن شَيۡءٍ حَتَّىٰ يُهَاجِرُواْۚ وَإِنِ ٱسۡتَنصَرُوكُمۡ فِي ٱلدِّينِ فَعَلَيۡكُمُ ٱلنَّصۡرُ إِلَّا عَلَىٰ قَوۡمِۭ بَيۡنَكُمۡ وَبَيۡنَهُم مِّيثَٰقٞۗ وَٱللَّهُ بِمَا تَعۡمَلُونَ بَصِيرٞ ٧٢

Indeed, those who have believed and emigrated and fought with their wealth and lives in the cause of Allāh and those who gave shelter and aided - they are allies of one another. But those who believed and did not emigrate - for you there is no support of them until they emigrate. And if they seek help of you for the religion, then you must help, except against a people between yourselves and whom is a treaty. And Allāh is Seeing of what you do.

القول في تأويل قوله : إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: إن الذين صدقوا الله ورسوله = " وهاجروا "، يعني: هجروا قومهم وعشيرتهم ودورهم, يعني: تركوهم وخرجوا عنهم, وهجرهم قومهم وعشيرتهم (12) =(وجاهدوا في سبيل الله)، يقول: بالغوا في إتعاب نفوسهم وإنصَابها في حرب أعداء الله من الكفار (13) =(في سبيل الله), يقول: في دين الله الذي جعله طريقا إلى رحمته والنجاة من عذابه (14) =(والذين آووا ونصروا)، يقول: والذين آووا رسول الله والمهاجرين معه، يعني: أنهم جعلوا لهم مأوًى يأوون إليه, وهو المثوى والمسكن, يقول: أسكنوهم، وجعلوا لهم من منازلهم مساكنَ إذ أخرجهم قومهم من منازلهم (15) =(ونصروا)، يقول: ونصروهم على أعدائهم وأعداء الله من المشركين =(أولئك بعضهم أولياء بعض)، يقول: هاتان الفرقتان, يعني المهاجرين والأنصار, بعضهم أنصار بعض, وأعوان على من سواهم من المشركين, وأيديهم واحدة على من كفر بالله, وبعضهم إخوان لبعض دون أقربائهم الكفار. (16)

* * *

وقد قيل: إنما عنى بذلك أن بعضهم أولى بميراث بعض, وأن الله ورَّث بعضهم من بعض بالهجرة والنصرة، دون القرابة والأرحام, وأن الله نسخ ذلك بعدُ بقوله: وَأُولُو الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ ، [سورة الأنفال: 75 وسورة الأحزاب: 6].

* ذكر من قال ذلك:

16331- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو صالح قال، حدثني معاوية, عن علي, عن ابن عباس قوله: (إن الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله والذين آووا ونصروا أولئك بعضهم أولياء بعض)، يعني: في الميراث، جعل الميراث للمهاجرين والأنصار دون ذوي الأرحام, قال الله: وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا ، يقول: ما لكم من ميراثهم من شيء, وكانوا يعملون بذلك حتى أنـزل الله هذه الآية: وَأُولُو الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ [سورة الأنفال: 75 وسورة الأحزاب: 6] ، في الميراث, فنسخت التي قبلها, وصار الميراث لذوي الأرحام.

16332- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس قوله: (إن الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله)، يقول: لا هجرة بعد الفتح, إنما هو الشهادة بعد ذلك =(والذين آووا ونصروا أولئك بعضهم أولياء بعض)، إلى قوله: حَتَّى يُهَاجِرُوا . وذلك أن المؤمنين كانوا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم على ثلاث منازل: منهم المؤمن المهاجر المباين لقومه في الهجرة, خرج إلى قوم مؤمنين في ديارهم وعَقارهم وأموالهم = و (آووا ونصروا)، (17) وأعلنوا ما أعلن أهل الهجرة, وشهروا السيوف على من كذّب وجحد, فهذان مؤمنان، جعل الله بعضهم أولياء بعض, فكانوا يتوارثون بينهم، إذا توفي المؤمن المهاجر ورثه الأنصاري بالولاية في الدين. وكان الذي آمن ولم يهاجر لا يرث من أجل أنه لم يهاجر ولم ينصر. فبرَّأ الله المؤمنين المهاجرين من ميراثهم, وهي الولاية التي قال الله: مَا لَكُمْ مِنْ وَلايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا . وكان حقا على المؤمنين الذين آووا ونصروا إذا استنصروهم في الدين أن ينصروهم إن قاتلوا، إلا أن يستنصروا على قوم بينهم وبين النبي صلى الله عليه وسلم ميثاق, فلا نصر لهم عليهم، إلا على العدوِّ الذين لا ميثاق لهم. ثم أنـزل الله بعد ذلك أن ألحقْ كل ذي رحم برحمه من المؤمنين الذين هاجروا والذين آمنوا ولم يهاجروا. فجعل لكل إنسان من المؤمنين نصيبًا مفروضًا بقوله: وَأُولُو الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [سورة الأنفال: 75] , وبقوله: وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ [سورة التوبة: 71] .

16333- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد قال: الثلاث الآيات خواتيم الأنفال، فيهن ذكر ما كان من ولاية رسول الله صلى الله عليه وسلم بين مهاجري المسلمين وبين الأنصار في الميراث. ثم نسخ ذلك آخرها: وَأُولُو الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ .

16334- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج, عن ابن جريج, عن عبد الله بن كثير قوله: (إن الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا)، إلى قوله: بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ، قال: بلغنا أنها كانت في الميراث، لا يتوارث المؤمنون الذين هاجروا، والمؤمنون الذين لم يهاجروا. قال: ثم نـزل بعد: وَأُولُو الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ، فتوارثوا ولم يهاجروا = قال ابن جريج, قال مجاهد: خواتيم " الأنفال " الثلاث الآيات، فيهن ذكر ما كان من ولاية رسول الله صلى الله عليه وسلم بين المهاجرين المسلمين وبين الأنصار في الميراث, ثم نسخ ذلك آخرها: وَأُولُو الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ .

16335- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة: وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا ، إلى قوله: مَا لَكُمْ مِنْ وَلايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا ، قال: لبث المسلمون زمانا يتوارثون بالهجرة, والأعرابي المسلم لا يرث من المهاجر شيئًا, فنسخ ذلك بعد ذلك، فألحق الله (18) وَأُولُو الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ إِلا أَنْ تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُمْ مَعْرُوفًا ، [سورة الأحزاب: 6]، أي: من أهل الشرك، فأجيزت الوصية, (19) ولا ميراث لهم, وصارت المواريث بالملل, والمسلمون يرث بعضهم بعضًا من المهاجرين والمؤمنين, ولا يرث أهل ملتين.

16336- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا يحيى بن واضح, عن الحسن, عن يزيد, عن عكرمة والحسن قالا(إن الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله)، إلى قوله: مَا لَكُمْ مِنْ وَلايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا ، كان الأعرابي لا يرث المهاجر، ولا يرثه المهاجر, فنسخها فقال: وَأُولُو الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ .

16337- حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط, عن السدي: (إن الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله والذين آووا ونصروا أولئك بعهم أولياء بعض)، في الميراث = وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا ، وهؤلاء الأعراب = مَا لَكُمْ مِنْ وَلايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ ، في الميراث = وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ يقول: بأنهم مسلمون = فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ * وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ، في الميراث = وَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُولَئِكَ مِنْكُمْ ، ثم نسختها الفرائض والمواريث, = وَأُولُو الأَرْحَامِ الذين توارثوا على الهجرة = بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ ، فتوارث الأعرابُ والمهاجرون. (20)

* * *

القول في تأويل قوله : وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ

قال أبو جعفر: يعني بقوله تعالى ذكره: (والذين آمنوا). الذين صدقوا بالله ورسوله =(ولم يهاجروا). قومهم الكفار, ولم يفارقوا دارَ الكفر إلى دار الإسلام =(ما لكم)، أيها المؤمنون بالله ورسوله. المهاجرون قومَهم المشركين وأرضَ الحرب (21) =(من ولايتهم)، يعني: من نصرتهم وميراثهم.

* * *

وقد ذكرت قول بعض من قال: " معنى الولاية، ههنا الميراث ", وسأذكر إن شاء الله من حضرني ذكره بعدُ.

* * *

=(من شيء حتى يهاجروا)، قومَهم ودورَهم من دار الحرب إلى دار الإسلام =(وإن استنصروكم في الدين)، يقول: إن استنصركم هؤلاء الذين آمنوا ولم يهاجروا =(في الدين), يعني: بأنهم من أهل دينكم على أعدائكم وأعدائهم من المشركين, " فعليكم "، أيها المؤمنون من المهاجرين والأنصار، (النصر) =(إلا) أن يستنصروكم =(على قوم بينكم وبينهم ميثاق), يعني: عهد قد وثَّق به بعضكم على بعض أن لا يحاربه (22) =(والله بما تعملون بصير)، يقول: والله بما تعملون فيما أمركم ونهاكم من ولاية بعضكم بعضًا، أيها المهاجرون والأنصار, وترك ولاية من آمن ولم يهاجر ونصرتكم إياهم عند استنصاركم في الدين, وغير ذلك من فرائض الله التي فرضها عليكم =(بصير)، يراه ويبصره, فلا يخفى عليه من ذلك ولا من غيره شيء. (23)

16338- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور, عن معمر, عن قتادة: (ما لكم من ولايتهم من شيء حتى يهاجروا)، قال: كان المسلمون يتوارثون بالهجرة, وآخى النبي صلى الله عليه وسلم بينهم, فكانوا يتوارثون بالإسلام والهجرة. وكان الرجل يسلم ولا يهاجر، لا يرث أخاه, فنسخ ذلك قوله: وَأُولُو الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ [سورة الأحزاب: 6].

16339- حدثنا محمد قال، حدثنا محمد بن ثور, عن معمر, عن الزهري: أن النبي صلى الله عليه وسلم أخذ على رجل دخل في الإسلام فقال: تقيم الصلاة, وتؤتي الزكاة, وتحج البيت, وتصوم رمضان, وأنك لا ترى نار مشرك إلا وأنت حرب. (24)

16340- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو صالح قال، حدثني معاوية, عن علي, عن ابن عباس قوله: (وإن استنصروكم في الدين)، يعني: إن استنصركم الأعراب المسلمون، أيها المهاجرون والأنصار، على عدوهم، فعليكم أن تنصروهم، إلا على قوم بينكم وبينهم ميثاق.

16341- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال: حدثني حجاج, عن ابن جريج قال، قال ابن عباس: ترك النبي صلى الله عليه وسلم الناسَ يوم تُوفي على أربع منازل: مؤمن مهاجر, والأنصار, وأعرابي مؤمن لم يهاجر; إن استنصره النبي صلى الله عليه وسلم نصره، وإن تركه فهو إذْنُه، (25) وإن استنصر النبي صلى الله عليه وسلم في الدين كان حقًّا عليه أن ينصره, فذلك قوله: (وإن استنصروكم في الدين فعليكم النصر) = والرابعة: التابعون بإحسان.

16342- حدثت عن الحسين بن الفرج قال: سمعت أبا معاذ قال، حدثنا عبيد بن سليمان قال، سمعت الضحاك يقول في قوله: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا ، إلى آخر السورة, قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم توفي وترك الناس على أربع منازل (26) مؤمن مهاجر. ومسلم أعرابي, والذين آووا ونصروا, والتابعون بإحسان.

----------------

الهوامش :

(12) انظر تفسير " المهاجرة " فيما سلف 4 : 317 ، 318 7 : 490 9 : 100 ، 122 .

(13) انظر تفسير " المجاهدة " فيما سلف 4 : 318 10 : 292 ، 423 .

(14) انظر تفسير " سبيل الله " فيما سلف من فهارس اللغة ( سبل ) .

(15) انظر تفسير " آوى " ، و " المأوى " فيما سلف 13 : 477 ، تعليق : 2 ، والمراجع هناك .

(16) انظر تفسير " الولي " فيما سلف من فهارس اللغة ( ولي ) .

(17) في المطبوعة : " وفي قوله : آووا ونصروا " . زاد ما ليس في المطبوعة .

(18) في المطبوعة : " قول الله " ، مكان " فألحق الله " ، وأثبت ما في المخطوطة ، وهو الصواب .

(19) في المخطوطة : " حرت الوصية " ، هكذا غير منقوط ، وكأن الصواب ما في المطبوعة .

ولو قرئت : " خيرت الوصية " ( بالبناء للمجهول ) ، لكان وجها .

(20) كانت هذه الجملة في المطبوعة : " فأولئك منكم ، والذين توارثوا على الهجرة في كتاب الله ، ثم نسختها الفرائض والمواريث ، فتوارث الأعراب والمهاجرون " قدم وأخر فيما كان في المخطوطة ، وهو : " فأولئك منكم ، ثم نسختها الفرائض والمواريث " الذي توارثوا على الهجرة في كتاب الله ، فتوارث الأعراب والمهاجرون . واستظهرت الصواب .

(21) انظر تفسير " الهجرة " فيما سلف ص 77 ، تعليق : ، والمراجع هناك .

(22) انظر تفسير " الميثاق " فيما سلف 13 ، 315 ، تعليق : والمراجع هناك .

(23) انظر تفسير " بصير " فيما سلف من فهارس اللغة ( بصر ) .

(24) يعني بذلك : أن يبعد منزله عن منزل المشرك " حتى لا يرى ناره " نهى منه صلى الله عليه وسلم عن جوار لمشرك .

(25) في المطبوعة : " فهو إذن له " ثبت ما في المخطوطة .

(26) في المطبوعة : " قال رسول الله " وذلك أن كاتب المخطوطة وصل لام "قال" بألف "إن" ، ووصل ألف "إن" بنونها .

Text: through the Quran Foundation. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском